دموع الصمت .. رسالة من بريد الجمعة


أكتب إليك يا سيدى لأسألك هل صحيح أنه لا يليق بالرجل إذا كبر وتزوج وأنجب ورأس موظفين وموظفات أن يبكى كلما غلبته مشاعره؟ولكى أعينك على أن تفتيني بالرأي السليم سأشرح لك ظروفي.
فأقول لك أنني تفتحت للحياة فوجدت نفسى يتيم الأب أعيش مع أمى وأختين فى إحدى المدن الصغيرة, يرعانا خالي الذى يقيم فى البيت المجاور لنا وأخ أكبر يعمل موظفا فى القاهرة ولا يزورنا إلا فى الأجازات الصيفية.ورغم غيابه عنا فلقد كان نجم العائلة الذى لا تُرد كلمته فى شأن من الشئون, والمثل الأعلى لى ولشقيقتى الإثنتين.أما عند خالى فقد كان "الأستاذ" الذى أنهى تعليمه واغترب وتوظف واستحق احترام الآخرين.ولم يكن لأخي الأكبر دور يذكر فى المسئولية المادية عنا فلقد كنا نعيش على معاش أبى وريع قطعة أرض صغيرة. ولم يقلل ذلك من حبنا واحترامنا له لأننا نشأنا على احترام الكبير مهما كان وضعه بيننا, وكانت ظروف حيانا تضطرنا إلى التقشف الشديد وتحرمني من كثير مما أحتاجه, فكنت أتحمل ظروفي بصبر .. وكنت أقضى العام الدراسي كله ببنطلون واحد وقميص واحد, وأقضى الشتاء ببلوفر أثرى قديم, وحين بلغت المرحلة الثانوية ونما جسمي أصبحت أرتدى ملابس أخى القديمة مهما كان حجمها, وأتحمل سخرية السفهاء من زملائي حين يرون الجاكته التى أرتديها تتدلى تحت ركبتي.وهكذا عشت حياتي حتى حصلت على الثانوية العامة, وآن الآوان للإلحاق بالجامعة فى العاصمة, وكان أخي عازبا لم يتزوج وقد تحسنت ظروفه المالية وأصبح يركب سيارة صغيرة, فبت أحلم باليوم الذى سأنتقل فيه للإقامة معه فى شقته وأعيش حياته الراقية, ففوجئت بمجلس العائلة يجتمع ويبلغني بأني علىّ أن أبحث لنفسي عن سكن بجوار الكلية التى سألتحق بها لأن شقة أخي لن تتسع لى بحجة إنها بعيدة عن الكلية.وفهمت أن أخى لا يريدني أن أقيم معه لأسباب قدرها هو,ولم أعترض لكنى أحسست بشئ من المرارة.وشددت الرحال إلى المدينة الواسعة وطفت بشوارعها بحثا عن سكن حتى عثرت على حجره فى بيت خراب بلا مياه ولا كهرباء واتفقت مع اثنين من زملائي على الإقامة فيه واقتسام إيجارها وتكاليف المعيشة فيها, وبدأت حياتي الجامعية وكلى أمل وتفاؤل وواجهت حياة الغربة وحيداً فى المدينة الكبيرة.
وبعد أسبوع توجهت لزيارة شقيقي فى مسكنه الراقي لأقضى يوم الجمعة وأتمتع بدخول الحمام وتناول وجبه طعام شهية, فاستقبلني بفتور وطلب منى عدم زيارته لأن أصدقاءه يزورونه باستمرار وهو لا يريدني أن أختلط بهم حتى لا أنصرف عن دراستي !
وفهمت أنى غير مرغوب فى ظهوري فى عالمه الخاص,وتألمت داخلي ومع ذلك لم أفقد حبي أو احترامي له.
وعدت إلى الشقة مهموماً, وسألني شريكاي عما فعلت مع أخي وماذا أكلت عنده, فرويت لهما قصة خيالية عن فرحته بى حين رآني وكيف عانقني وكيف تغدينا طعاماً شهياً وكيف قدمني لأصدقائه من كبار الموظفين, لكن القصة لم تنطل على أقربهما منى فانتهز فرصة غياب شريكنا الثالث فى المطبخ وسألني عما بى .. فلم أستطع أن أمنع دموعي وأنا أروى له القصة الحقيقية .. ومنذ ذلك اليوم لم أزر شقيقي فى مسكنه حتى تخرجت, وكان هو خلال سنوات الدراسة يزورني مرة كل شهرين فيأتي بسيارته ويتركها فى أول الحارة .. ثم يدخل متأففا من رائحة المجارى التى تنبعث من البيت والشقة, ويرفض شرب الشاي ويمضى معنا عدة دقائق يسألنا خلالها عن دراستنا كأنه ناظر يفتش فصلا ويسأل تلاميذه عن دروسهم .. ثم ينصرف مودعا منا بالإجلال والإكبار. وعلى هذا الحال مضت حياتي حتى تخرجت وبيعت قطعة الأرض الصغيرة لإتمام زواج شقيقتي .. واحتفظ خالى بما تبقى من ثمنها ليوزعه بالعدل بيني وبين شقيقي عند زواجنا وبدأت أبحث عن عمل.
وبعد شهور جاءني خطاب القوى العاملة وعملت بإحدى المؤسسات, وعمل زميلاي فى الشقة المتواضعة, فقررنا أن نبحث عن شقة أفضل نسبياً, وتمكنا بعد شهور من الانتقال إلى شقة بها ماء وكهرباء وخرجنا إلى سطح الأرض من الحجر الذى عشنا فيه 6 سنوات.
وكنت فى عامي الأخير بالكلية قد ارتبطت بزميلة لى ظللت عاميين طويلين أنظر إليها فى صمت وأرجوها لنفسي بغير أن أجرؤ على مفاتحتها بمشاعري, إلى أن بادرتنى هى فى العام الثالث وشجعتني على مصارحتها وتعاهدنا على الزواج وتركزت أحلامي حولها, فخففت عنى كثيراً من متاعب حياتي. وبعد أن عملت بدأت تطالبني بالتقدم لخطبتها ونظرت فوجدت نفسي شاباً فى الرابعة والعشرين وأعمل .. فلماذا لا أتجرأ على مفاتحة أهلي فى أمر زواجي الذى لن يتم قبل أن أعوام وحدثت أمى وخالى وشقيقتى فرحبوا جميعاً.
ثم جاءت المهمة الصعبة وهى نيل موافقة أخى الكبير الذى لن تتم خطوة بغيرة, فكتبت له رسالة طويلة وطلبت منه فى نهايتها مباركته لمشروع زواجي , وكان حرجى الوحيد فى الأمر هو أنه كان قد بلغ الثامنة والثلاثين ولم يتزوج, لأنه يؤمن بأن الإنسان لا يصح له أن يتزوج إلا بعد أن "يكوٌن" نفسه ويقيم بنيانه كاملا, وتركت الرسالة له فى صندوق بريده وانتظرت أياما فى قلق بالغ أن يفاجئني بزيارته ويحاسبني حساب الملكين قبل أن يعلن موافقته لكن الأيام مضت ولم يزرني.
ثم فوجئت به يدعونني لمقابلته فى شقته فذهبت إليه وجلست مترقباً ما سيقول فإذا به يفاتحني بأنه قد قرر أن يتزوج لأن العمر قد تأخر به, وأنه سوف يحتاج إلى كل ما بقى من ثمن الأرض لأنه سيتزوج فتاة من أسرة كبيرة ويطلب "رأيى" فى ذلك .. فأحسست بغصة فى حلقي وكتمت مشاعري ولم أستطع إلى أن أقول له: ألف مبروك, وفهمت الإشارة بغير حاجه لشرح طويل .. أنه يقول لى إصرف نظراً عن موضوع الزواج وسأتزوج أنا بدلا منك ولن تنال شيئاً من النقود قبل 5 أو 6 سنوات وإن شئت فلن أعطيك منها شيئاً لأني أستحق نصيبك بما ساعدت به الأسرة خلال فترة تعليمك.
وعدت إلى مسكني مهزوماً .. واتصلت بى فتاتى تتعجلني فأبلغتها عجزي وأحللتها من عهدها معى .. فتركتنى ساخطة وتزوج أخى سيدة مطلقة ولها بنت ومن أسرة ثرية .. وبالغ فى الإنفاق على الزواج ليظهر فى مستوى لائق بأسرتها, ولم أشكِ أنا لأحد وواصلت حياتي البسيطة .. وبعد عامين تزوج شريكا السكن وغادرا الشقة وبقيت فيها أعانى متاعب الوحدة وحياة الغربة, وأنجب أخى طفلة وطفلا وسافر عدة سنوات ثم عاد, وبلغت أنا الثانية والثلاثين وثقلت على حياة الوحدة .. وشكوت لأمي متاعبى وطالبتها بأن تبحث لى عن فتاة مناسبة ترضى بإمكاناتي المحدودة وشقتي المتواضعة. كنت فى حالة يأس من كل شئ فأردت أن أتزوج من أى إنسانة تقبل بى وفى حدود مدخراتي الصغيرة وشجع أخي هذا الاتجاه وطالبني بأن أتزوج فتاة من أسرة بسيطة لكى تقتنع بالحياة معى, لأن زوجته الثرية قد استنزفت ماله بإنفاقها وإسرافها مع حرصها الشديد على ألا تنفق قرشاً من مالها بحجة أن ابنتها أحق به...!
وتزوجت بلا حب من فتاة من معارف الأسرة , وبدأت حياتي معها من الدنيا وعرفت الاستقرار لأول مرة بعد 14 عاماً من الوحدة والاغتراب.
وبدأ أخى يزورني فى شقتي المتواضعة كثيراً ويمضى معى الأمسيات ويرحب بدعوتى له للعشاء, وبدأ يصارحني بمتاعبه مع زوجته وأنانيتها وكبريائها وثوراتها العصبية المستمرة, وقال لى ذات مرة أنه لا يحس بالراحة الحقيقية إلا فى بيتى البسيط هذا, وإنه كان يتمنى لو تزوج من أول فتاة أحبها وعاش معها حياة سعيدة بسيطة كحياتى .. ووجدت الدموع تنهمر من عينى وهو يرقبنى بدهشة.
فشقيقى يشكو لى من زوجته الثرية التى لم يسعد معها, والتى حرمنى بسببها من الإرتباط بمن أحببتها, وحكم على بأن أتزوج ممن لم أحبها .. ولم أستطيع أن أحبها لجفاء طبعها وجمودها وفتورها, وإن كنت أتحمل حياتى معها راضياً .. وبدلا من أن أنقم عليه وجدت نفسى تفيض عطفا وإشفاقا عليه, وهو الذى لم يشعرني يوماً بأي عطف علىّ, وأصبحت أكثر من السؤال عنه ومن دعوته لزيارتي وأزوره للإطمئنان عليه وأتحمل كبرياء زوجته وأنفتها من أجله, بل ولا أشكو من ذلك لأي أحد حتى لزوجتي, وسافرت فى مهمة عمل إلى الخارج فحرصت على أن أعود محملاً بالهدايا له ولزوجته ولإبنتها بالرغم من أنه قضى فى الخارج 4 سنوات ولم يفكر فى إهدائي شيئاً .. ولم أنقطع عن زيارته حتى بعد أن أهانت زوجته ذات مرة زوجتي بلا سبب, وخاصمت كل منهما الأخرى للأبد .. ثم جاءت فرصة للعمل فى الخارج فشجعني أخي قبولها وسافرت لمده أعوام عدت بعدها وقد جمعت مدخرات بسيطة, لكن الله بارك فيها فزادت ونمت , وقد عرض علىّ أبناء خالي أن أشترى بيتهم المتهدم بعد أن هجروه لأنهم فى حاجه إلى ثمنه للزواج, فلم تمضى سنوات حتى تضاعفت قيمته وجاءني من اشتراه بعشرة أمثال سعره....
واستقرت أحوالي المادية والحمد لله وكبر أبنائي وترقيت فى عملي, وإن كانت زوجتي قد بقيت على فتور مشاعرها وجمودها وخصامها لى بسبب وبغير سبب, وإنتظارها منى دائما أن أبدأ أنا بالصلح بحجة أننى الرجل .. وأن الرجل هو الذى لابد أن يبدأ. ثم فوجئت ذات يوم بفتاتي الأولى تزورني فى مكتبي وقد إزدادت جمالا على جمالها القديم, وشكت لى من أن زوجها قد هاجر منذ 6 سنوات إلى أمريكا, ويرفض اصطحابها معه .. ولا يزورها إلا لمدة 3 أسابيع كل سنه, وإنها تتحمل وحدها مسئولية تربية ولدها وطفلتها , فتدفق الينبوع القديم فى داخلي لكنى أوقفته عند حده, ولم أستجب لها حين دعتنى بعد ذلك إلى أحياء حبنا القديم, وقلت لنفسى أن زمن المغامرات قد انقضى,وما أنا بقادر على أن أتخلى عن إلتزاماتى تجاه أولادى وأتزوجها, ولا انا أستطيع أن أتقبل الخيانة .. أو أحرض زوجة عليها مهما كنت راغبا فيها, فصمدت لمشاعرى القديمة ورفضت مجاراتها فى رغبتها أن تحصل على الطلاق للهجر وتتزوجني وتحملت أنا هذه العاصفة الداخلية وحدي, ولم أصارح أحداً بها حتى الآن فإنعكست على سلوكي وإكتئابي.
ثم زرت أخى ذات يوم بغير موعد سابق ففوجئت بأصوات عالية صادرة من شقته فدخلت منزعجاً, فإذا بزوجته فى إحدى ثوراتها تنهال على أخى بكلمات قارصة مهينة أمامى .. وعزٌ على أن أرى مثلى الأعلى يتعرض للإقامة فهتفت بها أن تحافظ على كرامته أمام أخيه الأصغر .. فإذا بها تواصل إنفجاراتها لاعنة الأكبر والأصغر على السواء فصفعها أخى .. وإزدادت هى هياجاً وكانت فضيحة رقدت بعدها يومين مريضاً بسبب إنفعالى , وغبت عن العمل وامتنعت بعدها عن زيارته ولم أبح لزوجتى بما حدث وكتمته فى صدري.
ويبدو يا سيدى أن المصائب لا تأتى فرادى كما يقول المثل العربى فبعدها بأيام افتعلت زوجتي أزمة جديدة بلا أى سبب وهجرت البيت إلى بيت أبيها .. فتحملت وحدى رعاية الولدين لمدة أسبوعين حتى طاوعتنى نفسى على الذهاب إليها وأعدتها .. فعادت, وعدت وأنا أحس أننا نتقدم معاً فى طريق مسدود ! ورغم ذلك لا أشكو منها ولم أشك منها أبداً حتى لأحد من أهلى أو أصدقائى .. وبعد هذه الأزمة بأيام أصبت بإغماء فى العمل واستدعوا لى الطبيب فأكتشف إصابتي بمرض السكر .. ولم أنزعج لذلك كثيراً لأنى مؤمن بالله وبدأت العلاج والالتزام بنظام غذائي معين, وبعد عدة أسابيع أجرى لى فحوصا عديدة وانتهى إلى أنه قد طاف بى طائف آخر من مرض جديد يتطلب نظاماً غذائياً أكثر قسوة ويحرمني من معظم أنواع الأطعمة ومن أشياء أخرى كثيرة, فتقبلت قضائي أيضا صابراً وراضيا, ولم أصارح أحدا بمرضى الجديد .. وأصبح طعامي الآن أقل رفاهية حتى من طعامي أيام التقشف والحرمان .. فكأنى بالحرمان بدأت .. وإلى الحرمان الأشد أعود, مع الحرص الشديد على عدم إجهاد نفسى رعاية للمرض الحديث الذى أرجو ألا تشير إليه .. والحمد لله من قبل ومن بعد.
وأنا الآن يا سيدى لا أشكو لك مرضى ولا حرمانى ولا إفتقادى للدفء العاطفي فى حياتي الزوجية, لكنى أشكو لك شيئا آخر هو أنى قد أصبحت كثير البكاء رغم أنى بلغت الخامسة والأربعين من العمر وزوج وأب ورئيس عمل لا أفتقد الحزم وحسن الإدارة فى عملى.
فإذا ما زارني أخي الأكبر ذات مساء ولاحظت عليه سهومه وإكتئابه وشكا لى من حياته, سالت دموعي لفترة طويلة حتى أصبح هو يتجنب أن يحكي عن متاعبه.
وإذا زارتني شقيقتاى أو زرتهما قابلتهما بالدموع تسح منى كأنى طفل صغير, وإذا شكت لى إحداهما من زوجها جاوبتها دموعي قبل أن يجيبها عقلى وحكمتى, وإذا علمت أن أمى مريضة بكيت طويلا أمام ولدى الصغيرين.
وإذا شاهدت موقفا فى تمثيلية تليفزيونية يقسو فيه أخ على أخيه أو يختصمان ثم يصطلحان أبكى بغزارة, حتى أصبحت أتجنب رؤية معظم التمثيليات. وفى معظم الليالي أجلس وحيدا فى شرفتي وأتذكر بعض مشاهد حياتى فأجد الدموع تنساب منى بلا وعى .. وزاد من المشكلة أن زوجتي لا تحترم دموعي .. فهى إما أن تسخر منى فأحس بالخجل والضيق .. وإما أن تثور علىّ وتتهمي بأنى غير راضى عن حياتي معها وأحب غيرها وأريد التخلص منها .. وقد تؤلمنى بعبارة أو أخرى من نوع "ما تروح تتجوز وتريحنى" فأقول لنفسى صامتاً أين المفر .. من هذا الكرب داخلي وحولي ؟
أننى أسألك هل بكائى هذا حالة طبيعية أم إنه عرض لمرض نفسى علىّ أن أبدأ بعلاجه .. وهل هو عيب حقاً أن يبكى الرجل كما تقول لى زوجتى .. وماذا أفعل لكى أعيش فى سلام .. وأنا أحترم الجميع وأحب الجميع وأتحمل حتى الإساءة من أقرب الناس إلى بلا شكوى .. ودائما أحرص على مجاملة أهلي وأقاربي وأصدقائي حتى وإن لم يجاملوني ! هل عندك تفسير لحالتى هذه ؟.


ولــكاتــب هــذه الـرسـالـة أقــول:

ليس أقسى على الإنسان من فجعيته فى نفسه وفى أحلامه, وأنت يا صديقى قد سُلبت منك أحلامك ولم تكافح جدياً للدفاع عنها, وأحسست دائماً أنك لا تنال من الآخرين بقدر ما تعطيهم.
ولأنك من أصحاب المثل العليا الذى يلتزمون بالسلوك القويم فى حياتهم وينفرون من الخطأ والإثم والرذيلة ويتوقون دائما إلى النقاء والبراءة والحق والخير, فأنت لا تستطيع إلا أن تمضى فى طريقك كما أنت, ولا تستطيع أن تفكر فى سعادتك الخاصة على حساب تعاسة ولديك وزوجتك, ولا تستطيع أن تعامل من قسا عليك بمثل ما كنت تتمنى أن تعامله به.
ومشكلة أمثالك هى أنهم بقدر حرصهم على ألا يحرجوا مشاعر الآخرين, فإنهم يتألمون لأية إساءة تنالهم منهم, ويتوقعون دائما أن يحرص عليهم الآخرون كما يحرصون هم عليهم, لهذا تتأذى نفوسهم من أى لفتة عابرة قد تؤذى غيرهم, ويميلون عادة إلى كتمان إنفعلاتهم ومشاعرهم كما تفعل أنت, فيحاول أن يتخلص منها بإسقاطها إلى دائرة اللاوعي .. فتستقر فيه حينا, ثم تعود للظهور فى أشكال مختلفة كنوبة بكاء بلا سبب مباشر يستحق البكاء .. أو فى إحساس بالإكتئاب والضيق بلا سبب مفهوم .. أو فى مرض عضوي له أسباب واضحة أو غيرها من الأشكال.
وفى ظنى أن إستشعارك لقسوة أخيك القديمة عليك ووقوفة فى طريق تحقيق حلم زواجك ممن أحببتها, مازال عاملاً مؤثراً فى شخصيتك وفى علاقتك به حتى الآن. ذلك أنك حين أصبحت قادراً على أن تحمى نفسك من ظلمه لك وعلى معاملته معاملة الند للند ,فوجئت بهذا الصرح الكبير فى خيالك يتحول إلى شخص لا يتسحق إلا رثاءك له. وتحولت رغبتك الداخلية فى الإنتصاف لنفسك منه إلى إشفاق عليه وإلى ضغط آخر يضاف إلى ضغوطك الأخرى,فكأنما كان عبثا نفسيا عليك فى سطوته وبطشه وعبثا مماثلا فى ضعفه وتعاسته, فحاول أن تصفح عما فعل بك صفحا حقيقيا كما صفحت دائما عن كل من آذوك .. لأنك فى حقيقة الأمر لم تغفر له فى اعماقك قسوته الماضية عليك .. ولست ألومك فى ذلك , لكنى أطالبك فقط بألا تسمح للمرارة منه بأن تعيش داخلك للأبد .. ولعل فى حالتك هذه ما يدعو الآخرين إلى أن يرحموا ضعفاءهم من مثل هذه القسوة التى تحفر آثارها فى شخصية الإنسان إلى آخر العمر.
فالقسوة ليست فقط هى القسوة الجسدية وإنما هناك نوع أشد ضراوة هو القسوة العقلية أو الذهنية التى يؤلم فيها الإنسان الآخرين بتصرفاته معهم وبأنانيته بغير أن يمد إليهم يدا بالإيذاء أو يكويهم بالنار. والمحاكم الأمريكية على سبيل المثال تعتبر القسوة العقلية مبررا كافيا للطلاق وتحكم بمقتضاها...فلماذا تعذب الآخرين وفى أيدينا إذا إحتكمنا إلى العدل والضمائر أن ندعهم يعيشون حياتهم سعداء وأن نحيا نحن أيضا إلى جوارهم سعداء؟
إن نصيحتى الوحيدة لك بعد ذلك هى ألا تكتم مشاعرك داخلك وحدك.
فالنفس إناء إذا ضاق بما فيه انفجر, وأنت اعتدت إن تختزن آلامك وتضيف إليها آلام غيرك,فتعلم أن تشرك الآخرين معك فى آلامك وأن تشكو لمن تصطفيهم منهم مما يثقل على صدرك .. وتعلم أن تشكو لأخيك أيضا كما يشكو لك هو, بل ولا مانع من أن تعاتبه عما بدر منه تجاهك فى الزمان الأول لتصفو نفسك تماما من المرارة وتخلص مشاعرك له تماما, فأيسر على النفس أن تبدى رأيك فيما لا تقبله من أن تتكتمه ثم تخلو إلى نفسك فتجتره وحيداً وتزداد وطأته عليك.
أما دموعك فلا عيب فيها...فهى تنفيس عن كل آلامك ومعاناتك ,وهى دموع الصمت التى تعبر عما لا ينطق به لسانك.
وأنت يا صديقى لديك مخزون من الذكريات المؤلمة والإحباطات تساعد حساسيتك المفرطة على إسترجاعها فى كل حين., فلا تخجل من دموعك .. فإنما يبكى أصحاب النفوس الشفيفة التى لم تحجرها ضغوط الحياة ومازلت تهفو لعالم لا يتألم فيه الإنسان..ولا يقسو فيه أحد على أحد ... فإبكى إذا أردت حتى تشفى..و انهر زوجتك إذا سخرت منك, وأدع لها الله أن يمنحها بعض رقتك وحساسيتك وشمائلك الطيبة الخيرة, وطمئنها إلى أن مثلك لا يختار سعادته على حساب سعادة غيره, لأن نفسه قد طُبعت على التضحية لإسعاد الآخرين...حتى ولو شقى بهم...أما عن مرضك الآخر...فهو ليس مستعصى الشفاء, وهو فى رأيى ليس أخطر أدوائك, فكتمانك لمشاعرك وآلامك دائما قد يعرضٌك إذا أستمر لما هو أقسى منه لا قدر الله...فإنج بنفسك يا سيدى من شبح الإكتئاب وتلفت حولك تجد فى ولديك وفى بعض وجوه حياتك الأخرى ما يمسح عنك آلامك واسعد بما أتيح لك من أسباب ,فليس أحق بالسعادة ممن عرف الشقاء...وليس أحق براحة القلب والنفس ممن لا يتمنى للآخرين إلا كل هناء مثلك...مع تمنياتى لك بالصحة وسعادة القلب والروح معا بإذن الله.



˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙
كتبها من مصدرها بكتاب العيون الحمراء
Bosaa Aly

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali




إقرأ المزيد Résuméabuiyad

أغنية عيد الميلاد .. رسالة من بريد الجمعة


أنا شاب في العقد الرابع من العمر أعمل بوظيفة ذات طابع نظامي ويراها الناس من الوظائف المرموقة‏..‏ تزوجت منذ‏14‏ عاما من فتاة أحلامي التي أحببتها وتمنيتها لنفسي‏,‏ ووجدت فيها بعد الزواج كل ما تمنيته فيمن تشاركني حياتي‏,‏ من جمال ونظافة وطاعة للزوج وتدين وحرص علي أداء الفرائض وصفات أخري عديدة وجميلة‏,‏ وعشنا حياتنا معا في سعادة ووئام‏,‏ وأنجبنا بنتين توءما عمرهما الآن تسع سنوات‏,‏ ومضت بنا الأيام علي الدرب السعيد أصحو من نومي في الصباح فأجد زوجتي بوجهها الصبوح الجميل قد أعدت لي الحمام‏..‏ والإفطار‏..‏ وملابس الخروج‏..‏ وراحت تشرف علي راحتي في كل خطوة‏..‏ وتحثني علي تناول الطعام‏,‏ وتقدم لي الشاي بيدها الجميلة‏,‏ وتساعدني في ارتداء ملابسي وتقدم لي الجورب والحذاء اللامع الذي لا تغفل حتى عن الاهتمام بنظافته‏,‏ ثم تودعني وأغادر الشقة وأنا أشعر بالرضا عن نفسي وعن حياتي وكل شيء‏,‏ وأنزل لأركب السيارة فأراها واقفة في الشرفة مع الطفلتين تودعني بالنظرات‏,‏ إلي أن أغيب بعيدا عنها وأذهب إلي عملي ممتلئا بإحساس الحياة والسعادة‏,‏ وأرجع إلي البيت بعد الظهيرة فأراها في الشرفة تترقب موعد وصولي‏,‏ وتتكرر لفتات الحب والإعزاز في بقية تفاصيل الحياة بيننا‏,‏ ومضت الأيام علي هذا النحو إلي أن جاء اليوم الموعود منذ عامين تقريبا‏,‏ وكان يوم عيد ميلاد الطفلتين السابع‏,‏ وكانت زوجتي الجميلة قد طلبت مني قبلها بعدة أيام أن يكون احتفالنا به هذه المرة محدودا ومقتصرا علينا فقط داخل شقتنا علي خلاف عادتنا في المرات السابقة‏,‏ ورفضت الفكرة في البداية وتساءلت ولماذا لا ندعو الأهل والأصدقاء ونفرح معهم بهذه المناسبة كما فعلنا في الأعوام السابقة‏,‏ لكنها ألحت علي في ذلك واستجبت لرغبتها وجئنا بالتورتة والشمع وارتدت الطفلتان ملابس العيد‏..‏ وصففت زوجتي شعرهما‏,‏ وربطت في رأس كل منهما فيونكة جميلة‏..‏ وأطفأنا الشمع معهما‏..‏ وغنينا لهما أغنية عيد الميلاد وضحكنا كثيرا‏..‏ وتناولنا العشاء ثم خلدت  الطفلتان للنوم ودخلنا أنا وزوجتي غرفة النوم‏..‏ واستسلمنا لنوم مطمئن استعدادا لقضاء اليوم التالي وهو يوم الجمعة معا طوال النهار‏,‏ واستغرقت في النوم فصحوت في الثالثة صباحا علي يد زوجتي تطلب مني مساعدتها في النهوض من الفراش للذهاب للحمام‏,‏ وساعدتها وتوجهت إلي الحمام فتطهرت وتوضأت ورجعت إلي الفراش واستلقت عليه وهي تردد دعاء جميلا راحت تكرره بصوت خافت خاشع‏..‏ ولفترة طويلة وأنا أرقبها صامتا‏..‏ ثم رأيتها تشير بيدها ناحية اليمين وناحية الشمال فشعرت برغبة غامضة في ضمها إلي صدري واحتضنتها بشدة فراحت تنظر إلي في صمت‏..‏ ثم تغمض عينيها وتسلم الروح إلي بارئها في هدوء‏,‏ وكأنما لم تكن منذ قليل شابة جميلة تتفجر بالحياة ولا يتجاوز عمرها الخامسة والثلاثين‏,‏ وصرخت صرخة مزلزلة ولم أدر إلا والطفلتان تصرخان حولي وتتساءلان عما حدث‏..‏ وأنا أجيبهما مولولا بأن ماما قد ذهبت إلي السماء ولن تعود مرة أخري‏.‏ وفزعت الطفلتان وبكيتا بشدة وتنبهت بعد فوات الأوان إلي وجودهما في هذا المشهد الرهيب‏,‏ ونهضت لإخراجهما من الغرفة‏,‏ وتوجهت بهما إلي خارج الشقة عسي أن أجد من الجيران من يستضيفهما لديه في هذه الليلة الحزينة‏,‏ فما أن فتحت الباب حتى وجدت الجيران قد جاءوا علي صرخاتي وأدركوا الموقف وأسرعت احدي السيدات باحتضان الطفلتين والعودة بهما إلي مسكنها‏..‏ وتوالت المشاهد الحزينة بعد ذلك ورافقت زوجتي الراحلة في رحلة الوداع الأخيرة في بلدتنا بالأقاليم‏,‏ ورجعت منها إلي مسكني فاسترددت الطفلتين شاكرا لجيراني الفضلاء رعايتهم لهما خلال غيابي‏,‏ وخلا المسكن علي مع الطفلتين فإذا بأول ما أسمعه منهما هو رجاء يوجع القلب منهما معا بألا أفرط فيهما وألا أدعهما لغيري‏..‏ وهما مستعدتان لأن تتعلما الطهي والكنس والغسل وتقوما لي بكل ما كانت ماما تقوم به لكي نظل معا علي الدوام‏,‏ وانهرت حين سمعت هذه الكلمات المؤلمة منهما وبكيت بشدة‏,‏ وتعجبت كيف خطرت لهما هذه الفكرة وهما في هذه السن الصغيرة‏..‏ وأقسمت لهما باكيا أنني لن أفرط فيهما أبدا وأنني سوف أكرس نفسي وحياتي لرعايتهما حتى النهاية‏.‏
وواجهت الحياة بعد رحيل زوجتي متجهما وحزينا‏,‏ ومضي عامان علي الرحيل ومازالت ملابسها ومصوغاتها في دولابها تفوح منها حتى الآن رائحتها‏,‏ وأتشمم فيها عبير الأيام السعيدة التي انقضت إلي غير رجعة‏.‏
ولقد تعلمت أنا كل شئون البيت والطهي وغسل الملابس ورعاية الأطفال  
وقمت بها للطفلتين‏,‏ فزوجتي الراحلة كانت ابنة وحيدة لأبويها المسنين‏,‏ وأنا تربيت يتيما منذ نشأتي وكل إخوتي إناث متزوجات في بلدتي بالأقاليم ولا أحد من الأهل يعيش في الجوار‏,‏ فأما الوعد البريء من الطفلتين بأن تقوما علي رعايتي وخدمتي في صدمة الأيام الأولي‏,‏ فمازالتا لا تقويان علي تنفيذه وهما تحتاجان إلي من يرعاهما‏,‏ ووظيفتي وظيفة نظامية لا ترحم والجو من حولي معتم ومظلم‏,‏ ولو رأيتنا ونحن نتناول طعامنا أنا والطفلتان لحزنت لمرآنا‏,‏ فماذا أفعل يا سيدي هل أستمر علي ما أنا فيه الآن تلبية لرغبة الطفلتين بالرغم مما نقاسيه جميعا‏..‏ أم هل أفكر في الزواج مرة أخري‏,‏ مع ما في ذلك من حنث بالوعد الذي وعدته للطفلتين في الأيام الأولي بعد رحيل أمهما‏..‏ ولو كان الزواج هو الحل فهل أجد حقا من ترعي الله في هاتين الطفلتين البريئتين وتضع يدها في يدي لرعايتهما‏..‏ وتجفف دموعهما وتعوضهما عما فقدتاه من حنان الأم وعطفها ورعايتها؟

ولكاتب هذه الرسالة أقول
تذكرت وأنا أقرأ رسالتك الحزينة هذه كلمة الروائي البريطاني جراهام جرين في كتابه تجربتي مع الرواية من أنه ليس من السهل أن يفقد الرجل امرأة طيبة وجميلة حتى ليكاد ينصح من يرغب في الزواج بأن يتزوج امرأة سيئة لكيلا يحزن عليها حتى الموت إذا فقدها‏!‏
ومع أن السخرية لاذعة في الجزء الأخير من هذه الكلمة إلا أنها تعمق المعني الذي يقصده الكاتب وهو أنه ليس بالأمر الهين حقا أن يفقد الرجل امرأة طيبة وجميلة ومحبة‏,‏ أو تفقد المرأة رجلا طيبا ومحبا وعطوفا‏,‏ لكن ماذا يملك المرء إزاء تصاريف القدر سوي أن يمتثل لها ويتقبل الواقع الجديد الذي يترتب عليها ويتواءم معه‏.‏
ان أيام السعادة قصيرة مهما طالت يا صديقي‏,‏ غير أنه مما يخفف عن المحزونين بعض أحزانهم هو أن صلتهم بالأعزاء الراحلين لا تنقطع بمجرد رحيلهم عن الحياة‏,‏ وأنهم يتواصلون معهم علي البعد ببارق التذكار علي حد تعبير الشاعر الأندلسي ابن الزمرك‏,‏ الذي يقول‏:‏
ولولا تألق بارقة التذكار                       ماصاب وأكف دمعي المدرار
أي لما انهمر غزير الدمع المدرار‏..‏
وفي كل الظروف والأحوال‏,‏ فإن من واجب الإنسان تجاه نفسه أن يعينها علي اجتياز مايعترض حياته من محن وأحزان‏,‏ وألا يستسلم للقتامة  
وظلام الوحدة والاكتئاب إلي ما لانهاية‏,‏ ولقد استوفيت نصيبك كاملا من الحزن لفقد زوجتك الطيبة‏,‏ ومن حقك أن تتطلع الآن للخروج من دائرة الأحزان‏,‏ والأمل في التعويض‏,‏ وليس من العدل أن تحكم علي نفسك بالوحدة والترهب بقية العمر وفاء لوعد عاطفي قطعته علي نفسك لطفلتيك في صدمة الحزن الأولي لرحيل أمهما عن الحياة‏,‏ فظروف المأساة لم تكن تسمح لك وقتها إلا بمثل هذا الوعد‏,‏ ولو سمع أي أب آخر في مثل هذه الظروف المؤلمة مثل هذه الكلمات الموجعة للقلب حقا من طفلتيه اليتيمتين بعد أيام قليلة من رحيل أمهما‏,‏ لما أجابهما صادقا إلا بمثل هذا الوعد‏,‏ غير أن واقع الحياة كثيرا ما يرغمنا علي التعامل معه من المنظور العملي وليس العاطفي‏.‏ ولسوف يشجعك علي التعامل مع ظروفك الآن بواقعية أنك لا تخالف في ذلك سنة الحياة‏,‏ ولا الطبيعة البشرية‏,‏ بل لعلك تخالفهما وتعاندهما بالفعل إذا تمسكت للنهاية بهذا الوعد العاطفي المؤلم‏,‏ فللحياة ضغوطها التي لا قبل للإنسان باحتمالها إلي ما لانهاية‏,‏ ومن الرحمة بنفسك وبطفلتيك أيضا أن تتطلع لحياة جديدة تشاركك فيها أم بديلة‏,‏ عطوف‏,‏ الاهتمام بأمر هاتين الطفلتين المحرومتين‏,‏ وكثيرات هن من يجدن في مشاركة أب مثلك حياته ورعاية طفلتيه ما يسعدن به ويتقربن معه إلي الله ويأملن من ورائه في حسن المآل‏..‏ والمهم دائما هو أن تترفق بك الأيام فتضع في طريقك من غرس الله في قلبها الرحمة وروح العدل فتحنو معك علي هاتين الطفلتين البريئتين‏,‏ وتعدهما لاستقبال الحياة والتعامل معها‏,‏ وليكن اختيارك لمن سوف ترتبط بها في قادم الأيام‏,‏ مرهونا في جانب أساسي منه بتقبل طفلتيك لها وتجاوبهما معها‏..‏ وحبذا لو كانت في مثل ظروفك فيظل كل منكما أطفال الآخر بظله ورعايته‏,‏ وتصبح المصلحة مشتركة والاحتياج النفسي أشد واحتمالات النجاح والاستمرار أكبر وأرجح‏,‏ ولسوف يعينك علي ذلك أن تسلم من البداية بأن البشر لا يتماثلون مهما تشابهوا‏,‏ وانه لابد دائما من ثمة اختلاف بين كل امرأة وأخري في بعض السمات والعادات والطباع‏,‏ فلا تحكم علي من سوف تشاركك الحياة بمثال الزوجة الذي يتراءى لك من وراء ضباب الذكريات‏,‏ ولا تظلم إنسانة وتعجز عن التوافق معها لأنها تختلف عمن تحتفظ لها بأجمل الذكري في بعض أمورها وعطائها وشخصيتها‏,‏ لأن هذا الاختلاف نفسه من قوانين الحياة التي يصبح من العجز النفسي ألا نسلم بها ونتقبلها‏..‏ ومن يدري فلربما جمعت الحياة بينك وبين من تثبت لك بالتجربة العملية أن نبع الحنان  والعطف والحب لم يجف من حياتك للأبد برحيل زوجتك الطيبة‏,‏ ومن تصبح لطفلتيك أما رءوما تشكران لك فيما بعد حنثك بوعدك السابق لهما‏..‏ وارتباطك بها‏,‏ ووجودها الرحيم والمضيء في حياتهما‏.‏


* نشرت بتاريخ 9 أكتوبر 1998

˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙
نقلها من أرشيف جريدة الأهرام 
Rofida Mohamed Ismail

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali


إقرأ المزيد Résuméabuiyad

الوجه البرئ .. رسالة من بريد الجمعة


" نهر الحياة سريع ، ويجرف في طريقه كثيرًا من الآلام والأحزان التي تجمَّدنا أمامها في بعض الأحيان وتخيَّلنا أنها كالجنادل التي لا يزحزحها التيار ".

لست أدري من أين أبدأ قصتي .. هل أبدؤها من حيث بدأت، أم من حيث انتهت ؛ على أية حال فإني سأعود بك للوراء قليلاً لتدرك كل الظروف المحيطة بمشكلتي .. فأنا شاب جامعي قاربت السابعة والعشرين من العمر، نشأت بين أبوين طيبين وأخ يصغرني بأربع سنوات، ومضت حياتنا في هدوء وسلام، وتقدَّمت في دراستي بلا مشاكل، وسعد أبواي بتفوقي ونجاحي، لكن أخي الأصغر لم تسمح له قدراته – للأسف – بتكرار تفوقي الدراسي، فلم يُثِر أبي – المؤمن بأن لكل إنسان نصيبه في الحياة – مشكلة بسبب ذلك، وإنما واجه الأمر بواقعية وساعد أخي في الالتحاق بمعهد تدريب صناعي، وأكَّد له أن الإنسان يستطيع أن يكون ناجحًا ومحترمًا أيضًا إذا مارس أي عمل يجيده ويتفوَّق فيه .

وتجاوزنا هذا الموضوع بلا منغصات، وسعد أخي بمعهده الجديد ودراسته العملية التي تناسب طبيعته، وتقدَّم فيه، وبلغت أنا السنة النهائية في كليتي العملية وبدأت أستعد لأداء الامتحان، وفجأة تزلزلت حياة أسرتي الآمنة الوادعة بكارثة لم تخطر لأحد على بال واختطف مترو الأنفاق حياة شقيقي الوحيد وهو في السابعة عشرة من عمره في حادث بشع لا أريد استعادة ذكراه، وأصيبت أمي المسكينة بحالة من الذهول والتوهان لازمتها لفترة بعد الحادث المؤلم حتى كانت تطلب مني بعد رحيل شقيقي – رحمه الله – ألا أغلق باب الشقة في المساء بالمفتاح، لأن أخي سيرجع للبيت بعد قليل من عند أصدقائه، وحين طلبت مني ذلك لأول مرة طفرت الدموع من عيني ونظرت إليها حائرًا ومشفقًا لا أدري بماذا أجيبها، فأنقذني أبي المؤمن بقضاء ربه وأشار لي أن أفعل ما تطالبني به أمي دون كلمة أو إشارة ، فتعوَّدت بعد ذلك كلما "نبَّهتني" إلى عدم إغلاق الباب بالمفتاح أن أستجيب لطلبها وأن أدعو الله في قلبي أن يترفَّق بها .. وقد وقعت الكارثة قبل امتحاني بشهرين، فكدت أحجم عن دخوله، لكني تمالكت نفسي ، وأشفقت على أبي وأمي من مضاعفة آلامهما، وسلَّمت بإرادة الله – سبحانه وتعالى – وتأقلمت مع الظروف المؤلمة .. بل وشعرت أيضًا بأنني مسئول عن محاولة إدخال البهجة إلى قلبيّ الأم والأب الحزينين، فضاعفت جهدي في الاستذكار وحرصت على إرضاء أمي وتلبية كل رغباتها .. واستجبت لطلبها المؤلم الآخر أن أرتدي ملابس المرحوم أخي وبنطلونه وقميصه المفضلين، لكي تراني في صورته، وارتديت هذه الملابس رغم ضيقها الشديد عليَّ لكي أسعد قلبها الحزين بأية لمسة سعادة ، وذهبت لأداء الامتحان مرتديًا ملابس أخي الضيقة لأنها طلبت مني ذلك صباح أول أيامه .. وإلى أن بدأت أمي – أعانها الله – تستسلم لقضاء الله وقدره ، وتُسلِّم بأن أخي – رحمه الله – لن يعود في المساء ، ولن يرجع في صورتي مهما ارتديت من ملابسه ، فكفَّت عن ذلك ، وسلَّمت بالواقع المؤلم .

ثم ظهرت نتيجة البكالوريوس، فإذا بي قد نجحت بتقدير جيد جدًا وبترتيب متقدم ساعدني على الالتحاق بوظيفة حكومية على الفور، وكان نجاحي وعملي هو أول بارقة بهجة تدخل حياة أسرتي المظلمة بعد الرحيل، وكنت أنا قد تغيرت كثيرًا بعد حادث أخي ، والتزمت دينيًا وواظبت على أداء فروض ديني ، وراعيت تعاليمه في حياتي الخاصة دون تفريط ولا إفراط أو غلو ، وقد بدأ هذا التغيير في شخصيتي منذ شاركت في كل المراسم الحزينة لوداع أخي .. ومنذ نزلت معه إلى مثواه الأخير ورأيت ضيق هذا المثوى الذي سيحتوينا جميعًا ذات يوم .. كُلاً في موعده المحتوم .

ورضيت أمي عن التزامي الديني وراحت تحثني على الزواج لكي تسعد برؤية وليد لي يعوضها عن أخي الراحل ، وشاءت الظروف بعد ذلك بشهور أن أرتبط بزميلة لي في العمل ، وحدث توافق روحي عجيب بيننا ، حتى شعرت بأن كلاً منا قد خُلق للآخر وحده ، واستشرت أبي وأمي بشأنها ، فرحَّبا بذلك وسعدا بسعادتي ، وحددت مع فتاتي موعدًا لزيارة أهلها .. وتوجهت إلى بيتها في الموعد المحدد وأنا سعيد ومبتهج ، فإذا بوالدها يقابلني بجفاء شديد ولا يرحب بي ، وانتهت المقابلة بأنه سيبلغني برده بعد يومين . ولم يتأخر رده ، وكان الرفض القاطع لضعف إمكانياتي .. فتألمت لذلك ، وأردت أن يكون ردي على ذلك عمليًا ، وكنت قد ادخرت من حصيلة عملي في الإجازات الصيفية لعدة سنوات ، ومن مرتبي من عملي الحكومي خلال عام ، ومن مساعدات أبي مبلغًا لا بأس به ، فاشتريت شقة جيدة بأحد أحياء القاهرة ، ورجعت إلى والد فتاتي وأبلغته بما فعلت وعرضت عليه أن أقدم شبكة مناسبة بعد بضعة شهور لأني قد استهلكت كل مدخراتي في الشقة ، فرفض ذلك أيضًا وبشدة ، ومنع ابنته من العمل حتى لا تقابلني وأجبرها على الاستقالة ، واحترنا ماذا نفعل .. وتواصل الوسطاء بيننا .. ورفضت أية فكرة لأن أرتبط بها على غير إرادة أبيها ، أو أعرِّضها لغضب أسرتها عليها .. ورجعت للأب مرة ثالثة مناشدًا إياه الرحمة بنا والاستجابة لرغبتنا ، فرفض بإصرار واتهمني بأنني أجريت لابنته غسيل مخ لإقناعها بي ، وأنه لن يوافق على زواجها مني مهما فعلت ؛ لأنني غير جاهز وغير قادر على مطالب الزواج .

وبعد المرة الثالثة هذه وجدت أنني تحملت من إهانة الرفض الجارح ومن الجفاء الشديد في المعاملة ما يكفيني ، فاستسلمت لليأس .. وازددت يأسًا حين علمت أن عريسًا شابًا جاهزًا قد تقدَّم لفتاتي وأنه عائد من الغربة ومستعد بكل الإمكانيات ، وأنه قوبل بالترحيب من اللحظة الأولى .. وعُقدت مقارنة ظالمة بينه وبيني في بيت أسرة فتاتي ، فوجدت الأسرة أنه لا وجه للمقارنة بين هذا الشاب الجاهز الكامل وبين ذلك الشاب "الحالم" الذي ما زال يبدأ أولى خطوات الرحلة الطويلة ، وراحت الأسرة تضغط على فتاتي لقبول الشاب الآخر اللائق والذي لا يمكن رفضه ، وبدأ نداء العقل يفعل فعله فيها .

وفي هذه الظروف جاءتني فرصة للعمل بإحدى الدول العربية عن طريق قريب لي يعمل هناك .. فقررت السفر بغير أن أُلزِم فتاتي بالانتظار ، لأن غربتي ستطول 3 سنوات على الأقل قبل أن أستطيع الجلوس على مائدة المفاوضات مع أية أسرة "لشراء" فتاة بمثل هذه الشروط المادية ، وسافرت رغم قسوة ذلك على أبي وأمي اللذين لم يعارضاني في السفر بعد أن اعتصر الألم قلبيهما وهما يرياني أذوي صحيًا وأفقد وزني وأرجع كل مرة من بيت فتاتي مهانًا جريحًا كسير النفس . وبدأت عملي في الغربة ، وراجعت نفسي في وحدتي ، فرأيت أنه من الظلم لفتاتي أن أفرِّق بينها وبين أهلها الذين يعترضون على شخصي وظروفي ، فأرسلت إليها رسالة أطالبها فيها بالامتثال لما أرادته لنا إرادة الله ، ودعوت لها بالسعادة في حياتها ، ورجوت الله أن يعوضني عنها خيرًا .

وحاولت أن أشغل نفسي بعملي ، وبظروف حياتي في الغربة ، وتزايد التزامي الديني فلم يمضِ زمن قليل حتى عرضت عليَّ إحدى قريباتي المقيمات في نفس البلد عروسًا قريبة لزوجها ، وهي فتاة جميلة هادئة وذات وجه برئ وملتزمة دينيًا ، ووافقت على الفكرة ، ورحبت الفتاة ، والتقيت بها مرة واحدة ، وبعدها تمت قراءة الفاتحة .. واتفقنا على ألا نتقابل بعد ذلك إلا في خلال الإجازة السنوية . وأراك الآن تبحث عن المشكلة في كل ذلك ، فأقول لك إنني بعد أن أتممت هذا الاتفاق ما زلت أتذكر فتاتي الأولى في مصر في كل لحظة من يومي وليلي .. وقد كثر شرودي وسرحاني حتى كدت أتعرض لحادث تصادم في الشارع لولا لطف الله بي ..

وسؤالي لك يا سيدي هو : هل ما أنا فيه مجرد ذكريات لحب حقيقي سوف ينتهي مع ارتباطي بالخطيبة الجديدة ، أو أنه سوف يظل يطاردني ويفسد حياتي ، فأكون بذلك قد ظلمت نفسي وظلمت من ارتبطت بها ؟ .. وكيف يستطيع الإنسان أن يتخلص من ذكرى إنسان آخر يشعر أنه يسري في دمه ؟ .. إن والد فتاتي في مصر لن يزوجها لي ولو أصبحت مليونيرًا ، ومع ذلك فذكراها لا تفارقني .. وخطيبتي صاحبة الوجه البرئ الجميل تتوافر فيها كل مواصفات الزوجة المثالية ، وبها كل المميزات العائلية والدينية والجمالية والخلقية .. لكني أخشى الفشل .. وأخشى أن أظلمها معي .. فبماذا تنصحني يا سيدي ؟

* ولكاتب هذه الرسالة أقول :
ما كل ما يتمنى المرء يدركه يا صديقي، ومع ذلك فالحياة تمضي بالجميع ، سعداء وتعساء .. ونهر الحياة سريع الجريان ، يجرف في طريقه كثيرًا من الآلام والأحزان التي تجمدنا في بعض الأحيان أمامها وتخيلنا في غمرة معاناتنا لها أنها كالجنادل التي لا يزحزحها التيار ، ومثلما صمدت لمحنة فراق الشقيق المؤلمة ، سوف تصمد أيضًا لإخفاق الحب وانهيار أول الأحلام .. وما أكثر مواقف الحياة التي بكينا أمامها ثم لم تلبث أن تكشفت لنا بعد حين عن خير عميم ادخرته لنا الأقدار .

وأنت في النهاية شاب قاربت السابعة والعشرين ولم تبلغها بعد .. وقصتك مع زميلتك في العمل مما يقاس بالشهور وليس بالسنوات .. ومشاعرك تجاهها في النهاية ليست أبدية .. ولن تتحدى قانون النسيان الذي لولاه ما طابت لأحد حياة .. بل لعلها لم تتعمق إلى هذا الحد إلا بتأثير الرفض والمقاومة من جانب أسرة فتاتك لارتباطك بها ، كشأننا في بعض الأحيان حين لا يزيدنا الرفض إلا تمسكًا بالمفقود ، ولعلنا لو نلناه بلا عناء لهان علينا بعض شأنه هوان اليسير والموجود على النفس البشرية التي تتعلق دائمًا بالصعب أو المفقود . وسواء كان هذا الأمر أو ذاك ، فليس نهاية الحياة أن يُصدم الإنسان في أولى تجاربه مع العاطفة .. أو أن يتعذر عليه أن يمضي بها إلى النهاية المأمولة ، وإذا كنتُ قد اهتممت بمشكلتك هذه على غير عادتي في الاهتمام بهذه النوعية من المشاكل ، فإنما قد فعلتُ ذلك تقديرًا للظروف المأساوية التي سبقتها في حياتك وحياة أسرتك ، وتقديرًا أيضًا للإحساس المؤلم الذي شعرت به وأنت تواجه الرفض والإنكار ثلاث مرات من والد فتاتك ، وتستشعر العجز والمهانة وجرح الكرامة الإنسانية فيك ، فليس أمرّ من أن يشعر الإنسان بالدونية والحرمان مما يراه حقه العادل في السعادة ، لسبب لا حيلة له فيه هو قلة إمكانياته المادية .. غير أن تجربة العمر سوف تعلمك الكثير والكثير يا صديقي .. ولسوف تعرف أن كثيرين ممن ترفقت بهم الحياة ونعموا بالسعادة في حياتهم الخاصة قد حُرموا هم أيضًا في شبابهم ممن تصوروا أنهم لا حياة لهم بغيرهم ، وأنهم يسرون في عروقهم مسرى الدم منهم كما تشعر أنت الآن تجاه فتاتك ، ثم لم تلبث الأيام أن داوت جراحهم ، وجمعتهم بمن سعدوا بهم ، واستشعروا السعادة الحقيقية معهم .. وهيهات أن يستطيع أحد أن يجزم بأنهم كانوا سيسعدون بحياتهم نفس السعادة وسيحققون لأنفسهم ما حققوه من آمال ، لو كانوا قد ارتبطوا بمن حالت ظروف الحياة دونهم ودون الارتباط بهم في سنوات الشباب الأولى .

ونحن لا نعرف البشر في النهاية بغير أن نعاشرهم ونختبرهم بمحن الأيام ويختبرونا ، وإذا كان الأديب العظيم مصطفى صادق الرافعي يقول : أغضب المرأة تعرفها أي تعرف شخصيتها الحقيقية التي تتخفى غالبًا على عين المحب ، فنفس الكلمة تنطبق أيضًا على الرجل بنفس القدر ، وتظل شراكة الحياة وتقلباتها واختباراتها هي محك التجربة الأوحد ، وهي التي نستطيع أن نحكم بها على البشر بأنهم قد خُلقوا لنا أو لم يخلقوا فلا تخشَ من ذكريات تجربتك السابقة على ارتباطك الجديد بصاحبة الوجه البرئ ، فإنها إنما تلح عليك الآن لأن حياتك خاوية وليس في الساحة من يشغلك عنها بالرغم من ارتباطك الشكلي بالفتاة الجديدة ، ولسوف يتغير الأمر كثيرًا حين يتخذ ارتباطكما شكله الرسمي في إجازة الصيف .. ويتاح لكل منكما أن يكتشف الآخر ويتعرف عليه ، فامنح صاحبة الوجه البرئ فرصتها العادلة في أن تعرفها حق معرفتها وتعرفك .. ومهدا معًا أرضكما المشتركة لاستقبال بذور الحب وإنباتها ، فإن أثمرت هذه البذور زهورها ، فلقد عرفت بالتجربة أن نداء الموجود أبقى وأقوى من نداء المفقود ، وإن ضمرت البذور ، أو لم تنبت إلا الحسك والشوك ، فمن عرف من لا يصلحون له فلقد عرف بطريقة خفية الصالح المنشود ، وحق له أن يبحث عنه كما يقول أديبنا العظيم نجيب محفوظ ، والبرهان دليل العقل يا صديقي كما يقول أهل المنطق ، فامنح تجربتك الجديدة فرصتها العادلة من الزمن والاهتمام والرغبة الصادقة في إنجاحها .. ثم احكم عليها بعد ذلك بما تستحقه من حكم عادل بالاستمرار ، أو التوقف .. مع تمنياتي لك بالسعادة وتحقيق الآمال .


˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙
كتبها من مصدرها بكتاب قالت الأيام
Rofida Mohamed Ismail

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali




إقرأ المزيد Résuméabuiyad

السلام البارد .. رسالة من بريد الجمعة


منذ سبع سنوات وأنا طالبة بكلية التجارة في العشرين من عمري تعرف بي زميل بنفس الكلية يسبقني بعامين وارتبطنا عاطفيًا وتعاهدنا على الزواج ، وبعد فترة أبدى رغبته في التقدم لخطبتي وهو في السنة النهائية من الكلية .. وأبلغت أسرتي وجاء ورحبوا به وتم تحديد موعد للخطبة .

وبدأنا نستعد لإقامة حفل بسيط للخطبة في شقتنا ودعونا الأهل والجيران في الحي الشعبي الذي نقيم فيه ففوجئت بخطيبي يجئ حزينًا ويخبرني بأن إخوته غير موافقين على الخطبة ، وإخوته هؤلاء خمسة وتزوجوا جميعًا ويعيش كل منهم مع أسرته الصغيرة ما عدا شقيقًا لم يكمل دراسته يعمل عملاً حرًا وشقيقة تواصل تعليمها في رعاية عمتها الأرملة .. أما السبب فهو أن أخوته يريدون له أن يبقى مع أخته إلى أن تستكمل تعليمها وتتزوج لأنه من غير اللائق أن يتركها ويتزوج قبلها مع أن شقيقة خطيبي ترعاها عمتها ولها شقيق آخر يمكن أن يتحمل المسئولية . وهوّنت عليه الأمر بأننا سنحتاج إلى سنوات ! لكي نستكمل الشقة الصغيرة التي أخلاها لي أبي فوق شقتنا ولنعد الجهاز .. ولا ضرر من الانتظار لكن لابد من أن تتم الخطبة التي دعونا لها الأهل والجيران لكي يتقبل الناس دخوله بيتنا بلا حساسية .. فلم يقتنع .. وطلب مني الانتظار قليلاً حتى يتفاهم معهم .. ورغم تذمر أهلي فقد وافقته .. واعتذرنا لمن دعوناهم بأن ظروفًا طارئة ألمت بخطيبي واضطرتنا إلى إلغاء الحفل والاكتفاء بقراءة الفاتحة وتجاوزت عن آلامي .. وانتظرت ، فمضت 3 أعوام طويلة لم يحقق خلالها خطيبي أي تقدم بالنسبة لموقف أهله من زواجنا .. وظل طوالها يتجنب الحديث عن إعلان الخطبة وظللت لا أعرف حتى وجوه إخوته وأهله . وكان خطيبي قد وجد عملاً بعد تخرجه وبدأ يدخر ليشتري أثاثًا بسيطًا . وبدأ أبي يجهز لنا الشقة الصغيرة . وضاق أهلي بالانتظار طوال هذه السنوات .. فبدأ أبي يحدثه في ضرورة تحديد موعد للزفاف فكان يتحرج ولا يبدي استعدادًا لذلك ، فنفد صبري بعد هذه السنوات وحدثته بصراحة فقال لي أن شقيقته تخرجت لكنها ما زالت غير مرتبطة وأنه لا يستطيع الزواج قبلها لأنه يجب أن يكون هناك رجل في البيت فبدأت أثور وأقول له إن كل شقيق من أشقائه يعيش مع أسرته وهم جميعًا يقيمون بالقرب من أختهم وأن شقيقه الذي لم يتزوج يستطيع أن يقوم بهذه المسئولية وأن عمته ترعى أخته ، وكل ذلك كافٍ لكي يطمئن على أخته خاصة أننا لن نتزوج في كوكب المريخ .. ولا كوكب الزهرة وإنما في نفس المدينة وعلى بعد نصف ساعة من أخته وانصرف خطيبي بغير أن نتفق على شيء .. وفكرت في الأمر وقدرت ظروفه وفي أول زيارة جاء فيها عرضت عليه أن نعيش مع أخته إلى أن تتزوج أو أن تقيم هي معنا في شقتنا فسعد بالاقتراح للحظات لكنه جاء إليَّ بعد أيام ليقول لي أن إخوته ثاروا عليه عندما عرض الأمر عليهم وسألوه أتريد لأختك أن تصبح خادمة لزوجتك ؟ وأن عمته صرحت بأنها لن تترك الفتاة إلى أن يأتيها نصيبها ، وتوسَّل إليَّ أن نؤجل زفافنا فترة قصيرة لأن هناك من يريد أن يتقدم لأخته ، وترددت في الموافقة لكني قلت لنفسي أنه شاب نبيل وكريم الخلق وأن من يرعى حق أخته .. ويؤجل سعادته من أجلها سيرعى الله كزوج في معاملتي وفي حقوقي عليه وقررت الانتظار . وعشنا عامًا آخر بلا أي تغير في الموقف .. وبلا أي خطوة من جانب أسرته للتعرف علينا أو القبول بنا فلم نعرفهم ولم نلتقِ بهم وكأنهم يقيمون في قارة أخرى .. ثم نفد صبر أبي وعمي فحدثا خطيبي وخيَّره عمي الذي يتسم بالشدة والحزم بصراحة بين أن يتزوجني الآن أو يتركني لحال سبيلي ، وخرج خطيبي فلم أذق طعم النوم وبكيت كثيرًا ودعوت الله أن يفرج كربتي وبعد أيام قال لي خطيبي أنه لا يستطيع أن يستغني عني .. وأن أهله لابد أنهم سوف يسامحونه على زواجه على غير رغبتهم في يوم من الأيام لهذا فهو سيتزوجني لكنه لن يتخلى عن أخته وسوف يلبي كل طلبات بيتها إلى جانب بيتنا وأنه يستأذنني في أن يمضي معها يومًا كل أسبوع لكيلا تشعر أنه تخلى عنها .. ووافقته بحماس على كل ذلك ، وحددنا موعدًا للزفاف وأقبلت على الاستعداد له بفرحة من انتظرت سعادتها أكثر من 7 سنوات وأعددنا العدة لعقد القران والزفاف ودعونا الجميع .. وانتظرت خطيبي يوم الزفاف فمضت الدقائق والساعات وهو لم يحضر وبدأ القلق ينهشني وأنا أدعو الله ألا يخذلني في يوم سعادتي أمام الأهل والأقارب والجيران .. وبدأت الهمسات تتناثر أن العريس لم يأتِ .. وأنه ولَّى هاربًا ليلة الزفاف .. وكاد قلبي يتوقف من الخوف والكمد وقبل أن أنهار نهائيًا لمحته يدخل الشقة مرتديًا البدلة السوداء كسير الخاطر ووحيدًا تمامًا بلا أخ ولا أخت ولا عم ولا صديق والدموع الجامدة في عينيه وأدركت الموقف .. ورققت لحاله وأكبرت فيه أنه لم يتخل عني بعد كل هذه الفترة .. وكان ذلك في حد ذاته كافيًا عند أهلي لكي يقدروه له ويحاولوا أن يسروا عنه .. وأن يفتعلوا الابتهاج لكي يزيلوا جو الكآبة الذي خيَّم على المكان بسبب تأخره ، وتم عقد القران في هدوء .. ومضى حفل الزفاف بغير أن يبتسم خطيبي ابتسامة واحدة .. وكلما نظرت إليه وهو بجانبي في الكوشة انفطر قلبي له وأنا أراه مهمومًا حزينًا صامتًا وسألت نفسي ماذا فعلنا يا رب حتى يفعل به إخوته ذلك .. ولماذا يتركونه وحيدًا كأنه بلا أهل في ليلة زفافه بغير أن يشاركوه فرحته ولو من وراء القلب ليشرفوه أمام أسرة زوجته والناس مع أننا لم نرتكب معصية .. ولم نفعل إلا ما أحل الله ، وحاولت أن أسرِّي عنه .. لكنه ظلَّ ساكنًا .. صامتًا .. لا يبتسم .. وإن ابتسم آلمتني ابتسامته الحزينة أكثر من غيرها ، وانتهى الحفل بسلام .. ونزلنا إلى الشارع لنجري الزفة كالعادة وزفتنا سيدات الحي بالزغاريد ثم صعدنا إلى شقتنا الصغيرة وأغلقنا بابها علينا لنبدأ حياتنا الزوجية التي انتظرناها أكثر من 5 سنوات وأشرق صباح أول يوم في بيتنا الصغير وجاء الأهل والأقارب ليهنئونا .. وتقرَّح كبدي إشفاقًا عليه وأنا أراه ينظر بلهفة مكتومة إلى الباب كلما طرقه طارق ثم يخيب أمله حين يجده زائرًا أو زائرة من أقاربي وليس إخوته الذين قاطعوه وغابوا عن زفافه وعن يوم الصباحية ..

ومضت الأيام الأولى من زواجنا .. وسعدنا رغم الآلام بحبنا وحلمنا القديم الذي تحقق بصبرنا وكفاحنا وتمسك كل منا بالآخر ، وظل زوجي جريح القلب بسبب موقف إخوته منه .. ورأيت أن أبادر أنا بالمحاولة للتخفيف عنه وعرضت عليه أن نذهب معًا لزيارة بيت الأسرة لنعيد المياه إلى مجاريها وذهبنا .. واستقبله إخوته بترحيب ولكن ليس كعريس جديد وإنما كأخ عائد بعد فترة غياب فلم يقل له أحد "أهلاً يا عريس" .. أو "مبروك" أو أي عبارة من هذا النوع أما أنا فكان السلام البارد هو نصيبي .. ولم يهنئني أحد بالزواج أو يسألني عن أحوالي وبعد فترة قصيرة انتحى به بعض إخوته ثم عاد زوجي ليقول أنه سيذهب معهم إلى بيوت باقي إخوته المتزوجين ليزورهم ، وانصرف زوجي معهم وتركوني مع أخته وعمته .. وخيَّم الصمت على المكان وكلما حاولت الحديث معهما جاءني الرد بكلمات مقتضبة على قدر السؤال ! .. وبين فترة وأخرى ترمقانني بنظرات غير معبرة .. وطالت الجلسة وبدأ التأفف من وجودي واضحًا عليهما .. ولولا خوفي من أن أغضب زوجي لفتحت باب الشقة وانصرفت . ثم أخيرًا وبعد ساعتين عاد زوجي سعيدًا باستقبال إخوته الحار له وبأنهم لم يستقبلوه ببرود ولم يسألني عن حالي ولم أفاتحه بضيقي من تحفظ شقيقته وعمته معي .. وعدنا معًا وأنا أعزِّي نفسي بفرحة زوجي بعودة الوئام بينه وبين إخوته ، وبالأمل في أن تذيب الأيام تحفظ إخوته معي ولم أيأس من أن أنال ودهم أو حتى تعاطفهم معي في المستقبل فرحت أحدث شقيقته وعمته من تليفون الجيران في كل مناسبة ، وأذهب مع زوجي لإخوته وعمته في كل زيارة رغم استمرار الجفاء والتحفظ بل ونظرات الاحتقار أحيانًا .. ثم ساءت المعاملة أكثر فتارة لا يصافحني أحد الإخوة .. وفي أخرى لا يحدثني أحد كأنني غير موجودة .. فتحاملت على نفسي وسألت أخته وهي فتاة مثلي أملت أن تقدِّر موقفي : لماذا تعاملونني كأنني "جرب" أو شيء كريه لا تودون حتى النظر إليه ؟ .. فنظرت إليَّ صامتة ثم دعت عمتها وأعادت عليها ما قلت وضحكا معًا وأكدتا لي بفتور أنها مجرد تخيلات من جانبي ، لكن الجفاء والتحفظ والإهانة الصامتة استمرت كما هي حتى بدأت أسلم باليأس من محاولة كسب ودهم وأكره زيارتهم مع زوجي فسألني عن السبب فانفجرت باكية بأنه سعيد لأن إخوته قد سامحوه لكنه لا يهتم بسوء معاملتهم لي وجفائهم معي .. ورفضهم المتكرر لقبول دعواتي العديدة وحاول زوجي تهدئتي مؤكدًا لي أن الأيام سوف تداوي كل الجراح .. وأنهم يلومونه لأنه كان يستطيع الانتظار عامًا آخر أو عامين على الزواج وأنهم يتصورون أني قد "عملت له عملاً" استوليت به عليه ، وإن كثرة زياراتنا لهم سوف تلين قلوبهم في النهاية .. ورغم إحساسي بالجرح فقد وافقته .. وعدت لزيارتهم معه فلم يتغير الحال .. وشكوت لأبي وأمي فنصحاني بعدم زيارتهم وكنت قد حملت ويدأت أعاني متاعب الحمل فرجوت زوجي ألا يجبرني على الاستمرار في تجرع هذه المهانة .. وطالبته بأن يزورهم باستمرار كما كان يفعل ولكن وحده إلى أن يشعرني إخوته بأني آدمية لها أحاسيس ومشاعر وكرامة ، وغضب زوجي ولم يقبل أعذاري وأصر على غضبه .. وتسلل الفتور إلى حياتنا وبدأ زوجي يردد على مسامعي كل يوم أنه لن يسمح بابتعاد ابنه أو ابنته التي سيرزقه بها الله عن أعمامها وعمتها .. ثم بدأ يبتعد هو أيضا عن أهلي ويعاملهم بجفاء بالرغم من حبهم له وتقديرهم وبدأ يتركني أذهب وحيدة إلى مناسباتنا العائلية وتحولت حياتنا إلى شيء مضحك ومبكِ في نفس الوقت فهو لا يريد أن يتعامل مع أهلي مع أنهم لم يمسوه بشيء ولم يغضبوه في شيء ، وأنا لا أريد أن أتعامل مع أهله بسبب معاملتهم القاسية وإهانتهم لي .. ولولا ذلك لكنت على أتم استعداد ليس فقط لأن أزورهم بل لأن أعيش بينهم أيضًا .. لكن كيف ذلك وقد فشلت كل محاولات تقربي وتوددي إليهم ولم يعد في قلبي تجاههم سوى المرارة فماذا أفعل يا سيدي .. ومن يستطيع أن يقنع زوجي بأننا لا نستطيع أن نربي طفلنا وسط هذا الجو العائلي المفكك وكل أسرة تكره الآن مجرد سيرة الأسرة الأخرى وهل كان عليَّ أن أتركه بعد ارتباط دام أكثر من 7 سنوات لأن إخوته غير راضين عني بغض النظر عن عواطفنا ومشاعرنا نحن الاثنين ..

إن حالتي ليست فريدة فهناك كثيرات مثلي تهدد التعاسة زواجهن بسبب المشاعر العدائية بين أسرتي الزوجين فماذا نفعل لكي نحمي حياتنا وسعادتنا بغير أن نغضب أحدًا ؟

·       ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
هناك موقفان في الحياة لا غنى للإنسان فيهما عن أهله ولو كانوا غير راضين . الأول وهو الموت وفيه يستريح الإنسان من آلامه فلا يكدره فيه إن كانوا أهله قد أوفوا بحقه عليهم أم لا والثاني هو الزواج .. وفيه يتطلع الإنسان دائمًا إلى الأهل والأعزاء ويسعد بقربهم منه وينكسر قلبه بتخليهم عنه فيه ، وفضلاء الناس يلبون نداء الواجب الأسري في هاتين المناسبتين مهما كان موقفهم الشخصي السابق من صاحب المناسبة بل وإن منهم من قد يتجاورون في أمثال هذه المناسبات وهم مختلفون فيما بينهم إرضاءً لربهم ورعايةً للحقوق وحفاظًا على شكل الأسرة .

وواضح من رسالتك أن زوجك الشاب يتيم الأبوين .. ومع تقديري لدوافع إخوته في معارضة زواجه بحجة رعايته لأخته أو انتظاره لزواجها إلا أني لا أتصور أن معارضتهم كانت تقتصر على هذا السبب وحده .. لأن للأخت شقيقًا آخر يستطيع رعايتها ولها عمة تقوم على شئونها ولها خمسة إخوة يتحملون مسئوليتها وحتى مع افتراض أنه قد كانت لهم اعتراضات أخرى فإن كل ذلك لا يغفر لهم أبدًا غيابهم عنه في كل خطوات زواجه من خطوة البداية .. إلى يوم الزفاف الحزين الذي تركوه فيه وحيدًا حزينًا كسير النفس . إن من حق الأهل يا سيدتي أن يعترضوا على اختيار الأبناء وأن يبذلوا كل ما في وسعهم ليقنعوهم بالعدول عن اختيارهم .. لكن إذا ما تمسكوا به إلى النهاية كان من حقهم على الأهل والأعزاء ألا يتخلوا عنهم في زواجهم حتى وإن كرهوا هذا الزواج .

فليست هناك مناسبة كما قلت يحس فيها الإنسان بحاجته إلى وقوف الأهل إلى جواره فيها من هذه المناسبة ، وبعض الفضلاء يدركون ذلك ويتطوعون بمشاركة اليتامى ومن لا أهل لهم فرحتهم بل ومسئوليتهم في هذه المناسبة وربما ادَّعى بعضهم قرابة لا وجود لها بينهم وبين هؤلاء أمام أسرة الطرف الآخر لكيلا يفتقدوا عزة النفس في المناسبة التي يحتاج فيها الإنسان لأن يعتز بأهله . وفي إدعائهم صدقة .. وأجر عظيم !

فإذا كان بعض الغرباء يفعلون ذلك قربى لله فكيف بالإخوة والأهل ؟ وهل كانوا يستطيعون ذلك مع نفس الأخ وفي نفس الظروف والأبوان على قيد الحياة .. ؟ أم ترى أنهما فعلاً كما قال أمير الشعراء "هما الرحماء" وحدهم لأن قلوبهم لا تسمح لهم مهما غضبوا على زواج الأبناء بأن يتخلوا عنهم في اللحظة الأخيرة غالبًا ؟

لقد حدث ما حدث فإن كنت قد توقفت أمامه طويلاً فلأني أعجب أحيانًا من قدرتنا الغريبة على أن نعامل بعضنا البعض بغلظة عجيبة وقدرة أعجب على الإيلام والمجافاة . لكن هذه قصة أخرى على أية حال فإن الخلاف بين أسرتي الزوجين الذي يهدد سعادتهما خلاف قديم قدم التاريخ .. ولست أجد في قصتك مبررًا مقنعًا لترسيخ هذا الخلاف أو استمراره وليس بين الأسرتين ثأر ولا دم كما كان الحال بين أسرتي كابوليت ومونتاجيو في مأساة شكسبير "روميو وجوليت" إنما هو خلاف يمكن حله بسهولة بمجرد تسليم إخوة زوجك بأنه لا معنى لاتخاذ هذا الموقف منك بعد أن تزوجتِ شقيقهم وحملتِ منه وطرقتِ بابهم طالبةً قبولكِ عضوًا في أسرتهم لأنكِ قد صرتِ كذلك شاءوا أم أبوا ، ومن حسن المعاشرة بين الزوجين أن يحترم كل طرف أسرة الطرف الآخر وأن يسعى إلى ما يرضيه ويتجنَّب ما ينفره ويشقيه ، وأن يتبادل الطرفان العطف والتسامح واحترام المشاعر والرأي ، ولن يتحقق ذلك وكل طرف منهما يجافي أو يقاطع أسرة أسرة الطرف الآخر مهما كانت الأسباب والدوافع .

وفي قصتك لست أستطيع أن ألومك على تقصير في محاولة كسب ود أسرة زوجك لكني ربما أعاتبكِ على أنكِ قد سلمتِ بالفشل سريعًا .. وقبل أن تتمي العام الأول من الزواج .. في حين أنكِ صاحبة نفس طويل ولا تسلمين بالفشل بسهولة كما أن أمراض النفوس تتطلب علاجًا طويلاً وصبرًا أطول . وموقف زوجكِ السلبي اعتمادًا على علاج الأيام ليس كافيًا .. وإنما عليه أن يبذل جهدًا إيجابيًا في تصفية نفوس إخوته تجاهكِ .. وفي مطالبتهم باحترام مشاعركِ وبقبولك عضوًا كامل العضوية والحقوق في أسرتهم ، إن لم يكن رعايةً لحقك .. فرعايةً لحقه هو عليهم باعتباركِ زوجة شقيقهم .. وليس من العدل أن يعاقبكِ على ضيقكِ بجفاء إخوته لك بمقاطعة أهلكِ الذين أحاطوه بالحب والاحترام منذ البداية فإذا قبلتِ نصيحتي فإني أقترح عليكِ ألا تغلقي الباب نهائيًا مع أسرته .. وأن تضيفي لرصيدكِ عند زوجكِ محاولة أخرى بالاستجابة لرغبته في زيارتهم مع الحرص التام على ألا تمتهني نفسكِ معهم .. وألا تعرضي نفسكِ على أحد . فالحق أني لست من أنصار امتهان الإنسان لكرامته طلبًا لود العازفين عن مبادلته الود استعلاءً أو رفضًا . ولسنا نطالب أحدًا بأن يحب آخر عنوة .. وإنما نطالبه فقط باحترام مشاعره وأداء حقوقه ورد مجاملاته أما القلوب فأمرها بيد خالقها وحده .

وإذا كنا نقول دائمًا بأن الأيام كفيلة بمداواة الجراح فإننا يجب أن نعين الأيام على أداء مهمتها بتطهير القلوب من الكراهية والمرارات وبالاستعداد النفسي الدائم للصفح والنسيان .. ولأن العطف يورث العطف يا سيدتي في حين لا تورث البغضاء إلا البغضاء . ولأني أيضًا من المؤمنين بضرورة إعفاء الأبناء من أن يدفعوا فاتورة مراراتنا وخصوماتنا خلال رحلة الحياة لكي ينشأوا في بيئة سليمة ويستمتعوا بدفء العلاقات العائلية السليمة .. وتنجو صفحة قلوبهم البيضاء من بقع الكراهية السوداء .


فإذا كان الأمر كذلك فقد أرى لكِ أن تستجيبي لأول دعوة من زوجك لزيارة أسرته .. ولو تحملتِ ذلك على رغمكِ .. ثم توجهي لهم الدعوة لزيارتكِ في أقرب مناسبة .. فإن قبلوها .. فلسوف يمسح الزمن ما تبقى من مرارات تدريجيًا وبهدوء وإن أصروا على رفضهم قبول دعوتكِ .. وقبولكِ بينهم فلا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها .. ولتنظري ما يستطيع زوجكِ أن يفعله معهم لتحسين العلاقات ، وحتى يتحقق ذلك احتفظي معهم بحالة "السلام البارد" الذي تقتصر فيه العلاقات على أداء الواجبات الضرورية فقط حرصًا على الشكل العام . وانتظارًا لنجاح الأيام في مهمتها الصعبة .. والسلام .

˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙
كتبها من مصدرها بكتاب رسائل محترقة
Rofida Mohamed Ismail

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali


إقرأ المزيد Résuméabuiyad

خارج الدائرة .. رسالة من بريد الجمعة


أنا شاب في التاسعة والثلاثين من عمري .. نشأت طفلاً وحيداً ووجدت كل ما حولي يدعوني لحب الحياة فنحن نعيش في بيت واسع في إحدى المدن النائية التي تحكمها تقاليد خاصة وأبي يعيش في إحدى الدول العربية ويرسل لنا ما يكفينا للحياة المريحة وجدت نفسي في سن المراهقة فتى مدللاً تجاب كل مطالبي بلا مراجعة وإذا تأخرت أمي في تلبية أي مطلب لي أزمجر وأهدد وأتوعد بترك البيت .. وكلما تماديت جاءني صوت أبي في التلفون حانياً رفيقاً ينصحني ويرجوني ويقول لي إنني كبرت وينبغي أن أتحمل المسئولية في غيابه فأنتصح قليلاً ثم سرعان ما أعود إلى عصبيتي وعدوانيتي بلا سبب واضح .. ووسط هذه الظروف فوجئت بأمي تلد شقيقاً لي وأنا في السابعة عشرة من عمري فتضاربت أحاسيسي تجاه المولود الجديد, ما بين السعادة بأخ جديد .. والضيق به .. والخجل من فكرة إنجاب أمي وأنا في هذه السن .. وظللت أعاني هذه الأحاسيس المتضاربة لمدة سنة كاملة فإذا بي أفاجأ بأمي تنجب شقيقة جديدة ! وكنت قد بدأت دراستي الجامعية فبدأت أحس بأني أنسحب تدريجياً من مركز الدائرة الذي كنت أشغله من قبل إلى هامشها وعاد أبي لإقامة نهائياً في بلدتنا بعد حوالي أربع عشرة سنة من الاغتراب وتفرغ لرعاية الطفلين والإغداق عليهما من حنانه فتعمق إحساسي تدريجياً بأن البساط يسحب من تحت قدمي وكان طبيعياً أن أتعثر في دراستي ولم يكترث أبي وأمي بذلك كثيراً بعد أن سئما تكرار النصح لي , فازداد توتري إزاء ما يبديه أبواي من عدم اكتراث بثوراتي وتهديداتي .. فإذا ثرت قالا لي : افعل ما بدا لك وإذا هددت بترك البيت
قالا لي ، ليكن ما تريد وعد حين تشاء.

وجن جنوني ولم أغادر البيت واستسلمت للأمر الواقع ورضيت بوظيفة صغيرة حصلت عليها بمعجزة في مدينتي البعيدة , وتعقدت شخصيتي أكثر كلما قارنت بين المستقبل اللامع الذي أرى نفسي جديراً به .. وبين الوظيفة الصغيرة التي لم تؤهلني شهادتي لأحسن منها .ولاحظت بضيق وغيرة أن شقيقي وشقيقتي قد استحوذا على كل اهتمام أبي وأمي
وأصبحت أنا خارج الدائرة نهائياً .. وبالرغم من أنهما يتحملان ثوراتي في صمت كأني قدر مكتوب عليهما لا محالة ولا يستجيبان لاستفزازاتي فلقد كانا يلبيان لي مطالبي ولا يقصران تجاهي في شيء.
ومضت سنوات العمر وأنا أزداد تعقداً وكبرياء , فأنا أذهب إلى الوظيفة الحقيرة التي لا تبعد عن بيتنا سوى بضعة بيوت راكباً السيارة التي أصررت على أن يشتريها لي أبي حين التحقت بالجامعة ..
وأترفع عن مخالطة صغار الموظفين البؤساء وعن الاشتراك معهم في المسامرة والحديث

وأغدو إلى نادي المدينة للجلوس مع شلة الأطباء وضباط الشرطة ورجال القضاء الذين يسهرون فيه - والذين اشعر أني من مستواهم وأسعى لاكتساب صداقتهم-  وتنفد نقودي بعد يومين من بداية الشهر .. فأمد يدي لأبي .. والويل والثبور لو لم يستجب لتبذيري وإنفاقي على مظهري وكبريائي, وفي التاسعة والعشرين من عمري أردت الزواج , وعرضت أمي علي فتيات من الأسرة والأقارب لكني صممت ألا أتزوج إلا فتاة من مستواي ومضت السنوات ومن تقبل بي لا أقبل بها ومن اقبلها لا تقبل بي. حتى سرقني الزمن وتأخرت في الزواج وخلال ذلك كله كان شقيقي وشقيقتي يتقدمان في دراستهما في يسر وهدوء ويجمعهما حب غريب ..ويستذكران دروسهما معاً .. ويتحاشيانني بقدر الإمكان ويتحملان ثوراتي ورغبتي في فرض سيطرتي على البيت كله في صبر

ورغم قسوتي عليهما في بعض الأحيان فقد كنت احسدهما على ما يحمله كل منهما من حب للآخر ولأبيهما وأمهما , وأراهما من غرفتي التي أجلس بها وحيداً يذاكران ويتناجيان ويتضاحكان أو يتشاركان في إعداد وجبة طريفة ويأكلان معاً في سعادة .. فازداد إحساساً بالوحدة والكآبة والانعزال ورغم ذلك فلم أحاول الاقتراب منهما .
وكبر شقيقاي ودخلا المرحلة الثانوية وتقدما في الدراسة وتقدمت أنا في العمر حتى بلغت الثانية والثلاثين ومازلت أعزبَ وحيداً منعزلاً عن الناس

ثم عدت ذات يوم إلى البيت فوجدت شاباً وسيماً في ضيافة أبي وأمي وشقيقي وحييت الضيف وانصرفت إلى غرفتي فاستدعاني أبي وعرفني بالشاب وقال لي إنه مهندس جاء عن طريق شقيقي ليطلب يد شقيقتي وإنهم يوافقون عليه جميعاً من ناحية المبدأ وينتظرون رأيي باعتباري الأخ الأكبر , فإذا بشياطين تثور فجأة في مواجهة الضيف وإذا بي أقول بصوت عال : ومن أدراكم أني سأوافق عليه .. لا لست موافقاً , وأحس الشاب بالحرج الشديد فاستأذن في الانصراف وانصرف ولم يعد مرة أخرى , واغتم أبي لما حدث

وبعد ذلك بعدة أسابيع فاتحني صديق لي موظف بإحدى المصالح في مدينتنا ويحمل مؤهلاً متوسطاً ويبلغ من العمر 33 سنة في خطبة شقيقتي , وبالرغم من أن كل ظروفه لا ترشحه للزواج منها حيث يكبرها بـ15 سنة وليس من أسرة كبيرة ولا مستريحاً مادياً ولا صاحب وظيفة مرموقة فقد وجدت نفسي أرحب به وأدعوه لزيارة البيت بدون استشارة أبي واعتماداً على مكانتي وسيطرتي على الأسرة , وجاء صديقي مع والدته وفاتحا أبي فلم يعترض لكنه ارجع كل شيء لموافقة شقيقتي .. وسألها عن رأيها فقالت إنها تفضل أن تكمل دراستها .. فاتفقنا على تأجيل بحث الموضوع إلى وقت آخر .. وما أن انصرف الضيفان حتى هجت كالبركان هياجاً شديداً متهماً أختي والجميع بأنهم يريدون إحراجي مع صديقي وأعلنت أن أختي لابد أن توافق عليه شاءت أم أبت حرصاً على كرامتي وكلمتي , فأرادت أختي تهدئتي فطلبت مهلة للتفكير , وتكررت زيارة صديقي للبيت دون أن نعطيه كلمة قاطعة , وكلما انتهت زيارته عدت للهياج والثورة على كل من في البيت وأبي صامت لا يملك لي شيئاً , وأمي صامتة عاجزة وشقيقي يحاول التفاهم معي بهدوء فأكاد أبطش به حتى يتدخل بيننا أبي وينقذ الموقف .

وفي وسط هذه الزوابع فاجأتنا أختي بإعلان موافقتها على الخطبة حسماً للنزاع وطلباً لعودة الهدوء للأسرة ورغم إدراكي أنها توافق كارهة فقد سعدت بموافقتها وتم تحديد موعد الخطبة , وجاء صديقي ومعه أهله وتمت الخطبة وهنأنا جميعاً شقيقتي رغم الحزن الواضح في وجهها ورغم الدموع التي تفلت من عينها وانصرف الخطيب وأهله .. وعاد كل منا إلى غرفته ومضت ساعة ثم فجأة سمعت صرخة عالية , فجرينا إلى مصدر الصوت فإذا بأختي والنيران تمسك بملابسها وهي تصرخ صرخات رهيبة وبكل ما استطعنا من قوة رحنا نحتضنها بالبطاطين لنطفئ النار .. وهي تصرخ صرخات تدمي القلب وتبكي ونقلناها للمستشفى على عجل فبقيت فيه أسبوعين لم تكف خلالهما عن الصراخ والعويل ثم .. ثم .. فاضت روحها إلى بارئها .. وتركت ورائها الكآبة والحزن وعذاب الضمير , ومنذ ذلك اليوم الأسود وأمي لا تكف عن البكاء , وأبي يواسيها أحياناً ويشاركها البكاء في أحيان أخرى .. وشقيقي في حالة قاتلة من الحزن والوجوم واليأس لا يبكي ولا يتكلم ولا يخرج ولا ينظر إلي ...وإذا نظر فبكل كراهية الدنيا وكل الاحتقار .

أما أنا ..فمن أنا .. وماذا فعلت .. وماذا جنيت على أسرتي وعلى أختي البريئة التي لم تغضب أحداً ولم ترد علي ذات مرة رداً جافاً ولم تقابل إساءاتي لها إلا بالدموع الصامتة  . أنا آسفة . وهي غير مخطئة .
لو كان البكاء يفيد لما توقفت عنه لحظة , ولو كان الندم يعيد ما راح فأنا نادم حتى آخر العمر .. فلقد استيقظ ضميري .. ولكن متى ؟ إنني انتظر كلماتك الحانية لعل أبي وأمي يجدان فيها ما يخفف عنهما نكبتهما .. أما أنا فإن شئت أن تسبني بأقذع الألفاظ فافعل , فإني استحق كل ما سوف تقوله ...وأريد أن أعاقب نفسي وأتطهر من ذنبي واخفف عن أبي وأمي وشقيقي ...فماذا أفعل ...وماذا تقول لي ؟


ولكاتب هذه الرسالة الأليمة أقول :
ليس لك عندي سباب مقذع ولا شتائم , لكن لك عندي تحليل مؤلم لأسباب نكبة أسرتك بك التي بلغت قمتها الدرامية بهذا الحادث المفجع , فأنت يا سيدي نموذج " مثالي " لما تثمره التربية الخاطئة من كائنات بشرية تخصم من الحياة ولا تضيف إليها أبداً
وظروفك التي نشأت فيها هي الظروف " النموذجية " لإفراز هذا النوع من البشر ابتداء من التدليل الزائد عن كل حد للابن الوحيد إلى الاستجابة لكل طلباته ورغباته ونزواته بلا أدنى مراجعة أو ترشيد , إلى الفزع الطفولي من تهديداته الجوفاء التي لا يستطيع عملياً أن ينفذها وإنما يستخدمها فقط للضغط على الأبوين المتهافتين لإملاء رغباته ..إلى غياب الأب الطويل عن الإشراف على تربية الابن في سنوات التكوين الأولى ومرحلة المراهقة بغير حزم بديل من جانب الأم يعوض هذا الغياب .. إلى الصوت " الحاني " الذي كان يأتي عبر الأثير لينصح في رفق ولين ويكاد يتوسل بدلاً من أن يأخذ بالحزم الرشيد , إلى تكريس الأنانية في نفسك بسبب هذه الأخطاء كلها ...إلى تفاعل أنانيتك واعتيادك بالإحساس بأنك مركز الكون مع تغير المعاملة الفجائي من جانب أبويك وانصراف اهتمامهما عنك بدون تدرج إلى شقيقيك ونفض يديهما منك يأساً وقنوطاً بدون مقدمات وبدون محاولة جدية للعلاج .. إلى فشلك الدراسي وتناقضه مع إحساسك غير المبرر بتفردك وامتيازك .. إلى عجزك عن التواصل مع أبويك وشقيقيك وزملاء العمل وافتقادك للأصدقاء الحقيقيين وما تعترف به أنت نفسك من عصبيتك وعدوانيتك .. إلى عزلتك المتكبرة وعجزك عن ممارسة الحب الإنساني لأي إنسان من أبويك إلى شقيقيك إلى الأصدقاء إلى المرأة لأن قلب الأناني غالباً لا يتسع لأكثر من حب .

فتضافرت كل هذه العوامل السلبية لتثمر هذا " الأنا المتضخم " العاجز عن التواصل مع الآخرين والذي لا يقترب من أحد إلا أذاه أو جرح مشاعره ربما بغير قصد أحياناً
ولقد كان من الممكن أن تظل كما أنت محدود الأثر والخطر على الآخرين لو لم تستجب لنوازع كبريائك الممقوتة وتقحم نفسك على حياة شقيقتك البريئة وتعتبر خطبتها لمن تعتبره صديقك وما أظن أنك تعرف نعمة الصداقة الحقيقية , مسألة كرامة شخصية لك فتتجاهل أبسط الاعتبارات التي يحرص عليها الإخوة الحقيقيون وهي سعادة الأخت ورغبتها فيمن تتزوجه ....فكانت الكارثة أن استجابت لك المسكينة كارهة لترحم أسرتها من الجحيم الذي صنعته لها , ثم حين تحول الأمر إلى واقع لم تحتمل مجاراتك فيه إلى النهاية فاستجارت بلهيب النار من لهب أنانيتك وقسوتك

وليتها ما فعلت ولا استجابت لك من البداية ولا أرضت غرورك بقبولها وموافقتها وهي كارهة , وليتها واجهتك بالرفض بشجاعة حتى النهاية وليكن من أمرك ما يكون , وليت أبويك كانا أكثر صلابة معك وأكثر قدرة على فرض إرادة الأسرة عليك أو إبعادك عن التدخل في حياة شقيقتك ..إذن لنجت الفتاة الوديعة من هذا المصير المؤلم ...ولنجت الأسرة كلها من هذا السعير .

يا إلهي ...كيف تقف نصوص القانون عاجزة عن القصاص من أمثالك ؟

أليست القسوة العقلية التي تدفع فتاة وديعة للتخلص من حياتها جريمة بشعة تستحق العقاب الذي يعاقب به القانون على جريمة القسوة المادية ؟

أليس الإكراه النفسي جريمة تستحق عقاباً كعقاب جريمة الإكراه البدني ؟

أليس هذا قتلاً بغير سلاح إلا سلاح القسوة والأنانية وضيق الأفق والتكبر الأجوف ؟

إنك تنتظر مني كلمات حانية .. ولقد حاولت جاهداً أن أنسج بعضها فعجزت رغم صدق رغبتي في مواساة أبويك والتخفيف عنهما إذ ماذا تستطيع الكلمات أن تقدم لهما و نكبتهما قديمة ولم تبدأ بهذا الحادث الأليم وحده ؟ عسى الله إذن أن يخفف من أحزانهما على هذه الزهرة البريئة ...وعسى الله أن يخفف من آلام شقيقك الذي فقد توءم روحه ورفيقة ملاعبه وصباه .

وعساك أنت أن تكفر عن جرائمك في حق أسرتك وفي حق الحياة بالتخلص من كل آثامك وأنانيتك وعدوانيتك وبصدق الندم والتوبة والاستغفار وبانتهاج النهج القويم في معاملة أبويك وشقيقك مدى الحياة وبالبكاء ندماً على آثام لا يغسلها إلا موج الدمع الصادق ولا يطهرها إلا صدق التوبة .

وإني لأعتبر رسالتك هذه واعترافك بكل ما فعلت وإدراكك له ومراجعتك لحياتك على هذا النحو ...أول خطوة على هذا الطريق فعسى أن تواصله للنهاية
وقديماً قال احد الفلاسفة : حين تبدأ معركة المرء مع نفسه وحسابه لها يصبح في تلك اللحظة فقط جديراً بحمل لقب إنســــان !


˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙
كتبها من مصدرها بكتاب شركاء في الحياة 
Somaia Elkilany

راجعها 
Khaled Amin


أعدها للنشر
Neveen Ali







إقرأ المزيد Résuméabuiyad

 

سجل إميلك وتوصل بمواضيعنا :