النوافذ المغلقة .. رسالة من بريد الجمعة


ليست رسالتي هذه عن مشكلة شخصية لي وإنما عن قصة إنسانية مؤلمة لم أعاصر بداياتها.. ولكني شهدت آثارها البشعة وتألمت لها.. فأنا طالب بإحدى الكليات العملية, وأمر كل يوم في طريقي من بيتي لركوب وسيلة المواصلات التي تحملني إلى كليتي على منزل صغير قديم بحي عين شمس له حديقة ذات باب حديدي صدئ تظهر من خلال فتحاته أطلاله حديقة تمتلئ بالأشجار وأصص الزهور والتكعيبات الخشبية التي تتسلق عليها النباتات المختلفة, ولقد لفت نظري من خلال مروري بهذا البيت يوما بعد يوم أن الحديقة رغم أشجارها وزهورها وتكعيباتها ميتة وأن أوراق الشجر والزهور قد جفت بسبب نقص الماء فيما تصورت, ثم شاهدت صاحبة هذا البيت أو المقيمة فيه فرأيتها سيدة نحيلة وهزيلة الجسم للغاية وشاحبة الوجه وتعبر قسماتها بغير كلام عن كل ما تعاني منه..

وأثارت هذه السيدة النحيلة وحديقتها الميتة فضولي فسألت عن قصتها وعرفت أنها تعيش في هذا المنزل وحيدة, وإنها أرملة لمهندس زراعي كان يعاني من مشكلة في الإنجاب, فلم يرزقا بأطفال, وعوض هو افتقاد الأطفال في حياته بتركيز كل اهتمامه ووقته للعناية بهذا البيت وتجميله ورعاية الحديقة وزراعتها وتنسيقها, وكان بالرغم من ذلك بخيلا ومقترا على زوجته فلا يعطيها أية نقود بالمرة, وإنما يأتي هو بمتطلبات البيت أولا بأول ويحاسبها ويدقق معها بشدة في نفقات المعيشة, واستمرت حياتها معه علي هذا النحو لمدة12 عاما, ثم حدث أن صدمته سيارة مسرعة وهو يعبر الطريق فتوفي على الفور, وشيع إلى مثواه الأخير وبكته أرملته كثيرا.. وفقدت بفقده ـ رغم كل شيءـ الرفيق والشريك والسند الوحيد في الحياة, فلم تكد تمضي بضعة أيام علي وحدتها في هذا البيت,

حتى كشف لها أخوة زوجها عن حقيقة مذهلة.. هي أنها ليست أرملة شقيقهم الراحل, وإنما هي مطلقته.. وبالتالي فلا حق لها في شيء من ميراثه أو معاشه, أو في البقاء في البيت الخالي بعد وفاته!! وقدم لها الأخوة وثيقة طلاق تثبت طلاقه لها بالفعل قبل ثلاث سنوات من رحيله عن الحياة.. وصدمت السيدة صدمة مزلزلة.. وتساءلت مع أي رجل كانت تعيش وقد كان حتى وفاته يحيا معها حياة زوجية كاملة؟! وبعد الصدمة المروعة والجرح النفسي الغائر, بدأت رحلة المعاناة للمطالبة بحقوقها عن طريق القضاء وطعنت بالتزوير في وثيقة الطلاق, فإذا بتقرير الخبير يثبت صحتها, وأسقط في يد الأرملة الحائرة.. ونتج عن إثبات صحة وثيقة الطلاق حرمانها من أية حقوق لها في الميراث عن زوجها وفي المعاش كذلك.. وأخذت المحكمة ـ تقديرا لظروفهاـ بشهادة جيرانها الذين تطوعوا للشهادة لصالحها وأكدوا جميعا أنها كانت حتى اليوم الأخير من حياة زوجها تعيش معه في بيته حياة زوجية طبيعية بلا مشاكل ولا أزمات, وأنها لم تعرف أبدا ولم يعرف أحد من الجيران انه قد طلقها.. ولم يشر حالهما اطلاقا إلى أنهما مطلقان أو منفصلان, فقضت لها المحكمة رأفة بحالها بالبقاء في منزل الزوجية, وكفت أيدي أخوة الزوج عن التصرف في البيت طوال حياتها, ورفضت الدعوى التي أقامها عليها الأخوة لطردها منه. وهكذا واجهت هذه السيدة الحياة بعد رحيل زوجها.. وهي تقيم في بيت لا تملك طوبة واحدة منه ولا حق لها عليه.. وبلا أي ميراث أو معاش وبلا مدخرات ولا أقارب يتكفلون بها.. وعلى عكس ما يفعله الزوج الطيب الذي يرحل عن الحياة فيترك لزوجته الذكريات الجميلة وما يقيم أودها ويقيها شر الحاجة, فلقد رحل هذا الزوج عن الحياة تاركا لها الإحساس المر بالدنس والعار, والحاجة, مما يجعلها كما علمت تلعنه في كل صلاة ومع كل أذان بدلا من أن تترحم عليه!

وشيئا فشيئا نفد كل ما كانت تملكه من مصاغ قليل باعته لكي تسد بثمنه رمقها, وانعكس حالها المؤلم على حال الحديقة التي كانت زاهرة.. فتماثل الاثنان في المحنة وغدر الأيام بهما فهزل جسم السيدة, وجفت دماء الحياة فيها تدريجيا من أثر سوء التغذية, وذبلت أشجار الحديقة وجفت أوراق أصص الزهور وماتت النباتات المتسلقة لقلة الماء ونقص الرعاية, فلقد تراكمت على هذه السيدة فواتير الماء والكهرباء, حتى انتهي الأمر بقطعهما عنها نهائيا منذ عدة سنوات, ومنذ ذلك الحين والسيدة تعيش في ظلام دامس وبدون قطرة ماء.. ووهنت قواها حتى لم تعد تقوى على فتح نوافذ البيت كل فترة لتهويته, فيظل مغلق الأبواب والنوافذ دائما وكأنه مقبرة, وشكت السيدة من آلام مبرحة في قدميها حتى كادت تعجزها عن الحركة, ولقد يمر عليها اليوم واليومان والأيام الثلاثة دون أن تقوى على فتح نوافذ بيتها, ناهيك عن أن تجد ما يقيم أودها.. ولك أن تتخيل يا سيدي أن هذه السيدة رغم كل ما تعانيه, فإن ما أعطيه لها من ماء قليل كل فترة أو يعطيه لها جيرانها.. فإنها تستخدمه في النظافة والوضوء, ولا تشكو حالها لأحد سوى لربها, وفي كل مرة أذهب فيها إليها حاملا إليها بعض الماء أتعجب لاحتمالها لكل هذه الأهوال وبصبرها العظيم على هذا الابتلاء حتى لأدير وجهي عنها لكيلا ترى دمعي.. وأدعو الله العلي العظيم أن يرفع عنها هذا البلاء.. لقد كتبت إليك هذه الكلمات لعجزي عن أن أفعل لهذه السيدة المزيد وأرجو أن تصل هذه الكلمات إلى من بيده أن يرفع عنها بعض هذه المعاناة.. مع رجاء العلم بأن هذه السيدة تحتاج إلى من ينتقل إليها لبحث حالتها.. لأنها لا تقوى على الخروج من شدة الهزال وضعف الصحة وانعدام العناية الطبية. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ولكاتب هذه الرسالة أقول

قد وصلت الرسالة بالفعل إلى مالك الملك ومن بيده ملكوت كل شيء سبحانه فجرت مشيئته عز شأنه بأن ترجع الكهرباء إلى المنزل المظلم المقبور.. والماء المقطوع إلى الحديقة العطشى والأشجار الجافة والأصص الخابية, وتنفتح نوافذ هذا البيت المغلقة ويتجدد هواؤه, وتسترد سيدته دماء الصحة والعافية بأمر ربها ومشيئته وهو الرحيم العليم, فلقد سمع الله جل في علاه نجوى هذه السيدة لربها وهيأك لنقل الرسالة إلى وأكرمنا بتسخير ««بريد الجمعة»» لإنفاذ مشيئته برعاية هذه السيدة الوحيدة والتكفل بأمرها, وتوفير الحياة الكريمة والرعاية الصحية اللازمة لها, ولسوف تزورك خلال ساعات الأخصائية الاجتماعية لبريد الجمعة لتصطحبها لزيارة هذه السيدة في بيتها وحل مشكلتها بما يحفظ عليها كرامتها ويقيها شر الحاجة ومذلة السؤال بإذن الله.. فهي ممن عناهم الحق سبحانه وتعالى بقوله يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا .. 273 البقرة.

وهؤلاء هم الأحق بالرعاية والعطاء, لأنهم عاجزون نفسيا عن سؤال الغير ولو كانت بهم خصاصة, ولقد تعتصر الحاجة أحدهم فلا يطيعه لسانه في الطلب, أو الشكوى لغير ربه, ولهذا أمرنا بأن نتحرى هؤلاء في مواقعهم وخلف أستارهم التي يستترون وراءها بعوزهم عن الغير وبأن نبادرهم بالعطاء بغير طلب ونترفق بهم ونشعرهم بحقهم علينا.. ونكفيهم مئونة السؤال, ونتحرى حفظ كرامتهم والستر عليهم بما نقدمه لهم, ولولا أني قد أردت أن يشاركني قراء هذا الباب في قصة هذه السيدة ليستفيدوا بدروسها المؤلمة ويطلعوا على وجه آخر من وجوه النفس البشرية الملغزة, لما نشرت رسالتك هذه ولبادرت بإرسال الأخصائية الاجتماعية إليك علي الفور بغير نشرها, لكن كيف كان لنا أن نعلم عن النفس البشرية وشحها وبخلها وحساباتها الدنيوية الحقيرة في بعض الأحيان ما علمناه من هذه القصة المحزنة لو كنت قد عزفت عن نشرها.. لقد تحيرت طويلا في فهم الأسباب التي تدعو رجلا يشارك زوجته الحياة تحت سقف واحد وترضي هي بحياتها معه رغم حرمانها من الإنجاب, وبخله معها وتقتيره إليها, لأن يطلقها سرا ويتكتم عنها أمر هذا الطلاق فلا تعلم به في حينه, ثم يواصل حياته معها كزوجين يجمعهما فراش واحد, وحياة مشتركة, ويرضي هو لنفسه بهذا الوضع الآثم ويقبل بهذا الخفاء على زوجته متحملا عنها وزره الكامل لأنها لا تعرف به ويعلم به أيضا إخوته فلا ينهونه عنه, ولا يحثونه على تصحيح وضعه الشائن ووضع هذه السيدة الضحية, ولا يبرئون ذمتهم من إثم المشاركة بالصمت في خداع هذه السيدة والقبول بالخنا لها ولأخيهم, ثم يرحل عن الحياة فجأة فإذا بهؤلاء الإخوة يشهرون في وجه أرملته وثيقة طلاق عمرها ثلاث سنوات ويسعون لطردها من بيت أخيهم وحرمانها من ميراثه ومعاشه, بغير أن يتوقف أحدهم ويسائل نفسه: كيف رضي بأن يعلم عن أخيه انه يعاشر من تحرم عليه معاشرتها بغير أن يبرئ ذمته من إثمه بنصحه أو على الأقل بإعلام هذه السيدة بما علم به لترى رأيها في حياتها معه, ويبرأ هو من حقها عليه؟..

وأي شيء من متاع الحياة يستحق أن يشارك إنسان أخاه بالصمت الشائن على مثل هذا الدنس الذي ينكره الشرع والدين والقانون؟.. لقد فكرت طويلا في دوافع هذا الرجل لما فعل, فلم أجد له تفسيرا سوى بخله الذي تمكن منه حتى صبغ نظرته إلى كل شيء في الحياة بالصبغة المادية الكريهة حتى ولو كان ذلك ـ غفر الله لهـ على حساب الحق والعدل والفضائل الدينية والأخلاقية. فلقد كره الرجل أن تشاركه السيدة التي تقاسمه حياته في شيء من أملاكه أو معاشه أو ماله وهو على قيد الحياة وبعد رحيله عنها, وكره أن تنازع إخوته بعد وفاته في ملكية البيت الذي يملكه ويبدو أن لإخوته نصيبا منه بالميراث عن الأب, فطلق زوجته وتحايل على عدم إبلاغها بذلك, وتستر عليه في هذا الاثم الشائن اخوته طلبا لمتاع الدنيا الرخيص, وواصل حياته معها في الدنس والإثم مقدرا فيما يبدو أنه سيطول به العمر وقد يأتي الوقت الذي يراه هو مناسبا لإخراج هذه الزوجة من حياته بغير أن يتكبد دفع أية حقوق مادية لها لفوات المواعيد القانونية للمطالبة بنفقة المتعة والنفقة الشرعية ومؤخر الصداق, فيكتفي بوحدته في المنزل والحديقة اللذين يكرس فيهما كل اهتمامه.. أو لعله يستبدل بزوجته أخرى أقل نفقة من سابقتها إذا رغب في ذلك, فإذا بمكره يخيب وإذا بأقداره تسبق كل مكره وتدبيره ويرحل عن الحياة تاركا وراءه كل شيء للآخرين ومخلفا الزوجة التي عاشرها سنوات طوالا لا تدري أكانت أرملته أم مطلقته ولا تجد ما تواجه به الحياة, وتعاني مما تشعر به من إحساس غائر بالإثم لغدره بها ومعاشرته لها بغير زواج لثلاث سنوات قبل الوفاة.. وكل ذلك لكي لا تنازع اخوته في حصة محدودة من بيت صغير وحصة بائسة من معاش هزيل مهما بلغ قدره فأي إثم.. وأي مكر حقير؟!


يا إلهي.. إنني لم أستطع حتى الآن برغم خبرة السنين أن أفهم هذا التناقض الغريب بين ضن رجل كهذا الرجل على زوجته بأن ترث حقها المشروع في حاله بعد الرحيل مما يقطع بشحه وبخله الفاضح وعدم عدالته, وبين هذا الإحساس العائلي المفترض فيه أن يكون من الفضائل بشرط العدل والذي يدفع مثل هذا الرجل لإيثار إخوته بميراثه دون زوجته فهل يستطيع أحد أن يفسر لي هذا التناقض الغريب بين المنع للزوجة والإيثار للاخوة, وهما نقيضان تناقض المنع والعطاء ولا يجتمعان في النفس الشحيحة إلا نادرا؟.. أم ترى أن هذا الرجل لم يكن يضع حتى إخوته في حساباته, وكان مطمئنا إلى الدنيا وإلى أنه سوف يعمر طويلا فينفرد فيها دون زوجته والجميع بماله وأملاكه إلى ما لانهاية؟! فلندع إذن أمره لخالقه, ولنفكر معا في كيفية تعويض هذه السيدة المتعففة عما تعرضت له من عناء كاد يقضي عليها في وحدتها.. كما قضي من قبل على أشجار حديقتها وزهورها ونباتاتها.. وشكرا علي رسالتك الكريمة هذه.. وأرجو الله أن يجزيك عنها خيرا كثيرا في حياتك ومستقبلك بإذن الله والسلام..



˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙

نقلها من أرشيف جريدة الأهرام وراجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali


إقرأ المزيد Résuméabuiyad

الفراش الخالى .. رسالة من بريد الجمعة


أنا أم أخطأت وأريدك أن تنشر رسالتي لكي تتعظ بها كل أم .. فلقد كنت زوجة لرجل ممتاز لا يحرمني من شئ, وأما لولدين وبنتين, فدخل بيننا "شخص" ففقدت زوجي وتم الطلاق بعد أيام عصيبة دفعت ثمنها غالياً من صحتي ونفسي وأعصابي, ومع ذلك فليست هذه هي المشكلة الأساسية, لكن المشكلة هي ابنتي وكبرى أولادي, فبسبب الآلام النفسية الرهيبة التى عانيتها من زوجي فى الأيام الأخيرة قبل الطلاق, وعكست كل ذلك على ابنتي الكبرى وأسأت معاملتها إلى درجة لا أتخيلها .. فإذا سألتني ولماذا ابنتي هذه بالذات, فسأقول لك إنها كانت صديقة أبيها وكاتمة سره, وبعد الطلاق وجدت نفسي بغير أن أحس أريد الانتقام من أبيها فيها .. فأصبحت أسئ معاملتها وأتعمد إيذاءها بشتى الطرق .. فوضعت مسئولية كل الأعمال المنزلية عليها دون أخوتها .. وأصبحت أشترى لهم الملابس الجديدة ولا أشترى لها شيئاً .. وحرضت أخوتها على أن يعاملوها كأجيرة تعمل فى البيت, وليست كأختهم الكبرى التي ينبغي أن يحترموها .. حتى اعتادوا نفسيا على أن يعاملوها كخادمة, وأن يسبوها إذا لم تحضر لهم الطعام, فإذا شكت لى فلا أنصرها ولا أنهر إخوتها وإلى جانب ذلك كنت أتعمد مضايقتها, فإذا رأيتها واقفة أمام المرآة كأي فتاة فى سنها, أطريت  على جمال أختها وبالغت فى ذلك, إلى حد أن أقول لها إن الله قد وضع الجمال كله فى أختها وحرمها منه .. حتى كفت عن الوقوف أمام المرآة وعن الاهتمام بنفسها وتحطمت نفسيا تماما .. ومع ذلك فقد كان كبرياؤها يمنعها من البكاء فلا تبكى, وإنما تنظر صامته ومكتئبة ولا تجيب, ومع تكرار إيذائي لها كفت تمام عن الضحك والابتسامة, فلم أرها ضاحكة مرة واحدة طوال العامين الأخيرين. وليتني اكتفيت بكل ذلك وهو كثير لكنى لم أكتف للأسف .. فقد كانت لها صديقات فرويت لهن أكاذيب عنها وحرفت بعض الموضوعات عنها فتركنها, إلى أن وقعت الواقعة منذ حوالي شهرين حين ضربتها وضربها أخوها أمام الجيران, فلم تبك أيضا ولم تدمع .. لكن حزن الدنيا كله كان فى عينيها, ثم انتهت الزوبعة ودخلت غرفتها .. ودخل إخوتها أسرتهم ودخلت سريري وضميري يؤرقني لأول مرة منذ 3 سنوات بسبب سوء معاملتي لها, فاستيقظ فى قلبي العطف عليها وأنا أستعيد صورتها وهى تتلقى الضرب ولا تدافع عن نفسها ولا تبكى رغم تألمها الشديد .. ولعنت نفسي ولعنت الشيطان الذى أعماني عن أنها كانت دائما أكثر أبنائي حنانا بىٌ وبإخوتها, ودائما تخاف على وتخدمني بإخلاص حين أمرض .. ولا تخص نفسها بشئ دون أن تعطيني وتعطى أخوتها منه, وأدركت مدى غفلتي وحمقى حين أردت أن آخذها بذنب أبيها ولا ذنب لها فيما جرى أو حدث .. فعزمت على أن أصالحها وأسترضيها وأعيد لها احترامها بين أخوتها .. ولم أهدأ إلا حين استقر رأيي على ذلك فاستغفرت الله ونمت.وفى الصباح نهضت من نومي ودخلت الغرفة التى تنام فيها مع أختها لأصالحها فوجدت فراشها خاليا, وبحثت عنها هنا وهناك فلم أجدها, فعرفت أن ما لم أحسب له حسابا أبدا قد حدث وأنها غادرت البيت إلى غير رجعة.
إنني أكتب لك الآن وقد مر شهران على غيابها عنا, لم نكف خلالهما أنا وأخوتها عن البحث عنها بلا جدوى. وأنا نادمة وأخوتها نادمون ويقاطعونني .. فإذا تحدثوا معى قالوا لى إن الله لن يغفر لى ما فعلته بها. وأنا أكاد أجن وصورة وجهها الحزين الذى لا يبكى ولا يضحك أبدا تتراءى أمام عينى كل لحظة .. وفراشها الخالي يذكرني بكل ما فعلت وما أجرمت فى حقها, وقد انتابتني أمراض الدنيا كلها منذ خروجها.

لقد كانت تقرأ لك وهى تتحمل إيذاءنا لها وتحترم آراءك وتتصبر على حالها بما تقرؤه من مآس فى بريدك, فهل تكتب إليك كلمة ترجوها فيها أن تعود إلى أسرتها النادمة على ما فعلت والحزينة لفراقها .. إنني أرجوك أن تفعل رحمة بأم نادمة تتعذب.

ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
هذا هو حالنا فى معظم الأحيان نحن البشر .. نقسوا على من يحبنا ويترفق بنا ويؤثرنا فى يده, حتى إذا فاض إناء الصبر وفارقنا, عرفنا كم كان رحيما بنا وكم هو عزيز علينا.
لقد كانت فتيات كثيرات يكتبن إلى يشكون من تصرفات شبيه بما كنت تفعلين بابنتك الكبرى .. فكنت أتشكك فى صدق شكواهن, وأرجع معظمها إلى الإفراط فى الحساسية من جانبهن, وأرفض أن أصدق بسهولة أن أماً سوية يمكن أن تتعمد إيذاء مشاعر ابنتها وتحقيرها بين أخوتها .. وافقدها ثقتها بنفسها إلى هذا الحد المزري .. لكن رسالتك أضافت إلى خبرتي بالحياة الجديد .. وما أكثر ما نتعلم وما نعرف كل يوم من خبايا جديدة للنفس البشرية.
يا سيدتى إن الإنسان قد يخطئ وكثيرا ما يفعل, لكنه رغم ذلك قد لا يكون مذنبا إذا أخطأ بغير عمد لما فعل, أما من يخطئ عمدا وعن وعى تام بما يفعل فهو المذنب حقا .. وهو من لا يطهره من إثمه إلا الندم الصادق والاستغفار وطلب العفو والسماح ممن أخطأ فى حقهم. والكارثة أن بعض الآباء والأمهات يتصورون أن الله يحاسب الأبناء على عقوق الأبوين ويعجل لهم بالعقاب عنه فى الدنيا مع ما يدخره لهم من عقاب فى الآخرة, لكنه لا يحاسب الآباء والأمهات عما يفعلون بأبنائهم ولو أجرموا فى حقهم مع أن الله جل شأنه يحاسب الآباء والأمهات أيضا عن إيذائهم لأبنائهم والقسوة عليهم والتفرقة بينهم, كما يحاسب الأبناء الضالين على عقوقهم. ولعل عقاب الأبوين أشد لأنه لا عذر لهم من طيش أو رعونة, فلعلك قد عرفت يا سيدتى واستغفرت ربك عنه طويلا.
أما ابنتك صاحبة الوجه الحزين الذى لا يعرف الضحك واستعذبت ماء بكائها طويلا لكنها ضنت عليك بأن تشهدي دموعها فقد كانت تعي تماما أنك تنتقمين من أبيها فى شخصها, فآثرت أن تحجبها عنك وتحرمك منها وقلبها يتمزق ألما.
على أية حال فإني أستجيب لرجائك .. وأخاطب ابنتك الطريدة لا المهاجرة من بيتك .. لأنها طريدة رحمتك وعطفك وحنانك وعدلك بين أبنائك .. وأقول لها إننا لا نملك رغم كل شئ أن نعامل أبوينا بمبدأ العين بالعين والسن بالسن, لأننا مأمورون بأن نصاحبهم فى الدنيا معروفا ولو آذونا وتعمدوا إيذاءنا, وحسابهم عنا مع خالقهم وليس معنا, وأمك قد ندمت على ما بدر منها وأكاد أجزم لك بذلك من إحساسي بكلماتها .. والإنسان بلا أهل كالسفينة التى تتقاذفها الأمواج فى بحر هائج بلا مرفأ تأوي إليه, وهم أعزاء لدينا وإن جاروا علينا وباعدونا بغير ذنب جنيناه .. فما بالك بحقهم علينا بعد أن عضهم الندم بأنيابه على ما فعلوا بنا؟
عودي إلى أمك يا آنستي وإلى مرفئك .. واقبليني إذا شئت حكما بينك وبينها, وشاهدا على حسن معاملتها لك فى قادم الأيام وليعف الله عن خطايانا أجمعين



* من رسائل سنة 1990

˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙
كتبها من مصدرها بكتاب العيون الحمراء 
Bossa Aly

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali

إقرأ المزيد Résuméabuiyad

اللحظات العصيبة .. رسالة من بريد الجمعة


أنا فتاة أبلغ من العمر‏27‏ عاما‏..‏ نشأت في أسرة مترابطة بين أب يعمل عملا حرا وحالته المادية ميسورة وأم ربة بيت وشقيقة تصغرني بعامين‏، ولقد كانت شقيقتي الصغرى هذه تفوقني دائما جمالا وخفة وحبا للناس وقبولا منهم وتملأ أي مكان توجد فيه دائما بهجة ومرحا‏,‏ كما كان لي ابن عم يكبرني بعامين يدرس بكلية الطب‏,‏ وعلي قدر كبير من الاخلاق والطيبة والرقة والوسامة‏.‏ وكان ابن عمنا هذا يزورنا كثيرا فولدت بذرة الحب الصامت داخلي تجاهه واحببته كثيرا‏,‏ لكني نجحت في كتمانه وإخفائه عن الجميع‏,‏ حين عرفت أنه حب من طرف واحد‏.‏
ومضت بنا الأيام هادئة يزورنا ابن عمي في المناسبات المختلفة ونرحب به ونجلس معه كلنا‏,‏ ويمضي الوقت بهيجا سعيدا والحب الصامت ينمو في أعماقي ويتوحش‏,‏ وأنا أكابده واجاهد لاخفائه لكيلا يشعر به أحد‏..‏
إلى أن فوجئت ذات يوم بأمي تبلغني بأن ابن عمي قد اتصل بأبي وحدد معه موعدا يجيء لمقابلته مع ابيه لأمر مهم‏..‏ ولم يكن ذلك أمرا مألوفا في علاقته بنا إذ كان يستطيع زيارتنا في أي وقت ويعرف الأوقات التي يوجد فيها أبي بالبيت فيأتي بلا موعد سابق‏,‏ فخفق قلبي بشدة حين عرفت بقدومه مع ابيه لمقابلة أبي‏,‏ وتساءلت هل تكون السماء قد استجابت لدعائي فغرس الله حبي في قلبه بعد كل هذه السنوات؟‏.‏
وترقبت موعد زيارته بقلق واضطراب‏..‏ وجاء ابن عمي مع ابيه في الموعد المحدد وصافحت عمي وصافحته ثم دخل الجميع إلى الصالون‏,‏ واختلوا ببعضهم البعض لفترة من الوقت‏,‏ وقلبي يكاد  
يقفز بين ضلوعي من سرعة الخفقان‏,‏ ثم خرجت أمي من الصالون وهي تطلق زغرودة مدوية‏,‏ فكدت أفقد الوعي من الفرحة‏.‏ وقبل أن انطق بأية كلمة أو أسألها عن سبب ابتهاجها‏,‏ فوجئت بها تقول لي أنا وشقيقتي ان ابن عمنا قد قرأ الفاتحة مع أبي وطلب يد‏..‏ أختي ‏!‏ وانفجرت دموعي بغير وعي مني على الفور‏,‏ وتوجهت لأختي بالتهنئة وأنا في شدة الاضطراب وأنا لا ادري بما أقول أو أفعل‏,‏ ولا أعرف هل أدركت شقيقتي وأمي حقيقة مشاعري في هذه اللحظة العصيبة أم ان ابتهاجهما بالخبر قد غطي لديهما على كل شيء آخر‏..‏ لكن الموقف قد انقضى الي حال سبيله على أية حال‏,‏ وفسر الجميع دموعي على انها دموع الفرح والابتهاج لأختي الحبيبة‏,‏ وفي الأيام التالية لذلك جاهدت نفسي كثيرا لكيلا تبدو علي آثار الصدمة والحزن وخيبة الأمل‏,‏ لكني بالرغم من ذلك وجدت نفسي استسلم لنوبات متتالية من الحزن والاكتئاب‏,‏ وأميل للعزلة والانطواء‏,‏ وأفقد اهتمامي بالحياة وكل الأشياء‏,‏ وخلال ذلك تقدم لي أكثر من شاب يريد الارتباط بي‏,‏ وكلما تقدم لي أحدهم أجد نفسي تلقائيا أعقد مقارنة بينه وبين حبيبي‏..‏ أو خطيب أختي الحبيبة فتنتهي المقارنة دائما لغير صالحه‏,‏ وأرفضه للفارق الشاسع بينه وبين المثال الذي أحببته وأردته لنفسي‏!.‏
وتخرج خطيب أختي في كليته وعمل بأحد المستشفيات الاستثمارية‏..‏ وتحدد موعد الزفاف وكادت أختي تطير فرحا بعريسها‏,‏ وتكاد تمشي فوق السحاب‏..‏ وأقيم حفل الزفاف‏,‏ وكان جميلا وبهيجا‏,‏ والفرحة تظل الجميع خلاله وانتقلت أختي إلي بيت الزوجية‏,‏ وراحت تنهل من نهر السعادة الذي وهبته لها الأقدار مع زوجها‏,‏ وبعد عام من الزواج رزقت بطفل جميل يجمع بين وسامة ابيه وذكاء أمه وخفتها‏,‏ وطارت أختي من السعادة بزوجها وطفلها الجميل وحياتها الموفقة‏,‏ ودرج الطفل على الأرض ودخل عامه الثالث وأصبح بهجة العائلة كلها‏.‏
وفي صيف العام الماضي رافقت أختي وزوجها وطفلها الي المصيف لقضاء بضعة أيام‏..‏ وذات صباح خرجت الأسرة السعيدة  
من البيت وأنا معهم يتقدمنا زوج أختي حاملا الشمسية‏,‏ وأنا وأختي وطفلها من خلفه فعبر ابن عمنا الطريق قبلنا وتوقفنا ونحن ننتظر خلوه من السيارات فإذا بالطفل الصغير ينفلت من بين أيدينا لكي يلحق بأبيه ويهرول ناحيته‏,‏ ورأت أختي سيارة مسرعة تتجه نحوه فانطلقت إليه كالسهم لإنقاذه وإبعاده عن الخطر‏..‏ ودفعته بالفعل بعيدا عن السيارة لكنها لم تنج للأسف منها‏,‏ وانما اصطدمت بها صدمة مروعة وسالت دماؤها على الطريق وتحولت البهجة الي حزن أليم‏..‏ ونقلت اختي الي المستشفي في حالة خطيرة‏..‏ لكن القدر لم يمهلها طويلا فاسلمت الروح بعد قليل وكان آخر ما نطقت به هو كلمات توصيني بها بطفلها الصغير‏..‏ ثم صعدت انفاسها الطاهرة إلى السماء يرحمها الله‏..‏ ويخيم الحزن على حياتنا جميعا‏,‏ وتجف دموعنا من كثرة البكاء‏.‏ وتعتزل أمي الحياة والناس‏..‏ لفترة طويلة وتغلق عليها غرفتها بالأسابيع رافضة أن تغادرها أو تستقبل فيها أحدا‏..‏ وتصر على ألا يضاء مصباح واحد في بيتنا الحزين‏.‏ ويمضي عام طويل ثقيل على هذه المأساة المؤلمة التي غيرت كل شيء في حياتنا‏.‏
ثم يجيء زوج أختي منذ فترة قصيرة ليطلب يدي من أبي ويبرر طلبه له بحرصه على ألا ينشأ ابنها بين أحضان غريبة‏.‏
ويعده أبي بأن يفاتحني في الأمر لكنه لا يقوى على ذلك ويكلف أمي بهذه المهمة‏,‏ فتبلغني برغبة زوج شقيقتي‏..‏ وتسألني عن رأيي فيه فلا أعرف بماذا اجيبها‏,‏ ولا أعرف هل أنا سعيدة بهذا الطلب أم حزينة له‏..‏ لأنه لا يجيء إلا كأثر لهذه المأساة الأليمة‏.‏
لقد وعدت أمي بالتفكير في الأمر‏,‏ لكني لم أنس حتى الآن وجهها الحزين وهي تعرضه علي‏,‏ ولا دموعها الغزيرة وهي تحدثني بشأنه‏,‏ ومازلت حائرة في أمري حتي الآن‏..‏ ولم استطع الرد على أمي بموقف محدد فبماذا تنصحني يا سيدي؟

ولكاتبة هذه الرسالة أقول
من أسوأ ما يفعله الانسان بحياته هو ان يتكتم رغباته الحقيقية‏..‏ 
ويتجنب التعبير عنها بكل الوسائل ويكابدها في أعماقه وحده‏.‏ فيشتد ضغطها عليه في بعض الأحيان‏..‏ ويحاول هو من جانبه أن يتخفف من هذا الضغط فيجد نفسه لا اراديا يندفع إلى إنكار هذه الرغبات ونفيها ويتمادي في ذلك أحيانا إلى حد ابداء الرغبات المعاكسة لها‏,‏ ومحاولة اقناع نفسه والآخرين بانها هي الرغبات الحقيقية له وليست تلك التي يتحرج من اعلانها والاعتراف بها‏!‏
وأحسب أن هذا هو ما تفعلينه الآن بنفسك يا آنستي وما تكررين به نفس الخطأ القديم الذي ساهم في تعقيد هذه المشكلة منذ البداية‏.‏ فلقد كنت تكابدين حبك الصامت لابن عمك من قبل ان يبدي رغبته في الارتباط بشقيقتك الراحلة يرحمها الله,‏ ولم يكن من العسير عليك في ذلك الوقت ان تشعري أقرب الناس اليك وهما والدتك وشقيقتك الراحلة باهتمامك بأمره حتى ولو لم يكن لذلك من أثر على تغيير موقفه منك‏,‏ إذ كان ذلك في حد ذاته كفيلا بتفادي الكثير من اللحظات العصيبة التي كابدتها خلال فترة تقدمه لطلب يد شقيقتك وبعدها وربما كان قد أدى الي تحفظ شقيقتك في قبول الارتباط به مراعاة لمشاعرك وتجنبا لايلامك‏,‏ وسياق القصة لا يوحي من الأصل بأنه كانت ثمة قصة حب عميق قد جمعت بينهما قبل الزواج ويكاد يؤكد ان الامر لم يكن يتعدى حدود التقارب المألوف بين شباب العائلة الواحدة في سن الزواج‏,‏ وفي مثل هذه الظروف لم يكن من العسير على أخت بارة بشقيقتها ان ترفض شابا اعجبت به اذا علمت بحب شقيقتها له‏..‏ فإن لم تذهب إلى حد ذلك‏,‏ فلقد كان من الممكن على الأقل ان يراعي الجميع مشاعرك عند قبولها الارتباط به‏,‏ وان تتجنب والدتك على سبيل المثال أن تصدم مشاعرك صدمة هائلة وأنت تترقبين سماع نبأ طلبه ليدك فإذا به يطلب يد أختك‏.‏
لكن آفة الانسان في بعض الاحيان هي تكتم احاسيسه ورغباته حتى عن أقرب الناس إليه‏,‏ ولو صارحهم بها أو اكتفي حتي بالاشارة المتحفظة إليها لربما استطاعوا إعانته على التعامل معها,‏ وتفادوا إيلامه من حيث لايريدون‏.‏
وما أكثر الآلام واللحظات العصيبة التي ماكان المرء ليكابدها لو كان قد اعتمد في حياته اسلوب الصراحة في المشاعر والرغبات بغير ان يخجل منها ويتكتمها عن الآخرين وكأنها من الخطايا والآثام‏!‏
وما أكثر ما تذكرني بعض مواقف الحياة المماثلة بما قاله الروائي الفرنسي الراحل البير كامي في تقديمه لروايته الشهيرة سوء تفاهم من أنه‏:‏ ـ لو أن كلمة واحدة قد قيلت لما وقعت هذه المأساة‏!‏ لكن آفة الانسان انه قد لاينطق أحيانا بالكلمة التي تجنبه الآلام والمعاناة في الوقت المناسب‏!‏
وها أنت تكررين الآن يا آنستي هذا الخطأ البشري القديم‏!‏
وتتظاهرين أمام نفسك قبل الآخرين‏,‏ بالتردد أمام قبول طلب ابن عمك الارتباط بك‏,‏ وتفضلين انكار رغباتك الحقيقية ونفيها إلى حد التظاهر امام النفس بعدم الرغبة فيها‏,‏ ففيم كل هذا العناء يا آنستي‏..‏ وإلام تستمرين في التظاهر بعكس ما ترغبين وما تشعرين به؟
لقد وقعت المأساة ولم يكن لك شأن في وقوعها‏..‏ ولا كان بمقدورك لوأردت ذلك ان تمنعيها‏,‏ وزوج شقيقتك الراحلة لن يمضي بقية حياته أرمل مترهبا بلا زواج وبلا زوجة تشاركه رعاية طفله الصغير‏,‏ وأنت لا تتوجهين بمشاعرك إلى أحد سواه وترغبين في الارتباط به‏,‏ ومازال هو يحتل في قلبك وفي اعماقك نفس المكانة التي كانت له منذ قديم الزمان‏,‏ فماذا يمنعك من الارتباط به ورعاية طفل شقيقتك الصغير معه‏,‏ وإعانة أبويك ونفسك قبل الجميع علي الخروج من ظلام هذه المأساة العائلية الحزينة؟
ان رفضك للارتباط بزوج شقيقتك لن يغير من حقائق الحياة شيئا ولن يعيد الراحلة العزيزة إلى دنيا الأحياء مرة أخرى للأسف‏,‏ كما أن قبولك له على الناحية الأخرى لن يغير من الأمر الواقع شيئا ان لم يخفف الكثير والكثير من آثاره المؤلمة علي أبويك والطفل الصغير ووالده ونفسك‏.‏
ولهذا فإن ترددك أمام مطلب ابن عمك ليس في حقيقته سوى رد 
فعل لا ارادي للخجل النفسي الداخلي في اعماقك من ان تظهري أمام نفسك وكأنك قد استفدت ـ معاذ الله ـ من رحيل شقيقتك عن الحياة في تحقيق أمنيتك القديمة في الارتباط بمن احببته حبا صامتا طوال السنين‏..‏
لكن الحوار المنطقي الهاديء مع النفس كفيل بان يعينك علي التغلب على هذا الخجل النفسي‏,‏ وعلى التسليم بأن قبولك للارتباط بابن عمك لا يتعارض مع حزنك الصادق علي رحيل شقيقتك عن الحياة ولا يعد خيانة للمشاعر الأخوية الصادقة التي جمعت بينكما‏..‏
ولهذا فلا مبرر للرفض ولا التردد حتى ولو كنت قد استسلمت خلال السنوات الماضية وفي بعض اللحظات لأحلام اليقظة التي كثيرا ما تراودنا وتجمعنا في دنيا الخيال الوردية مع من تحول دوننا ودونهم الأسباب والمقادير‏..‏ فمن رحمة ربنا بنا أنه لا يحاسبنا علي الأمنيات الصامتة ولا على أحلام اليقظة حتي ولو تعارضت مع الأعراف والتقاليد‏,‏ مادمنا لا نفعل شيئا عمليا ييسر تحقيق هذه الأمنيات أو يقربها من دنيا الواقع‏.‏
وأنت لم تفعلي شيئا‏..‏ لتحقيق امنيتك القديمة‏..‏ أو للتعبير عنها ثم شاءت الاقدار التي لا راد لها ان تحولها إلى واقع‏..‏ وان تيسر الطريق اليها في ظروف درامية لا شأن لبشر بها فماذا يمنعنا من القبول بها‏..‏ حتي ولو تحفظنا رعاية لمشاعر الآخرين في اعلان ترحيبنا بها‏..‏ والابتهاج لها‏!‏
اننا ننصح من تواجه مثل هذا الموقف الذي تواجهينه الآن بألا تقبل بالارتباط بزوج شقيقتها الراحلة لمجرد الحرج العائلي الذي يفرض عليها رعاية اطفالها من بعدها‏,‏ إذا كانت تخطط لحياتها مع انسان آخر ترغب في الارتباط به‏..‏ أو إذا كانت لا تستشعر مجرد القبول النفسي لزوج الشقيقة الراحلة‏.‏
وهذان الشرطان غير قائمين في حالتك يا آنستي‏..‏ فلست تخططين لحياتك مع انسان آخر ترغبين فيه‏,‏ ولست أيضا تنفرين من زوج شقيقتك الراحلة وانما على العكس من ذلك‏,‏ ترغبين فيه وتكنين له أعمق المشاعر‏,‏ لكنك فقط تخجلين من الاعتراف 
لنفسك بذلك‏..‏ وتستشعرين الحرج الانساني والعائلي المفهوم في ابداء هذه المشاعر‏..‏ وهذه الرغبة فماذا يحول بينك وبين اسعاد القلوب الحزينة من حولك وأولها قلبك أنت بالارتباط به‏..‏ واحتضان طفله الصغير الحائر؟

*نشرت بتاريخ 16 أكتوبر 1998


˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙

نقلها من أرشيف جريدة الأهرام 
Rofida Mohamed Ismail
راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali


إقرأ المزيد Résuméabuiyad

اليوم السابع .. رسالة من بريد الجمعة


أنا شابة في الثالثة والعشرين من عمري‏، ارتبطت وأنا في السادسة عشرة عاطفيا بشاب يكبرني بعشر سنوات، وخلال هذا الارتباط سافر إلى فرنسا في بعثة للحصول علي الدكتوراه في القانون التجاري‏,‏ ورجع بعد ثلاث سنوات ظافرا بها ومقيما علي الحب الذي جسم بيننا فازداد فخري به واعتزازي بتدينه وثقافته الراقية وإحساسه المرهف‏,‏ ثم تمت خطبتنا وأنا طالبة بالسنة الأولي بكلية الاقتصاد المنزلي‏,‏ واستمرت الخطبة عامين توثقت خلاله روابطنا أكثر فأكثر ثم تم عقد القران في حفلة جميلة‏,‏ وبعدها بأربعة أشهر توجنا قصة الحب الطويلة بالزفاف في حفلة أخرى نالت إعجاب الجميع‏..‏
وبدأنا حياتنا الزوجية معا وأنا في الحادية والعشرين من عمري‏,‏ ومن اليوم الأول أدركت أنني قد تزوجت من رجل تتمناه كل فتاة في مثل سني‏,‏ وعاهدت نفسي على أن أهبه كل ما في طاقتي من حب وحنان‏,‏ ودعوت الله أن يعينني علي ذلك وان يشملنا برعايته ليكون بيتنا قائما دائما علي الود والتفاهم‏..‏
والحق أني قد شعرت بأنني أعيش في حلم جميل من اليوم الأول الذي تفتح فيه وعيي للحياة‏,‏ فلقد حظيت دائما بحب  
أبي وأمي وأخوتي‏,‏ ونشأت في بيت يسوده الوئام‏..‏ وتتعاون فيه أمي مع أبي في كل شيء حتى في مجال عملهما الذي يتشاركان فيه‏..‏
فكان تساؤلي دائما هو‏:‏ هل تستمر الحياة وردية اللون هكذا‏,‏ كما بدت لي طوال السنوات الماضية؟ ولم يتأخر الجواب عني كثيرا فبعد ستة أيام من الزفاف الجميل والسعادة الصافية‏..‏ ارتفعت درجة حرارتي وزرت الطبيب فشخص حالتي بأنها التهاب في المثانة ووصف لي العلاج وفي اليوم السابع صحوت من نومي وأنا أشعر بتنميل غريب في قدمي الاثنتين‏..‏ فظننته في البداية تنميلا عاديا كالذي نشعر به حين نضغط لبعض الوقت علي إحدى القدمين‏..‏ فينحبس الدم فيها‏,‏ ونفقد الشعور بها جزئيا إلى أن تنشط الدورة الدموية فيها مرة أخرى‏,‏ لكن التنميل استمر‏..‏ وازداد‏..‏ وحاولت النهوض فشعرت بعدم قدرتي علي الحركة‏..‏ واتصلت تليفونيا بأمي لأشكو لها ما أشعر به فهرولت إلي ومعها والدة احدي صديقاتي وهي طبيبة ففحصتني باهتمام ثم ظهرت عليها علامات الانزعاج ووجدتها تطلب من أبي وأمي وزوجي نقلي علي الفور إلى مستشفي عين شمس التخصصي‏,‏ لأنها اكتشفت إصابتي بفيروس في النخاع الشوكي‏,‏ وهو مرض إذا أصاب الجسم فانه يبدأ بفقد الإحساس في الأطراف السفلية ثم يتصاعد فيه إلى أن يصل إلى المخ‏,‏ ونتائجه تتراوح بنسب متكافئة بين الشلل التام لكل الجسم أو الموت أو الشفاء منه بعد عناء طويل وعلاج مضن‏.‏
وتم نقلي علي الفور إلى المستشفي وخلال وجودي في حجرة الاستقبال بالمستشفي في انتظار نقلي إلى حجرتي اقترب مني زوجي وأنا في شدة الخوف والاضطراب‏..‏ ثم همس في  
أذني ببضع كلمات يحثني فيها علي الصبر والتحمل‏..‏ والشجاعة‏,‏ ويقول لي إن هذه هي أول شدة تواجهنا معا‏,‏ وسوف نصمد لها ونجتازها بالصبر والتحمل والإيمان‏..‏ فهدأت نفسي بعض الشيء‏,‏ وامتثلت لأقداري وأمضيت الليلة الثامنة لي بعد الزفاف في المستشفي‏..‏ وليس في عش الزوجية‏..‏ وبدأ علاجي على الفور بالكورتيزون ولمدة‏5‏ أيام متصلة علي مدى‏24‏ ساعة‏,‏ وأمي تبكي وأبي ينطق وجهه بالألم‏..‏ وإخوتي مضطربون‏..‏ وزوجي يحاول التماسك أمامي ولا يكف عن تشجيعي وشد أزري,‏ والأطباء يقولون لي إن الاكتشاف المبكر لحقيقة المرض سوف يساعد بإذن الله علي تحقيق نتائج طيبة للعلاج‏.‏
ومضت أيام المستشفي ثقيلة وطويلة‏..‏ وذات يوم وجدت أصبعا في قدمي اليمني تتحرك فبكيت لأول مرة منذ داهمتني هذه المحنة‏..‏ ونبهت الطبيب إليه فسعد بذلك جدا‏,‏ وقال لي إن هذا دليل علي وجود حياة بالعصب‏,‏ وعلى أن العلاج بالكورتيزون قد بدأ يؤتي أثره‏.‏
وبالرغم من الإعياء الذي كنت أشعر به من تأثير الأدوية المستمرة‏,‏ فقد وجدت في نفسي رغبة قوية في الاستذكار وأداء امتحان السنة الثالثة بكليتي‏,‏ وحاول أبي وأمي إقناعي بالاعتذار عنه فرفضت ذلك وقلت لهما إنني إذا كنت قد فقدت الإحساس بقدمي وساقي فإني لم أفقد الإحساس بيدي وذراعي ومازال عقلي بخير‏..‏ وأيدني زوجي في هذا القرار‏,‏ وبدأت وأنا في المستشفي في الاستعداد للامتحان وراح زملائي وزميلاتي بالكلية يمدونني بكل ما أحتاج إليه من كتب ومذكرات‏..‏ وخلال وجودي بالمستشفي جاء عيد الأضحى‏..‏ وشاهدت في التليفزيون الحجيج وهم يطوفون  
بالكعبة المشرفة‏..‏ فتذكرت يوم طفت حولها على قدمي مثلهم‏..‏ وكيف قبلت فيها الحجر الأسعد‏..‏ فانهمرت دموعي بغزارة وبكيت طويلا‏,‏ وراح من حولي يحاولون التخفيف عني‏..‏
ثم جاء يوم خروجي من المستشفي‏..‏ وبالرغم من إنني غادرته فوق كرسي متحرك إلا إنني كنت سعيدة لأنني سأرجع إلى بيتي ومملكتي التي لم أهنأ بها سوي أسبوع واحد‏,‏ ورغبت أمي أن انتقل من المستشفي إلى بيت أسرتي لكي ترعاني وتمرضني وتشرف على علاجي الذي سيطول شهورا وشهورا إلى أن يأذن الله لي بالشفاء‏..‏ وتمسكت برغبتها هذه لسبب آخر إضافي هو أن فقدي الإحساس بالنصف السفلي من جسمي‏,‏ قد افقدني القدرة علي التحكم في الإخراج فرغبت أمي ألا يري مني زوجي الشاب ما قد اخجل أنا من أن يراه أو ما يتناقض مع صورة العروس الجميلة التي تزوجها‏..‏ لكني رغم تقديري لدوافع أمي لم أشاركها رأيها هذا‏..‏ وصممت علي أن أغادر المستشفي إلى بيتي وليس إلى بيت أسرتي‏,‏ وقلت لأمي إنني أريد أن أري كيف سيقف زوجي إلى جواري في هذه المحنة وهل سيقبلني في حالة المرض بنفس الروح التي يتقبلني بها في حالة الصحة أم لا‏,‏ وهل سيصمد لهذه المحنة أم سيتخلي عني فيها؟
ورجعت إلى بيتي الصغير عاجزة عن المشي‏,‏ ووجهي منتفخ وتنتشر فيه البثور من أثر الأدوية‏,‏ وتقبلت حياتي الجديدة بشجاعة ورضا وتمسكت بالأمل في الشفاء الكامل والعودة إلى الحركة والنشاط ذات يوم قريب أو بعيد ووجدت في زوجي كل ما تمنيته فيه من حب ومساندة ورعاية  
وحنان‏.‏
واستكملت العلاج في البيت وبذل زوجي وأمي وأبي كل ما في وسعهم للعناية بي‏,‏ أما أختي التي تصغرني بست سنوات فقد راحت تحملني من مكان لمكان وكأنها أختي الكبرى‏,‏ وأمي وليست الأخت الصغيرة‏..‏
وتقدمت إلى الامتحان وأنا علي الكرسي المتحرك ونجحت فيه بحمد الله وتوفيقه‏..‏
ثم بدأت لأول مرة في المشي قليلا بمساعدة المشاية داخل البيت‏,‏ وتزايد الأمل في الشفاء التام في نفوسنا وأشرقت البهجة علينا‏..‏ فإذا بي أصاب فجأة بمرض جلدي في كتفي راح يسبب لي آلاما رهيبة ضاعفت من معاناتي‏..‏ وتبين من الفحص انه مرض ينتج عن فيروس كامن في الجسم لكنه لا ينشط إلا إذا ضعفت مناعة الجسم ويكون ظهوره على شكل بقعة في الجلد يشعر الإنسان فيها بشكشكة إبر حادة مؤلمة ولا تتوقف ولا علاج لها إلا بالمسكنات‏..‏ وتحملت هذه الآلام الرهيبة الجديدة واستعنت عليها بذكر الله‏..‏ والاستنجاد به أن يخففها عني ويشفيني من كل أمراضي‏..‏
ومضت الأيام وأنا أعاني من آلام وأحزان لا قبل لي بها‏..‏ وراح من حولي يتساءلون‏:‏ لماذا يحدث لي كل ذلك‏..‏ ولجأوا إلى المشايخ يستفسرونهم في ذلك‏,‏ وفي اليوم الذي اشتد بي فيه الحزن علي نفسي أراد الله سبحانه وتعالي أن يذكرني بنعمته علي ويخفف عني أحزاني‏..‏ فإذا بي اكتشف أنني حامل‏!‏ وإذا بمشاعري تتضارب بين السعادة بهذا الحمل والقلق بشأنه‏,‏ وكان مبرر القلق عندي هو أنني فاقدة الإحساس بنصفي الأسفل جزئيا‏..‏ فكيف سأشعر بما تشعر به الحامل خلال شهور الحمل‏,‏ وهل ستؤثر أطنان الأدوية التي  
تناولتها علي الجنين‏,‏ وهل سيجيء إلى الحياة صحيحا معافى أم متأثرا بسموم الدواء؟
أما والدتي فلقد اشتد قلقها علي حين علمت بنبأ الحمل‏..‏ لأنه يتطلب التوقف عن تناول المسكنات القوية التي تهديء من آلام المرض الجلدي‏,‏ فكيف سأتحمل هذه الآلام إذا توقفت عن المسكنات‏..‏؟‏,‏ وبعد تفكير قصير نصحتني أمي بالتخلص من الجنين لأني لن استطيع احتمال آلام المرض الجلدي ومتاعب الحمل مع أثار الأدوية التي تناولتها‏..‏ ولأن الحمل سيؤثر على صحتي التي تعاني من أثار الأدوية‏..‏ كما أن هناك شكا قويا في قدرتي علي الولادة الطبيعية واحتمال آلامها‏..‏ لكني تمسكت بجنيني بإصرار‏,‏ وقلت لأمي إنني سأتوقف عن تناول المسكنات‏,‏ وسوف أتحمل آلام المرض الجلدي‏,‏ ومتاعب الحمل صابرة‏,‏ ولن أفرط في جنيني مهما كان العناء‏..‏
وتوقفت بالفعل عن المسكنات‏,‏ وعانيت الآلام الجلدية المبرحة‏..‏ حتى كانت أمي تمزق من فوق كتفي بلوزاتي وفساتيني لأنني لا أطيق ملمس أي شيء فوق البقعة الجلدية المصابة‏,‏ ولمس زوجي معاناتي وآلامي فشعر بالندم والمسئولية عن هذا الحمل الذي ضاعف من عنائي‏..‏
فهل تعرف ماذا فعل بي هذا الحمل الذي توجست منه أمي وأبي وزوجي إشفاقا علي من متاعبه‏,‏ ومما قد يحمله لي المستقبل من جنين ضعيف أو مشوه بسبب الأدوية؟
لقد تحسنت قدرتي علي الحركة والمشي خلال شهور الحمل بدرجة ملحوظة‏..‏ ورجعنا إلى الأطباء في ذلك فقالوا لنا إن سبب هذا التحسن هو الحمل لأنه يساعد علي الشفاء من فيروس النخاع الشوكي حتى إن الأطباء في أمريكا يعالجونه  
بدواء مستخلص من مشيمة الجنين‏.‏
ولقد غرس الله في أحشائي هذا الدواء الطبيعي من حيث لا أدري ولا أحتسب فتحسنت قدرتي على المشي والحركة‏,‏ بدرجة كبيرة ولم يبق إلا المثابرة علي العلاج الطبيعي ليطرد التحسن والتقدم‏!‏
ثم توالت علي بعد ذلك جوائز السماء للصابرين التي تتحدث عنها كثيرا‏..‏ فخفت آلام المرض الجلدي تدريجيا‏,‏ وشعرت بمقدمات الحمل كأي أنثي عادية‏,‏ وتمت الولادة بطريقة طبيعية تماما‏,‏ كما تلد أي امرأة أخرى ورزقني الله بطفلة صحيحة الجسم وطبيعية جميلة وكثيرة الحركة‏,‏ وأمضيت ثلاثة أشهر في بيت أسرتي أعانتني خلالها أمي في رعاية طفلتي ثم رجعت إلى بيتي فوجدت في زوجي خير معين لي علي العناية بها‏,‏ واستذكرت خلال ذلك دروس العام الأخير لي بالكلية‏,‏ وتقدمت للامتحان على كرسي متحرك أيضا‏,‏ وحصلت علي شهادتي بتقدير جيد‏,‏ فأي نعم وأي جوائز أكبر مما غمرني به الله من فضله ونعمه؟
لقد مر عامان الآن يا سيدي على بداية هذه المحنة‏..‏ ومازلت أواصل العلاج الطبيعي ولقد أصبحت بفضله أحسن حالا‏..‏ فإذا تكاسلت عنه يوما واحدا ذكرتني أمي بما قاله الأطباء من أن ما حدث لي يعد معجزة إلهية بكل معنى الكلمة لأن من تعرضوا لما تعرضت له كان أقصى أملهم هو أن يستطيعوا المشي ذات يوم بمساعدة العكاز أما أنا فامشي بصورة جيدة إلى حد ما‏,‏ وقابلة للتحسن أكثر كلما ثابرت علي العلاج الطبيعي وصبرت عليه‏..‏ وأنا أثابر عليه بالفعل ولا أكل منه‏..‏ إن لم يكن من اجلي فمن اجل طفلتي التي بلغت شهرها الثامن عشر منذ أيام‏..‏ ومن أجل من يحبونني  
ويرجون لي الشفاء التام من أفراد أسرتي كلهم‏..‏
أما زوجي فأي كلمات استطيع أن أقولها لكي افيه حقه من الشكر والثناء‏..‏ لقد اجتزنا المحنة معا‏,‏ كما وعدني في اليوم الأول من المرض‏,‏ ولم يتخل عني لحظة واحدة خلالها‏..‏ ولم تتغير مشاعره نحوي وهو يراني في حال تتناقض مع صورة العروس الشابة في مخيلته‏,‏ ولم يأنف من مساعدتي فيما قد يأنف البعض منه أو يخجلون‏,‏ فماذا أقول له وعنه‏..‏ وماذا أقول عن أبي وأمي وإخوتي وكل أحبائي‏,‏ سوى أن أدعو الله لهم جميعا أن يمتعهم بصحتهم جميعا ويمن عليهم بالسعادة وكل جوائز السماء‏..‏
إنني وان كنت لم أبلغ بعد مرحلة الشفاء التام إلا إنني علي يقين من أن الله سبحانه وتعالي سينعم علي به مهما طال الانتظار كما انعم علي من قبل بالنجاة من مضاعفات المرض‏..‏ وباستعادة القدرة نسبيا علي المشي وكما انعم علي بطفلتي وبحب زوجي وأمي وأبي وإخوتي وأحبائي‏..‏ ولقد كتبت لك رسالتي هذه لأسدد بعض ديني لهم جميعا‏.‏ ولأرجو كل من يواجه مثل هذه المحنة المرضية أن يتقبل أقداره بصبر ورضا ويتمسك بالأمل في الله سبحانه وتعالي‏..‏ أن يهبه الشفاء وينعم عليه باستعادة الصحة‏..,‏ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏.‏

ولكاتبة هذه الرسالة أقول
محن الحياة تنضج الإنسان علي نار الألم وتكسبه من الحكمة والفهم الصحيح للحياة ما لم تكن تسمح له به سنه‏..‏ لو كانت رحلته في الحياة قد مضت ناعمة وخالية من كل اختبار‏..‏ فالألم هو خير معلم للإنسان حقا ونحن نتعلم من أحزاننا  وهمومنا ما لا تستطيع الحياة اللاهية أن تعلمنا إياه‏..‏ ولو لم يكن الأمر كذلك فكيف كان لفتاة صغيرة السن مثلك عاشت حياة هانئة وتوجت قصة حبها الوحيدة بالزواج في سن الحادية والعشرين‏,‏ أن تكتسب هذه الحكمة التي تنضح بها سطور رسالتك؟
لقد أضافت هذه المحنة القاسية التي اختبرتك بها الأقدار إلى عمرك عمرا آخر بكل دروسه وتجاربه‏..‏ فعسي أن يكون نصيبك من السعادة مضاعفا أيضا يا ابنتي‏.‏
غير أنني أتصور أن خبرة الألم التي أنضجتك في سن مبكرة لم تكن وحدها هي كل زادك الذي أعانك علي الصمود لهذه المحنة الطارئة‏..‏ وإنما يخيل إلي أيضا انه قد أعانك عليه أمران‏,‏ بعد إيمانك العميق بربك وثقتك المطلقة في رحمته بك‏,‏ الأول هو قوة إرادتك وصلابتك النفسية بالرغم من أن حياتك السابقة لهذه المحنة لم تختبر هذه الصلابة من قبل‏,‏ ولم تكشف عنها‏.‏ والثاني هو انك حين داهمتك هذه المحنة لم يكن رصيدك من الحب والسعادة خاليا‏,‏ فأعانك هذا الرصيد الثمين علي مواجهة المحنة والصمود لها‏.‏
فأما انك إنسانة صلبة وقوية الإرادة بالرغم من سنك الصغيرة‏..‏ فلقد تمثل ذلك في عدة مواقف تؤكد كلها هذه الحقيقة‏,‏ فلقد تمسكت بأداء امتحان السنة الثالثة بكليتك وأنت في قمة المحنة المرضية‏..‏ ولم تستسلمي للرثاء لنفسك ولم تستجيبي لإشفاق أبويك عليك من تحمل هذا العناء الإضافي‏,‏ فكان لك ما أردت واجتزت الامتحان بنجاح‏,‏ وساهم ذلك بقدر ما في تحسين حالتك النفسية‏.‏
وتمسكت بالخروج من المستشفي إلى عشك الصغير وليس إلى بيت أسرتك وفضلت أن يعيش معك زوجك الوجه الآخر  
للحياة لكي يؤكد كل منكما للآخر بالتجربة العملية وليس بالكلام الوردي انه قد اختار شريك حياته بحق للأفضل والأسوأ على حد التعبير الذي يردده الزوجان في بعض الكنائس الغربية‏,‏ وفي الصحة والمرض‏..‏ وفي السراء والضراء‏..‏ وليس في أوقات الهناء وحدها فإذا ما داهمت احدهما محن الحياة تحول عنه‏,‏ أو أسرع بالفرار منه‏.‏
فكان لك ما أدت أيضا وكشفت لك المحنة عن معدن زوجك الأصيل وعمق ارتباطه بك‏..‏ وإيمانه معك بأن الحياة الزوجية ليست صحبة لاهية في أوقات السعادة وحدها‏,‏ وإنما شراكة حقيقية في كل أمور الحياة بخيرها وشرها‏.‏
وتمسكت كذلك بالاحتفاظ بجنينك في وجه إشفاق الجميع عليك من متاعبه وهواجسهم المشروعة من مخاطره عليك‏..‏ وأولها معاناتك لآلام المرض الجلدي الرهيبة بغير الاستعانة عليها بالمسكنات‏..‏ وآخرها متاعب الحمل نفسه‏..‏ ومخاطر الولادة في ظروفك الصحية المؤلمة‏..‏ وهواجسهم الخوف من أن يجئ طفلك للحياة عليلا أو مشوها من أثر الأدوية القاتلة التي تجرعتها‏.‏
فكان لك ما أردت كذلك وأثبتت التجربة من جديد أن ما يختاره لنا الله سبحانه وتعالي أفضل كثيرا من اختيارنا نحن البشر لأنفسنا‏,‏ فكان حملك الذي تخوف منه الجميع‏,‏ نعمة عليك من حيث لا يحتسب احد‏,‏ وعلاجا إلهيا لدائك العضال‏,‏ وخيرا سماويا لك من كل الجوانب فمضت شهور الحمل عادية‏..‏ وتمت الولادة بطريقة طبيعية‏..‏ وانعم عليك ربك بأكبر ما نلت من جوائز جزاء وفاقا لحسن ظنك به وصدق إيمانك به‏..‏ وصبرك علي قضائه‏..‏ فجاءت طفلتك الجميلة صحيحة معافاة لتمسح كل الأحزان‏,‏ ولتذكرنا إذا كنا قد نسينا  
بأن قضاء الله عدل‏,‏ وحكمة نافذ‏,‏ صبر المرء أم جزع‏,‏ غير انه مع الصبر الأجر‏,‏ ومع الجزع الوزر‏.‏
وأنت بفضل ربك عليك لم تجزعي ولم تهني ولم تفقدي إيمانك بربك فكان وعد الله لك حقا‏..‏ وكان فضله عليك عظيما‏.‏
وأما إن رصيد الحب والسعادة في حياتك قد أعانك مع إيمانك بربك وحسن ظنك به علي الصمود للمحنة‏..‏ فلقد ثبت علميا أن نسبة شفاء الأشخاص الذين يؤمنون بربهم من أمراضهم وصمودهم للمرض بقوة الإيمان والأمل في رحمة الله‏..‏ أكبر من نسبته بين هؤلاء الذين لا تعمر قلوبهم بالإيمان‏..‏ ولا يمتثلون لقضاء الله ولا يتمسكون بالأمل في رحمته‏,‏ كما ثبت أيضا أن الأشخاص الذين يواجهون محنة المرض العضال ومن ورائهم رصيد كاف من الحب الصادق والسعادة‏,‏ يستمدون من هذا الرصيد ما يدفعهم للتمسك بالحياة والأمل في الشفاء‏..‏ ويخفف عنهم ما ينعمون به من حب صادق وسعادة حقيقية في حياتهم ما يلاقون من عناء المرض‏,‏ فتزداد قدرتهم علي المقاومة‏..‏ والصمود‏..,‏ وان كان هناك من يستحقون الرثاء لهم بحق فهم هؤلاء الذين تقسو عليهم الحياة باختباراتها ومحنها‏,‏ وليس في رصيدهم من الحب والسعادة ما يسحبون منه ليتسلحوا به في مقاومة محنهم واختباراتهم‏,‏ فكأنما يواجهون محن الحياة بالسحب على المكشوف‏,‏ من رصيد لم يعمر بالسعادة ولم يعرف الحب‏..‏ وهؤلاء هم من لا يجدون للأسف من يخفف عنهم آلامهم أو يأسو جراحهم أو يمدهم بالدعم النفسي الذي يعينهم علي اجتياز المحن والصمود للاختبارات‏.‏
ولقد كان من رفق الأقدار بك أن واجهت هذه المحنة  
ورصيدك عامر بالحب والسعادة‏,‏ أعانك شريك حياتك وأبواك وإخوتك علي الصمود لها واجتيازها بسلام والحمد لله‏..‏
فعسي أن يتم ربك نعمته عليك‏..‏ ويعيد إليك كامل قدرتك علي المشي والحركة‏,‏ لتواصلي رحلة الحياة والسعادة مع شريك حياتك وطفلتك‏,‏ وأهلك إلى غايتها المرجوة‏..‏ وعسى أن تصبح قصة هذه المحنة المؤلمة ذات يوم قريب مجرد ذكري لمحنة مرضية ألمت بك وحينئذ تروينها لأبنائك وأحفادك وترجين لهم حياة حافلة بالهناء والسعادة كتلك التي أغدقت بها عليك الأقدار قبل وبعد هذه المحنة الطارئة بإذن الله‏.‏
*نشرت بتاريخ 11 سبتمبر 1998


˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙

نقلها من أرشيف جريدة الأهرام 
Rofida Mohamed Ismail
راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali




إقرأ المزيد Résuméabuiyad

خلع القناع .. رسالة من بريد الجمعة


أنا يا سيدى فتاة فى السابعة والعشرين من عمري، بدأت قصتي التى أكتب لك عنها برحيل أبى فجأة عن الحياة، منذ حوالى ثلاث سنوات , وهو فى الثالثة والخمسين من عمره , وفى قمة نشاطه وحيويته .
ولأن أبى كان شخصية عامة , ويشغل منصبا حساسا ومهما فى الدولة , وكان على الناحية الشخصية إنسانا عظيما وحنونا وصديقا لأبنائه, فلم يقصر يوما فى حقنا .. ولم يضايقنا مرة واحدة, ولم يدعنا ننام متكدرين ذات مرة, وقد افتقده كل من عرفه وعمل معه , وقال عنه الجميع إنه قد عاش حياته نظيف القلب واليد واللسان .
ولن أطيل عليك فى الحديث عن هذه الفترة من عمري, ولكنى أقول لك إننى عقب رحيله عن الحياة , فقدت توازنى لأقصى حد , مع أنى الفتاة الجامعية الجميلة المحبوبة من الجميع والمتفوقة رياضيا , وذات الشخصية القيادية . وكنت قد عشت فترة الدراسة الجامعية دون أن اسمح لنفسى بالدخول فى أية علاقات عاطفية , ورفضت خطابا يسيل لهم لعاب فتيات أخريات .. فرفضت ابن السفير, وابن الوزير, وغيرهما , وكان منطقى فى ذلك هو أننى لن أتزوج إلا من أقع فى هواه ويملك على نفسى .
ولأننى رومانسية الطبع أكتب الشعر, وأعزف الموسيقى , وأبكى مع أفلام فاتن حمامة القديمة, وبكيت لرحيل الموسيقار عبد الوهاب عن الحياة, فلقد حلمت بفارس شهم قوى يحبنى وأحبه , ويحنو علي, ويحميني ويريدني لشخصي , وليس طمعا فى فائدة أو طموح , يتحقق له من وراء منصب أبى الكبير , ولقد ظهر هذا الفارس فى حياتى عقب رحيل أبى عن الحياة , وكان زميلا لى فى العمل فارع الطول , تقرب إلى بعد الوفاة بشدة , وملت إليه , وأسمعنى الكلام الجميل الذى كانت روحى تهفو إليه , وراح يسهر الليالى يحدثنى فى التليفون عن تعلقه بى , وكيف أنه إنسان محظوظ ؛ لأنه قد عثر أخيرا على فتاة جميلة ومتدينة , ولم تصاحب شابا قبله ,وكان يبكى لبكائى , حين أفتقد أبى , ويعدنى بتعويضى عن حنانه الذى فقدته , ويؤكد لى أن أمنية حياته الوحيدة هى أن يتزوجنى , لكن مشكلته هى الإمكانيات المادية ؛ لأن أهله لن يساعدوه فى الزواج "كما قال", مع أنه ابن ناس محترمين , ولديه شقة كبيرة , فى ضاحية راقية , وسيارة .
ولأننى كنت قد تعلقت به بشدة .. فلقد هونت عليه الأمر , وشجعته على التقدم لخطبتى , مع وعدى له بأن أذلل كل الصعاب , وبالفعل فلقد تقدم لأهلى ورفضوه للوهلة الأولى , بدعوى أنه " ولد غير مريح " , وبدعوى أن " من يشترى رخيصا فإنه يبيع أرخص " ! لكنى لم استجب لأحد فى ذلك , وصممت على قبوله , وتمت الخطبة بالفعل , وأرغمت والدتى على أن تكمل له ثمن الشبكة اللائقة بى , وأنفقت كل ما معى من مال على شراء الأثاث المناسب .
وخلال مرحلة الاستعداد للزواج , بدأت ألمس بعض بوادر البخل والتقتيرفى شخصيته , ولكنى لم أتوقف عندها طويلا وفسرتها بقلة إمكانياته , وألتمست له العذر فيها بأنه فى مرحلة التكوين وصعوبات البداية , ومضيت فى طريقى سعيدة , ووجدتنى أتساهل معه فى كل شئ كأننى منومة مغناطيسيا لإرادته , بعد أن تعودت عليه وأحببته بكل كيانى ومشاعرى .
وجاء موعد الزفاف فأقمت حفلا رائعا , لم يسهم هو فيه إلا بأقل القليل , وانتهى الفرح البهيج , وأنا فى قمة السعادة والفخر بالفارس الذى أحببته وفرضته على أسرتى , وأغلقنا علينا باب غرفتنا , فإذا بشخصية أخرى مختلفة تماما عن شخصية الفارس الذى أحببته تظهر للوجود , وأنا مازلت بفستان الزفاف , وإذا بأول عبارة يقولها لى هى : إيه شكلك المقرف ده ؟!
ارتج على الأمر للحظات .. ولكنى تمسكت بالحلم الجميل , ففسرت هذه العبارة بإرهاقه من حفل الزفاف .. ولكن ما حدث فى الأيام التالية لم يؤيد ذلك , فلقد بدأت ملامح الشخصية الأخرى فى الظهور واحدا وراء الآخر , كأن شخصا راح يخلع قناعا يرتديه فوق وجهه ببطء , فتظهر خلفه ملامح وجهه الحقيقية تدريجيا , وبدأ يهيننى ولا يتعامل معى إلا بالإهانة والعنف , حتى فى لحظاتنا الخاصة منذ الأيام الأولى , وراح يسألنى على الفور عن مجوهراتى وميراثى هكذا – عينى عينك – ويحاول الاستيلاء على كل ما لدى من مال , ولم يمضى على زواجنا أسبوع أو أسبوعان ؛ حتى كرهت نفسى وكرهت الدنيا , وبدأت أتناول المهدئات وأنا مازلت فى شهر العسل , كما بدأ الخوف منه يساورنى حين راح يحدثني حديثا غريبا عن الموت , " يبشرنى " بأننى سأموت قريبا , ولن يرثنى ؛ لأنه لا يعرف شيئا عن مالى وميراثى من أبى , ولا بد أن يعرف كل شئ تحسبا للظروف , ثم يسألنى أين أفضل أن أدفن بعد وفاتى ؛ لكى ينفذ رغبتى ووصيتى , حين يوافينى الأجل المحتوم , حتى تملكنى الخوف منه وخشيت أن يفعل بى شيئا , وتفاقم الأمر بينى وبينه بعد ذلك حين مد يده إلى مبلغ من المال , كان فى درجى , وحين واجهته بذلك كان يضربنى , فكانت هذه هى ليلتى الأخيرة معه فى عش الأحلام , التى لم تتحقق به , وأمضيت الليل كله أبكى وأصلى , إلى أن طلع الصباح , فغادرت بيت الزوجية بعد 35 يوما فقط من الزواج .ورجعت إلى أمي باكية ومنهارة , فاحتضنتنى وهدأتنى , ولم يتخل الله سبحانه وتعالى عنى بعد ذلك , فلقد وقف إلى جوارى الأهل وأصدقاء والدى , الذين ساءهم ما تعرضت له , وتم الطلاق وتنازلت للفارس السابق عن كل شئ , ووجدت نفسى مطلقة , وأنا أقترب من السادسة والعشرين من عمرى , وتساءلت بعد أن أفقت من هذا الحلم الحزين عما جرى لى .. وأين الخطأ فيما فعلت , وأنا لم أتزوج شابا من الشارع أو شابا لا أعرف جذوره العائلية , وإنما تزوجت شابا جامعيا , والده له مكانته الاجتماعيه ووالدته من أسرة كبيرة , فأين الخطأ إذن فى الاختيار , وكيف كنت أستطيع أن أتصور أن فى الحياة نماذج واقعية لما كنا نراه فى الأفلام القديمة من شخصية " الشرير " الذى يرفع حاجبه اليسرى لأعلى , ويقول لأصدقائه أنه سيتزوج فلانة لكى يجردها من كل ما هو أمامها وخلفها .
وقد كنت أظن أنه لا وجود له إلا فى الأفلام ..
لقد علمت بعد الطلاق , أنه كان يقول لأصدقائه عنى قبل الخطبة أننى بالنسبة إليه " فرصة " , وأن " أبو سلطة " يقصد أبى , الذى كان يمكن أن يخشاه رحل عن الحياة , ولم يعد هناك ما يمنعه من تحقيق مأربه ؛ لأن " البنت وارثة وتحبنى " ... وهكذا كان الحب والهيام والبكاء معى على التليفون كله من تكتيك الأفلام الرديئة , فكيف كان لى أن أتخيل شيئا من ذلك ياسيدى , وقد عشت فى بيئة عائلية لا تضمر شرا لأحد , وتعاملت مع أصدقاء وزملاء دراسة وعمل , يخشون الله , ويجلون الحلال ويحرمون الحرام ؟
لقد مضى الآن عام مرير على طلاقى من زواج , لم يدم سوى 35 يوما , وقد رفضت العودة إلى عملى السابق , حتى لا تكون لى صلة بالفارس القديم سامحه الله فيما فعل بى , وانتقلت إلى عمل آخر وارتقيت فيه , والحمد لله , وقد دخلت مجتمع عملى الجديد , وأنا أخفى عن الجميع حقيقة أننى مطلقة , ليس خجلا من الطلاق , لأن كل صديقاتى واهلى يعرفون به , وإنما لأنه ليس من المنطقى أن أدخل مجتمعا جديدا فأقدم نفسى لمن فيه قائلة : " هاى .. أنا مطلقة ! "
وسامح الله من ظلمنى , حتى احتسب على هذه الزيجة الظالمة , فى حين أننى أعتبر نفسى مازلت عذراء فى أعماقى ؛ لأننى لم أتزوج بالحسنى كما أمر الله بذلك , وإنما اغتصبت معنويا , وخدعت وحيكت لى مؤامرة حقيرة من مؤمرات أشرار السينما القديمة ..
نعم يا سيدى هكذا أشعر الآن , بعد مرور عام على طلاقى , فلقد أعطيت لمن خان وصدقت مع من كذب .. وأخلصت لمن خدع , فأين الزواج الذى أمر به الله سبحانه وتعالى سكنا ومودة ورحمة من كل ذلك ؟
إننى أرجوك أن توجه كلمة إلى كل الفتيات ألا ينخدعن بمعسول الكلام من بعض الشبان , كما انخدعت أنا , وألا يتمسكن برأيهن فيما يراه الأهل بخبرتهم وحكمتهم خطأ .. كما أرجوك أيضا أن تدعو ربك لى ولغيرى من الفتيات الطيبات , أن يعرفن الحب الحقيقى , الذى لا غش فيه ولا خداع , والذى نهلت أنا وأمى وأخوتى من نبعه الصافى , فى قلب أبى , يرحمه الله , كما أرجوك أن توجه كلمة أخرى إلى كل شاب يرى أن خداعه لفتاة بريئة " شطارة " بأن الله يمهل ولا يهمل .. ولسوف يدفع الظالم ثمن ظلمه فى يوم من الأيام .. وأن تقرأ الفاتحة لأبى الحنون , الذى لو كان على قيد الحياة لحمانى مما تعرضت له .. ولما جرؤ الظالم على ظلمه , والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
بعض البشر ينظرون إلى الحياة بعين صياد , يتحين الفرص للانقضاض على فريسته , يحقق من ورائها طموحه المادى أو يحل بها بعض مشاكله , وآفة هذا الصنف من البشر أنه يتوسل دائما لتحقيق أغراضه الوضيعه هذه بأنبل ما فى الحياة من قيم ومعان ومشاعر إنسانية , ينتحلها أو يدعيها , فسئ إليها أبلغ الإساءة , حين ينكشف الزيف ويسقط القناع , ويتشكك الأبرياء من الضحايا فى هذه القيم الإنسانية نفسها ,  وليس فيمن إدعاها وحده فى غمرة تأذيهم , بما تعرضوا له من غش وخداع !
وتزداد ساحة القبح فى الحياة بما يورثه المخادعون لضحاياهم من سوء ظن بالأخيار إلى جانب الأشرار .
ولا مفر من أن نعترف فى البداية بأن غلبة الفكر المادى على عقول بعض الشباب ذكورا وإناثا , وإعلاءهم للقيم المادية فى الحياة , على كل ماسواها من قيم وأهداف فى الحياة تجعلهم مسئولين عن مثل هذه المآسى , ومن الإنصاف أن نقول أن معظم نماذج هذه الشريحة شديدة الإحساس بالقيم المادية , هى غالبا من أبناء الطبقة الوسطى , أو الطبقة الوسطى
/  العليا ؛ لأن تماس خطوطها مع خطوط الطبقة الأعلى , يشعرهم بشدة بحرمانهم مما تتمتع به الطبقة العليا من ثراء , ويلهب إحساسهم " بالحرمان " النسبي, ويؤجج تطلعاتهم لحياة لا تؤهلها لها إمكاناتهم الطبيعية .
وحين تشتد الرغبة بالإنسان لأن ينال ما لا تؤهله لنيله إمكاناته الطبيعية , فإن الطريق ينفتح أمامه دائما لاستخدام الوسائل غير الطبيعية لنيل هذه الأهداف .
والمفكر الفرنسى مارسيل بروست يقول لنا : إن الإنسان ينبغى له أن ينمو كما ينمو النبات , وليس كما يعلو البناء , لأن النبات إنما ينمو من داخل نفسه , وبما يتمثل داخله من غذاء وماء وهواء وضوء , أما البناء فإنه لايعلو من تلقاء نفسه , وإنما يضاف إليه من خارجه بجهد الآخرين , وليس بجهده هو !
ومأساة البعض قد تبدأ أحيانا حين يتطلع لأن يعلو كما يعلو البناء , بما يضاف إليه من خارجه .. وليس كما يرتفع النبات بما يتفاعل داخله , ولا شك أن هذا الشاب الذى ارتبطت به كان للأسف ممن أفسدت عليهم هذه التطلعات المادية الحادة نخوتهم ورجولتهم ورغبتهم فى الاعتماد على النفس ؛ لتحقيق أهداف الحياة , إلى الحد الذى أظهرت لديه بعض النزعات السادية لتخويفك من الموت ومحادثتك عن " ميراثه " منك , وأنتما مازلتما فى شهر العسل !
والمؤكد أيضا أنه لم يكن يبعث على الارتياح أو الثقة منذ البداية بدليل نفور أهلك منه , بمجرد رؤيته , وتشككهم فى نياته الاستغلالية تجاهك . ومع ذلك فلقد تمسكت به فى وجه اعتراض الجميع , ورفضتى أن تسمعى لأحد إلا لنداء القلب وحده , وأرغمت والدتك على أن تكمل له ثمن الشبكة , وأنفقت كل ما معك على شراء الأثاث .. وواصلت الطريق معه إلى نهايته , رغم ما تبدى لك من بعض بوادر الإحساس المادى العالى لديه فى أواخر مرحلة الخطبة .
وليس فى مساندتك المادية لمن تختارينه لمشاركتك الحياة خطأ فى حد ذاته ؛ إذ لا بأس بأن يعين المحبون الصادقون أنفسهم على اجتماع الشمل , وتخطى صعوبات البداية , وإنما الخطأ الجوهرى , الذى لم تدركى أبعاده إلا بعد فوات الآوان , هو فى صم الأذن نهائيا عن نصيحة الأهل .. ورأيهم فيمن ترغبين فى أن يشاركك حياتك , ورفض هذا الرأى حتى من قبل الاستماع إليه , استجابة لنداء العاطفة وحدها .
وأكثر أسباب الشقاء الإنسانى ترجع إلى رفض الرأى الآخر , حتى قبل مجرد الاستماع إليه ؛ لأنه لا يتفق مع هوى النفس , وما يرغبه القلب , بدلا من التفكير فيه بروية وتقليبه على وجوهه المختلفة , ومحاولة تبصر أوجه الحق فيه بغير تأثر بهوى النفس فى ذلك , سواء قبلنا به بعد ذلك أو رفضناه .
ولأن علم الحياة مؤسس – أصلا – على التجارب .. تماما كعلم الطب .. كما يقول لنا الأديب الفرنسى مونتانى , فلقد أثبتت لك تجربة الأيام وحدها صدق بصيرة أهلك , وصواب حكمهم على شخصية فتاك , ولكن آفة هذا " العلم " أنه قليلا مايكتسب أحد دروسه , دون أن يكتوى بألم التجربة الشخصية وغنائها .
ولأنه مما يفيد الإنسان فى تجنب عثرات المستقبل أن يعرف لماذا تعثرت به الخطى فى الماضى , فلابد أن تعرفى أن من أهم أسباب سوء اختيارك لهذا الشاب , ونجاحه فى التأثير عليك – إلى حد أن أحسست كما لو كنت منومة مغناطيسيا معه – هو أنك قد عرفته , واخترته فى مرحلة من العمر , لم تكونى مؤهلة خلالها نفسيا ووجدانيا لحسن الاختيار , وهى مرحلة انعدام الوزن , التى تعرضت لها بتأثير الصدمة المعنوية الكبيرة لرحيل الأب , وافتقاد كل ما كان يمثله فى حياتك .
ففى أوقات المحن الشخصية المزلزلة , لايكون الإنسان يا سيدتى مؤهلا لاتخاذ القرارات المصيرية الصائبة فى حياته ؛ لأنه فى حالة ضعف نفسى شديد , تؤثر على أحلامه وتغير من سلم أولوياته تغيرا لايدوم , وقد تدفعه هذه الحالة من الضعف النفسى لالتماس الأمان والتعويض من أى سبيل , فإذا بهتت مؤثرات المحنة , وتخفف من مؤثراتها , استعادت أولوياته ترتيبها السابق قبل المحنة , وتطلعت نفسه إلى ما كانت تتطلع إليه من قبل , تماما كما يشتد العطش بالإنسان فى الصحراء , فيصبح أمله الوحيد فى الحياة فى هذه اللحظة هو جرعة الماء .. ولو لم تكن زلالا , وليس المجد ولا الثراء ولا النجاح ولا الوجاهة الاجتماعية , ولا أى شئ آخر , فإذا ارتوى ورجع إلى بر الأمان , اعتدلت من جديد الأولويات لديه .. وسعى إلى أهدافها الطبيعية فى الحياة , وتراجعت أهمية جرعة الماء إلى مكانتها العادية لديه , وأنت يا سيدتى كنت خلال هذه المحنة فى حاجة ملحة إلى جرعة الحنان العاطفى , التى افتقدتها برحيل أبيك عن الحياة .. فاخترق هذا الشاب حصونك من أضعف نقطة فيها , وحدث ما حدث .. والدرس المستفاد من ذلك هو ألا نتخذ بعض قراراتنا المصيرية فى أوقات الضعف النفسى والمحن الشخصية الأليمة , وأن نؤجل هذه القرارات دائما إلى مابعد النقاهة النفسية منها .
وعلى أية حال ... فلقد تلطفت بك الأقدار كثيرا , حين أعمت بصيرة هذا الشاب عن بعض أسرار " الصنعة " فغفل عما ينبغى أن يتحلى به الصيادون المحترفون من صبر وطول أناة , لكى يصيبوا الهدف فى مقتل , فبادر على عكس ما تقضى به أصول الصنعة بخلع القناع عن وجهه الحقيقى , بمجرد انطفاء أضواء الفرح .. وبادر على الفور بالكشف عن انتهازيته وماديته ورغبته الفاضحة فى استغلالك وابتزازك ماديا , فأعانك من حيث لا يدرى على النجاة بنفسك من أسره , قبل أن تحملى منه وتنجبى وتزداد مشكلتك تعقيدا .
وصبر عليك بعض الوقت , لكى تضطرى إلى عشرته ومحاولاته الرخيصة لاستغلالك لسنوات وسنوات بسبب حرصه على مستقبل الأطفال .. أو تهيبا لتمزيقهم نفسيا .. ولكن من التدابير الإلهية أيضا ما يدفع به الله سبحانه وتعالى عن الصادقين أذى الآخرين , ويحميهم مما يمكرون لهم فيه , فحمدا لله أن خرجت من هذه المحنة بأقل الخسائر الإنسانية الممكنة , ويبقى بعد ذلك أن تستفيد الأخريات من درس رسالتك فى عدم إهدار الرأى الآخر , الذى لا يوافق هوى النفس , وفى ضرورة تأمله طويلا , والتفكر فيه بعقل مفتوح قبل اتخاذ القرار , أما الصيادون فليس عندى ماأضيفه إلى ماقلته أنت لهم .. سوى أن الإمام مالك بن أنس يقول لنا " قد ينتقم الله من ظالم بظالم ثم ينتقم من كليهما " .. وشكرا على رسالتك .. والسلام ..


* من رسائل سنة 1997
˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙
كتبها من مصدرها بكتاب دموع القلب 
إيمان سمك

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali




إقرأ المزيد Résuméabuiyad

 

سجل إميلك وتوصل بمواضيعنا :