تحية المساء .. رسالة من بريد الجمعة



لا أعرف كيف أبدأ خطابي لك .. فالكلمات تتسابق في خاطري للقفز إلى الورق والأفكار تتزاحم داخلي وتثير حيرتي من أين أبدأ .
وأخيرا استقر اختياري على أن أبدأ بالسنة الأخيرة من دراستي الجامعية وأنا طالبة بكلية التجارة .. فقد كنت واقفة ذات أصيل على محطة الأتوبيس أنتظر عودتي لبيتي فإذا بشاب يتقدم مني بثبات غريب ويحييني تحية المساء فنظرت إليه مستطلعة لعله يكون من أقاربي البعيدين أو من زملاء الكلية .. لكن لدهشتي لم أعرفه فلم أرد تحيته فإذا به بجرأة عجيبة يقدم لي نفسه بأنه طالب بليسانس الحقوق وسوف يتخرج بعد شهور ومعجب بي منذ فترة طويلة .. إلخ ..

فوجدت نفسي أقفز في الأتوبيس وأبتعد عنه وأنا أتعجب وأحاول استرجاع صورته فأجد ملابسه شبه رثة لكنه لا يحس بذلك ويتكلم بثقة غريبة – وبعد قليل نسيت أمره في زحام الأتوبيس وزحام الحياة .

وبعد يومين وجدته أمامي على نفس المحطة فأشحت بوجهي عنه .. فإذا به يتقدم إلي كأنه أحد أقاربي ويواصل حديثه  كما لو كان بدأه منذ لحظات ويقول لي أنه يريد أن يتقدم لخطبتي بعد التخرج لكنه يريد أن يعرف رأيي أولا ! .

فألجمت الدهشة لساني .. أي خطبة .. وأي رأي .. ولم أجبه وتحركت بعيدا إلى أن جاء الأتوبيس ثم ركبته وهو يودعني ببساطة كأننا أصدقاء وفي هذه المرة لم أستطع أن  أمنع نفسي من التفكير فيه .. وكان أكثر ما يحيرني فيه هو هذه الثقة التي يتحدث بها وكأنه ملك رغم تواضع ملابسه التي لاحظت أنه لم يغيرها كما لاحظت أنه يرتدي نفس البنطلون الرصاصي المتهالك الذي رأيته به في المرة الأولى وتكرر اللقاء بنفس الطريقة عدة مرات , وفي كل مرة يقدم لي بعض المعلومات عنه بلا طلب وبلا رد مني فعرفت أنه ابن لموظف على المعاش كثير الأبناء وأنه يعمل في الصيف عامل محارة ويدخر بعض الجنيهات التي ينفق منها على تعليمه طوال السنة .. وأنه لا ينتظر أي مساعدة من أبيه المثقل بالأعباء وفي المرة العاشرة طلب مني بأدب وإلحاح أن نتمشى على كوبري الجامعة ليحدثني عن أحلامه .. فلم أستطع المقاومة وتمشيت معه لفترة قصيرة عرفت خلالها أنه يعرف عني كل شيء .. وأنه راقبني طويلا وتتبعني عن بعد وعرف عنواني .. وعرف أن أبي موظف بمصلحة كذا وأن لي أخوة وأخوات ... إلخ

واعترفت لنفسي في هذه اللحظة أني ارتبطت به .. وأن أكثر ما شدني إليه هو هذه الثقة التي يتطلع بها إلى المستقبل وأنه لا يشعر بأي نقص رغم سوء الحال بل ويرى نفسه جديرا بأفضل الأشياء وفاتحت أمي بالأمر فلم تجد فيه خطيبا واعدا بمستقبل مضمون .. فهو شاب لا إمكانات له ومشواره طويل  لكني تمسكت به فوافقت مرغمة وانتهى الأمر بالاتفاق على أن يتقدم لخطبتي بعد الامتحان , وجاء الموعد فجاء خطيبي مع أبيه لقراءة الفاتحة وتقديم الدبلة وفي هذه الجلسة اكتشفت أن والده ليس موظفا بالمعاش كما قال لي وإنما سائق متقاعد لضعف نظره وغير متعلم , وحين لفت نظره إلى أنه كذب علي في ذلك رغم عدم أهميته قال ببساطة أننا كنا في فترة التعارف الأولى .. وأنه حاول أن يظهر أمامي في صورة مقبولة ليفوز بي وأنه لا ضرر في ذلك ! .

ولم أتوقف كثيرا أمام هذه  " الكذبة " بل لعلي اعتبرتها دليلا على شدة رغبته في الارتباط بي وقتها وتخرجنا .. وبدأ يعمل في المحارة في انتظار أداء الخدمة العسكرية واقتصرت مقابلاتنا على يوم الجمعة .. ثم التحق بالجيش فطالت خدمته ثلاث سنوات بسبب ظروف حرب أكتوبر وخرج يبحث عن عمل .. فجاءه التعيين بالإدارة القانونية في إحدى المصالح الحكومية وعينت مثله في مصلحة أخرى ...

وبدأنا نستعد للزواج فلم نستطع إيجاد الشقة وطلبت منه الانتظار إلى أن يجتمع لدينا ما نوفر به الشقة فرفض وأصر على الإسراع بالزواج وأن نتزوج في شقة أسرته أو في بيت أسرتي إذا أردت وراجعت نفسي فوجدت أن 4 سنوات قد مضت على خطبتي .. وأنه من مصلحتي أن أتزوج على أي وضع فقبلت واخترت أن نتزوج في شقة أسرته وتزوجنا بأثاث غرفة نوم فقط وضعناه في غرفة الصالون في الشقة المكدسة بالأبناء

.. وعشنا أياما سعيدة رغم الزحام والمتاعب التي لا بد منها .. ثم ضقت بحياتي مع أسرته فانتقلنا إلى بيت أسرتي لعدة شهور .. حتى بدأت أمي تحثني على مطالبته بشقة أو سكن مستقل .. ولم أكن في حاجة إلى ذلك فقد كنت أطالبه كل يوم بالبحث عن شقة وأضع كل ما معي من مدخرات بين يديه , وبحث هو طويلا ثم عاد إلي ذات يوم بفكرة غريبة هي الإقامة في غرفة من غرف شقة مكاتب في وسط المدينة كان يؤجرها أحد المحامين وطلب مبلغا معقولا فيها .. واستغربت الفكرة لكن ضيقي بالإقامة بين أسرتي بعد زواجي .. دفعني للموافقة , فأسرع يبيع أثاث غرفة نومنا ويدفع المبلغ المطلوب  ثم اشترى كنبة ووضعها في الغرفة ودعاني لرؤية بيت الزوجية فوجدتها غرفة بها مكتب وبعض المقاعد الجلدية العتيقة وهذه الكنبة التي تطوى في النهار  وتفرد في الليل , ورغم ذلك فقد سعدت ولم يقلل من فرحتي بها أن إلى جوارها غرفتين إحداهما لمحام والأخرى لمهندس , وأن الشقة بابها مفتوح باستمرار لاستقبال زبائن المكاتب !

فلقد كانت لهفتي إلى جدران غرفة مستقلة أكبر من أي شيء , وبدأت حياتي في هذه الشقة العجيبة ..وكان أحب ما فيها إلي أن فترة الصباح كانت خالصة لنا لأن العمل في المكتبين لا يبدأ إلا قبل الظهر .

وفي هذه الشقة عشت عامين وأنجبت طفلا .. وكان زوجي قد انضم إلى نقابة المحامين فراح يساعد جاره المحامي في بعض أعماله ويكسب بعض الدخل الذي ندخره لاستئجار شقة في المستقبل  ثم أوقف المهندس نشاطه وأغلق المكتب فعرض عليه زوجي أن يشتري غرفته واشتراها فعلا وأصبح لنا غرفتان من الشقة ذات الغرف الثلاثة لكن بقيت مشكلة هي أنهما غير متجاورتين وأن مساعي زوجي قد فشلت في إقناع المحامي باستبدال غرفته بالأخرى لتتجاور الغرفتان وإن كان لم يقطع تعاونه معه ! ثم فاجئني زوجي بقرار جريء آخر من قراراته هو الاستقالة من الحكومة والعمل بالإدارة القانونية لإحدى شركات الاستثمار الجديدة .. ولم ينتظر موافقتي ونفذه بالفعل وأصبح له راتب كبير .. وعاد يحاول مع جارنا المحامي بلا يأس ومضت 4 سنوات أنجبت خلالها طفلة أخرى ولم تخل الحياة فيها من متاعب الإقامة مع مكتب مفتوح للرواد لكني تحملت كل شيء من أجل أولادي ومن أجل زوجي الذي كان بلسما لكل جراحي .

وبعد عامين من عمل زوجي في الشركة الاستثمارية نجح في إقناع المحامي بالتنازل له عن الغرفة نهائيا مقابل إلحاقه بوظيفة في نفس الشركة .. ولا أعرف كيف نجح في ذلك .. ولا كيف ألحقه بالعمل فعلا لكنه حدث وأضفته أنا إلى قائمة معجزاته التي يصنعها بالإصرار والجرأة والثقة المتزايدة في النفس .. وجاءت ذات يوم عربة نقل لتحمل أثاث المحامي .. وجاء زوجي بنجار ليقوم بتغيير الكالون , ثم استدار إلي بعد انصراف النجار وقال لي بفخر شديد : تفضلي يا سيدتي مفتاح شقتك الخاصة !

وهكذا أصبحت لي شقة مستقلة لأول مرة بعد الزواج بـ 9 سنوات كاملة !
ولا تسل عن فرحتي بها .. ولا عن الأيام التي أمضيتها في تنظيفها من مخلفات سنين طويلة , ثم علقت فيها الستائر .. واشتريت بعض الأثاث المستعمل ووضعته فيها .. ومضت الأيام جميلة سعيدة .. وبدأنا نعرف طعم الرخاء في حياتنا بعد أن زال عنا هم الشقة .. ثم تعثرت الشركة التي يعمل بها زوجي واستغنت عن معظم موظفيها .. ومنهم زوجي فلم يهتز .. وإنما اختفى ذات يوم وعاد معه لافتة باسمه وضعها على باب الشقة .. وحول غرفة الصالون إلى مكتب وبدأ يعمل بالمحاماة ولم يمض وقت طويل حتى أصبح مستشارا لشركة أخرى مع استمراره في العمل كمحام ثم اشترى سيارة وراح يتنقل بها بين الأقاليم لمتابعة قضايا الشركة وقضاياه الخاصة .. ثم اشترى شقة في مصر الجديدة وأثثناها لتكون مسكننا وانتقلنا إليها وأخلينا الشقة القديمة لتكون مكتبا خاصا له ..وأصبح لزوجي مساعدون في مكتبه منهم جارنا المحامي القديم !

وكبر الأولاد فألحقناهم بمدرسة راقية .. وكثرت مطالبهم فطلب مني زوجي الاستقالة من العمل والتفرغ لهم وله .. واستجبت لطلبه فكافأني بأن اشترى لي سيارة صغيرة لأزور بها أهلي وشقيقاتي وتوسع زوجي في عمله وأصبح عنده موظفون وسكرتيرة , واهتم بمظهره اهتماما مبالغا فيه فأصبح لا يرتدي إلا البذل الفاخرة ويبالغ في ذلك حتى ذكرته ذات يوم بالبنطلون الرصاصي المتهالك فغضب قليلا .. ثم صفا .

وأردت أن أشكر الله على نعمته فتحجبت بغير دعوة منه .. وأكثرت من الصلاة والتصدق , ودعوته للصلاة .. فوعدني بالمواظبة لكنه أخلف وعده وتركزت حياتي في رعاية أولادي اللذين أصبحوا ثلاثة .. ورعاية زوجي فارسي القديم وزيارة أهلي وأهل زوجي طلبا لرضاء الله .. وطلبت منه أن نحج فاعتذر بكثرة مشاغله ورتب لي رحلة الحج مع أبي ودفع نفقاتنا معا فأديت الفريضة ودعوت له كثيرا ..

وعدت سعيدة شاكرة وفي غمرة السكينة التي نزلت علي بعد أداء فريضة الحج فوجئت بإحدى صديقات النادي الذي أذهب إليه كل أسبوع مرة مع الأبناء تنظر إلي بغموض ثم تسألني بعد تردد : ألم تسمعي شيئا عن زوجك ؟ فانقبض قلبي بلا سبب وسألتها عما تعني فإذا بها تنزل علي بخبر لم أتصور أن أعيش لأسمعه ذات يوم فقد قالت لي إن زوجي تزوج وأنا في الحج .. وإن الجميع يعرفون ذلك .. وممن تزوج ؟

من أرملة في الثامنة والأربعين تكبرني بعشر سنوات وتكبره بـ 4 أعوام ..لكنها ثرية ومن أسرة عريقة .. ولها أبناء تخرجوا في الجامعة !

ولم أصدق ما سمعت لكنها أقسمت لي على صدقه وأنه يظهر معها في المجتمعات وتزوره في مكتبه ويزورها في بيتها .. ويحضر الدعوات العائلية معها .
وعجزت عن النهوض من مقعدي فطلبت من صديقتي أن تستدعي أولادي من الملاعب وأن تقود سيارتي للبيت ففعلت .. وجالستني في بيتي فترة تحاول تهدئتي فغبت عن الوعي ولم أشعر إلا .. وهي ترش علي الكولونيا .. ثم شكرتها وطلبت منها أن تتركني لأستريح في فراشي .. وساعدتني في النهوض لغرفة نومي وأوصت الأولاد بالاهتمام بي وانصرفت وأغلقت باب حجرتي علي ودخلت فراشي .. وانفجرت في البكاء حتى جفت دموعي ..


وبقيت في فراشي حتى جاء زوجي ورآني فتوجس خيفة .. ثم وضع يده على جبهتي ليتحسس حرارتي .. فدفعت يده بعيدا عني وأغمضت عيني لكيلا أراه .. ثم انصرف وعاد بعد قليل بطبيب تفحصني وقال أن ضغطي منخفض للغاية وأني في حاجة إلى راحة وبعض الأدوية وظللت في فراشي ثلاثة أيام لا أغادره إلا للحمام ولا أشعر بالقدرة على المشي ورجوته أن ينام في غرفة الأبناء لحاجتي للراحة وفي اليوم الرابع جاء يسألني عن صحتي فقلت له : كلمة واحدة ..أريد الطلاق !

ففهم ما حدث .. لكنه لم يخفض رأسه كما يفعل الخونة حين يضبطون متلبسين بخياناتهم .. ولم يذرف دمعا .. وإنما نظر إلي في هدوء وبالثقة التي تفلق الحجر ثم قال لي أنه يعرف ماذا أقصد وانطلق يتحدث بجرأة ووقاحة لا نظير لهما  عن " ظروف " هذا الزواج وكيف أنها سيدة يقوم لها بأعمال كثيرة يكسب من ورائها الكثير وأنهما سيشتركان معا في مشروع يدر عليه عائدا كبيرا وأنها جعلت زواجها منه شرطا لاستمرار المشروع والتعاون معه لكي تأمن على مالها !
وأنه اضطر " للتضحية " من أجل مستقبل الأولاد .. ولكي يكون " لي " ثروة " .. وأني حبه الأول والوحيد .. إلخ .. فوجدت نفسي بغير أن أدري أقذفه بالوسادة وأطلب منه الخروج فأسرع بالفرار .



ومضت أسابيع وأنا مصممة على قراري .. وهو على أن أعيد التفكير في الأمر من أجل الأولاد ومن أجل " حبنا " القديم ..وقد حرمت عليه دخول غرفة نومي ..وأسرفت في البكاء واحتساء القهوة حتى تورمت عيناي .. وأصبحت أشرب عشرة فناجين كل يوم وظهرت الهالات السوداء تحت عيني .. وكلما فكرت في الأمر ازددت جنونا . أرملة أكبر منه وعندها أولاد تخرجوا في الجامعة ولسبب حقير كهذا السبب ! أين هذا الحب إذن الذي يتحدثون عنه .. وأين الإخلاص والوفاء .. وتقدير كفاح الزوجة مع زوجها .. ألم أقبله وهو يرتدي بنطلونه الرصاصي الشهير .. ألم أتزوجه في بيت أسرته الذي يزدحم بعشرة أفراد .. ألم أتزوج في غرفة مكتب في شقة بابها مفتوح ويدخلها العشرات كل يوم .. ألم .. ألأم ..كيف إذن باعني بهذه السهولة .. وهل هذه هي الجائزة التي يقدمها لي بعد أن صبرنا على المتاعب معا .. وحققنا أحلامنا وأصبحت لنا حياة سعيدة مستقرة .. وأبناء كالزهور المتفتحة نفخر بهم , ثم ماذا ينقصنا ؟


مكتبه يدر دخلا كبيرا ووظيفته راتبها كبير ولدينا شقة تمليك ومدخرات .. فلماذا يفعل بي هذا وفي وسط هذا العذاب أفاجأ ذات يوم بتليفون .. هل تعرف ممن ؟ من غريمتي نفسها يا سيدي تتحدث إلي بكل جرأة وتطلب مني أن أعتبرها " أختا " أكبر لي وأن أعترف بالأمر الواقع .. لأن " الدنيا " تتسع لكلينا .. ولا داعي للعذاب .. وهناك مصالح كثيرة .. فأغلقت السماعة قبل أن تكمل حديثها وظللت أنتفض غضبا لعدة دقائق , ولقد مضت الشهور والحال على ما هو عليه فلا هو يريد طلاقي ولا هو يريد طلاقها ويريدني أن أعترف بما حدث وأن أتقبله .. وأن أتعايش معه ..لكني أحس لسع النار في جسمي كلما حاول أن يحدثني عن هذا الموضوع .. أو يطلب مني أن أسامحه وأتنازل عن الطلاق ..



إنني لست مستعدة لأن أنازعه في المحاكم وأطلب الطلاق عن طريق المحكمة لأنه في النهاية أب لأولادي .. وأول من خفق له قلبي بالحب لعنة الله على كل حروفه .! ويقسم لي أنه نادم على ما فعل ويعرف أنني لا أستحق منه ذلك ومستعد لأن يكفر عن جريمته بأي شيء أراه ..وبأي تضحية أطلبها لكنه يرجوني ألا أطالبه بطلاقها لأن له معها مصالح كثيرة !
فماذا أفعل يارب مع هذا الرجل وبماذا تشير علي ..؟


ولكاتبة هذه الرسالة أقول
في رسالتك الكثير مما يثير الضيق لكن أكثر ما أثار حنقي فيها هو " ندمه " هذا ورغبته العجيبة في التكفير عما فعل بأي تضحية يقدمها لك إلا طلاق زوجته الأخرى !

فلقد ذكرني ذلك بندم الرشيد المشهور عما فعل بوزيره ومربيه يحيى البرمكي وقصة تكفيره عنه , فلقد كان هارون قد أقسم له في أول خلافته ألا يناله منه أذى مهما فعل ثم سجنه فيما بعد ونكب بالبرامكة كلهم , وأحس فيما بعد بالندم على حنثه بيمينه لصديقه وأراد أن يكفر عن ذلك .. فقرر أن يحج ماشيا إلى مكة ! .. ونفذ قراره بالفعل وتكبد في رحلته هذه مشاقا كبيرة وتكبدت الدولة التي رافقته في رحلته الشاقة بجيوشها ووزرائها وقادتها وخدمها وحشمها نفقات باهظة .. ورغم كل ذلك لم يفكر الرشيد في أن يكفر عن حنثه بقسمه بإطلاق سراح وزيره من السجن وتركه إلى أن مات فيه وهو في السبعين من عمره !

وهذا بالضبط هو ما يريد أن يفعله معك  زوجك .. أن يعبر عن " ندمه " ويكفر عن فعلته في الاتجاه الآخر وليس في الاتجاه الصحيح !

ولأنه ندم غير صادق فإن تكفيره أيضا غير صادق وليس سوى أحبولة جديدة من أحابيله لكي يقنعك بقبول الأمر الواقع والتعايش معه ليستمر هو بهدوء في مخططاته للإثراء بنفس الجرأة التي اتسمت بها شخصيته منذ البداية ! وهذا هو أبشع ما في غدره بك .

فكل إنسان معرض للخطأ وإذا صح ندمه عليه أغتفر له .. أما التلاعب بالكلمات والمعاني فهو شيء آخر يدخل في دائرة الخداع .. وتزيد من بشاعته دوافعه إلى الإقدام على هذا الغدر , ولو كان قاده إليه ضعف بشري عابر لهان أمره وسهل الرجوع عنه وتجاوزه والصفح عنه ..

أما أن يزلزل سعادتكما .. وبعد هذه القصة الطويلة الجميلة التي بدأت بتحية المساء على محطة أتوبيس لمجرد دافع مادي وضيع كهذا الدافع .. فهو ليس ضعفا بشريا ولا نزوة عابرة وغنما خطأ متعمد مع سبق الإصرار والترصد في حق كل القيم السامية .. ورفضك للاعتراف بهذا الواقع ومعايشته دليل جديد على نقائك الذي لم تفسده صعوبات الحياة في البداية ولا رخاؤها فيما بعد وأنا أؤيدك بشدة في رفضك لهذا الواقع المشين وأطالبك بألا تستسلمي له ولا تعطيه صك الغفران الذي يطلبه وأن تواصلي رفضه مع التمسك بموقعك ومملكتك إلى النهاية إلى أن يعود إلى رشده وسوف تنتصرين بالضرورة ومهما طال الانتظار .. لأنه لن يصح إلا الصحيح ولأنك البراءة والنقاء والحياة السوية الشريفة والحب القديم والأبناء والأم وعشرات المعاني الجميلة ..


أما الأخرى فزوجك فعلا هو عقابها العادل لها من الدنيا على تطفلها على حياتك وسعادتك واستقرارك وهو طالب دنيا لن يستريح مهما جنى من مال ولن يهدأ ولن يرتوي فيما أظن لكنه لن يطول انتظارك قبل أن تسمعي قريبا وبإذن الله عن منازعاتهما أمام المحاكم التجارية وليس أمام محاكم الأحوال الشخصية  فقط لأن كلا منهما طامع في الآخر وإن اختلفت الدوافع وما يبنيه الجشع في سنوات تذروه الرياح في لحظات يا سيدتي وعندها سوف يلجأ إليك نادما بصدق هذه المرة لكي تقفي إلى جواره في محنته كما وقفت معه في سنوات الكفاح الطويلة ولن تخذليه وسوف تقفين معه وتساعدينه على اجتياز المحنة من اجل أبنائك ومن أجلك .. ولأن الحب الحقيقي عطاء إلى النهاية ولو كان أحيانا لمن لا يستحقون ! 


˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙

كتبها
Somaia Elkilany

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali

تنبيه : المرجوا عدم نسخ الموضوع بدون ذكر مصدره المرفق بالرابط المباشر للموضوع الأصلي وإسم المدونة وشكرا
abuiyad