زهور الصبار .. رسالة من بريد الجمعة


أنا فتاة في الثالثة والعشرين من عمري أعيش مع أبي وأمي وشقيقة تكبرني بعامين ونحيا حياة عادية ونسكن في شقة من ثلاث غرف واسعة في حي قديم .. بها كل الكماليات ولنا أنا وأختي غرفة خاصة بنا بها سريران وبعض المقاعد وتسريحة واسمها في البيت غرفة البنات ولأمي وأبي غرفة خاصة بهما والثالثة للصالون .. أما السفرة فمكانها الصالة وقد استبدلناها منذ فترة قصيرة بسفرة مستديرة صغيرة الحجم ليتسع لنا المجال للحركة في الصالة ... ولكي نحول جزءا منها إلى غرفة معيشة نشاهد فيها التلفزيون , وأمي سيدة تعلمت حتى الإعدادية وتقرأ الصحف والمجلات وتحب مشاهدة المسلسلات التلفزيونية ومباريات الكرة , أما أبي فهو أيضا تعلم في المدرسة وحصل على الابتدائية القديمة ولم يواصل تعليمه الثانوي لأنه تفرغ للعمل مع والده وهو الآن في الرابعة والخمسين من عمره ويجيد القراءة والكتابة ويهتم بقراءة الصحف اليومية ويقرأ كل شيء فيها حتى الإعلانات ويهتم اهتماما خاصا بقراءة صفحة الوفيات .
وقد حرص على تعليمنا وعلى توفير الجو الملائم لنا ولم يبخل علينا بشيء من ناحية الكتب والدروس الخصوصية وخاصة في الثانوية العامة حتى تمكنا من اجتياز عقبتها من أول مرة وبمجموع متوسط فالتحقت أختي بكلية نظرية ..وتخرجت فيها بتقدير جيد ...ولحقت أنا بها في نفس الكلية بعد عام وتخرجت فيها بنفس التقدير ثم خرجنا للعمل , ولأن فرصتنا في التعيين لم تأت بعد فقد عملنا في أكثر من عمل بالقطاع الخاص ونحن حاليا نعمل في مكتبين مختلفين وننتظر فرصة أفضل لعمل أكثر ثباتا وضمانا .
وخلال دراستنا في الكلية وخلال عملنا حرصنا أنا وأختي على أن نظهر دائما بالمظهر اللائق من حيث الملابس فكنا "وما زلنا" والحمد لله نرتدي الملابس الأنيقة البسيطة التي تساعدنا أمي في تفصيل بعضها ونشتري البعض الأخر من راتبينا .. ويهدينا أبي بعضها في المناسبات والحقيقة أننا وبغير تواضع جميلتان .. إن لم نكن جميلتان جدا كما أننا معروفتان بالأناقة والشياكة .. وجيراننا وحتى والدنا يتعجبون من أناقتنا ومن أن كل ما نرتديه يصبح جميلا علينا ولو كان رخيصا .. والحمد لله على ذلك لأننا نرى حولنا في العمل من يرتدين ملابس فاخرة لا نقدر على ثمنها ومع ذلك لسن أنيقات وآسفة لأنني سأضطر لأن أمدح نفسي وأختي مرة أخرى لكنها الحقيقة والله عالم بكل شيء وأقول لك أيضا أننا مهذبتان وملتزمتان أخلاقيا ولم نعرف اللهو في حياتنا .. أضف إلى ذلك أن "لساننا حلو " كما يقولون والجميع في شارعنا "يحلفون"  بحياتنا وأدبنا وخفة دمنا ولباقتنا .. فنحن "ظريفتان " فعلا والله العظيم وجاراتنا يحببن جلستنا وكلامنا , وربما أكون قد أطلت في وصف "مميزاتنا" لأقول لك أنه كان من الطبيعي مع هذه المؤهلات أن يكثر خطابنا والراغبون في الارتباط بنا .. وقد كثروا فعلا منذ أواخر أيام الدراسة الجامعية لكن شاء حظنا أن يكون كل من يقترب منا ويرغب في الارتباط بنا دائما من علية القوم أي ابن موظف كبير في درجة نائب وزير مثلا . أو ابن مدير كبير أو ابن رجل أعمال ينجذب كل منهم إلى واحدة منا ..ويقترب ويبدي اهتمامه ورغبته في الارتباط بها , ويطلب معلومات عنها , فتفتح له صدرها وتعطيه ما يريد من معلومات فما إن يعرف مهنة أبي حتى يطير ويختفي كأنه " فص ملح وذاب " .
وتكررت هذه الحكاية معنا في الجامعة .. وفي الإعمال التي التحقنا بها عدة مرات حتى أن أختي تركت شركة خاصة كان عملها مريحا ومرتبها جيدا خصيصا لهذا السبب .
مع أن مهنة أبي شريفة وهي التي صنعت منا هاتين الفتاتين المتعلمتين الأنيقتين اللبقتين اللتين يتهافت عليهما الخطاب , ولقد تكررت هذه الحكاية معنا عدة مرات حتى بدأنا نتعقد .. وبدأنا نحكي لأمنا عنها , لكن ذلك لم يؤثر أبدا على حبنا لأبينا واحترامنا له .. فهو مثال الأب الحنون الذي لا يبخل علينا بشيء .. وهو يدخر لكل منا منذ طفولتها مبلغا لكي يكون لنا ما نستند عليه عند الزواج .
ومع ذلك فقد أحس بمشكلتنا .. وقال لنا أنه ورث مهنته أبا عن جد وأن كثيرين يتصارعون للحصول على ترخيص كالترخيص الذي ورثه عن أبيه ..وأنه لولا أن العمر تقدم به لفكر في أن يستبدله بعمل آخر كالتجارة .. لكنه يخشى إن فعل الآن أن يخسر كل شيء لأنها ليست مهنته ولا يجيدها .. ولأنه لم يعرف في حياته عملا آخر إلا هذا العمل .
فأسرعنا أنا وأختي نقطع عليه كلامه ونقول له أننا فخورتان به وأنه يكفي أنه ربانا وعلمنا تعليما عاليا .. وانتهى الموضوع عند هذا الحد .. لكن أزمتنا لم تنته .. فالمشكلة مازالت مستمرة .. ومازال من يقترب منا يسرع بالفرار بعد أن يعلم, أما من يتقدمون إلينا ويرضون بمهنة أبي فيكونون دائما متزوجين لكنهم محتاجون إلى الحنان .. كما يقولون !
فماذا نفعل يا سيدي لكي ننال حقنا في الزواج الطبيعي والسعادة هل نرغم أبانا وهو في هذا السن أن يغير مهنته .. وهو ما لا نرضاه له .. أم نتبرأ منه كما يفعل الأشرار وهو ما لا نرضاه لنفسينا ولديننا .. ولماذا يحمل الناس هذه النظرة الضيقة لبعض المهن الشريفة الضرورية وهل يمكن أن تقول كلمة لهؤلاء الذين يعرضوننا كل مرة لهذا الإحراج السخيف وأنت طبعا قد فهمت أن مهنة أبي الشريفة هي بمجال الدفن !

ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
عند الانجليز مثل غريب يقول " من أحبني أحب كلبي " .. أي من أحبني بصدق فلسوف يحب كلبي بالتبعية لأني أحبه ولأنه سيحب كل من أحبه حتى كلبي الصغير .. وفي الشعر العربي القديم بيت ظريف يقول فيه الشاعر :
"وأحبها وتحبني                     وتحب ناقتها بعيري !"
بمعنى أن الحب قد امتد من الحبيبين إلى مطيتهما فأحبت ناقتها بعيره .. وأحب بعيره ناقتها وأريد بذلك أن أقول أن من يرغب بصدق في الارتباط بإنسانة رأى فيها حلم حياته وشريكة عمره لا يتوقف عند هذه الاعتبارات .. بل يقبل بها وبكل ظروفها ويحب أعزاءها ويعتز بهم كما تحبهم هي وتعتز بهم .. وكل الشبان الذين اقتربوا منكما ثم ولوا الأدبار بمجرد معرفتهم بمهنة أبيكما الشريفة والضرورية للحياة وألا انتشر الطاعون والأوبئة في المجتمع, لم تتعد رغبة أحدهم فيكما حدود الإعجاب المبدئي بجمالكما .. لهذا لم يصمد الإعجاب للمفارقة التي يلمسونها بين مظهركما المغري وبين حياتكما بحقائقها الاجتماعية التي لا تعيبكما لكنها تصدمهم .. ومشكلتكما الحقيقية ليست في ذلك .. "لكنها إن صح تقديري " في تطلعكما الداخلي إلى الخروج من إطار حياتكما الاجتماعية إلى حياة أخرى تريان أن جمالكما وأناقتكما يرشحانكما لها . لهذا كثر الاقتراب .. وكثر الفرار .. لأن من اقتربوا كانوا دائما من رموز هذه الحياة التي تريانها جديرة بكما .. ولو كان الأمر غير ذلك لانجذب أيضا إلى جمالكما آخرون من دائرة الأسرة والحي الذي تقيمان فيه ولا بد أن هناك في دائرة الأسرة المحيطة بكما شبانا جامعيين من غير الباحثين عن الحنان يعجبون بجمالكما وظرفكما ومؤهلاتكما التي تنال تقدير سيدات الحي كما تقولين ولو حدث ذلك لما واجهتما المحنة كل مرة .. لأن من يقترب منكما سيكون بكل شيء يعلم قبل الاقتراب .
على أية حال لا تقلقي فأنتما مازلتما في أول الشباب .. وستأتي فرصكما تجري .. والجمال في النهاية تاج يجذب إليه الكثيرون وقد أضفتما إليه مؤهلات أهم منه كالالتزام واللباقة والذكاء الاجتماعي وحلاوة اللسان .. لهذا سيأتي فارس الأحلام الذي يرغب فيكما بصدق ويرتبط بكما عاطفيا .. والارتباط العاطفي الصادق هو الذي يصمد لأية مفارقة ويتحداها .. وحبذا لو كان من محيطكما العائلي أو الاجتماعي لأن التكافؤ الأسري من أهم مقومات الزواج الناجح .. ولأن من لا يقبل بكما وبكل ظروفكما عن اقتناع صادق وحقيقي وليس عن ضعف عابر أمام الجمال لن تسعدا معه ولن تجدا عنده ما ترغبان فيه من أمان واستقرار .. وكل آت قريب بإذن الله .


كتبها من مصجرها بكتاب العصافير الخرساء
سمية الكيلاني

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali


إقرأ المزيد Résuméabuiyad

النظرات المحرومة .. رسالة من بريد الجمعة


أتابع قراءة بابك باهتمام‏..‏ ليس فقط لمجرد الاستفادة بتجارب الآخرين وخبرتهم‏,‏ وإنما أيضا علي أمل أن أقرأ فيه مشكلة مشابهة لمشكلتي‏..‏ فأستفيد بردك عليها في حل مشكلتي بغير أن أضطر للكتابة‏..‏ عما يحرجني الإشارة إليه وأتكتمه عن الجميع‏..‏ لكني لم أجد للأسف حالة مشابهة لحالتي‏,‏ ولم يعد أمامي مفر من الكتابة ومعاناة الحرج‏,‏ فأنا سيدة في السابعة والعشرين من عمري‏,‏ حباني الله سبحانه وتعالي بنعمة الجمال والذكاء‏,‏ وتفوقت في دراستي والتحقت بإحدي كليات القمة‏..‏ وتلقيت خلال دراستي الجامعية عروضا كثيرة بالزواج من زملاء يكبرونني في السن ومن معيدين بالكلية‏..‏ ولم استجب لأي منها‏..‏ ولاحظت خلال مرحلة الدراسة أن هناك زميلا منطويا على نفسه وقليل الأصدقاء يلاحقني بنظراته المحرومة الصامتة دون أن يقترب مني أو يحاول الحديث معي‏,‏ وظل هذا الزميل يركز علي نظراته هذه حتي بدأت أشعر بأنها تراقبني طوال الوقت‏,‏ وفي السنة النهائية تشجع زميلي وصارحني بحبه وقال لي إنه لن يقوى على مواصلة الحياة بدوني‏,‏ وبلا تردد وجدتني أنجذب إليه وأشعر بأهميتي بالنسبة له‏..‏ واستشعر صدق مشاعره‏,‏ وبدأ ارتباطنا في السنة الأخيرة من دراستنا الجامعية‏,‏ وبالرغم من ظروفنا المادية الصعبة عقب التخرج فلقد تزوجنا على الفور‏..‏ ولم تؤثر بساطة الشقة التي أقمنا بها ولا صعوبة الحالة المعيشية في البداية على إحساسنا بالسعادة واجتماع الشمل‏.‏ شيء واحد فقط أثار قلقي وتساؤلاتي‏..‏ هو أن زوجي راح ومنذ الليلة  الأولى لنا معا كزوجين يبيت وحيدا على الأريكة الموضوعة في الصالة‏,‏ وبعد يوم طويل نتبادل فيه الحب والاحترام والمعاملة الطيبة الرقيقة والاهتمام يعانقني زوجي معانقة أخوية ويتركني لأنام ثم أستيقظ في الصباح فأجده نائما فوق الأريكة‏..‏ ولا أدري ما السبب‏..‏ ولا أجرؤ على سؤاله عنه ويمنعني حيائي من معاتبته بهذا الشأن‏,‏ وبعد عدة شهور استجمعت شجاعتي وافتعلت معه مشكلة تافهة‏,‏ ثم تعاتبنا بعدها فواجهته بما يحيرني فيه‏,‏ وفوجئت به يرتبك ويتضرج وجهه بالإحمرار حتى ندمت على إحراجه وأشفقت عليه‏..‏ ثم راح يعتذر لي عما أزعجني‏..‏ ويعدني بأن يتجنبه‏.‏ وسعدت بذلك واعتبرت معاناتي قد انتهت وبدأ زوجي بالفعل يهجر الأريكة وينام إلى جواري‏,‏ ولكن كما ينام الصغير بين أحضان أمه‏..‏ في وداعة وبراءة وإحساس بالأمان ولا شيء آخر‏.‏

وحاولت أن أبحث في طفولة زوجي الحبيب عن تفسير لذلك بالرغم من أنه قد نشأ في أسرة متماسكة مترابطة ومتحابة‏,‏ وبحذر شديد وحرص علي ألا أجرح مشاعر زوجي أو كرامته‏,‏ بدأت أسأل والدته أمامه عن أحواله وهو طفل صغير لعلي أجد خيطا يمكن البدء به في طريق العلاج‏..‏ فلم أجد فيما سمعته منها أي شيء يسهم في حل المشكلة‏.‏
فكتمت سري عن الجميع وتعلقت بالأمل في المستقبل‏,‏ ورضيت من الحياة بالعشرة الطيبة والمعاملة الرقيقة وطوفان الحب الذي يغرقني به زوجي‏,‏ وبتعلقه الشديد بي كالطفل الذي يتعلق بأمه ولا يقوى علي فراقها‏,‏ وشعرت بأنني أمه بالفعل ولست زوجته بالرغم من أنه يكبرني بثلاث سنوات ومضي العام الأول والثاني من الزواج ونحن علي هذه الحالة‏..‏ وألححت علي زوجي في عرض نفسه علي الطبيب النفسي عسى أن يساعدنا علي تجاوز المشكلة‏,‏ فرفض هو في البداية إلى أن هددته بالانفصال عنه‏,‏ وذهبنا معا إلي الطبيب‏..‏ ولم يتوصل الطبيب بعد جلسات عديدة للسبب الحقيقي لمشكلة زوجي‏..‏ حتى سلمت أنا شخصيا باليأس‏,‏ وبدأت  
أحاول التكيف مع حياتي على ما هي عليه وفكرت كوسيلة للتشاغل عن أفكاري وأحزاني في أن أعمل‏,‏ وعملت بإحدى الشركات فوجدت نظرات الإعجاب تلاحقني‏..‏ ثم ظهر مدير الشركة في الصورة وأبدي اهتماما خاصا بي‏,‏ وراح يشعرني برغبته في الارتباط بي‏ ويبدي إعجابه بالقدر الكبير من الحنان الذي يستشعره في شخصيتي‏..‏ وأزعجتني كلمة الحنان هذه أكثر مما أزعجتني محاولاته معي لأنني أثق في نفسي بالرغم من معاناتي‏,‏ وتساءلت‏:‏ ماذا في شخصيتي يشعر الآخرين بالحنان الأمومي هذا مع أنني لم أنجب ولم أعرف الأمومة ؟

ولولا نشأتي في بيت أقيم على دعائم الإيمان والتقوى وخشية الله لضعفت واستجبت لمحاولات من حولي‏,‏ في النهاية اضطررت إلي ترك العمل بهذه الشركة‏,‏ لكي أسد علي الآخرين الطريق الخاطيء‏,‏ وانتقلت للعمل في شركة أخرى فلم يتغير الحال كثيرا‏.‏
والآن يا سيدي فقد مضت ست سنوات على زواجي ومازلت أعيش حياتي الزوجية البريئة‏..‏ منذ ليلتها الأولى ومازلت أحب زوجي للغاية‏,‏ وأحب حبه لي‏,‏ وفي كثير من الأحيان يتعلق زوجي برقبتي ويبكي كالأطفال ويقول لي إنني لو ابتعدت عنه أو تركته فإنه سيموت لا محالة‏,‏ وأنه لا يفكر في شيء وهو في عمله سوي في العودة لأحضاني الدافئة‏..‏ وأنا لا أرغب في هجره ولا في تركه لأنني أحبه‏,‏ لكني بت أخشى علي نفسي من الفتنة ولم أعد قادرة على مواصلة الاحتمال وأريد أن أصبح أما حقيقية لطفل من لحمي ودمي‏..‏ فهل أتركه وأطلب الطلاق مع ما سيكون لذلك من عواقب وخيمة على زوجي الحبيب‏..‏ أم هل أترك نفسي للتيار يجرفني إلي ما يغضب ربي وأنا التي حرصت العمر كله علي إرضائه‏,‏ أم هل أصبر إلى نهاية العمر واسلم أمري إلي الله‏.‏
إنني أرغب في الاختيار الأخير لكن كيف السبيل إليه‏..‏ وماذا تقول لي وهل هناك حل آخر لمشكلتي ؟ 

ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
أشاركك الحرج ياسيدتي في الحديث عن هذه المشكلة الشائكة‏,‏ لكنه ليس من الحكمة أن نتجاهل بعض مشاكلنا تحرجا من حساسيتها‏,‏ ولا أن ندفن رءوسنا في الرمال ظنا منا أن من لانراه لايرانا كما يتعامل البعض مع مشاكلهم‏.‏ والحق أن المشكلة التي تثيرينها من أعقد المشاكل الإنسانية وأكثرها تأثيرا على الأسرة والعلاقات العائلية‏..‏ ولهذا فإني أعتقد أنك وزوجك لم تتعاملا معها بالجدية الكافية حتى الآن‏,‏ فإذا كنت ألتمس لك بعض العذر في ذلك من حياتك وتحرجك من الإلحاح عليه بالتعامل الجاد معها‏,‏ فإن زوجك لا عذر له ـ بالرغم من إشفاقي على ظروفه المؤلمة‏..‏ في ألا يتعامل مع مشكلته بالاهتمام الكافي وهو الرجل الذي لا يعيبه طلب العلاج لمشكلة يعانيها وإنما يعيبه بالتأكيد أن يتراخى في ذلك أو يتقاعس عنه‏.‏
وعلي أية حال فإن الأمر يتطلب أن تبدآ من جديد البداية السليمة لطلب العلاج لهذه المشكلة‏..‏ على أن تكون الخطوة الأولي على طريقه هي استشارة طبيب متخصص في أمراض الذكورة‏,‏ فإذا أثبتت الفحوص أنه ليست هناك أسباب عضوية لحالة زوجك فإن الخطوة الثانية هي استشارة الطبيب النفسي من جديد والصبر علي طول العلاج وجلسات التحليل النفسي مهما تعددت‏,‏ ذلك أن لانعدام الرغبة الحسية أو نقصها أسبابا نفسية عديدة‏..‏ منها وقد يكون ما يراه عالم النفس الشهير فرويد من أن الرجل قد يفشل أحيانا في الجمع بين مشاعر الحب ومشاعر الرغبة تجاه نفس المرأة‏,‏ ومنها في حالات أخرى القلق المزمن والاكتئاب وشعور المرء بالدونية تجاه شريكته أو شعوره بأنه غير مرغوب منها‏..‏ وفي بعض الحالات الأخرى قد يكون انعدام الرغبة تعبيرا عن العداء النفسي للشريك‏,‏ أو الخوف منه‏,‏ أو العجز عن حل الصراع الأوديبي حسب تعبير فرويد بين تقديس المرأة التي تمثل للرجل رمز الأم‏..‏ وبين الرغبة الحسية فيها‏..‏ وفي كل الأحوال فلابد من الصبر على العلاج النفسي الطويل إلى أن يؤتي ثماره المرجوة‏,‏ فإذا استعصت  
الحالة بعد ذلك على العلاج فلا مفر من مواجهة الحقيقة في النهاية مهما تكن مرارة العواقب والقاعدة الشرعية هي دفع الضرر الأكبر بالضرر الأصغر‏,‏ والضرر الأكبر هنا هو خطر تعرضك للفتنة وإنهيار مقاومتك وسقوطك لا قدر الله في بئر الخطيئة‏..‏ أما الضرر الأصغر فهو تكبد زوجك لألم فراقك ومعاناتك أنت آلام هذا الفراق بعض الوقت‏.‏
وآلام البتر في بعض الأحيان تنقذ بقية الجسم من الهلاك‏,‏ ومرارة الانفصال بالنسبة لزوجك العاشق‏,‏ أهون في النهاية من أن يكابد العذاب الأكبر إذا ضعفت مقاومتك ذات يوم وغلبك التيار علي أمرك‏..‏ وقديما قال أحد الحكماء إن من أعظم البلايا مصاحبة من لا يوافقك ولا يفارقك‏..‏ وعجز أحد طرفي العلاقة الزوجية عن تلبية احتياجات الطرف الآخر العاطفية والنفسية نوع من عدم الموافقة وضرب من العذاب المرير يذكرنا بعذاب فرانشيسكا وحبيبها في الكوميديا الإيطالية للشاعر الإيطالي العظيم دانتي‏,‏ فلقد صور دانتي في أحد منازل الجحيم فرنشيسكا العاشقة هذه وحبيها وقد تواجها وكل منهما يشتهي أن يقبل الآخر فتتلاعب بهما رياح الجحيم وتقربهما من بعضهما البعض‏,‏ فإذا خيل إليهما أنهما قد أوشكا في النهاية علي أن ينالا القبلة المحرمة باعدت بينهما الرياح‏.‏ ثم رجعت وقربت بينهما من جديد‏,‏ وتكرر الأمل في الارتواء وتكرر الحرمان منه في اللحظة الأخيرة وهكذا إلي ما لا نهاية ولا هما ينالان مايشتهيان ولا هما ييأسان من الأمل المحروم أبدا‏.‏
أية حياة هذه ياسيدتي تستطيعين احتمالها إلي نهاية العمر وأنت في أوج شبابك وجمالك ونظرات الإعجاب ونداءات الإغراء تحيط بك من كل جانب‏.‏
وهبك استطعت الصبر علي نفسك بضعة شهور أخري‏,‏ فمن يضمن لك القدر علي الصبر علي مكابدة الحرمان بقية العمر‏..‏ والقدرة علي الصمود في وجه الإغراء والغواية إلي النهاية ؟ لقد شبه الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه هذا الحال‏,‏ معلقا  
على فارق السن الكبير بين الزوجين بقوله ما معناه‏:‏
ـ النار تندلع‏...‏ والماء ينقطع‏!‏
بمعني ان نار الرغبة تندلع عند الشباب‏..‏ فلا يسعفها المشيب بإطفاء الحريق بسبب انقطاع الماء عنده‏.‏ وكل ذلك مما يعرض المحروم للفتنة ويفتح أمامه أبواب الغواية‏.‏

إنني أقدر لك حبك لزوجك وإخلاصك له ومحافظتك علي كرامته ومشاعره وتمسكك بقيمك الدينية والأخلاقية بالرغم من حرمانك المؤلم‏..‏ وأتفهم كذلك معاناة هذا الشاب الطيب أعانه الله علي ظروفه‏,‏ وحبه لك‏..‏ وتعلقه الأوديبي الشديد بك‏,‏ لكنه ليس من العدل أن تضعي نفسك بين خيارين كلاهما مر هما الحرمان أو تنكب الطريق القويم‏,‏ والانجراف إلي هاوية الخطيئة‏.‏
فابدآي علي الفور العلاج بجدية وحماس من جديد لإبراء الذمة قبل اتخاذ القرار المصيري‏..‏ ثم اتخذي في حالة فشل العلاج وانقطاع الأمل فيه قرارك بشأن حياتك ومستقبلك بلا تردد مهما يكن هذا القرار مؤلما للطرفين أو قاسيا خاصة أنك لم تنجبي حتي الآن‏,‏ ولن يكون لهذا القرار من ضحايا إلا زوجك المحكوم بأقداره المحزنة للأسف‏..‏ فضلا عن أنه من حقك في النهاية ان تمارسي الأمومة الحقيقية ذات يوم إذا فشلت كل الجهود ولم يعد هناك مفر من آلام الجراحة‏.


* نشرت بتاريخ 3 نوفمبر 2000


نقلها من أرشيف جريدة الأهرام
رفيدة محمد إسماعيل

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali


إقرأ المزيد Résuméabuiyad

الشكوك المدمرة .. رسالة من بريد الجمعة


أبعث برسالتي إليك لأنني احتاج لمن يفكر بدلا مني‏,‏ حيث أنني الآن في حالة انعدام وزن‏,‏ ولم أعد قادرة علي التفكير أو التصرف الصحيح لاعتبارات كثيرة‏.‏
فأنا زوجة شابة عمري‏27‏ عاما‏,‏ وقد تزوجت منذ أكثر من أربع سنوات‏,‏ ووهبني الله بنتا عمرها الآن أقل من أربع سنوات‏,‏ وولدا عمره سنة وأربعة أشهر‏,‏ وأعمل مدرسة وزوجي عمره ‏35‏ سنة‏,‏ ويعمل بإحدى الوزارات‏,‏ وقد تزوجته في إطار عائلي‏,‏ وكان هو وقتها يعمل في دولة عربية‏,‏ فاختارتني والدته وتمسكت بي‏,‏ وعندما عاد بارك اختيار أمه‏,‏ وتمت الخطبة التي كللها الحب والوفاق‏,‏ فكان يخاف علي ويحبني بجنون‏,‏ وأنا بادلته نفس المشاعر الصادقة‏.‏

ولقد ظل زواجنا هادئا طيلة ثلاث سنوات‏,‏ وإن لم يخل من بعض الخلافات العادية التي كانت تنتهي سريعا‏,‏ بالصلح لكنه منذ أكثر من عام‏,‏ بدأت الكارثة ذلك أن لي أختا تصغرني بست سنوات لم تكمل تعليمها‏,‏ وليست أكثر مني جمالا‏,‏ وإنما هي عادية‏,‏ ولأنها لم تكمل تعليمها لأسباب ترجع لسوء تصرفها‏,‏ فهي لا تحافظ علي الصلاة وكثيرة السب واللعن ودائما ناقمة وساقطة ومتعجلة‏.‏
فأنا وأختي الأخرى نرتدي الحجاب منذ الصف الأول الإعدادي‏,‏ أما هي فلم ترتده‏,‏ فملابسها تظهر مفاتن جسمها‏,‏ حتى أنني خجلت من كثرة نظر الشباب إليها ونحن نمشي معا في الشارع‏,‏ وفي  
إحدى المرات قلت لها إنني لم أعد أود الخروج معها في أي مكان‏,‏ لأنني أكره نظرات الذئاب البشرية لها‏.‏

المهم هو أنني حين وضعت طفلي الثاني قضيت بعدها أسبوعين عند والدتي‏,‏ وبمحض الصدفة سمعتها في إحدى الليالي وأنا أرضع صغيري فجرا‏,‏ تتحدث في التليفون‏,‏ فسألتها فلم تعطني إجابة مقنعة وقصت علي نفس الكلام التي خدعت به الأم‏ (‏ ذات الخبرة والحزم‏),‏ وإنها التقت برجل في الشارع وأعطاها بطاقته‏,‏ وطلب منها أن تتصل عليه‏,‏ وأن لديه مشاكل سوف يسويها‏,‏ ثم يتقدم للزواج منها‏,‏ وكل ذلك غير صحيح لأنها تعرفت به عن طريق احدي صديقاتها وهو يكبرها بنحو ‏18‏ سنة ولا يبدو جادا في علاقته بها‏,‏ وقد قلت لها ذلك وظللت أؤكد وأنصح ولكن دون جدوى فعقلها متحجر ولا تقبل النصيحة من أحد بدعوى أنها تعتبر ذلك تقليلا من شأنها‏,‏ وردت علي بعنف‏,‏ ولم أتوقف عن نصحها من حين لآخر‏,‏ واتجهت إلى أمي‏,‏ انصحها هي الأخرى‏,‏ وأكدت لها انه يضحك على عقلها بالكلام‏,‏ وليس هناك مبرر لاستمرار هذه العلاقة الساخنة تليفونيا‏,‏ وللأسف الشديد لاحظ زوجي هذه المكالمات التي تمتد لساعات متأخرة في الليل ومن هنا بدأت الكارثة‏,‏ فهو بطبعه فضولي ويحب معرفة كل ما يدور من حوله سواء يخصه أو لا يخصه وقد بدأ يحفر وراءها حتى عرف انه ليس حبا ولا إعجابا‏,‏ وإنما لمجرد التسلية فقط‏,‏ وأنها هي التي سعت وراءه عن طريق صديقة السوء‏,‏ وأنها ذهبت إلى مسكنه‏,‏ الذي أخفت عني انه بجوار بيت زوجي‏,‏ وأنها كانت تذهب إليه قبل أن تأتي لزيارتي دون أن يشعر أحد‏.‏

وبدأ زوجي يتدخل بحجة أنها سوف تكون وصمة عار لنا لأنها خالة ابنته‏,‏ وذهب إلى هذا الرجل الذي يعرف إخوتي جيدا‏,‏ ويعرف أيضا أنها أختهم وتحدث معه واتفقا علي إنهاء هذه العلاقة‏,‏ دون أن يعلم احد من أهلها‏,‏ وكان الرجل عند وعده‏,‏ لأن  
لديه البديل وليس في حاجة إلى مشكلات‏,‏ وجاء دورها مع زوجي فأخذ يهددها ويسجل لها مع هذا الرجل حتى اعترفت له‏,‏ وراح يضيق عليها الخناق‏,‏ ويجبرها على عدم التحدث في التليفون‏,‏ وينقل جميع الأرقام التي تظهر‏,‏ حتى يعرف أصحابها من على الكمبيوتر‏,‏ الذي اخذ من وقته الكثير وكرس كل حياته لهذا الموضوع‏,‏ وكنت مصرة على مصارحة والدتي حتى ترفع التليفون نهائيا وتقيد حريتها في الخروج ولكنه رفض بعنف‏,‏ وقال إن والدتك مريضة‏,‏ وسوف يزيد ذلك من سوء حالتها‏,‏ كما انه إذا انكشف الأمر وعرفه الجميع فلن يوقف أختي شئ لأنها ستكون قد أسقطت حاجز الخوف واقتنعت في بادئ الأمر برأيه وشكرت له الشهامة والرجولة والموقف النبيل‏,‏ ثم لاحظت فجأة انه قد بدأ يمدحها ويشيد بها بعد أن كان غاضبا منها‏,‏ وقال لي أنها لم تذهب لهذا الرجل في شقته‏,‏ بل كانت تقابله في الشارع فقط‏,‏ ويدافع عنها ويشيد بها‏,‏ وحرك ذلك بذور الشك في قلبي تجاههما‏,‏ فتزايدت المكالمات‏,‏ والزيارات في كل وقت‏,‏ خاصة عندما أكون أنا ووالدتي خارج المنزل‏.‏

وبدأت حياتي معه تتعثر‏,‏ وتحدث بيننا فجوة من كثرة الخلافات وقد كثرت المشاكل بيننا‏..‏ وكلما حدث أي خلاف بيني وبينه هددني بالطلاق وعندما حدث شقاق بيني وبين أختيه أصر على الطلاق‏,‏ وترك لي الشقة‏,‏ وتنازلت عن كرامتي واعتذرت لأختيه‏,‏ بالرغم من سوء تعاملهما معي‏.‏
وأصبح الشك يطاردني في كل مكان ويقتلني في اليوم مئات المرات‏,‏ فذات يوم كان ذاهبا مع أمي إلى مصلحة الجوازات لكي تتسلم جواز سفرها‏,‏ فطلب منها رفقا بها إرسال أختي معه لتتسلمه بدلا من إرهاقها في الذهاب‏.‏

وعندما عدت إلى المنزل من عملي‏,‏ وجدت آثارا غريبة أثارت الشك أكثر في نفسي فأخذتني الصاعقة وفاتحته في الأمر‏,‏ فلم ألق  
منه سوى الإنكار والاتهام بالجنون‏,‏ حتى انه امسك لي السكين‏,‏ وهددني بها مستنكرا أن اشك فيه بعد كل ما فعله من اجل أختي وعائلتي ولولا بكاء طفلتي ما تركني‏.‏
وتوالت الشكوك به وزاد على ذلك المكالمات في وجودي وغير وجودي ونظرات الإعجاب وأيضا الشوق‏,‏ واختراع الأسباب للذهاب عندها في اليوم أكثر من مرة والتأخر في الذهاب حتى تكون قد نامت أمي وحاولت أكثر من مرة أن الفت نظرها إلى ذلك ولكن دون جدوى ومضى أكثر من عام وأنا في شك بدون دليل على حد قوله‏,‏ وفي كل مرة اكذب نفسي‏..‏ حتى إنني من فرط ما أعانيه أقدمت على محاولة الانتحار مرتين‏,‏ وطلبت منه أكثر من مرة أن يأخذني إلى طبيب نفسي لأني لست إنسانة طبيعية واشك في وجود علاقة غير شرعية بين زوجي وأختي المحرمة عليه شرعا‏.‏

واكتشفت ذات يوم انه لم يذهب إلى العمل وإنما ذهب لزيارتها في الصباح‏,‏ وهو شخص غير مشكوك في أمره لو رآه احد‏.‏ وبعد هذا اليوم قررت ولأول مرة‏,‏ أن أفاتحها هي شخصيا‏..‏ وسول لي غبائي أنها سوف تعترف أو على الأقل ترجع عن هذا الفعل المشين ولكنها وبكل ثقة أنكرت كل شئ واتهمتني بأنني أريد الطلاق من زوجي لأني أرغب الزواج من آخر‏,‏ واتخذها حجة لذلك‏,‏ وكذبت نفسي كالعادة‏,‏ ولاحظ هو تغيرها‏..‏ وعندما عرف منها لم يقدر على مفاتحتي في الأمر واختلق مشكلة معي وسمح لنفسه لأول مرة بأن يضربني أمام أولادي واضطررت تحت وطأة القهر للاعتذار لها عن سابق شكوكي فيها وتوقعت أن تخجل من نفسها وتتوقف عما تفعل لكن الأيام مضت ولا جديد يطمئن قلبي أو يزيح عني هذه الشكوك القاسية‏,‏ إلى أن سافر في رحلة للجنوب وفضلت قضاء فترة سفره في بيت أمي‏,‏ وخلال ذلك وجدت الدليل الذي كان يطالبني بتقديمه على صدق ظنوني فيه وفيها‏,‏ وكان مجموعة من الشرائط سجلها بنفسه لمكالماته معها‏..‏
ولم أتردد حينذاك عن مواجهتها بالشرائط وما يدور فيها مما لا يمكن أن يدور بين فتاة بريئة وزوج أختها‏..‏ وتوقعت أن تنهار باكية ونادمة وتطلب مني العفو والسماح فإذا بها تنفجر في وتقول لي انه هو الذي أرغمها على ذلك وانه ينوي طلاقي‏,‏ والانتظار لمدة سنة ثم يتقدم للزواج منها وأنها لا تمانع في ذلك ولا تري فيه شيئا منكرا لأنني مدرسة وسوف أجد من يتزوجني من بعده أما هي فليس أمامها غيره بعدما كان من أمرها‏!‏ كما أنني التي هدمت بيتي وليست هي‏.‏

وذهلت لما سمعته وسألتها وأين الإخوة وأين صلة الدم وأين الخوف من الله فلم تهتز لكلمة مما قلت بل سخرت منه ورجع زوجي من سفره وواجهته من جديد فأنكر بشدة وأصر على أن علاقته بها لم تتعد الحدود الآمنة‏..‏ فسألته باكية هل قصرت معك في شئ فنفي ذلك ولكنه اعترف لي بأنه قد أحبها وان حبه لها كان قد بدأ اخويا لكنه حين لاحظ علاقاتها بغيره تغيرت نظرته إليها‏..‏ وطلبت منه الطلاق ووافق لكنه ماطل في التنفيذ وكنت مازلت مقيمة لدي أمي وأراها كل يوم ولم أعد أحتمل ذلك فاضطررت للعودة إلى بيت الزوجية لأتجنب رؤيتها‏.‏
والآن يا سيدي فأني لا أطيق حياتي ولا أجد مخرجا لي سوي الدعاء إلى الله تعالي بالرحمة والصبر وحسن الأجر لأني أعلم أن ما أكابده هو اختبار وبلاء من الله لي وقد سمعت انه قد أرسل خطابا إلى أختي بعد أن رفعت أمي التليفون يقول لها فيه انه سينقل عمله إلى محافظة أخرى أو يسعي للعمل في الخارج ثم يطلقني ويتزوجها بعد انقضاء فترة العدة وأنا التزم الصمت رحمة بأمي وحرصا على سمعة أخوتي الرجال وإن كانت أمي قد عرفت كل شئ وتتعجب أي شئ اجتذبه إليها وهي لا تفوقني في شئ وأنا الزوجة المخلصة الملتزمة المحافظة علي رشاقتها وأناقتها ويشهد لها الجميع بالأخلاق الكريمة‏.‏ إنني لم أعد أمارس حياتي العملية والاجتماعية واحتد كثيرا علي أولادي ولا يجمع بيني وبين زوجي  
الآن شئ سوي المكان الذي يظلنا‏,‏ وقد ازداد بعدا عني وجفاء معي فماذا افعل يا سيدي؟ إنني أريد ان احذر بعض الزوجات من تدخل أزواجهن في حياتهن العائلية أكثر مما ينبغي ومن اطلاعهم علي مشاكل أخواتهن علي النحو الذي حدث مع زوجي‏,‏ عسي أن يكون من بينهم من يطمعه ذلك فيما لا يحق له وأخيرا فهل تري أي أمل في أن يرجع زوجي عن غيه أو يضيق به‏,‏ خاصة أنه لا يثق بأخلاقيات أختي هذه ولا يأمن لها في حين يثق تماما في طهارتي وإخلاصي وأخلاقياتي ويقول لي إنه لو لم يكن يثق في لما سمح لي بالعمل؟‏.‏

ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏
هناك مواقف محددة في الحياة لا تحتمل التردد أمامها ولا التعلق فيها بحبال الوهم أو الأمل في انفراجها علي النحو الذي نتمناه لأنفسنا بطريقة سحرية وفي اللحظة قبل الأخيرة‏..‏ وإنما ينبغي للمرء فيها أن يحسم أمره بشأنها ويتخذ ما لا مفر من اتخاذه من الخطوات والإجراءات الملائمة ومهما تكن مؤلمة أو مخالفة لكل ما يتمناه لنفسه‏,‏ ذلك أن التردد أمام مثل هذه المواقف المحسومة قسرا عجز عن التبصر والرأي السديد‏,‏والتعلق بالأمل في حلها بطريقة خفية استغراق في الوهم لا عائد له إلا التفريط في الكرامات والحرمات واستنزاف الوقت والصحة والمشاعر فيما لا طائل تحته‏.‏
ومن هذه المواقف يا سيدتي ما تواجهينه الآن من وضع شاذ ومؤلم مع زوج ينبذك عاطفيا وإنسانيا ويعترف لك بلا خجل بعلاقته الشائنة بشقيقتك وتفكيره في الارتباط بها من بعدك‏,‏ ولا يرجع عما يفعل ولا يندم عليه ولا يطلب التجاوز عنه وبدء صفحة جديدة تطهره معك وهو موقف لا يحتمل اللوم والعتاب والمراجعة ومخاطبة الضمائر والقلوب وإنما يتطلب فقط القرار والفعل وتحمل تبعاته مهما يكن حجم الظلم والإجحاف الذي يقع علينا من جراء ذلك وأيا كانت التضحيات التي نتحملها ويتحملها معنا الأبرياء من  
الأطفال ثمنا لما وقع‏..‏ والقرار الوحيد الملائم في مثل هذه الظروف المخجلة هو الانفصال عن هذا الزوج الذي اجترأ علي أقدس الحرمات وتخطي كل الحدود‏,‏ وتوسل بأحقر الوسائل وهي الابتزاز والتهديد للنيل من شقيقتك العابثة ومشاركة من نهلوا من وردها نبعها المحرم بدعوى تقويمها ومنعها من العبث والاستهتار‏,‏ ولم يندم على ما فعل ولم يرجع عنه وإنما يجاهر به ويعتزم كما يزعم مواصلة الطريق مع شريكته في الإثم ولو تطلب الأمر أن يتخلى عن زوجته وأم أبنائه ليرتبط بالأخرى‏.‏

فأي أمل في الإصلاح يمكن ان يرتجي مع مثل هذا الرجل السادر في غيه بلا ذرة ندم أو تبصر؟
وأي حياة زوجية يمكن أن تستمر وتتواصل بعد ما جري؟ إن رؤية الأشياء الصغيرة‏..‏ بصيرة كما يقول لنا الحكيم الصيني لو تسو‏..‏ والأشياء الكبيرة الجسيمة التي ترينها الآن في حياتك الزوجية تقول لنا إن العلاقة الزوجية بينك وبين هذا الرجل قد فسدت فسادا لا يرجي معه أي إصلاح لها على الأقل في الوقت الحاضر‏.‏

وإن علاقتك الإنسانية بتلك الشقيقة العابثة السيكوباتية التي لا تردها عن تصرفاتها ورغباتها أية قيود ولا سدود ولا تتورع عن الاجتراء علي الحرمات قد فسدت أيضا فسادا مزمنا قد يطول الزمن قبل علاجه‏,‏ ذلك انه لا يبرئها من نصيبها الأكبر من المسئولية عن هذه المهزلة الأخلاقية ضغط زوجك عليها بالتهديد والابتزاز لينال منها وطره‏,‏ لأن اعتى العابثات قد يتحملن اقسي النتائج ولا يخضعن بالقول لزوج الشقيقة حرصا على صلة الرحم وصونا للحرمات أيا كان تاريخهن مع العبث والاستهتار الأخلاقي‏.‏
فماذا يبقى إذن سوى مواجهة الواقع بشجاعة وصبر وأمل في رحمة الله أن يعوض المظلوم عما تعرض له من اقرب البشر إليه‏,‏ حسن الجزاء‏.‏
الأطفال ثمنا لما وقع‏..‏ والقرار الوحيد الملائم في مثل هذه الظروف المخجلة هو الانفصال عن هذا الزوج الذي اجترأ علي أقدس الحرمات وتخطي كل الحدود‏,‏ وتوسل بأحقر الوسائل وهي الابتزاز والتهديد للنيل من شقيقتك العابثة ومشاركة من نهلوا من وردها نبعها المحرم بدعوى تقويمها ومنعها من العبث والاستهتار‏,‏ ولم يندم على ما فعل ولم يرجع عنه وإنما يجاهر به ويعتزم كما يزعم مواصلة الطريق مع شريكته في الإثم ولو تطلب الأمر أن يتخلى عن زوجته وأم أبنائه ليرتبط بالأخرى‏.‏

فأي أمل في الإصلاح يمكن ان يرتجي مع مثل هذا الرجل السادر في غيه بلا ذرة ندم أو تبصر؟
وأي حياة زوجية يمكن أن تستمر وتتواصل بعد ما جري؟ إن رؤية الأشياء الصغيرة‏..‏ بصيرة كما يقول لنا الحكيم الصيني لو تسو‏..‏ والأشياء الكبيرة الجسيمة التي ترينها الآن في حياتك الزوجية تقول لنا إن العلاقة الزوجية بينك وبين هذا الرجل قد فسدت فسادا لا يرجي معه أي إصلاح لها على الأقل في الوقت الحاضر‏.‏

وإن علاقتك الإنسانية بتلك الشقيقة العابثة السيكوباتية التي لا تردها عن تصرفاتها ورغباتها أية قيود ولا سدود ولا تتورع عن الاجتراء علي الحرمات قد فسدت أيضا فسادا مزمنا قد يطول الزمن قبل علاجه‏,‏ ذلك انه لا يبرئها من نصيبها الأكبر من المسئولية عن هذه المهزلة الأخلاقية ضغط زوجك عليها بالتهديد والابتزاز لينال منها وطره‏,‏ لأن اعتى العابثات قد يتحملن اقسي النتائج ولا يخضعن بالقول لزوج الشقيقة حرصا على صلة الرحم وصونا للحرمات أيا كان تاريخهن مع العبث والاستهتار الأخلاقي‏.‏
فماذا يبقى إذن سوى مواجهة الواقع بشجاعة وصبر وأمل في رحمة الله أن يعوض المظلوم عما تعرض له من اقرب البشر إليه‏,‏ حسن الجزاء‏.‏

* نشرت بتاريخ 13 يونيو 2003


نقلها من أرشيف جريدة الأهرام وراجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali

إقرأ المزيد Résuméabuiyad

نبذة عن كتاب حكايات شارعنا بقلم الأستاذ / أحمد بهجت


حكايات شارعنا .. هو أحدث كتاب تنشره الدار المصرية ـ اللبنانية للأستاذ عبد الوهاب مطاوع ، والكتاب يشبه في بعض أجزائه كتب السيرة الذاتية ، وإن كان يختلف عنها في الشكل الفني الذي يختاره الكاتب لحكاياته .. فهو أحيانا يختار شكل القصة القصيرة ، وأحيانا يختار شكل الصورة المصرية .
ويشيع في الكتاب كله نفس هادىء مطمئن هو نفس الطفولة بكل ما تحمله الطفولة من براءة ودهشة واكتشاف مباغت لقوانين الحياة .
يقول عبد الوهاب مطاوع في تقديم حكاياته : هذه بعض حكايات شارعنا القديم في إحدى مدن الأقاليم دسوق ، حيث نشأت وامتزجت بترابه وشاركت في شئونه خلال مرحلة الطفولة ، أسترجعها الآن من الذاكرة المجهدة ، وأستعيد معها بعض ملامح شخوصها الغائمة في مخيلتي ، وأتأمل ما كان من أمرهم وأمر شارعنا وأمري معهم .. لعلك ترى فيها صورة لعصر مضى وجيل 
قاربت شمس حياته على المغيب

يضم الكتاب36 قطعة فنية تقع بين القصة القصيرة واللوحة ، في قصة الحذاء مثلا يحدثنا الكاتب عن رجل يحترف مهنة السقاء ، ويرتدي جاكتة جلدية رثة فوق جلبابه المشمر دوما فوق الركبتين ، ليتيح لساقيه حرية الحركة بلا عناء ، ويحمل على ظهره قربة كبيرة سوداء ومعه حمار يمتطيه ، فإذا بلغ بحماره أحد هذه البيوت التي يمدها بالماء ، نزل عن حماره وأنزل قربته ، ثم انحنى على رجل الحمار الأمامية فرفعها وعلقها في حبل يتدلى من البردعة ، وبهذا يمنع الحمار من الحركة تماما كما يفعل سائق السيارة حين يشد فرملة اليد عند مغادرته لها ، ليمنعها من الحركة .. ثم يدخل البيوت حاملا قربته المليئة بالماء .. غير أن عبث الصغار وميلهم الغريزي للمشاغبة كان يفسد عليه خطة العمل ، إن بعض الأطفال يمارسون شقاوتهم على الحمار فيتسللون إليه ويفكون قدمه المربوطة ، فما أن يتحرر الحمار من قيده حتى يهرول عائدا إلى بيت صاحبه تاركا له مهمة حمل القربة الثقيلة ، وتكررت الشقاوة فأقسم السقا يوما وهو مكفهر أنه سيضرب من يفك رجل الحمار بالجزمة .. ومضى يهدد بالوعيد ويسوق شتائمه فترتجف القلوب الصغيرة وجلا رغم سرورها الخفي بالموقف العصيب ، شيء واحد كان يخدش جلال هذا الوعيد ويجرده من الخوف الحقيقي ، وهذا الشيء أن السقا كان من أهل الحفاء ولم يشاهد منذ مولده وحتى 
مماته وهو يرتدي أي حذاء من أي نوع

الكتاب ممتع بقصصه ولوحاته التي ما زالت محفورة في ذهن كاتبها بكل ما فيها من عبق الذكريات وهذا الحنين لأيام البراءة .


الأهرام الأحد 6/1/2002
صندوق الدنيا
بقلم : أحمد بهجت


نقله من أرشيف جريدة الأهرام
جمال العباسي

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali


إقرأ المزيد Résuméabuiyad

أشباح الذكرى .. رسالة من بريد الجمعة


" الغضب الأهوج يعمي البصر والبصيرة .. والغيرة وحش آخر أكثر ضراوة وتغييبًا للعقل منه " .
عبد الوهاب مطاوع



أرجو ألا تهمل رسالتي لأنني في حاجة ماسة إلى مشورتك ، فأنا سيدة في التاسعة والعشرين من عمري نشأت يتيمة الأم منذ صغري ، لكني لم أشعر والحمد لله بمرارة اليتم والحرمان من الأم ، فقد تزوج أبي بعد وفاة أمي ، فكانت زوجته من هؤلاء الناس الذين يعطفون على الأيتام ويتقربون إلى الله برعايتهم .. فنشأت لا أكاد أحس بأن لي أمًا أخرى سوى هذه الأم الطيبة التي أناديها "يا أمي" كما يفعل أخوتي ولا تفرق بيننا في شيء فمضت حياتي في بيت أسرتي طبيعية حتى أنهيت دراستي الجامعية وعمري 21 سنة ، وبعد تخرجي بأيام دعينا لحضور حفل زفاف أحد أقاربنا المقيمين بالقاهرة ، فسافرنا من المدينة التي نقيم فيها بالجنوب إلى العاصمة ، وحضرنا الزفاف وتعرفت خلال الحفل إلى ضابط شاب أعجبت به كأي فتاة في سني .. وأعجب هو بي كثيرًا ، فقد كنت وما أزال والحمد لله على قدر كبير من الجمال ، وقد عرفت أن هذا الشاب عمره 25 عامًأ ومن أسرة طيبة ومتدينة مكونة منه ومن شقيقته التي تكبره وشقيق يصغره بعام واحد وأبوين طيبين ، وبعد أيام من هذا الحفل طرق باب أسرتي من يخطبني لهذا الشاب ورحبت به ..

ولم تمض أيام حتى كنا قد عقدنا قراننا على أن يتم الزفاف بعد عام ، وبدأنا نتزاور وتجمعنا المناسبات المختلفة ، فلاحظت أن شقيق زوجي الأصغر يتودد لي ، ويحرص على تلبية طلباتي ربما أكثر مما يفعل خطيبي نفسه ، حتى أنه يثور أحيانأ إذا أغضبني في شيء ، وقدرت له ذلك وحرصت على معاملته باحترام واعتزاز بأخوته لزوجي ولي .

وبعد عام من القران تزوجنا وانتقلت من بيت أبي في الأقاليم إلى بيت زوجي في القاهرة وعشنا حياتنا الزوجية في هدوء وسعادة ، ومضت ثلاث سنوات من الزواج ولم أحمل ولم أنجب وعوضني حب زوجي لي عن ذلك فلم أشعر بنقص في حياتي ثم شاءت إرادة الله – قرب نهاية العام الرابع – أن أشعر فجأة بجنين ينبض في أحشائي فكانت فرحة زوجي وأسرته به طاغية وفرحتي كذلك ، وخلال شهور الحمل كان زوجي يسافر إلى مقر عمله بإحدى المدن الساحلية ويعود إلى بيتنا بالقاهرة كل أسبوعين أو كل أسبوع ، فكان يرجع كل مرة متلهفًا على أن يلاحظ نمو الجنين وبروز حملي .. إلى أن حانت ساعة الولادة وهو غائب عنا في عمله .. فوضعت ولدًا جميلاً .. ولم يعد زوجي لكي يراه ويهنأ به للأسف .. فقد شاءت إرادة الله أن يلقى حتفه في حادث تصادم على الطريق وأن يأتي ابني إلى الوجود يتيمًا ليعيد سيرة أمه مع الحياة من جديد

ولن أصف لك مشاعري ولا معاناتي خلال هذه الفترة العصيبة من حياتي ، فلقد كانت فترة حالكة السواد والظلمة ولا أريد أن أستعيدها أو أتذكرها ، وقد شعرت بعد انقضاء أيام العزاء بأنه لم يعد لي شيء في البيت الذي أعيش به .. فبدأت أستعد للعودة إلى بيت أبي ، فإذا بأم زوجي ووالده يرفضان بإصرار خروجي من البيت ويطلبان مني البقاء معهما ويقولان لي إن وجودي بينهما مع مولودي سوف يعوضهما عن فقدانهما لزوجي ويخفف عنهما بعض أحزانهما .. واستجبت لرغبتهما راضية ، وأقمت مع أسرة زوجي بعد الرحيل .. فكان ابني دائمًا موضع حب ورعاية جده وجدته وعمه .. وخاصة عمه الشاب الذي كان شديد الاهتمام به وبي أيضًا ..
وبعد رحيل زوجي عن الحياة بخمسة شهور فاتحني فجأة شقيقه الأصغر برغبته في الزواج مني فرفضت على الفور واعتذرت له عن عدم قدرتي على تقبل الفكرة بسبب الظروف المحرجة والمؤلمة التي تحيط بالموقف كله ، لكني فوجئت بوالد زوجي ووالدته يتحدثان معي طويلاً ، وحاولا إقناعي بالزواج من ابنهما  الأصغر بعد أن شاءت إرادة الله أن يرحل أخوه الأكبر عن الحياة ويؤكدان لي أن في ذلك ضمانًا لابني الوليد ألا يشعر باليتم وألا يتعرض لما أكرهه إذا ما تزوجت رجلاً آخر ذات يوم .. وشعرت بحرج بقائي بعد هذا الحديث مع أسرة زوجي فاستأذنت صهري في العودة للإقامة مع أبي .. وعدت إلى بيت أسرتي فإذا بأبي أكثر حماسًا لزواجي من عم طفلي من أبويه وراح يقنعني بأني  لن أستطيع مواجهة الحياة للأبد كأرملة شابة صغيرة وجميلة لأن العيون تحيط دائمًا بمن كانت في مثل ظروفي ولابد لي من الزواج ذات يوم ومادام الأمر كذلك فإني لن أجد لطفلي أبًا أفضل من عمه .. وفكرت في الأمر طويلاً ثم سلمت في النهاية بالفكرة ، وقبلت بها نفسيًا ، وتم الزواج بلا احتفالات .. وعُدت مرة أخرى إلى القاهرة ولكن زوجة للشقيق الأصغر لزوجي الراحل ومعي وليدي الصغير ، وفي ليلة الزفاف عاملني زوجي بنبل وكرم لن أنساهما له مدى الحياة فقد قال لي أنه يدرك جيدًا حساسية الظروف ولهذا لن يفرض نفسه عليّ أبدًا ، بل يكفيه مني في البداية أن أكون زوجته أمام الناس ، وأن أهتم بشئونه وأعتني بملابسه .. وأعدّ له طعامي بيدي وفي ذلك الكفاية بالنسبة له إلى أن أوافق وأستعد نفسيًا لأن يكون زوجًأ كاملاً لي وسأجده حين يتحقق ذلك في الانتظار ، ثم أمضى ليلة الزفاف في حجرة أخرى فازددت احترامًا له بل وازددت رغبة في أن أتجاوز حرج الظروف لكي أصبح زوجة كاملة له في أقرب وقت ممكن . وبعد ثلاثة شهور تخلصت من حرجي وأصبحنا زوجين كاملين والحمد لله .. ولم تمض أسابيع حتى شعرت بالحمل وبدأت أستعد لاستقبال ثمرة حب جديدة وخلال شهور حملي كان زوجي يهتم بابني ويرعاه أكثر مما أفعل أنا معه ، فكان يخرج معه ويدلـله ويجلسه إلى ركبتيه ويلبي طلباته ، فأسعدني ذلك كثيرًا ، وحمدت الله على هذا الزوج العطوف الحنون معي ومع ابني . ثم جاء موعد الولادة ووضعت طفلة جميلة سعد بها زوجي كثيرًا ، وسعدت بها أكثر .. وواصلنا حياتنا في سلام بضعة شهور بعد الولادة ، إلى أن كنت نائمة إلى جوار طفلتي الوليدة ذات ليلة فسمعت بكاء طفلي في فراشه بالغرفة الأخرى ، ونهضت بتلقائية وذهبت إليه ورقدت إلى جواره ورحت أهدهده وأطمئنه حتى يكف عن البكاء فنمت في فراشه حتى الصباح ، فما إن رآني زوجي في الصباح نائمة إلى جوار ابني حتى جُنّ فجأة جنونه ، وغضب غضبًا شديدًا لتركي طفلتي ونومي إلى جوار ابني ، واتهمني بأني أفضل هذا الولد على مولودتي التي تحتاج لرعايتي أكثر منه .

وفي اليوم التالي رفع يده لأول مرة وضرب طفلي اليتيم في ثورة غضب بسبب تافه ثم بدأت المنازعات اليومية الغريبة بيني وبينه حول الولد والبنت وكيف أنني أهتم بالولد أكثر لأنه ابن زوجي الراحل ، وأهمل البنت لأنها ابنته ناسيًا في غمار الغضب أن الاثنين من أحشائي ودمي ونبض قلبي ، لكن قاتل الله شيطان الغضب الذي يصور للإنسان ما لا ظلّ له من الحقيقة ، واستمرت المنازعات والغضب لأية لمحة غير مقصودة من جانبي تجاه طفلي أو طفلتي فيفسرها بأني أفرق بينهما إلى أن فوجئت بزوجي يطلب مني أقصى ما كنت أتصور أن يطلبه مني ذات يوم ، وهو أن أتخلى عن طفلي اليتيم . وأودعه لدى أهلي في الأقاليم لكي أتفرغ له ولابنتي في مسكننا بالقاهرة .. ثم هددني بالطلاق إن لم أستجب لطلبه .. فغضبت للطلب أشدّ الغضب ، واستأذنته في العودة إلى بيت أبي إلى أن تهدأ الأحوال بيننا ويستطيع كل منا أن يناقش الأمر بهدوء مع نفسه .. وأنا الآن يا سيدي أقيم في بيت أبي مع ابني الذي ولد يتيمًا وطفلتي الصغيرة منذ أسابيع ولا أعرف ماذا أفعل بحياتي ، ولا كيف أضحي بابني الصغير المحروم .. أو لماذا أضحي به وما هي الحكمة في هذه التضحية ؟

فبماذا تنصحني أن أفعل ؟ وهل تكتب لزوجي كلمة تناشده فيها أن يكون أكثر عدلاً ورحمة معي ؟ .


ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
أصبت عين الحقيقة يا سيدتي حين قلت إنه يتهمك بالتفرقة بين طفلك وطفلتك ناسيًا في ثورة الغضب أن الاثنين من ثمار أحشائكِ وخلاياكِ ودمكِ ! فالغضب الأهوج يعمي البصر والبصيرة حقًا في كثير من الأحيان لكن الغضب وحده ليس هو المسئول عن هذا التطور المؤسف في علاقتك بزوجك ، وإنما هناك وحش آخر أكثر ضراوة من الغضب وأكثر تغييبًا للعقل منه هو الغيرة ! نعم الغيرة فزوجك وبلا مواربة يغار مما يمثله هذا الطفل البرئ في حياتك من دلالات وذكريات عاطفية سابقة .. ومما يمثله من امتداد لهذه الارتباطات والدلالات في حياتك معه ! ولا يغير من الأمر هنا أن والد هذا الطفل كان شقيقه الوحيد أو إنسان آخر فمع مشاعر الغيرة لا يفرق المرء بين غريب وقريب وإنما يغار ويستسلم لمشاعر الغيرة وشكوكها كلما تملكته مشاعر الخوف من أن يفقد من يحبه ، أو مشاعر الشك في أنه لم يتملك مشاعره وأن هناك من يستأثر ببعض أو كل هذه المشاعر دونه حتى لو كان قد رحل عن الحياة .

والغيرة كما يقول لنا عالم النفس الأمريكي كولز – عارض من أعراض الخوف وعدم الشعور بالاطمئنان وهي وحش يلد نفسه بنفسه أي بغير حاجة إلى أسباب موضوعية لميلاده كما يقول لنا شاعر الانجليزية شكسبير في رائعته "عطيل" .

والاعتراف بمعاناة هذه المشاعر المؤلمة بلا خجل هو بداية التعامل الصحيح معها . وفي تصوري أن زوجك الحالي قد أعجب بك وانطوى لك على مشاعر الاعتزاز بشخصك والرغبة فيك منذ رآك وتعامل معك في الأيام الأولى من ارتباطك بشقيقه الأكبر لكنه قد سما بمشاعره هذه تجاهك إلى مرتبة الاحترام والاهتمام البرئ بشئونك والغضب لغضبك ، وكان من الممكن أن تتجمد هذه المشاعر عند هذه الحدود لولا أن شاءت الأقدار بعد ذلك أن يرحل زوجك الأول عن الحياة فتسمح له الظروف بالاقتران بك ، وتعبر مشاعره الكامنة إتجاهك عن نفسها التعبير الصريح لكن هدوء الحياة لم يستمر بينكما طويلاً لأن "الوحش" القديم قد أطل برأسه ورأى في اهتمامك الطبيعي بطفلك اليتيم ما أثار مشاعر الغيرة في قلبه ، وجدد لديه شكوكه في أنه لم يتملك بعد كل مشاعرك لأن نصيبًأ منها ما يزال يحوم حول ذكريات الماضي . وهو إحساس خاطئ بالتأكيد لكن الغيرة لا عقل لها أيضًا ولا منطق يا سيدتي ؛ كما لا تفرق أيضًا بين الأحياء وأشباح الذكريات .
ولقد كان زوجك حكيمًا نبيلا معك حتى ترفق بك في بداية زواجكما ولم يتعجل دفع الأمور حين تهيأت أنت نفسيًا لتجاوز حرج الظروف وأداء دور الزوجة الكاملة في حياته كما كان أيضًأ عطوفًا وحنونًأ مع ابنك وابن شقيقه الوحيد فماذا غير من مشاعره فجأة تجاهه ؟
هل أسرفت لا شعوريًا في الاهتمام بطفلك على حساب أخته الوليدة تأثرًا بالظروف المأساوية التي أحاطت بمولده وإدراكًا منك أنه إنما يكرر يتمه المبكر سيرتك الأولى في رحلة الحياة ؟
أغلب الظن أن هذا ما قد حدث بغير قصد منك فنبه مشاعر الغيرة المؤلمة في قلب زوجك تجاه ذكرى الرجل الأول في حياتك بغض النظر عن أن هذا الرجل كان شقيقه ففسر اهتمامك بابنك بأنه امتداد لاعتزازك بأبيه . مع أن الأقرب للمنطق والعقل هو أن يفسره بعطف الأمهات التقليدي على من قست عليهم بغير ذنب ظروف الحياة فحرمتهم من آبائهم قبل أن يخرجوا إلى ضياء الدنيا ، وهبك حتى قد فعلت ذلك لا شعوريًا وبغير قصد فلماذا لم يصبر عليك زوجك ويتفهمه في ضوء الظروف غير الطبيعية التي أحاطت بمولد هذا الطفل البرئ إلى أن يداوي الزمن كل الجراح وتستقيم الحياة في عشكما ؟ .

إن نصيحتي لزوجك هي أن يواجه نفسه بشجاعة أدبية ، وأن يعرف أن إحساس الغيرة إحساس إنساني لا يكاد ينجو منه احد وليس فيه ما يثير الخجل ثم أن يناقش مع نفسه وبالحوار العقلاني الهادئ أسباب غيرته مما يمثله هذا الطفل في حياة زوجته ويقومها التقويم الصحيح لها واحدًا بعد الآخر ثم يردد بعد تفنيده لكل سبب – كما ينصح د.كولز – بعد المناقشة الذاتية أن هذا الشك الذي يساورني لا أساس له من الواقع مرات ومرات إلى أن يفرغ من تقويم كل الأسباب ومناقشة دلالاتها فتستبين له الحقيقة ويطمئن إلى أنه يملك مشاعر زوجته خالصة الآن وإلى أن الحاضر أقوى تأثيرًا من أشباح الماضي ، أما الطفل البرئ الذي يطالبك زوجك بالتخلي عنه فإني أطالبه بالتنازل عن هذا المطلب اللا إنساني .. ليس فقط لأنه ليس من الرحمة أو العدل أن يخير زوجته بينه وبين فلذة كبدها ، ولا لن هذا الطفل بالذات هو ابن شقيقه الوحيد الذي كان الظن أنه سيكون له أرحم الآباء وأكثرهم عطفًا عليه ولا لأن هذا الطفل بالذات قد كان المبرر الوحيد المقبول لدى الجميع لكي يجتمع شمله بمن أعجب بها وتمناها لنفسه منذ رآها وإنما لسبب إضافي آخر هو أنه يجرم في حق ابنته الوليدة بحرمانها من أن تنشأ مع أخ أكبر لها يتبادلان معًا الحب والعطف ويتساندان في الحياة حين يكبران ويكون لها هذا الأخ المرفوض السند والحماية في مواجهة شدائد الدنيا فقولي له كل ذلك يا سيدتي ، وأعينيه على التخلص من شكوكه في امتلاكه لقلبك بزيادة عطائك العاطفي له وبغمره بحبك ومشاعرك الدافقة التي تشعره بأنه فتاك الأوحد الذي لا يشغل خيالك ووجدانك سواه وزيدي من اهتمامك بطفلتك منه إلى حد المبالغة أيضًا حتى يطمئن قلبه تمامًا إلى اعتزازك به وبطفلتك منه بنفس القدر الذي تعتزين فيه بطفلك الأكبر لكن لا تتخلي مع كل ذلك عن طفلك في النهاية واطلبي منه أن يعفيك من الاختيار المؤلم الذي لا يقره شرع ولا دين ولا رحمة واصبري عليه إلى أن تهدأ نفسه ويستشعر حبك الصادق له ورغبتك الأكيدة في أن ينشأ طفلاك معًا في حياة واحدة مشتركة يتبادل فيها الجميع الحب والمسئولية ، وثابر على رجائك له بألا يحرم ابنته من أخيها فإذا قدمت له كل القرابين على مذبح الحب والوفاء ثم تمسك بعد ذلك بمطلبه القاسي هذا ، فلن يكون ذلك سوى دليل على أحد أمرين لا ثالث لهما هما إما : أنانيته الشديدة ورغبته في الاستئثار بك لنفسه وطفلته دون طفلك ، وهو للأسف ابن شقيقه الراحل ، فكأنما قد فقد بذلك أهم مبررات قبوله كزوج لك وهو أن يرعى ابن أخيه المرحوم وتخلى عن واجبه العائلي والإنساني تجاهه ما يثير شكوكًا كثيفة حول قيمه ومدى وفائه بعهوده والتزاماته .. وإما عجزه عن أن يتخلص من وحش الغيرة الذي ينهش صدره تجاه أشباح الذكريات حتى ولو كانت متعلقة بذكرى شقيقه الوحيد وفي كلتا الحالتين فلن يكون الاستمرار هو الخيار الأمثل ، وسوف يكون من الأفضل لكل منكما أن يبحث لنفسه عن أمانها وسعادتها في اتجاه آخر !

كتبها من مصدرها بكتاب مكتوب على الجبين
Rofida Mohamed Ismail

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali

إقرأ المزيد Résuméabuiyad

فيض القلب " تتبع رسالة النظرات اللائمة" .. رسالة من بريد الجمعة


انا الشاب الذى تحدث عنه كاتب رسالة " النظرات اللائمة " فى الأسبوع الماضي والذى كان ينبغي له ان يستجيب لدعوتك له للحضور لمقابلتك والاستماع الى نصائحك الغالية ، غير انه يؤلمني أن اعجز عن الحضور فى الموعد الذى حددته لى فى ردك على الرسالة لارتباطات خارجة عن إرادتي واطمع فى قلبك الكبير أن تقدر الظروف وان تحدد لى موعدا آخر فى أي وقت تسمح به مشاغلك لأتى إليك واستمع لك شاكرا وممتنا ، أما ردى على ما جاء بالرسالة ، فأود أن أقول لك أولا أنني شاب فى السادسة والعشرين من عمري نشأت فى أسرة ريفية بسيطة وذهبت فى طفولتي إلى الكتّاب وحفظت ثلثي القرآن ثم انتقلت للمدينة وأدخلني أبى أرقى مدارسها، وكان لى فى المدينة مسكن مستقل عشت فيه بمفردي وتعودت حياة الاستقلال والاعتماد على نفسي ، أما أبى الذى نشأ كاتب الرسالة على الاعتقاد بأنه قد حرمه ووالدته من حقوقهما فى ميراث أبيه فهو رجل أمين عرف منذ زمن بعيد بالجدية والاستقامة والعدل ويشارك فى جلسات المصالحة والتحكيم فى النزاعات بين الاهالي فى القرية منذ شبابه ويرتضيه أهلها دائما حكما عادلا فى منازعاتهم ، وحين توفى والد كاتب الرسالة أراد أبى أن تظل التركة على حالها وان يعيش كل الورثة من خيرها وهو وفير والحمد لله لكن والدة كاتب الرسالة طلبت التقسيم وجارت أسرتها بثقلها وقوتها على يتامى الزوجة الأخرى للأب الراحل ، وهنا أصر أبى على التقسيم بالعدل وعلى ألا تجور فئة على أخرى لان الجميع أبناء رجل واحد فكان م اكان من قطيعة بين والدة كاتب الرسالة وبين أسرة أبيه وبالذات مع أبى الذى اعتبرته والدته المسئول الأول عن ذلك .
لكن كاتب الرسالة صدق ما انطوت عليه والدته من اعتقاد بأن أبى ظلمها وابنها عند تقسيم الميراث ، وظل يؤمن بذلك إلى أن ظهرت أنا كما يقول فجأة فى حياة ابنته الراحلة يرحمها الله خلال مرحلة الدراسة بالكلية . ورفضني خاطبا لها حين تقدمت إليه وطاردني بسطوته ونفوذه فى كل عمل التحقت به ، وكان من أصحاب هذه الأعمال من يملكون الشجاعة وواجهوني بالموقف وتركوا حرية الاختيار لى مع استعدادهم لتحمل تبعة ذلك ، لكنى كنت أؤثر الانسحاب رفعا للحرج عنهم ، حتى هاجرت من مصر كلها إلى فرنسا ، مع أن مطلبي للزواج من ابنته كان عادلا وقد طرقت البيوت من أبوابها .. ولم اقبل بالزواج السري حفاظا على كرامة الطرف الآخر وكرامتي ولأنني لا اطلب طلبا غير مشروع .. فكان ما كان وكان رفضي قاسيا ومهينا فإذا كنت قد بكيت بين يديه فى بيته بعد عودتنا لمصر مع جثمان ابنته يرحمها الله ، فلقد كان لبكائي بعد طول عصيان للدمع ثلاثة أسباب هى : النهاية المؤلمة لمن أحببناهم وصدقناهم الوعد وصدقوا معنا ، ثم علمي بطلاقها المؤلم قبل وفاتها بأيام من الآخر الذى تعجل والدها زواجها منه ليبعدها عنى ، ثم الرسالة المغلقة التى كتبتها لى الراحلة الكريمة وسلمها لى والدها ذلك اليوم وكانت آخر كلماتها وأصدقها يرحمها الله رحمة واسعة .وأما عن ندمه وطلبه منى أن أسامحه فاني ادعوه لان يتوجه بهذا الطلب إلى من يملك أن يجيبه عليه ، وهو من يغفر الذنوب جميعا سبحانه وتعالى .وأما طلبه منى أن أزوره ، فلقد قلت له من قبل أنني لا أريد البعد عنه ، ولا أريد أيضا الاقتراب منه ، وأرجو أن نستعيد قدرتنا على نسيان الإساءة والمرارات . كما أرجو ألا يعتبر كلامي هذا جفاء له فلقد احترمت فيك يا سيدى عهدك لنفسك ألا توجه للأب المكلوم أي لوم على ما كان من سابق أمره معي ، لان من آلام الحياة كما قلت ما يعفى من يكابدها من كل لوم ،ولقد حاولت ان اقتدى بذلك فى رسالتي ، واختم رسالتي لك بشكرك على ما أبديت من فهم وعطف على الطرفين معا وبشكر أصدقائي فى باريس وفى مصر الذين ساهموا معى فى رحلة العودة الحزينة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ولكاتب هذه الرسالة أقول :

انه من فيض القلب .. يتكلم الفم ! كما جاء فى الكتاب المقدس . وقلبك يا صديقى لم يخل بعد من مرارته تجاه هذا الأب المكلوم لسابق موقفه منك عند تقدمك لطلب يد ابنته الراحلة ، وسابق ملاحقته لك بالأذى فى عملك حتى اضطررت للسفر إلى فرنسا ، ثم جمعت بينكما الأقدار الأليمة بعد ذلك .. وشهدت رحيل فتاتك عن الحياة ورجعت مع جثمانها إلى موطن الأحزان ، ولأن الأمر كذلك فلقد جاءت رسالتك هذه اقل تسامحا مما توقعته منك تجاه هذا الأب المكلوم ، واقل استجابة لما رجاه هو منك ورجوته أنا فيك ! فيا صديقي الشاب الأمين الذى نال احترام كل من قرأ رسالة الأب المفجوع عنه وعن رجولته وتضحيته وشهامته ووقوفه إلى جواره فى محنته الدامية بالرغم من كل ما ناله من أذى سابق منه ، أقول لك إن " المصائب يجمعن المصابينا " وان هذا الأب الثاكل يلتمس لديك بعض السلوى وبعض العزاء ، يتخفف بهما مما يكابده من أحزان وآلام ، فلا تضن بذلك عليه ولا تستسلم للمرارات القديمة .. فلقد أسدل الرحيل الدامي ستارا كثيفا على كل الخلافات والمرارات ، وأرجو أن تسرع الأيام إليك بالقدرة على نسيان الإساءات فتتلاقى مع هذا الأب ويعين كل منكما صاحبه على أمره . ولن أطيل الحديث إليك فى هذا الشأن لعلمي انك تعرف كل ما أريد قوله لك لكنى فقط سأروى لك ما قاله رجل من العرب للخليفة المنصور حين استشار من حوله فى أمر أهل الشام الذين ناصروا ابن عمه عبد الله بن على عليه .. وتغلب عليه المنصور وتساءل الناس ماذا سيفعل بمن ناصروا خصمه فقال له هذا الرجل : " الانتقام عدل ، والتجاوز فضل ، والمتفضل قد جاوز حد المنصف ونحن نعيذ أمير المؤمنين بالله أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين دون أن يبلغ ارفع الدرجتين ! ".فكان أن أبى المنصور على نفسه " أوكس النصيبين " واختار أن يبلغ ارفع الدرجتين ويعفو عن أهل الشام .. واني لعلى ثقة من أن الأيام سوف تمسح كل المرارات والإساءات قريبا وانك ستختار ارفع الدرجتين فى اقرب وقت باذن الله .. أما عن اللقاء بيننا فتفضل بالحضور فى مساء أي يوم من أيام الاثنين طوال شهر يونيو الحالي وشكرا لك ..


* من رسائل سنة 2001
* رسالة النظرات اللائمة سيتم نشرها بأول تعليق على هذه الرسالة بالصفحة الرسمية وقد سبق نشرها وهي تتبع كتاب " أيام السعادة والشقاء "

نقلها من أرشيف جريدة الأهرام
محمد يسري

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali


إقرأ المزيد Résuméabuiyad

آثار الحب .. رسالة من بريد الجمعة


منذ فترة طويلة وأنا أفكر فى الكتابة إليك لأروي لك قصتي وأختتمها بنداء للآخرين للاستفادة من تجربتي, فأنا سيدة فى السادسة والثلاثين من عمري نشأت بمدينة ساحلية فى أسرة مكونة من أب موظف كبير وأم ربة بيت وشقيق وشقيقة, وحين بلغت مرحلة الصبا لفت جمالي الأنظار فبدأ الخطاب يطرقون باب أبي فخطبت لمهندس من أبناء المدينة عن طريق الصالون, وفرحت بالدبلة الذهبية والهدايا ومجاملات خطيبي الذى بدا مبهورا بجمالي, وفى هذه الفترة أعير أبى للعمل بالخارج وتوفيت والدتي عقب زواج شقيقتي الكبرى فعشت مع شقيقي وحدنا فى مسكن الأسرة ترعانا سيدة عجوز ويرجع إلينا أبى فى الأجازات الصيفية وحصلت على الثانوية العامة بمجموع ضعيف فالتحقت بمعهد فوق المتوسط لمدة سنتين, فما أن بدأت الدراسة حتى تغير خط حياتي فجأة.. فلقد تعرفت فى المعهد بزميل لي اقترب مني على الفور وأحسست تجاهه بضعف عجيب, ولم يلبث أن صارحني بحبه ورغبته فى الإرتباط بي ففقدت كل مقاومة وغرقت فى حبه وتركزت كل آمالي فى الحياة فى الارتباط به, وصممت على فسخ خطبتي للمهندس الذى فوجئ بجفائي له وبذل المستحيل ليعرف سر تحولي المفاجئ عنه حتى يئس مني ففسخ الخطبة وانصرف عنى حزيناّ ورجع أبي فى الأجازة الصيفية فتقدم له فارس أحلامي فلم يصمد لأي اختبار أمامه, فالفتي صغير السن يكبرني بعامين فقط, ولا يملك مالا يتزوج به.. ولا وظيفة له انتظارا لأداء الخدمة العسكرية فرفضه أبى بإصرار ومنعني من الخروج والاتصال به وحان موعد رجوعه لعمله فخشي لو تركني فى بيت الأسرة ألا أنقطع عن رؤيته, فأبعدني إلى بيت شقيقتي المتزوجة وشدد عليها أن تراقبني وتمنعني من كل اتصال بفتاي, وسافر مطمئنا إلى ما فعل فلم يمض على سفره أسابيع حتى كنت أنا وفتاي قد حزمنا أمرنا على الزواج بغير علم أبى لنضعه أمام الأمر الواقع وفى اليوم المحدد تسللت من بيت شقيقتي إلى بيت شقيق فتاي الأكبر حيث تم عقد القران, ثم ركبنا القطار إلى القاهرة وأقمنا فى شقة مفروشة حقيرة حتى انتهت إجازته ورجع للوحدة العسكرية وخرجت أنا للعمل لأواجه الحياة فزوجي لا يعمل.. وما بقى معنا من نقود لا يصمد لأيام فبدأت العمل فى محل تجاري ثم تنقلت بين عدد كبير من الأعمال حتى أنهي زوجي تجنيده وعين عن طريق القوى العاملة بوظيفة حكومية صغيرة, وأنجبت طفلي الأول ونحن نتشارب كؤوس الحب والعطف والحنان, وأنا فى قمة السعادة رغم أننى قد أصبحت مقطوعة من شجرة بعد أن قاطعني أبي بمجرد علمه بزواجي وانقطع عني شقيقي وشقيقتي وكل أهلي, ورغم الضيق المادي الشديد الذى كنا نعيش فيه واضطراري احيانا للعمل فى عملين صباحا ومساء كل يوم لكى أوفر مطالب الحياة ونسعى إلى الحصول على مسكن بالإيجار.
ومضت السنوات بحلوها ومرها, وأنجبت ولدا وبنتا, وفقد زوجي وظيفته الحكومية لعدم انتظامه فيها فواجهنا المستقبل بلا معاش ولا تأمينات ثم بدأ زوجي يعمل بالفنادق, لكنى لم أتوقف عن العمل لكى نستطيع الحصول على مسكن خاص بنا, فعملت فى صيدلية وفى مكتب مأذون, بل وعملت أحيانا كتاجرة شنطة أشتري البضائع من بورسعيد وأبيعها للسيدات فى القاهرة حتى أستطعنا بجهد مرير أن نحصل على سكن مستقر, وتصورت أنني قد بلغت أخيرا شاطئ الأمان.. فإذا بفارس أحلامي الذى بعت أبي وأسرتي من أجله يتكشف لي عن شخص آخر تماما, لا صلة له بالشاب الحنون الرقيق العاطفي الذى عرفته فى المعهد.
فلقد بدأ زوجى يسهر حتى الصباح ويتركني وحيدة مع الطفلين.. ويبيت خارج البيت بالأيام.. ويشرب.. ويكذب.. ويعاملني بعصبية شديدة عند العتاب, ولا يطيق أن أعاتبه فى شئ.. أو أذكره بتضحياتي من أجله أو بأنني لم يعد لى أهل سواه وأبي مازال على مقاطعته لى منذ سنوات ثم أصبح لا يتورع عن إيذائي بالضرب المبرح عند كل شجار بيننا, حتى امتلأ جسمي بالكدمات والدوائر السوداء والزرقاء, وحتى ضربني ذات مرة فى رأسي فأصبني بفقدان مؤقت للذاكرة عانيت بسببه من النسيان والتوهان فترة طويلة, وإلى الحد الذى أصبحت فيه مشكلتي عند الخروج للعمل هى كيف أخفي آثار الضرب الوحشي عن عيون الناس فأرتدي النظارة السوداء من أكبر مقاس, وألف الإيشارب حول عنقي, وأضع الكريم والبودرة فوق البقع الزرقاء فى يدي ووجهي.. وتسألنى ولماذا تحملت كل ذلك.. وأجيبك ولمن ألجأ إذا لم أتحمله وأبي يقاطعني, وشقيقي وشقيقتي المتزوجان لا يدريان عني شيئا ولا أريد أطلاعهما على شئ من أمري حتى لا أسمع الرد الوحيد المتوقع وهو أليس هذا من بعتنا من أجله؟!
    فكانت النتيجة أننى واصلت التحمل إلى النهاية.. وإن كنت قد فقدت صبري مرة أو مرتين حين أشتد إيذاؤه لي فشكوته للشرطة, وقام الضابط بتسوية الأمر وديا وهدده بالإيذاء لو عاد لضربي.. وواصلت الحياة معه.. وتحملت كل شئ ماعدا خيانته لي وعبثه مع فتيات أخريات, إذ كلما لمست شيئا من ذلك أصابنى الجنون أن يعرف أحد غيرى- وأنا من بعت أهلي وعشيرتي كلهم من أجله- فيتجدد النزاع بيننا ويعود لاستعمال العنف الشديد معي..
    ومنذ أسابيع تشاجرنا معا لنفس السبب فضربني بقسوة حتى عجزت عن النوم على ظهري من الآلام المبرحة, واعتزلته واكتفيت برعاية أطفالي وإعداد الطعام وشئون البيت, فإذا به يرجع للتحرش بي بعد ثلاثة أيام ويهم بالاعتداء على فصحت فيه بلهجة مريرة أرجوه- من فضله وكرمه- ألا يضربني قبل أن يشفي جسمي من آثار الضرب السابق!! فخجل من نفسه وتراجع.. بل وحاول الاعتذار لي لكني لم أعد أقبل منه اعتذارا.. لقد كرهت حياتي وكرهت كل شئ بل أننى أشعر احيانا بأنني أكره أولادي أنفسهم لأنهم السبب فى إحتمالي لكل ما احتملت حتى الآن, كما أنني أفكر كثيرا فى طلب الطلاق وأعلم جيدا انه لن يمنحه لي إلا عن طريق المحكمة واخشي مصيري ومصير أولادي لأنه فى النهاية يتكفل بنفقات الأسرة والأولاد.. ولا يبخل عليهم.
    وبسبب عدم إحساسي بالأمان معه رجعت للعمل مرة أخري, وأصبح كل همي هو أن أدخر أجري منه وأشتري به مصوغات ذهبية لأجد ما أواجه به المستقبل المجهول, أما أبي فقد صفح عني منذ أسابيع فقط وبعد 16 عاما من القطيعة وبدأ يحاول أن يعوضني عما عانيته من حرمان, وصارحني بأنه قد حفظ لي حقي في ماله كأخوتي لكنه لن يسلمه لي أبدا وهو على قيد الحياة حتى لا يستولى عليه زوجي أو يبدده.
    وهو لا يعلم على أية حال شيئا عما أعانيه مع فارس أحلامي القديم من ضرب وهوان وخيانة.. واستهتار بمستقبل الأولاد فزوجي لا يدخر لأولاده شيئا ويريد أن يشترى سيارة ليتفسح بها مع العابثات ويريد أن يركب تليفونا فوريا ببضعة آلاف من الجنيهات لكي يحرقن دمي كل يوم بالإتصال به وقد منعته بما استطعت من قوة من شراء السيارة وتركيب التليفون وهددته بالانتحار لو فعل فرضخ مؤقتا لإرادتي لكنه لم ييأس بعد.
    وتسألني إذن لماذا أكتب إليك الآن.. فأقول لك لأن جاراتي يستدعينني كل حين لأحكي لبناتهن قصتي مع فارس الأحلام الحنون وخروجي على طاعة أهلي لكي أتزوجه وكؤوس المر التى تجرعتها معه طوال السنوات الماضية, حتى لا يصدقن الشباب المخادع.. ولا يخرجن على طاعة أهلهن, وقد أعدت رواية قصتي للمرة الألف منذ أيام فى بيت إحدى جاراتي فخطرت لى فكرة أن أكتب إليك لكى تنشر رسالتي وتقرأها كل الفتيات وأقول لهن فيها: لا تبعن آباءكن أبدا من أجل رجل بوهم الحب.. فليس فى الوجود رجل واحد يستحق أن تبيع فتاة أباها وأمها وأخوتها وتهجرهم من أجله, أما الحب والرقة والحنان والأحلام الوردية.. والرجل الذى لا أطيق الحياة بدونه.. فكلها أكاذيب وأوهام تتبدد خلال 3 أو 4 سنوات على الأكثر بعد الزواج, فإذا واصلت الفتاة بعد ذلك حياتها مع زوجها الذى هجرت الأهل إليه فمن أجل أولادها.. ولكى لا تثير شماته الأهل فيها.. ثم أخيرا لأنها أصبحت مرفوضة من الأهل فلمن تلجأ بعد أن هجرتهم وأنكروها.. أرجوك أكتب هذا الكلام على لساني بكل قوة بل أنه إذا استشارتك فتاة تريد أن تهجر أهلها لتتزوج بمن تحب كما فعلت أنا, فوفر عليك جهد النصح والإقناع والكلام الهادئ الحكيم لمن هم أحق بجهدك وتعبك منها واستدعني من بيتي على الفور لكي أسحبها من شعرها أمامك إلى أقرب حمام وأريها آثار الحب القديمة والحديثة على جسمي كله وعلى وجهي الذى اختفت منه ملامح الفتاة باهرة الجمال التى كانت.. وعلى مظهري الذى أصبح كمظهر الشغالات, ولك على بعد ذلك ألا ترجع إليك هذه الفتاة مرة أخري أبدا, وشكرا لك إن فعلت ذلك.. واستدعيتني والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
    ما بجسمك يا سيدتي ليس من آثار الحب, وإنما من آثار الحمق والطيش والجنون. بل أني لا أتردد فى أن أقول لك أيضا أنه من آثار طبيعة النفس البشرية التى قد تميل أحيانا –إلا من عصم ربى- إلى الإجتراء علي الآخرين إذا أمنت سوء العاقبة من جانبهم, وإذا لم يكن الأمر كذلك فى مثل حالتك, وفى الأحوال المشابهة فليفسر لي أحد لماذا نلتمس دائما أعذار العصبية والانفعالية لأنفسنا فى تهورنا على الأعزاء الذين نأمن ردود أفعالهم تجاهنا, ونعتصم فى نفس الوقت بضبط النفس مع الآخرين الذين لا نأمن ردود أفعالهم ضدنا, إذا تهورنا عليهم بالإيذاء البدني, مع أننا قد نلقي منهم استفزازات أشد عشرات المرات مما قد نلقاه من الأعزاء الضعفاء, ومع أن الشخصية فى كلا الحالتين واحدة, ولم تفقد بعض سمات عصبيتها ولا انفعاليتها فى التصرف؟
    هل هناك تفسير آخر سوى اننا نعلم جيدا أننا لو استجبنا للطبيعة العدوانية الكامنة فى داخلنا تجاه الآخرين, فسوف يردون لنا الصاع صاعين بنفس الطريقة.. ونعلم جيدا أيضا أن أعزائنا الذين نطلق عنان وحشيتنا العدوانية تجاههم لن يستطيعوا أن يردوا على الإيذاء البدني بإيذاء مثله.؟
    لا تفسير سوى ذلك مهما أجهد أهل الانفعالية والعدوانية مع الزوجات والأبناء أنفسهم فى البحث عن أى تفسير آخر؟
    وظروفك يا سيدتي كانت ومازالت ظروفا مثالية للضعف والاستضعاف, فلقد قطعت كل جسورك بأبيك وأخوتك وأهلك جميعا, والتصقت بفتاك فارس الأحلام القديمة وبدلا من أن يكون ظهيرك فى الحياة بعد أن فقدت كل نصير أدمن الإجتراء عليك بالإيذاء الوحشي عند كل خلاف وهو آمن تماما من كل رد فعل عكسي, فلا أنت قادرة على أن تردي عليه العنف بالعنف ولا أنت قادرة على الإحتماء بأهلك وعشيرتك واستنصارهم عليه ولا أنت قادرة على هجره وحرمانه من استقرار حياته وحياة أطفاله فيتحفظ بعض الشئ فى عنفه معك.
    وهذا هو درس تجربتك الحقيقي.. فالحب لا شأن له برضوض جسمك ولا بما تردت إليه أحوالك مع فتي الأحلام القديمة لأن الحب صنو الرحمة والعطف والرفق والحنان, لا صنو العنف والضرب والإيذاء وكسور الظهر وندوب الوجه, أما درس التجربة فهو أن أصل البلاء كله فى اجترائك على الخروج على طاعة أبيك وأنت فتاة دون العشرين من عمرها لتتزوجي فتي لم يبلغ الثانية والعشرين من العمر, ضاربة عرض الحائط بكل شئ وطاعنة قلب أبيك فى مقتل بلا رحمة وبغير أن تستنفدى معه كل الوسائل لنيل رضاه وتصبري عليه حتى يعدل عن رأيه ولو صبرت عليه عاما أو عامين أو ثلاثة لنلت بغيتك ولما خسرت رضا أبيك لكنها آفة الطيش والتعجل وفقدان البصيرة, وإذا كان بعض الرجال الذين يتزوجون فتيات القلب بهذه الطريقة المعيبة قد يحفظون لزوجاتهم تضحياتهن الجسيمة من أجلهم ويحيطون بهن طوال العمر بالحب والرعاية.. ويسعون بكل جهد لإعادة روابطهن بأسرهن, فإن الكثرة منهم للأسف قد يجدون فى ظروف زوجاتهم حين يفتر الحب أو ينهزم أمام صعوبات الحياة وتحولات المشاعر, ما يغريهم بألا يتحفظوا معهن فى فعل أو تصرف وهم آمنون تماما إلى أن البحر وراءهن ولا سبيل أمامهن سوي الاحتمال والصبر على ما جررن على أنفسهن من وبال, ولا عجب فى ذلك فقديما قال الإمام أبو حنيفة النعمان رضي الله عنه: "ستحدث للناس أقضية بقدر ما يحدثون من معاص" وأية معصية أشد من خروجك على طاعة أبيك بهذه الخفة والطيش وأية أقضية أخف وطأة من معصيتك من حالك مع زوجك المحبوب الآن.
    أما الشخص الآخر الذى تكشف لك فيه بعد معاشرتك له فليس أمرا خارقا للمألوف, لأن شخصية ابن العشرين أو الحادى والعشرين التى استهوتك وتصورت انك قد عرفت كل قسماتها ليست غالبا هى الشخصية النهائية للإنسان التى ترافقه بقيت العمر, وإنما هى الشخصية الملائمة وقتها لحداثة سنه وقلة تجاربه وإختباراته فى الحياة وهى دائما قابلة للتحولات بعد إكتساب النضج والخبرة والتفاعل مع خبرات الحياة السلبية أو الإيجابية لهذا فمن مألوف الحياة فى دولة كالولايات المتحدة مثلا حيث ينتشر إلى حد كبير زواج المراهقين, أن يتهدم هذا الزواج بعد ثلاث أو أربع سنوات على الأكثر ويعيش المطلقون الصغار رجالا وفتيات بضع سنوات بلا زواج, ثم يتزوجون زواجا ثانيا وهم فى أعقاب الثلاثين أو بعدها فيكون هذا الزواج هو الزواج الحقيقي الذى يستمر حتى نهاية الرحلة, أما الزواج الأول فهو زواج العاطفة الهوجاء التى لا مكان لأحكام العقل فيه, فإذا كان زواجك قد استمر فلأننا والحمد لله لا نجترئ على الانفصال طلبا للسعادة الشخصية وحدها دون النظر إلى مسئوليتنا عن الأطفال الذين جئنا بهم إلى الحياة برغبتنا نحن وليس بإرادتهم, وهذا هو تفسير هذا الإحساس الخطير الذى تشعرين به من حين لآخر تجاه أطفالك إذ تعتبرينهم المبرر الوحيد لاستمرار الزواج وتحمل الإيذاء البدنى والمعاناة النفسية وهو إحساس غير ناضج ولا سليم على أية حال لأنك وحدك المسئولة عن اختيارك.


كتبها من مصدرها بكتاب أقنعة الحب السبعة
ليليان علي

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali


إقرأ المزيد Résuméabuiyad

 

سجل إميلك وتوصل بمواضيعنا :