الوجه الحزين .. رسالة من بريد الجمعة


أبدأ رسالتي إليك بتحية الصديق لصديقه ذلك أنني أعتبر نفسي صديقًا لك بالرغم من أني لم ألتق بك من قبل ولم تتعد علاقتي بك متابعتي لبابك الجميل منذ سنوات عديدة, فكم شعرت في مواقف سابقة بالرغبة في الكتابة إليك وكم عدلت عن ذلك في اللحظة الأخيرة.. إلي أن جاءت اللحظة المناسبة ورأيت أن أكتب لك بتجربتي عسي أن يستفيد بها قراؤك خاصة من الشباب .. ولأبدأ فأقول لك إنني شاب في التاسعة والثلاثين من عمري, كنت أعيش في كنف أبي, وأمثل بالنسبة له خيبة الأمل الكبرى في حياته رحمه الله, فلقد كنت أكبر أخوتي وهم ثلاث شقيقات وأخ واحد, وكان أبي موظفا كبيرا بإحدى الهيئات العامة ورجلا طيبا وتقيا ويضع كل آماله في وفي إخوتي, ويركز جهده الأكبر علي بالذات لإيمانه بأن الابن الأكبر إذا حسنت تربيته واستقام أمره فإن إخوته الأصغر منه سوف يقتدون به ويمضون علي طريقه.. ولهذا اشتد علي أبي بعض الشئ لكي أتفوق دراسيا وأصبح مثلا أعلي لإخوتي, كما اشتد علي في تقويمي ومراقبتي ليضمن حسن سلوكي, فاستجبت لما طلبه مني في بعض الأحيان.. وسخطت عليه في أحيان أخري, إلي أن بلغت مرحلة الثانوية العامة وبذل معي أبي كل ما يملك من جهد لكي أتفوق وأحصل علي مجموع يؤهلني للالتحاق بإحدى كليات القمة, لكني خيبت أمله للأسف, وتمردت علي القيود التي فرضها علي .. واختلست نقود الدروس الخصوصية التي ائتمنني عليها لتسليمها للمدرس.. وأنفقتها في شراء السجائر والملابس واللهو مع الأصدقاء, وانفضح أمري حين شكا له المدرس ذات يوم من إنقطاعي عن الدرس, وواجهني أبي بما عرفه.. ولم يقل لي سوي إنه حزين لأن يكون هذا هو سلوكي وأنا الأخ الأكبر لأخوتي الذي سيرعاهم من بعده.. فكيف يطمئن قلبه إلي مصيرهم والراعي المنتظر فاسد علي هذا النحو! وشعرت بالخجل من نفسي بعض الوقت.. لكني لم أعدل عن سلوكي بالرغم من ذلك وأهدرت الوقت الثمين في العبث واللهو وتدخين السجائر ومطاردة الفتيات.

 وكانت النتيجة أن نجحت بمجموع ضعيف لم يؤهلني إلا للالتحاق منتسبا بكلية نظرية... واستسلم أبي للحزن وقتا طويلا واعتزلني لفترة لم يوجه إلي خلالها حديثا ولا كلاما, وراح يردد أمامي كلما رآني: حسبي الله ونعم الوكيل, وبدلا من أن أشعر بعمق أحزانه وخيبة أمله في..اعتبرت ذلك تعريضا بي.. وازددت سخطا وتمردا واستهتارا ورسبت في السنة الأولي بكليتي النظرية بالرغم من تفرغي الكامل للدراسة, ولم يعد يؤثر في وجه أبي الحزين دموعه وهو يصلي ويحتسب واستسلمت تماما لنداء السخط.. وأصبحت عبئا علي أمي وأبي في مصاريفي, فأنا في حاجة دائمة للنقود لشراء السجائر والسهر مع الأصدقاء ومطاردة الفتيات وتناول المحرمات وشراء الملابس التي لا تحتملها ميزانية أبي, فإذا لم أجد مع أمي ما أريد ثرت وهددت.. فتقترض لي وتعطيني وإن فشلت طلبت من إخوتي قروشهم القليلة بدعوي اقتراضها منهم .. ثم لا أسددها بالطبع.. وعلي ذلك فقد استمروا في الاستجابة لي وحرموا أنفسهم من معظم مصروفهم من أجلي طلبا للسلام معي وخوفا من الفضائح, وفي عامي الجامعي الثاني سعي أبي في إيجاد عمل لي بالثانوية العامة وألحقني بوظيفة مؤقتة في أحد فروع الهيئة التي يعمل بها .. قائلا لأمي إن كثيرين من الطلبة المنتسبين يعملون دون أن يؤثر ذلك علي تفوقهم.. ورحبت بالعمل لكي أجد موردا إضافيا لي.. لكن سلوكي في العمل لم يكن أفضل منه في الدراسة.. فلقد واصلت الاستهتار والغياب وافتعال الأعذار المرضية والتأخر عن موعد العمل في الصباح بتأثير السهر إلي الفجر, حتى هددني رئيسي المباشر بالفصل أكثر من مرة وتعجب لبعد الشقة بيني وبين أبي الرجل الطيب الملتزم الكفء في عمله, فكنت أواظب بعض الفترات وأرجع للتمارض والادعاء في فترات أخري, ولولا تقدير رئيسي لظروف أبي أو لمصيبته في علي حد تعبيره لما أبقاني في العمل يوما واحدا. وعلي هذا الحال مضت بي الأيام ونجحت في الصف الأول الجامعي من السنة الثانية ورسبت في الصف الثاني مرة أخري ونجحت في العام التالي, في حين واصل أخوتي دراستهم بنجاح.. وفي الصف الثالث الجامعي رجع أبي من عمله مرهقا وحزينا كعادته في الفترة السابقة, فصلي العصر وصلي ركعتين بعده..
ثم صعدت روحه إلي السماء رحمه الله وهو جالس علي السجادة يسبح ربه ويشكو إليه همه بأكبر أبنائه,

وتزلزلت حياة الأسرة زلزالا عنيفا..

وتزلزل كياني كله وشعرت بأن سكينا حادة قد مزقت أحشائي.. ووقفت في السرادق أتلقي العزاء في أبي وأنا غائب الذهن عن الجميع وصورة وجهه الحزين تلاحقني.. وتقتلني بالندم والأسف والحزن.. وسط زحام المعزين كنت أسأل نفسي وأنا أكاد أنفطر من الأسي: لماذا لم أسعد أيامه في السنوات الأخيرة؟ وماذا جناه لكي يلقي مني السخط والتمرد وهو الرجل الطيب المكافح الذي كان يحرم نفسه ليعطي أبناءه؟ ولماذا لم أعتذر له وأقبل يده وقدمه وأرجو صفحه وعفوه.. ولماذا .. ولماذا.. ولماذا.. حتى كاد رأسي ينفجر .. وانتهت أيام العزاء وخلا البيت علي وعلي أمي وإخوتي..

وسألتني أمي ماذا سنفعل في حملنا الثقيل ولم يعد لنا سوي معاش أبيك, وقد انقطع رزقه من العمل الخارجي بعد الظهر؟ فانفجرت في البكاء طويلا وحين تمالكت نفسي قلت لها إنني قد أحزنته كثيرا يرحمه الله.. وإن في عنقي دينا له واجب السداد.. ولسوف أسدده برعايتك ورعاية إخوتي ولسوف أعمل ليل نهار لتوفير متطلباتكم بعد أن انقضي عهد الاستهتار, وكل ما أرجوه هو أن يسامحني ويصفح عني وأن تسامحوني جميعا وتصفحوا عني. وبكت أمي وكل إخوتي .. وتعاهدنا جميعا علي أن نضع أيدينا في أيدي بعضنا البعض لاستكمال رسالة أبي وإسعاده وهو في العالم الآخر.. وبالرغم من تشكك أمي الصامت في إمكان التزامي بما وعدت, فلقد أدركت تماما أنني لن أخذلها ولن أخذل أخوتي الصغار بعد الآن, وبدأت مرحلة جديدة من حياتي بمقاطعة شلة العبث والاستهتار والجري وراء الفتيات والسهر حتي الفجر, وامتنعت نهائيا عن تناول المحرمات وشراء علب السجائر المستوردة.. وإذا كنت قد عجزت عن التوقف دفعة واحدة عن التدخين.. فلقد خفضت استهلاكي منها إلي الثلث. ومع ذلك كان يراودني الإحساس بالندم وأنا أدخنها وأشعر بأن إخوتي أحق بثمنها مني, والتزمت في عملي بمواعيد الحضور والانصراف وأصبحت أكثر جدية وانتاجا فيه, فبدأ رئيسي المباشر يعطيني الحوافز لأول مرة منذ عملي معه.. بل وأصبح يفتعل الأسباب لكي يعطيني ساعات عمل إضافية أتلقي عنها أجرا مناسبا. وأهم من كل ذلك أنني أصبحت أحرص علي العودة إلي البيت في الظهر كل يوم وهو ما لم أكن أفعله من قبل.. ولا يهدأ لي جانب إلا إذا اطمأننت علي عودة كل إخوتي من مدارسهم .. ليتناولوا معي ومع أمي طعام الغداء.. ويبدأوا مذاكرتهم في أمان .. وقد اهتزت مشاعري ذات يوم حين جاءت إلي أختي التي تليني في السن وكانت وقتها طالبة بالسنة الثانية الثانوية لتستأذنني في الخروج لمدة ساعة للذهاب إلي بيت إحدى صديقاتها لإحضار شيء من عندها, وعلمت منها أنها استأذنت أمها فطلبت منها أن تأخذ إذنها مني ابتداء من الآن لأنني قد أصبحت رجل البيت, المسئول عن الأسرة..
فخفق قلبي.. وكاد الدمع يطفر من عيني, وقبلت أختي في جبينها وقلت لها: اذهبي مصحوبة بالسلامة.
 ورنت عبارة رجل البيت رنينا قويا في سمعي حتي شعرت بالخوف والرهبة والمسئولية واستدعيت صورة أبي في مخيلتي.. وقلت له في خيالي:

هل سأنجح في تحمل مسئوليتك بعدك يا أبي؟

 ولم تكتف أمي بذلك وإنما وضعت بين يدي في أول الشهر معاش أبي وطلبت مني الإنفاق علي الأسرة, فجلست معها لتدبير شئون البيت وأضفت إلي المبلغ مرتبي البسيط دون أن أخصم منه إلا أجر المواصلات وثلاثة جنيهات فقط لي كمصروف شخصي.. واستدعيت أخوتي وأعطيت كلا منهم مصروفه وأعطيت أمي مصروف المطبخ.. وسددت إيجار الشقة.. وفاتورة الكهرباء. وشعرت بحجم العبء الكبير الذي كان يتحمله أبي صامتا ودون شكوى طوال حياتنا.

وعلي هذا النحو مضت حياتنا في العام الأول من رحيل أبي.. ومن عجب أنني وسط هذه المسئوليات والمشاغل قد وجدت الوقت الكافي لاستذكار دروسي ونجحت في امتحان الصف الثالث الجامعي من أول مرة.. وسعدت كثيرا بنجاح كل إخوتي في صفوفهم الدراسية.. كما أصبحت أقضي معظم وقتي في البيت ما لم يكن عندي عمل مسائي وأتابع دراسة إخوتي وأتحدث معهم.. وأحل مشاكلهم.. وألبي طلباتهم وعرفت لأول مرة عبء دخول المدارس وطلبات الأخوة من الملابس والأحذية والحقائب والكراريس.. وعبء العلاج إذا مرض أحدهم.. وعبء الديون للبقال والجزار إلخ, وأمضيت شهورا أروح إلي عملي وأجيء منه وليس في جيبي سوي قروش المواصلات.. وبعد فترة أصبحت ملابسي قديمة.. ومع ذلك فقد رفضت شراء الجديد منها لكي استطيع المحافظة علي مظهر إخوتي .. وأصبح حذائي باليا دون أن أفكر في شراء غيره ومع ذلك فأنا راض عن نفسي وأسير مرتاح الضمير وهو إحساس لم أكن أشعر به وأنا أضع في جيب قميصي الفاخر علبة السجائر الأمريكية والولاعة وأرتدي بنطلونا وقميصا غاليين وأجلس مع أصدقاء زمان في أحد الأماكن الراقية أو أذهب إلي موعد مع فتاة وتخرجت في كليتي بتقدير جيد.. وقبل أن أطلب ذلك كان رئيسي المباشر قد قام بكتابة طلب لتعييني بشهادتي في الهيئة ورفع مرتبي بعد أن أصبحت ذراعه اليمني في العمل وأحب موظفيه إليه.. وتم التعيين ولم تكن فرحتي به أكبر من فرحتي بالتحاق أختي بالكلية التي رغبت في الالتحاق بها ولا من فرحتي بتقدم بقية الاخوة في دراستهم بنجاح كبير. و العجيب هو أنني وأنا من كنت أكره الدراسة وأضيق بإلحاح أبي علي للاستذكار والتفوق قد وجدت نفسي أكرر مع إخوتي نفس كلماته دون أن أدري.. وتدمع عيني حين أتذكره وهو يكاد يقبل يدي لكي استذكر دروسي لمصلحتي الشخصية وليس لمصلحة أحد غيري.. 
ولقد هاجمتني صورته وهو يستجديني الاستذكار وأنا أصلي العصر ذات يوم فقرأت الفاتحة علي روحه, وإذا بي تلمع في ذهني فكرة جديدة هي..

ولماذا لا أحقق له أمله الخائب في بعد رحيله عن الحياة؟

ونهضت من جلستي وقد عقدت العزم علي الالتحاق بالدراسات العليا في كليتي ونفذت ذلك بالفعل ونجحت في السنة التمهيدية بلا مشاكل. ثم شغلت بإعداد رسالة الماجستير فاستغرقت في ذلك بضع سنوات بسبب انشغالي بعملي وأسرتي والعمل الاضافي لتحقيق مزيد من الدخل.. ثم أيضا بخطبة أختي لأحد خريجي كليتها.. ومع ذلك فلقد انتهيت من الرسالة آخر الأمر وطبعتها وصدرت أولي صفحاتها بهذا الإهداء:

إلي الرجل الذي لولا فضله علي حيا وميتا لما نجحت في انهاء هذه الرسالة..
إلي أبي العظيم الأستاذ فلان الفلاني رحمه الله وأحسن جزاءه

وكان يوم مناقشة الرسالة يوما مشهودا في حياتي وحياة أسرتي, وزغردت أمي لأول مرة بعد رحيل أبي في قاعة المحاضرات وهي تسمع قرار لجنة المناقشة بمنحي درجة الماجستير بدرجة الامتياز مع مرتبة الشرف, ولست أريد أن أطيل عليك أكثر من ذلك.. لكني سأقول لك فقط انني خلال 18 عاما من رحيل أبي عن الحياة قد وفقني الله العلي القدير في رد بعض دينه لي واستكمال رسالته فتخرج كل إخوتي وعملوا حتي الصغير الذي كان عمره يوم وفاة أبي أربعة أعوام قد تخرج وتزوجت شقيقاتي الثلاث زيجات سعيدة وأصبح لي ثلاثة إخوة جدد هم أزواجهن.. وقد أعانني ربي علي سترهن جميعا.. بجمعيات الادخار من مرتباتهن ومرتبي ودخلي الإضافي, ومن عائد عمل عامين في الخارج انتدبت خلالهما في أحد مكاتب الهيئة الخارجية التي أعمل بها ولولا المسئولية العائلية التي أتحملها لما رشحني رؤسائي لهذا الانتداب, كما عمل آخر العنقود أخي الأصغر الحبيب الذي أشعر بأنه ابني وليس أخي في احدي الدول العربية عن طريق أحد المعارف منذ حوالي العام وفوجئت به يرسل إلي بعد بضعة شهور من سفره مبلغا بالآلاف لكي استعين به كما قال علي إنهاء رسالتي للدكتوراه لأنني قد حصلت علي إجازة دراسية لإنهائها وقل دخلي, فاقتطعت لنفسي ربع المبلغ الذي أرسله وأودعت الباقي باسمه في البنك ونبهت عليه بحزم بألا يرسل نقودا أخري لأنه أحق بها ويحتاج إلي شقة وتكاليف للزواج حين يجيء الأوان. ولقد أصبح بيتنا الآن يموج بأخواتي البنات وأطفالهن الرضع والصغار وأزواجهن يوم الجمعة كل أسبوع.. وتتصدر الجلسة أمي الحبيبة المكافحة. وأشعر أنا بأن هذا اليوم هو أسعد أيام الأسبوع,

وأما الدافع الذي دفعني لكتابة هذه الرسالة إليك فهو خبران سعيدان والحمد لله..
الأول هو أن الله قد وفقني إلي الارتباط بفتاة ممتازة تصغرني بعشر سنوات بعد أن ظلت أمي تلح علي في الزواج قبل أن يسرقني العمر, فجاء النصيب مع هذه الفتاة الطيبة المتدينة وهي زميلة لي في نفس الهيئة وتم عقد قراني عليها.. وسيتم الزفاف في نوفمبر المقبل بإذن الله..
وأما الخبر الثاني فهو أنه قد تحددت جلسة لمناقشة رسالتي للدكتوراه في أكتوبر المقبل وأستاذي المشرف علي الرسالة يثني علي جهدي فيها ويبشرني بالفوز القريب, وقد اتصل بي ابني أو أخي الأصغر, مؤكدا لي انه سيكون في القاهرة قبل الموعد لكي يحضر مناقشة الرسالة.. ولقد أهديتها لأبي أيضا وأضفت إليه هذه المرة أمي العظيمة وإخوتي الأحباء وخطيبتي الفاضلة وأزواج الشقيقات وأبناءهم.. وقلت في الإهداء أنهم الأقمار التي تضيء حياتي. ولقد فكرت أن انتظر إلي ما بعد مناقشة الرسالة والحصول علي الدرجة لكي أكتب لك قصة تحولي من شاب مستهتر وطالب فاشل.. إلي رجل ملتزم ثم أرجوك أن تكتب كلمة للشباب المستهتر العابث ألا يضيقوا بحرص آبائهم عليهم.. ومطالبتهم بالالتزام والنجاح لأنهم لا يستهدفون من ذلك إلا مصلحة هؤلاء الأبناء أنفسهم, لكن جد شيء في الفترة السابقة دفعني لأن أعجل بالكتابة لك.. ذلك أن صورة وجه أبي الحزين كثيرا ما كانت ترد في ذهني في مناسبات عديدة حتى انه لم يكن يمضي يوم طوال السنوات الثمانية عشرة الأخيرة دون أن أري بعين الخيال وجهه وملامحه المتعبة الحزينة. وحين أبلغني أستاذي قبل أسبوع بتحديد جلسة مناقشة الرسالة رجعت إلي البيت سعيدا وأبلغت أمي الخبر فأشرق وجهها بالفرحة فإذا بي أستعيد صورة أبي في مخيلتي فيخيل إلي أن وجهه تشيع فيه هذه المرة ابتسامة حيية.. وأنه ليس حزينا كما كنت أراه دائما في مخيلتي.. فهل يعني ذلك أنه راض عني الآن يا سيدي؟ وهل تكتب للشباب ما أردت أن أقوله لهم بسردي قصتي هذه عليك؟

ولكاتب هذه الرسالة أقول:
لا عجب فيما ترويه عن تحولك من شاب عابث مستهتر متعثر دراسيا الي إنسان جاد وملتزم وموفق في حياتك العملية والعائلية عقب رحيل أبيك عن الحياة وتحملك لمسئولية الأسرة من بعده,

ذلك أن وقر المسئولية كثيرا ما يخلق الإنسان خلقا جديدا.. لأنها كالنار التي تصهر المعدن فتخلصه من شوائبه.. وتجلو جوهره الأصيل,

وكذلك فعلت بك المسئولية حين تحملتها راضيا وراغبا في التكفير عما اضعت من قبل في اللهو والعبث, وآملا في أن تطهرك هذه المسئولية الثقيلة من وخز الإحساس بالذنب تجاه أبيك الراحل وقد أشفقت علي نفسك من شعورك المؤلم بأنك قد كنت سببا أساسيا لأحزانه وفي سنواته الأخيرة, فتفاعل لديك الإحساس بالمسئولية الإنسانية والمعنوية عن الإخوة الضعفاء والأم الحائرة بعد رحيل الأب مع الإحساس بالذنب تجاهه.. مع الضمير الحي الذي لم يقتله فيك اللهو والعبث كما كان الظن, فأثمر كل ذلك هذه الشخصية الايجابية الفاضلة, وقدت سفينة الأسرة إلي مرفأ الأمان .
فأما تحولك من العبث والاستهتار الي الالتزام والجدية, فليس من المستغرب, فنحن حين نركب سيارة يقودها غيرنا فإنه يتحمل مسئولية أماننا وسلامتنا خلال الرحلة وقد لا نولي نحن انتباها كبيرا للطريق اعتمادا علي قيامه هو بهذه المسئولية عنا وقد ينصرف ذهننا خلال الرحلة عن الطريق إلي أشياء أخري, فإذا افقنا من سرحاننا فجأة علي اهتزاز عنيف واكتشفنا توقف السيارة لأن قائدها قد أصيب بنوبة عارضة.. وجدنا أنفسنا مطالبين بأن نقود نحن السيارة وبأن نولي كل اهتمامنا وانتباهنا للطريق بدلا منه وبعد ان كنا ننصرف بذهننا عنه الي التفكير بأشياء أخري لم يعد مقبولا منا أن نفعل ذلك وإلا هلكنا وهلك الجميع معنا وكذلك فعلت أنت يا صديقي حين غاب قائد الأسرة .. وأصبح من واجبك ان تتقدم أنت الي مقعد القيادة.. وتحمي إخوتك ووالدتك من أخطار الحياة

ولقد توقفت وأنا اقرأ رسالتك الجميلة أمام ما رويته عن أنك كنت ترتدي قبل رحيل أبيك فاخر الثياب وتدخن السجائر الأمريكية وتثور إذا لم تجد ما تحتاج إليه من نقود لدي أمك او إخوتك, فأصبحت بعد ان صهرتك نار المسئولية العائلية تكتفي باجر المواصلات وتضن علي نفسك بالجديد من الثياب لكي تحافظ علي مظهر إخوتك,
وتذكرت ما رواه المسعودي في مروج الذهب عن خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز من انه كان قبل أن يلي الخلافة يحيا بالرغم من صلاحه ونزوعه إلى العدل حياة الأمراء المترفة وكيف كان, وكان من أكثر الناس اهتماما بملبسه حتى كان يشتري الحلة بألف دينار فإذا لبسها استخشنها ويشتري القميص بأربعمائة دينار فإذا لمسه بيده قال: ما أخشنه وأغلظه, ويهتم بعطره وعطر ثيابه حتي قيل عنه انه أعطر قريش, فلما ولي الخلافة ورد المظالم بدأ بنفسه فتنازل عن كل ما كان له لبيت المال, واكتفي من المال والمتاع بما يسد احتياجاته الضرورية كحاكم عادل وأصبح ثمن حلته عشرة دراهم ومع ذلك كان اذا لبسها استلانها كما روي المسعودي

فماذا جد عليه وقد كان التقي الورع قبل الإمارة وبعدها؟
 لقد جد عليه همه بالمسئولية عن الآخرين.. ولم يكن من قبل مسئولا إلا عن نفسه ودنياه الصغيرة.. وصادفت هذه المسئولية ضميرا حيا فكان ما كان من أمره. فالمسئولية هي ان ينشغل الإنسان بأمر الآخرين كما ينشغل بأمر نفسه, وجوهر المسئولية الأبوية والأمومية هو الإيثار اي إيثار من يتحمل المرء المسئولية عنهم علي نفسه.. بالرعاية والحماية والعطاء.. ولو تعارض كل ذلك مع اعتباراته الشخصية.

ومن أجمل ما قرأت في تصوير هذه المسئولية الأبوية ما رواه الرواة عن المحدث اللغوي الفقيه الذي عاش في القرن الثالث الهجري إبراهيم بن اسحق الحربي من انه كان لا يشكو إلى أمه وبناته وزوجته الحمى إذا أصابته وإنما يتحملها صامتا لكيلا يزعجهن بأمره.. وانه قد كان به صداع بأحد جانبي رأسه فتحمله صابرا 45 عاما لم يخبر به أحدا وانه عاش عشر سنوات من عمره بفرد عين بعد ان انطفأ نور الأخرى لم يخبر بذلك أحدا من أهله ! وكان يقول في تفسير ذلك إن الرجل الحق هو الذي يدخل غمه علي نفسه ولا يغم عياله .

والرأي عندي هو أن جوهرك كان سليما من الأصل لكنه اعتوره ما قد يعتور المرء إذا استنام الي أن هناك مظلة تحميه من صواعق السماء مهما أخطأ أو فعل.. فلما زالت عنك هذه المظلة برحيل والدك عن الحياة استنفرت إرادتك ونفضت عنك العبث والأنانية واللهو وشعرت بأن مرحلة الاستهتار قد انتهت من حياتك الي غير رجعة فنهضت لتحمل المسئولية التي كان يقوم بها والدك دون شكوى, ووجدت نفسك تردد لإخوتك من حيث لا تدري نفس عبارات أبيك عن الجدية والالتزام والتفوق التي كنت تضيق بها من قبل.. وأدركت ثقل المسئولية وتبعاتها وعرفت نوعا من مشاعر الأم او الأب الذي يحترق لكي يضيء حياة أعزائه.. ويحرم نفسه لكي يعطيهم.. ويكرس حياته لهم ناسيا خلال ذلك نفسه أو يكاد, ثم شعرت بالرغبة في الاعتذار لأبيك بأثر رجعي عن كل ما خيبت أمله فيه وسببته له من أحزان.. فكان قرارك باستكمال دراستك الجامعية بنجاح ومواصلة دراستك العالية والحصول علي الماجستير ثم الدكتوراه بإذن الله. لقد أحسنت الاعتذار يا صديقي لأبيك عن تخلفك الدراسي وانصرافك إلى بعض لهو الشباب وعبثهم خلال حياته, وكانت رعايتك لأخوتك ووالدتك ونفسك وطموحك الدراسي هو خير اعتذار عن فكرة العبث القصيرة, والحمد لله في حياتك الجادة الفاضلة.

فأية غرابة إذن في أن يزورك طيف والدك الطيب باسما وراضيا عنك بعد أن كان لا يجيئك من قبل إلا عاتبا وحزينا؟! 

لقد نلت سعادة الدارين بإذن الله ببرك بأمك وأخوتك واعتزازك بذكري أبيك واتخاذك له مثلا أعلي..
فهنيئا لك مقدما درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف الاولي بإذن الله..
وهنيئا لك سعادتك المقبلة مع شريكة حياتك إن شاء الله
وهنيئا قبل كل ذلك وبعده ما سوف تمطرك به السماء من جوائز السعادة والتوفيق والأمان
وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
صدق الله العظيم. 

أما كلمتك إلي الشباب فإن رسالتها واضحة لكل ذي عقل.. وشكرا لك علي رسالتك القيمة.

*نشرت بتاريخ 22 سبتمبر 2000

˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙
نقلها من أرشيف جريدة الأهرام
Rofida Mohamed Ismail

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali



إقرأ المزيد Résuméabuiyad

الجنيه الذهبي .. رسالة من بريد الجمعة


أشكرك جدًا جدًا على الاهتمام برسائل قرائك فأنا قارئة مستديمة لبابك منذ سنوات وأريد أن أكتب إليك قصتي لآخذ مشورتك فيها .. وهذه ثاني رسالة ولم ترد عليَّ . فأنا إنسانة حصلت على دبلوم التجارة منذ سنوات عملت في عمل حكومي وقد بدأت عملي وعمري 18 سنة فكنت لافتة للنظر لأني مرحة جدًا وعقلي كبير جدًا بشهادة جميع من حولي ومن السهل أن أحل مشاكل الأصدقاء الذين يستشيرونني فيها . رغم أنها أكبر مني والكل يحترمونني لشخصيتي الجذابة . ولتعقلي في حكمي على الأمور ولم تكن لي تجارب مع أحد فأنا والحمدلله محجبة ومتدينة ، وقد أثبت كفاءتي في عملي في فترة وجيزة جدًا .. وعشت حياتي بسهولة ويسر لأني وحيدة أبويَّ ومدللة جدًا جدًا منهما .. لكن حدث ما لا تحمد عقباه يا سيدي فقد أحببيت مديري في العمل .. ولم يكن الأمر بيدي فهو أول رجل ينبض له قلبي .. فوجدت نفسي أرتجف وأنا أكلمه في أمور العمل رغم أنه يكبرني بضعف عمري ورغم أنه متزوج وعنده طفلان .. لكن الجميع يعرفون أنه غير سعيد في زواجه وأنه على خلاف دائم مع زوجته، مع أنه محبوب من الجميع ومتدين جدًا والكل يحترمونه لوقاره وشخصيته .. وقد تحاببنا جدًا من بعيد لبعيد دون أن نعترف بذلك لمدة عامين ثم لم نستطع الاستمرار في ذلك فخرجت معه في سيارته وأنا التي لم تخرج مع إنسان غريب من قبل وذلك لأني أحببته جدًا جدًا ..

وأصبحنا نلتقي كل يوم في العمل .. ثم أختلق لأهلي أسبابًا للخروج بعد الظهر وألتقي به .. وأرجو ألا تسئ الظن بي فنحن لم نرتكب ما يغضب الله، رغم علمنا أن مقابلاتنا حرام .. وقد أصبح يعيش من جديد بعد أن كان يعتبر نفسه إنسانًا ميتًا مع زوجة لا تحبه .. وعشنا هكذا شهورًا طويلة نمضي الوقت كل يوم نتجول في الشوارع ولا يعود لبيته إلا لينام ولأن لكل نار دخانًا فقد بدأ زملاؤنا في القسم يعرفون القصة وبدأ الهمس والغمز واللمز من حولنا واستنكروا حبنا لأنه متزوج وله طفلان وزاد الطين بلة أن بعض أقارب زوجته معنا في نفس العمل فعرفوا بالقصة .. وذات يوم كان مديري غائبًا في مهمة لمدة يومين .. فجاء أقارب زوجته إليَّ وفوجئت بهم يتحدثون معي في الموضوع بصوتٍ عالٍ وبطريقة استفزازية .. وذهلت من المفاجأة فلم أستطع أن أرد عليهم بكلمة واحدة ، وشاع الأمر أكثر وأكثر وأصبح علنًا ولم يعد لأحد في قسمنا أو باقي الأقسام من حديث إلا فيه، وتحملت كل ذلك ثم عاد مديري وعرف بالموضوع فثار وهاج وهدد أقارب زوجته بطلاقها وقاطعهم فاعتذروا له وهدأت العاصفة فيما بينهم عند هذا الحد لكن الرواسب تجمعت عندي أنا فهو رجل لا يعيببه شيء في النهاية أما أنا فإن سمعتي التي كانت "كالجنيه الذهب" أصبحت كالجنيه الصفيح ولم أعد قادرة على الذهاب للعمل فحصلت على أجازة لمدة شهر حاول أن يتصل بي خلالها في البيت فلم أرد عليه، ثم عدت للعمل وأنا أنوي ألا أتكلم معه ! لكن بعض المتطفلين والحاقدين اتصلوا بزوجته تليفونيًا وأبلغوها بعودتي فانقلبت الدنيا أكثر مما كانت بالرغم من أنها "لا تحبه" وزواجها منه تقليدي ، لكنها ثارت لكرامتها وللشكل الاجتماعي !!

ومضت شهور وأنا أحاول إقناع نفسي بنسيانه وقدمت طلبًا للنقل من القسم لكن للأسف رفض طلبي .. ثم وجدت نفسي لا أقدر على نسيانه وهو كذلك وكنت قد بلغت الرابعة والعشرين فعرض عليَّ الزواج ورحبت طبعًا لكن المشكلة كانت أن أقنع أهلي به وهو زوج وأب لطفلين . وأنا ابنتهم الوحيدة، لقد تقدَّم لأهلي .. وتحملت أنا مسئولية إقناعهم ووقفت أمامهم بكل صمود وكل قوة ! وهددت بالانتحار للضغط عليهم فوافقوا في النهاية وأحضر لي شقة صغيرة جميلة وتم زواجنا وتقدمت باستقالتي من العمل استجابة لرغبة زوجي وترك هو بيت زوجته الأولى ولم يطلقها ولن يفعل إلا إذا طلبت هي الطلاق لأنه يعرف أصول دينه .. لكنه لا يذهب إلى بيته الآخر لأنها لا تسمح له بدخوله ولا بمشاهدة طفليه، مع استمراره في الإنفاق عليهم كما كان وأكثر .. وأنا يا سيدي أحب "أولاده" جدًا جدًا ولم أطلب منه أن يطلق زوجته لأنها لم تطلب منه الطلاق . لكن المشكلة هي أن زملاء زوجي في العمل منذ علموا بزواجنا وهم لا يكفون عن الكلام عنا وتنكروا جميعًا لزواجنا كأننا قد قتلنا لهم قتيلاً أو ارتكبنا جرمًا أو فعلنا شيئًا حرمه الله، وليس الزملاء فقط الذين اتخذوا هذا الموقف وإنما الأهل والأصدقاء والأصحاب أيضًا الذين تنكروا لزواجنا لأنه متزوج وله طفلان وترك ذلك عند زوجي رواسب كثيرة فأصبح يذهب إلى عمله كل يوم على مضض وكأنه ذاهب إلى حبل المشنقة ، وليس إلى العمل الذي كان يحبه وأصبح يتجنب الظهور معي أمام الناس حتى لا يعلِّق أحد أنه أكبر مني سنًا ولا يذهب بي عند الأصدقاء أو الأهل لكي يتجنب "كلام" عيونهم المستنكرة وإذا خرجنا لظروف قصوى تعمد ألا يمشي معي وأن يسبقني إلى السيارة لكي نذهب إلى مشوارنا الضروري .. لكننا والحمدلله داخل البيت سعداء جدًا جدًا ولا يعكر صفونا إلا هؤلاء الدخلاء المتطفلون .. فقل لهم ولأمثالهم يا سيدي إن ما فعلناه ليس حرامًا .. وقل لزوجي ألا يخجل من خروجه معي فكم من رجال تزوجوا ممن هن أصغر منهم بكثير وعاشوا سعداء ، واطلب منه ألا يهتم بكلام الآخرين . لأن كل هذا لا يصح أن يؤثر علينا ، وقل لهم يا سيدي أننا لسنا مخطئين وأن هذا ما حلله الله ، وأننا والحمدلله "ضميرنا" مستريح من جميع الجهات ! وأرجو أن تهتم برسالتي مع علمي أن هناك رسائل أهم من رسالتي بكثير لكني أستحلفك بالله ألا تهمل رسالتي وأن تقول لهؤلاء الدخلاء المتطفلين كلمة "قوية" لكي يكفوا عما هم فيه ويعرفوا إلى أي حد يعكروا صفو حياة الآخرين بتدخلهم هذا ؟ ولك مني يا سيدي جزيل شكري وامتناني .

·       ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
يخيل إلي يا سيدتي أنه إما أنكِ أخطأتِ العنوان الذي كان ينبغي أن تبعثي إليه بهذه الرسالة وإما أنكِ لستِ من قارئات بريد الجمعة المنتظمات كما تقولين وإلا لما توقعتِ مني تعاطفًا وتأييدًا لجانبكِ مهما كانت مبرراتك العاطفية، أو تبريراتك غير المؤكدة عن انعدام الوفاق بين زوجك وزوجته قبل ظهورك ، لهذا فلن أطيل في تعليقي على رسالتك لأني لا أريد أن أكرر موقفي من الزواج الثاني الذي يمزق أسرة وأطفالاً أبرياء بلا ضرورة قصوى أو لمجرد الاستجابة لنزعات أو نزوات عاطفية .. ناهيك عن الخطأ الأساسي في قيام علاقة من هذا النوع من البداية بين فتاة في الثامنة عشرة من عمرها وبين زوج وأب يكبرها بضعف عمرها إن لم يزد على ذلك وحاولت التخفيف منه في رسالتك بدليل ظهور الفارق بينكما صارخًا إلى الحد الذي يجعله موضعًا لتعليقات الأصدقاء والمارة ناهيك عن كلام العيون المستنكرة . على أية حال فإني سأقول لك فقط أن لكل إنسان أن يختار لنفسه ما يشاء لكنه ليس من حقه أن يتحسر على عدم احترام الآخرين له أو يشكو من استنكارهم لاختياره أو رفضهم له .. أو حتى من تناولهم لهذا الاختيار بالنقد والتشنيع لماذا يا سيدتي ؟ لأننا لا نستطيع أن نحول بين الناس وبين ألسنتهم لكننا نستطيع إن أردنا أن نلتزم بالقيم والأعراف والتقاليد وقوانين الحياة الطبيعية .. فلا يجدون في سلوكنا ما يغريهم بالانشغال بنا .. ولا تتحول سمعتنا من جنيه ذهبي إلى عملة من الصفيح ! هذا هو الطريق الوحيد الميسور لكي يكف عنا الناس ألسنة الأذى .


وهذه هي "التكاليف" التي يتحملها المرء . لكي يحصد احترام الآخرين وقبولهم له ثمنًا لها أما أن يعفي الإنسان نفسه من كل التكاليف وينساق وراء الأهواء بلا ضوابط .. ويصادم الآخرين في أعرافهم ، ويسلب استقرار أسرة وأمنها ويروع أطفالها ويعرضهم لمحنة بلا مبرر إلا حساباته العاطفية هو وحده ثم يطالبهم بعد ذلك بقبوله واحترامه وكف ألسنتهم عنه .. فهذا هو المستحيل بعينه لأننا لا نعيش في صحراء جرداء وحدنا وإنما بين بشر علينا أن نحترم مثلهم العليا إن أردنا أن نتوافق معهم وأن نتبادل معهم الحب والاحترام ، فإن كنت قد نشرت رسالتك رغم أني لا أفضل نشر مثيلاتها ورغم ما فيها من تبريرات غير مقنعة قد تستفز المشاعر ، فإنما فعلت لأنها يمكن أن تفيد غيرك وتكشف لهم تبعات مثل هذا الاختيار ، والوجه الآخر له وهي تبعات ثقيلة ، "جدًا جدًا" كما ترين . وآسف لعجزي عن تلبية ندائك لأن انشغالي بالتفكير في أمر الزوجة والطفلين الذين لا ذنب لهما في أحوال القلب .. ولا في جرأة البعض على خرق المألوف .. قد سلبني القدرة على صك كلمة "قوية" أرد بها عنكِ تطفل المتطفلين .. ولوم اللائمين


˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙
كتبها من مصدرها بكتاب رسائل محترقة
Rofida Mohamed Ismail

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali




إقرأ المزيد Résuméabuiyad

دموع القلب .. رسالة من بريد الجمعة



أنا سيدة فى الثالثة والخمسين من عمري ، تخرجت فى كلية عملية، وأعمل بشركة مرموقة، وتزوجت منذ 32 عاما من طبيب من أقاربى، وقد تم الزواج بالطريقة التقليدية، ولكنني أحببت زوجي خلال فترة الخطبة، لما لمسته فيه من أخلاق كريمة وطباع مريحة، وحب يفوق الوصف لى .
والحمد لله .. فلقد مضت رحلة العمر بحلوها ومرها، ولم تتغير هذه الطباع ولا هذه الصفات حتى هذه اللحظة، ويشهد الله أنى أحبه وأفضله على نفسي، و لم أكن أرجو من الحياة أفضل منه .. وقد واصل هو تقدمه خلال رحلة العمر فى مجاله المهني، حتى أحيل للمعاش منذ 3 سنوات، وهو مدير لإحدى مستشفيات الأقاليم الكبرى .
أما " المشكلة " ولابد من مشكلة لكل من يكتب إليك .. فهي أنني بعد زواجي بعام، أنجبت أول أبنائي، و كانت طفلة جميلة، شاءت الأقدار أن يعطيها طبيب أطفال وعمرها 9 شهور دواء مهدئا تناولته بانتظام لمدة عامين ونصف العام، ظنا منه أنها تعانى الصرع، لتعرضها لبعض التشنجات، وهذه الفترة هى فترة تكوين المخ، كما يقول لى زوجي، و قد ثبت – فيما بعد – أن ما كانت تتعرض له من تشنجات، وهى طفلة وليدة، لم يكن يرجع إلى الصرع، وإنما إلى الحرارة الداخلية غير الظاهرة للجسم، بسبب احتقان اللوز، وحين اكتشفنا ذلك، أجرينا لها، جراحة لاستئصالها، وعمرها 4سنوات .. فلم تعاودها التشنجات منذ ذلك الحين .
ولكن ما تناولته من الدواء المهدئ، أورثها نوعا من بطء التفكير، فوصلت فى دراستها إلى الشهادة الإعدادية بصعوبة بالغة، وعجزت عن نيل الشهادة، وتوقفت عن التعليم، وتقبلنا نحن الأمر بواقعية، ورضا بما قضيت به المقادير .
وبذلت مع ابنتي هذه جهدا لا تتخيله، حتى أصبحت فتاة يعتمد عليها فى أعمال المنزل كربة بيت، وفى مجالات الحياة العائلية الأخرى، حتى لا تشعر هى بأي نقص بالنسبة لغيرها من الفتيات، ولن أشكو لك ما شعرت به داخليا طوال هذه السنوات، فهو أمر بيني و بين الله سبحانه وتعالى .
وبلغت ابنتى الحادية و العشرين من عمرها، وهى بالمناسبة فتاة جميلة الشكل، حلوة الطباع, وطيبة لأقصى درجة تتخيلها، فتقدم لخطبتها أحد أقاربنا من الشباب، و صارحته أنا وزوجي بأن ابنتنا بسيطة فى كل شىء فى تفكيرها وفى تصرفاتها . فأجابنا بأن هذا بالضبط هو ما يريده فيمن يتزوجها، حيث لا يريد سوى إنسانة بسيطة طيبة القلب يحبها وتحبه بإخلاص، وسعدنا بما قال، وتمت الخطبة فى أمان، واستمرت حوالي السنة ، وحرصت خلالها على أن أتيح لهما الفرصة الكافية، لأن يجلسا معا كثيرا شبه منفردين فى بيتنا، و أن يخرجا معا أيضا كثيرا ليتحقق التفاهم بينهما ويتعرف هو على كل جوانب شخصيتها ..
وقد تسألني هنا : كيف وافقت على زواج الأقارب مرة أخرى، وقد تتكرر مشاكله الوراثية، كما قد يخطر لك أن تكون حالة ابنتي من أثر هذه العوامل الوراثية، ولكنى أقول لك إن زوجي و هو طبيب، لا يرجع حالة ابنتي إلى زواج الأقارب، و إنما لما تعرضت له فى طفولتها، كما أن هذا الشاب كان فرصة طيبة لابنتنا، لأنها لا تخرج من البيت الإ معنا، ولا صلات لها ولا وظيفة لها، ولا شهادة دراسية، وفرصها فى الزواج قليلة بالنسبة لغيرها، فكان طبيعيا أن نرحب بهذا الشاب من أقاربنا .. وأن نتغاضى عن احتمالات المشاكل الوراثية لزواج الأقارب .
وتم الزواج بلا مشاكل .. فإذا بابنتي تصدم فى زوجها صدمة العمر، ويتبين لها ولنا أنه لا يصلح كرجل للزواج، و أنه ما اختارها من بين كل الفتيات، إلا لظنه بها أنها ساذجة ولن تفهم حالته، ولن تكشف أمره، وحين تبين له غير ذلك أساء إليها قولا وعملا، و اضطررنا إلى طلاقها منه، بعد أربعين يوما فقط من الزواج، وهى مازالت عذراء فى أغلب الظن، و تجرعنا الألم النفسي مضاعفا لذلك، ولما تبين لنا – فيما بعد – من أن ذلك الشاب لم يكن يخلو أيضا من أطماع مادية فينا، كأسرة ميسورة الحال .
ولندع مشكلة ابنتي الحبيبة هذه جانبا بعض الوقت، لأروى لك عن شقيقها الذى يليها فى السن، فلقد أنجبته بعد أخته بخمس سنوات، وجاء إلى الحياة طفلا طبيعيا، فرحنا به، و تعلقت به آمالنا، ثم أجرينا له، وهو فى الثالثة من عمره عملية استئصال اللوز هو الآخ ، فبقى بعد الجراحة لفترة طويلة، لا يفيق من تأثير البنج، و أدركنا أنه قد أخذ جرعة بنج زائدة، و بعد بدأت تظهر عليه هو الأخر آثار التأخر العقلي، ولم يستطع مواصلة الدراسة لأكثر من الشهادة الابتدائية، وحصل عليها بصعوبة أشد، و فصل من السنة الأولى الإعدادية .
ووجدت نفسي أمام مأساة أخرى، أشد إيلاما، وأشد صعوبة، إذ ماذا أفعل معه، وهو فتى وليس فتاة كأخته . و كيف يواجه الحياة بلا تعليم ولا شهادة، وهو إن لم يجد ما يفعله ويشغل به وقته وطاقته .. فقد تنفتح أمامه أبواب الانحراف .
وفكرت أنا وزوجي فيما نفعل، واتفق رأينا على أن نتقبل الأمر الواقع بالرضا نفسه الذى تقبلنا به ظروف أخته، وأن أتفرغ أنا بضع سنوات لإعداد هذا الفتى لمواجهة الحياة، فنفذت التزامي على الفور، و حصلت على إجازة من عملي دون مرتب، و بدأت مع ابني هذا رحلة الطواف بمراكز التدريب الصناعي بالشركات، على أمل تعيينه فى إحداها .
ومررنا معا بمكاتب التوجيه النفسي، ومكاتب القوى العاملة للمعاقين، حتى تمكنت بفضل الله من تعيينه بالشركة، التى أعمل بها على آلة لتصوير المستندات، و دفعته فى الوقت نفسه لممارسة الرياضة و التفوق فيها، حتى تمكنت بحمد الله من الحصول على ميداليتين فضيتين فى الدورة الأولمبية للمعاقين، التى أقيمت بالقاهرة منذ 5 سنوات، و صقلت تجربة العمل و الرياضة و البطولة شخصيته ..
وهو بالمناسبة محبوب جدا من زملائه، و من كل أعضاء النادي، الذى نتردد عليه، ويقول عنه الجميع إنه طيب وناصح وأخلاقه عالية، كما أنه نظيف جدا فى ملابسه وفى سلوكه، لكن الناحية الحسابية عنده ضعيفة، ولهذا فهو يقبض مرتبه و يعطيه لى لأدخره له وأترك له بضعة جنيهات فى محفظته، يتصرف فيها كما يشاء، وكلما نفدت أعطيته غيرها .. و هكذا .
ورغم مروري بكل ما رويت لك عنه من هذه الظروف النفسية الأليمة، فلم  يهتز إيماني بالله لحظة واحدة، و لم أفقد الرضا بكل ما حملته إلينا أقدارنا، واعتقدت دائما – ومازلت أعتقد – بأن الله سبحانه و تعالى قد وهبني هذين الملاكين، ليكونا عكازي فى الحياة ، وطريقي إلى الجنة بإذن الله .
و بسبب هذا الرضا بالواقع والقبول به، وهبني الله الطفلة الثالثة، التى حملت بها، رغم معارضة أهلي الشديدة، و جاءت بفضل دعائي لربى طفلة سوية، حنونة تكاد تكون الآن أما ثانية لشقيقها من بعدى، وقد بلغت التاسعة عشرة من عمرها، وتدرس بكلية مرموقة، وتتعاون معى فى توجيه أخويها ورعايتها بحب وحنان .

هذه يا سيدي ظروفي، التى أكتب لك عنها .. و قد اختزلت منها الكثير والكثير، ولم أحك لك إلا أقل القليل عن معاناتي مع ابنتي وابني هذين، حتى تمكنت – بفضل الله – من أن أصل بهما إلى المستوى الاجتماعي اللائق بهما سلوكا وتفكيرا ومظهرا، كما لم أحك لك أيضا عما تعرضت له من بعض المواقف، التى كان قلبي فيها يعتصره الألم، ولا يدرى بى أحد، لأن دموع القلب لا ترى بالعين المجردة، وإن كانت أشد قسوة من دموع العين .
وكنت كلما واجهت مشكلة من هذه المشاكل، توجهت إلى ربى بقلبي وناجيته بجماع نفسي ألا يتخلى عنى ، فكان بى – جل شأنه – رحيما، و صمدت نفسيا لكل ما عانيت، ولكن الجسد لا يستطيع الصمود للنهاية، كما قد تستطيع النفس، وكانت ثمرة معاناتي هى مرضى بقصور الشريان التاجي والضغط والسكر، كما مرض زوجي الحبيب بالضغط والنقرس، مع أنى قد تحملت وحدي مسئولية هذين الابنين، وتكتمت عنه دائما كل ما استطعت تكتمته من مشاكلهما، حرصا على صحته ورحمته به، حتى يظل لى السند الصامد والصدر الحنون الذى أحتمى به .
ولقد أديت مع زوجي فريضة الحج والحمد لله، و تنبهت بعد انتهاء المناسك إلى أنني فى كل طوافي بالكعبة المشرفة، لم أكن أدعو الله سبحانه وتعالى ودموعي تنهمر إلا بدعاء واحد، هو : أولادي يا رب ! أولادي يا أرحم الراحمين .
ومن أجلهما أيضا أكتب إليك الآن يا سيدى .. فكل أملى فى الحياة أنا وزوجي، هو أن يتزوج هذان الابنان بمن يرعيان الله فيهما، ونأمنهما عليهما بعد رحيلنا عن الحياة، ونحن والحمد لله قادرين على أن نوفر لكل منهما شقة الزواج، وعلى مساعدتهما ماديا بقدر طاقتنا، فهل أجد لديك من يحقق لى هذا الأمل الكبير، ليس طمعا فى الشقة أو المساعدة المادية، وإنما أمل فى حياة كريمة شريفة لوجه الله تعالى، ولوجه الخير والإنسانية ؟

ولكاتبة الرسالة أقول :
لو خير الإنسان بين أن يصاب فى نفسه، أو يصاب فى ولده، لاختار بلا تردد أهون الضررين عليه وافتدى بنفسه ثمرة قلبه . ولهذا .. فإنى أفهم جيدا يا سيدتى عمق آلامك .. و مشروعية أمالك بالنسبة لهذين الملكين، الذين جاهدت فيهما جهاد الأبطال والموعودين بجنات النعيم، بإذن ربهم، إن شاء الله .
أما و أنهما ملكان يسعيان فى الأرض، فلاشك فى ذلك ولا جدال، إذ لا مراء فى أنه كلما اقترب الإنسان من فطرته، التى فطره الله عليها ، كان أقل خبرة بشرور الحياة، و أكثر بعدا عن الالتواء و الخداع .. وزيف المشاعر .
حتى لقد قال الأديب الفرنسى أندريه جيد فى روايته جيد فى روايته الشهيرة " السيمفونية الريفية " إن من فقد بعض حواسه، قد يكون أكثر سعادة من الآخرين، لأنه لن يدرك كل صور القبح و الشر فى الحياة، ولن يسمح له خياله بأن يتمثلها ! ويقلدها و يتعامل بها مع الآخرين .
ولعل ذلك يفسر لك ما تلمسينه من طيبة هذين الابنين و فرط حنانهما بك وبالجميع، وبراءة مشاعرهما وتسامحهما مع الآخرين ومع الحياة بصفة عامة .
فإذا كانت ابنتك قد صادفت حظا عاثرا فى زواجها الأول، فلقد كان من المؤلم حقا أن يستغل " الأصحاء " ظروف التعساء، ليعوضوا فيهم نقصهم، كأنما لم يكفهم ما امتحنتهم بهم أقدارهم ...
ولكن ماذا نقول عمن لا يتورع عن استخدام تفوقه العقلي فى الشر، فى إيذاء من لا يعرفون كيف يحمون أنفسهم من شرور أهل المكر و الالتواء و الخداع ؟
غير أن الحياة لا تخلو أبدا ممن يرعون الله فى سلوكهم مع الآخرين ، ويؤمنون دائما بأنهم إذا لم يكونا يرونه .. فإنه يراهم سبحانه، ولا شك أن كثيرين وكثيرات قد يجدون فى ابنتك الشابة وابنك المحبوب هذا بغيتهم، وما يحقق لهم آمالهم فى الارتباط بشريك، يتعامل مع الحياة بقلب مفطور على حب الآخرين، وتصور الخير فيهم .. فإن افتقد مثل هذا الشريك بعض المقومات الأخرى كالقدرة الحسابية مثلا، أو حسن التصرف الاقتصادي، فما أهون أن يعوض من يختار النقص بخبرته هو وقدرته .. وما أصعب أن يعوض الإنسان فطرة القلب البرىء والحب الصادق والعشرة الطيبة بأى شىء آخر، إذا افتقدهما فى شريك الحياة .
وأما الاحتمالات الوراثية ، فما أسهل قطع الشك باليقين فيها، عن طريق اختبارات العوامل الوراثية المتاحة لكل من يريد .
شىء واحد فقط، أريد أتوقف عنده فى رسالتك يا سيدتى، وهو رجاؤك ألا يكون من يتقدم إلى ابنتك مدفوعا إلى ذلك بدافع ذلك الشقة أو المساعدة المادية، وأنا معك فى ذلك، و لكن مع تعديل طفيف، هو ألا يكون مدفوعا إلى ذلك بهذين الدافعين، " وحدهما " ، وأن نحكم نحن على مؤهلاته الأخلاقية والعائلية الأخرى بعد التسليم نفسيا بقبول هذا الهامش من الدوافع المادية، فيمن يتقدمون إلينا، إذ ماذا يعيبنا – فى مثل هذه الظروف الإنسانية – فى أن نعترف بهذا الهامش، وفى ألا ننكره على الآخرين، و ألا نحكم به وحده على صدق رغبتهم فى رفقة الحياة الآمنة مع أعزائنا، أو حتى ندين به وحده أخلاقياتهم .. بغير أن نلتمس لهم بعض العذر .. فيه من ظروفهم و من قسوة الحياة على الجميع، فالمهم أولا وأخيرا هو ألا يتعارض هذا الدافع المشروع، مع إخلاص الرغبة فى رفقة الحياة الآمنة مع أعزائنا .. ولا مع حسن العشرة معهم والرفق بهم .
ومن الأمانة مع النفس أن نعترف بهذه الدوافع كدوافع مساعدة، وليست وحيدة لمثل هذا الارتباط، الذى قد يقدم الحل العادل لمشاكل الطرفين، وقد يكون بداية موفقة لرحلة هادئة وسعيدة فى الحياة .
وليت كل من يواجهون مثل هذه الظروف الخاصة، بل وكل من يعانون مشكلة تأخر الزواج يتعاملون مع مشاكلهم بهذه النظرة الواقعية، لكيلا يضاعفوا من تعقيدها بالنسبة إليهم، حتى ولو لم تكن السعادة المثلى التى يطلبونها .. أو يرون أنفسهم جديرين بها ..
إذ ماذا يمنع أن يكون من مميزات الإنسان، التى تغرى به الآخرين ، إلى جانب مزاياه الأهم ، قدرته على المساعدة فى حل مشكلة الزواج المادية،  ماذا يعيب الإنسان فى ذلك إن هو فعل .. ولماذا يصر البعض على أن يصعبوا على أنفسهم مشاكلهم بإصرارهم على أن يطلبوا لأنفسهم " الأحسن " و" الأفضل " وحده ..
وفى الإمكان أن ينالوا " الحسن "، و " ما لا بأس به " بديلا للخواء والعدم و الانتظار إلى مالا نهاية ؟
لقد قال بعض الحكماء إن الشيطان إذا أن يضل إنسانا فإنه يحضه على طلب " الأحسن "، ويوسوس له دائما ألا يقبل بغيره، لكى يكبده مشقة طلبه، بدلا من أن يدعه يحصل على " الحسن " و" المقبول " و" الممكن " فيجد نفسه بعد حين فى موضع أفضل قليلا أو كثيرا، مما كان عليه، وهو متجمد عند موقف الانتظار اللا نهائي طلبا للأحسن .. وليس يعنى ذلك أبدا أن كل من سوف يتقدمون إلينا ، لن يحركهم لمثل هذا الأمر إلا الدوافع المادية وحدها .. وإنما يعنى فقط ألا ننكر نحن على أحد أن تكون مثل هذه الدوافع فى تقديره، وهو يقترب منا إلى جانب المزايا والمؤهلات الأخرى، كما يعنى أيضا يا سيدتى أنك قد تعاملت مع المشكلة كلها من البداية بواقعية، تستحق التقدير وبشجاعة نفسية تدعو للاحترام، ولن يشق أن تواصلي التعامل مع المشكلة بهذه النظرة الواقعية نفسها إلى أن تجد حلولها السعيدة و المرضية لك و لأسرتك بإذن الله و السلام .

˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙

كتبها
Shmath A Shmath

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali





إقرأ المزيد Résuméabuiyad

ابتسامة التشفي !! .. رسالة من بريد الجمعة


لم أتعود أن أستشير أحدا في أمري .. لكني أشعر برغبة ملحة في أن أتحدث إليك .. وأخرج كل ما ينطوي عليه صدري من هموم وأفكار.. فأنا رجل في السابعة والأربعين من عمري.. نشأت في أسرة متوسطة بين أب يملك بعض الأرض الزراعية ويستثمرها ويقيم وسطها وأم طيبة مسالمة.. ولأنني كنت الابن الأكبر لأبي فلقد أراد لي منذ صغري أن أكون قويا وقادرا على الدفاع عن نفسي وحماية أسرتي من بعده.. فكان يدربني منذ الصغر على مواجهة مواقف الحياة بالشدة والعنف وليس بالضعف والاستخذاء.. ويطلب مني دائما ألا أكون ضعيفا لكيلا يفترسني الأقوياء.. ويتجاوز عن أخطائي إذا ضربت طفلا أو اعتديت على أحد.. بدعوى أنه أفضل لي أن أكون معتديا من أن أكون ضحية, وهكذا تشكلت معالم شخصيتي منذ الصبا المبكر إنسانا مشاكسا.. لا أتراجع عن خطأ ولا أعتذر عن إساءة, وأتوقع ممن حولي أن يخضعوا لإرادتي على الدوام. وأنهيت مرحلة التعليم الثانوي بصعوبة شديدة.. وأراد أبي لي أن أكتفي من التعليم بهذا القدر وأتفرغ لمساعدته في رعاية الأرض الزراعية, لكني أردت استكمال تعليمي الجامعي.. واخترت الالتحاق بكلية في عاصمة الإقليم الذي نعيش فيه.. ورفضت الإقامة في المدينة الجامعية وفرضت على أبي أن يستأجر لي شقة صغيرة بالقرب من الكلية لأستمتع فيها بحريتي الشخصية.. وأصبح أبي يجيء لزيارتي كل أسبوعين مرة.. وأذهب لزيارة أسرتي كل شهر.. وازدادت شخصيتي تضخما وعدوانية مع استشعاري بأهميتي وقدرتي المالية.. وتعاملت مع أبناء بلدتي من طلبة الكلية باستعلاء شديد وبلهجة آمرة, كأن عليهم الطاعة ولي الأمر.. وبرغم ذلك فلقد كان تحصيلي الدراسي ضعيفا وكنت أفرض على بعض أبناء بلدتي من البسطاء أن يذاكروا لي المواد ويساعدوني على حفظها, وأنهيت دراستي الجامعية دون أن أحظى بصداقة حقيقية في حياتي.. ودون أن أنجح أيضا في اجتذاب أي زميلة بالكلية لي, وكم أثار ذلك من حقدي على بعض أبناء بلدتي الذين نجحوا في إنشاء علاقات عاطفية مع زميلات الكلية بالرغم من خلوهم من الميزات التي كنت أراها تميزني كالوسامة والقوة والشخصية القوية والأسرة الكبيرة.. إلخ.


وباشرت بعد تخرجي شئون الأرض لبعض الوقت فتعاملت مع الجميع بالشدة والغلظة.. إلى أن جاء تعييني بإحدى المصالح الحكومية في عاصمة الإقليم, فعدت للإقامة بها في شقتي القديمة.. وأصبحت أشرف على الأرض في أوقات فراغي وفي عطلة نهاية الأسبوع. وبعد التحاقي بالوظيفة بعامين رحل أبي عن الحياة وأصبحت رب الأسرة المسئول عن أمي وأخوتي فتصرفت في شئون الأسرة كما أردت, وتقبل أخوتي كل ما فعلت دون معارضة حتى ولو تذمر البعض سرا, ثم تزوجت زواجا عائليا من فتاة من أسرة كريمة في بلدتنا وانتقلت للإقامة معي في عاصمة الإقليم واستسلمت لإرادتي من اليوم الأول لحياتنا الزوجية وخضعت لي خضوعا تاما فلم أجد ما أشكو منه من هذه الناحية.

وفي هذه الأثناء تمرد زوج شقيقتي الصغرى على ما أقدمه لها من إيراد سنوي عن نصيبها من الأرض الزراعية.. وأراد أن يطلع على الدفاتر وأن يحاسبني, فجن جنوني وبطشت به وأمرت أختي بالعودة مع طفليها إلى بيت الأسرة فاستجابت على الفور خوفا وهلعا, وكانت مشكلة كبرى تدخل فيها الأهل والأقارب والتف الجميع حولي يرجونني الصفح عن هذا الطائش الذي لا يدري بما يقول, وأنا مصر على أن يطلق أختي.. وإلا أجبرته على ذلك بالقوة.. ولم أتزحزح عن موقفي إلا بعد أن جاءوا به إلي وأعتذر لي كثيرا وقبل رأسي ووعدني بألا يتدخل مرة ثانية بيني وبين أختي.. فقبلت عند ذلك فقط الصفح عنه, وأعدت إليه زوجته وطفليه.. وزدت على ذلك أن رفعت نصيبها من الإيراد السنوي بعض الشيء ليس استجابة لطلبه وإنما إثبات لحسن نيتي. وتدرجت في الوظائف حتى وصلت إلى منصب أشرافي كبير في المصلحة الحكومية وواصلت طريقتي في الشدة مع الجميع وفرض الانضباط.. والتصدي لأي معارضة أو تذمر.. وازداد إحساسي بقوتي وسطوتي إلى أن جاء يوم وشكا لي فيه أحد رؤساء الأقسام من أن موظفا شابا لديه لا يطيع أوامره ويرفض التوقيع على بعض الأعمال في القسم لوجود بعض الأخطاء بها.. وبالرغم من إدراكي لهذا السبب فلقد استشطت غضبا لتمرد هذا الموظف واستدعيته فدخل إلي شاب هادئ الأعصاب خفيض الصوت وفي وجهه علامة من أثر السجود, وبدلا من أن أسأله عن سبب رفضه التوقيع وأقره على موقفه, تعاملت معه بقسوة وأهنته وهددته.. وهو صامت هادئ لا ينفعل ولا يرتعد ولا يخاف ولا يبادر بالاعتذار ولا يحاول إرضائي وتقبيل يدي كما يفعل غيره في مثل هذا الموقف.. وانهال عليه المساعدون باللوم والتقريع وطلبوا منه الاعتذار لي والتوقيع على الكشوف ففوجئت به يقول في هدوء إنه لم يخطئ في شيء لكي يعتذر عنه ولا يوقع علي خطأ غيره..

ولم أشعر بما حولي وانفجرت فيه متوعدا.. وأعلنته بتوقيع جزاء قاس عليه.. فلم ينبث ببنت شفه.. وانصرف وهو يتمتم: حسبي الله ونعم الوكيل وتجمع حولي الموظفون والمساعدون يهدئونني ويعتذرون لي.. ويعدونني بإحضاره إلي نادما ومعتذرا بعد قليل.. لكن هيهات أن يهدأ غضبي.. فلقد انتهى يوم العمل وعدت إلي البيت مرهقا وأنا لا أفكر في شيء سوى في الانتقام من هذا الموظف المتمرد وكسر إرادته وإذلاله وانتظرت بضعة أيام بعدها.. أن يجيء هذا الشاب ويعتذر لي عن موقفه ويتراجع عنه, فلم يأت فبلغت ثورة غضبي منتهاها.. وحسمت أمري على الإيقاع به وإيذائه إيذاء بليغا, واستدعيت رئيس القسم الذي يعمل معه وطلبت منه أن يعد مذكرة ضده يتهمه فيها كذبا بأشياء تمس الشرف وتخل بالواجب الوظيفي.. وأن يجهز ثلاثة شهود من موظفي قسمه يوقعون على المذكرة ويتعهدون بالشهادة ضده في الشئون القانونية.. وبعد ساعات كانت المذكرة معدة وموقعة.. واعتزمت أن أغادر مكتبي إلى المديرية لتسليمها إلى المدير العام بنفسي.. لكني أردت أن أستمتع بالتشفي في هذا الموظف الشارد قبل أن أفعل ذلك فاستدعيته وواجهته بالمذكرة وقرأت له بعض فقرات منها وأنا أبتسم ابتسامة التشفي والانتقام وأتلذذ بمشاهدة تعبيرات وجهه الذي اكتسى بالدهشة في البداية, ثم بالألم والإحساس بالقهر, وبعد أن انتهيت من القراءة سألته شامتا: ما رأيك الآن يا بطل؟ فقال في ألم: يعلم الله أني بريء مما تقولون.

ثم انصرف متخاذلا وأنا في قمة النشوة والسعادة.. ونهضت من مكتبي نشيطا أركب سيارتي في طريقي إلى المديرية.. فإذا بي أتعثر في سجادة المكتب وأسقط على الأرض وأنا لا أشعر بما حولي.. وفتحت عيني بعد قليل فوجدتني ممددا على الأريكة في مكتبي ووجهي مبلل بالماء وأنفاسي ثقيلة ومتلاحقة وحولي عدد كبير من الموظفين.. ثم لم ألبث أن سمعت صوت سارينة سيارة الإسعاف.. ودخل طبيب واثنان من الممرضين ومعهم مقعد متحرك حملت عليه إلى السيارة.. ثم إلى غرفة الإنعاش بالمستشفى. وفي المستشفى عرفت أنني قد أصبت بأزمة قلبية شديدة, وأنني أعاني ضيقا شديدا في الشرايين التاجية وأحتاج إلى جراحة لتوسيع3 شرايين وتركيب دعامات بها.

وتعجبت لهذه المفاجأة القاسية, وأنا الذي لم يشك يوما من مرض, ولم يحصل ذات يوم على إجازة مرضية.. ولم أصب من قبل سوى ببعض نزلات البرد التي كنت أتحملها وأنا أعمل. وأجريت لي جراحة الشرايين.. ونقلت إلى غرفة بالمستشفي الجامعي, فجاءني كبار موظفي الإقليم ومدير المديرية التي أعمل بها.. والمساعدون وموظفو إدارتي جميعا, وجاءني ساعي مكتبي يحمل في يده لوحة نحاسية جميلة منقوشا عليها الآية الكريمة: وإذا مرضت فهو يشفين, وسألت الساعي عمن أرسل هذه اللوحة؟ فقدم لي خطابا مغلقا فتحته فإذا به من ذلك الموظف الشاب يهدي فيه هذه اللوحة لي, ويقول لي إنه لولا أنه خشي أن تثيرني رؤيته لكان قد جاء لزيارتي مع زملائه لأن زيارة المريض لها أجر وثواب عظيم.

فتذكرت ما كان من أمري معه.. وتساءلت ترى أين ذهبت المذكرة التي أعددتها لإيذائه والنيل منه, وسألت الساعي عنها وعن بقية الأوراق فأجابني بأنها كلها في حقيبتي الجلدية علي المكتب.. وطلبت منه إحضار هذه الحقيبة إلي.. ورجوته أن ينقل إلى هذا الموظف رغبتي في أن يزورني بالمستشفي في أي وقت يشاء, خاصة أنه قد شاعت في المصلحة قصة المذكرة التي كنت قد أعددتها ضده.. وسقطت مريضا قبل أن أقدمها للمديرية.. وفي اليوم التالي جاءني الساعي بالأوراق وبعد قليل أستأذن الموظف الشاب في الدخول علي.. فرحبت به وابتسمت في وجهه لأول مرة.. وشكرته على اللوحة الجميلة وعلى زيارته لي.. وأخرجت المذكرة من حقيبتي الجلدية ومزقتها أمامه, وقلت له إنني سأبدأ صفحة جديدة من حياتي.. وأريده أن يتجاوز عن إساءتي السابقة إليه.. فقاطعني مستغفرا الله.. ورجاني الاهتمام بصحتي ودعا لي بتمام الشفاء والعودة للعمل في أسرع وقت.. واستأذن في الانصراف وخرج وأنا أشعر بارتياح شديد, وأعجب لنفسي كيف عشت حياتي الماضية كلها في صراع وصدام مع كل من لا يخضع لإرادتي.. وكيف فاتني أن أقيم علاقاتي مع الآخرين على الحب والود وليس على الخوف والقهر, لقد غادرت المستشفي إلى البيت لأقضي فترة النقاهة, وأنني أراجع حياتي كلها الآن وأشعر بالخجل من كثير من مواقفي السابقة وسلوكياتي.. وأريد أن أغير كل شيء.. ابتداء من علاقتي بزوجتي التي لم أهتم يوما بأن أعرف حقيقة مشاعرها تجاهي مادامت تبدي الخضوع التام لي إلى علاقتي بأبنائي.. إلى أخوتي إلى زملائي ومرءوسي ورؤسائي في العمل.. فهل سيتسع العمر لذلك يا سيدي وهل من الممكن حقا إصلاح كل الأخطاء ولو كان بعضها قديما وبعيدا ؟

ولكاتب هذه الرسالة أقول:

في العمر متسع بإذن الله لإصلاح كل الأخطاء إذا صح العزم وصدقت النية.
. واستوعبنا بالفعل درس محنة المرض ودلالتها الخطيرة في التوقيت الذي فاجأتك فيه, وأنت تهم بالسعي لإيذاء إنسان مظلوم والانتقام منه لغير ذنب جناه. فمحنة المرض المباغت هذه ميلاد جديد لك سوف يرشحك بإذن الله لحياة أفضل وأعمق وأكثر خيرية وقيمة من سابقتها, فلقد عشت حياتك السابقة ملاكما مصارعا مناضلا متحفزا على الدوام للصدام والعراك وفرض الإرادة, ترى أهداف الحياة الجليلة في القوة والعنف وقهر الآخرين وتسجيل الانتصارات الرخيصة عليهم.. والآن قد جاء دورك لكي تعرف نوعا آخر من الحياة الفاضلة الآمنة التي تحيا فيها في سلام مع نفسك ومع من حولك وتتشارب فيها كؤوس العطف والمودة الخالصة مع الأعزاء والأقرباء ومن يقتربون منك, وترى فيها للحياة أهدافا جليلة أخرى هي راحة القلب والضمير.. والقرب من الله.. والاقتراب من عباده بالخير والمودة, وليس بالقهر والإيذاء.. ومصادقة البشر والطير وجمال الطبيعة وجمال النفوس والعلاقات الإنسانية, ولسوف تكتشف بعد طول غياب أن هذه هي السعادة الحقيقية التي تستحق أن يسعي الإنسان ويتطلع لأن يتنفس أجواءها, وليس فقط إلي الفوز والانتصار على الخصوم وقهرهم بالحق أو بالباطل.

إن الإنسان الحكيم هو من يراجع دائما سجله مع الحياة واختياراته فيها ويحاول أن يطهر ثوبه أولا بأول من أخطائه خلال الرحلة ويقول مع الزاهد العابد سري السقطي: أني لأنظر في المرآة كل يوم مخافة أن يكون قد أسود وجهي! فإذا كان آوان إصلاح بعض الأخطاء قد فات لبعد العهد بها أو لاختفاء أصحاب الحقوق فيها ففي الندم عليها والتكفير عنها بعض ما يبرئ ذمة المرء منها.

ولكي تدرك بُعد الشقة بين جاهليتك السابقة لمحنة المرض وحياتك الإنسانية الجديدة التي تبدؤها الآن سأكتفي بمناقشة خطأ واحد من أخطاء حياتك الماضية يكفي وحده لأن يكون نموذجا لضلال أفكارك وقيمك السابقة. فلقد بادرت هذا الموظف الشاب الذي لم يخطئ بتمسكه ألا يوقع على خطأ غيره.. ولم يرتكب من الأخطاء ما يوجب عليه الاعتذار عنها لك, بالإيذاء والتجني والإهانة والوعيد فلم يجبك بأكثر من الاستعانة بربه على دفع الظلم عنه.. وبدلا من أن يردك ذلك إلى جادة الحق والعدل معه استسلمت لشياطين الغضب والانتقام ودبرت له مكيدة ظالمة تهدده بأبلغ الضرر واستعديت عليه رئيسه المباشر وبعض زملائه وأستكتبتهم مذكرة كاذبة ضده.. واستدعيته لتقرأها عليه وتتشفي فيه, وتستمتع برؤيته وهو محاصر بظلم من لا يقوي علي دفع ظلمهم عنه وعاجز عن الدفاع عن نفسه ولولا رحمة الله به وبك لكنت قد مضيت إلى ما سعيت إليه وسجلت على نفسك أبشع أنواع الظلم الذي حرمه الله سبحانه وتعالى على نفسه وجعله محرما بين عباده, فإن عجبت لاستسهالك الظلم والبغي والافتراء على من لا يملك دفع كل ذلك عنه, فإن عجبي لمن شاركوك فيه وأعانوك عليه أكبر وأشد.. إذ كيف رحب رئيسه المباشر بالاشتراك في هذه المكيدة الظالمة وقد كان حقا عليه أن يردك عنها أو يعتذر لك علي الأقل عن المشاركة فيها.. وكيف سارع الموظفون الثلاثة بوضع توقيعاتهم على هذه المذكرة الظالمة, بغير أن تطرف عين أحدهم أو يخشي عقاب ربه أو يتخوف مما قد يحيق به من جراء شهادة الزور وظلم إنسان ضعيف. أو لم يعرف هؤلاء أنهم قد ارتكبوا بذلك احدي أكبر الكبائر وهي شهادة الزور التي جاء عنها في الأثر عدلت شهادة الزور الشرك بالله مرتين؟

ألم يعرفوا أنهم بذلك قد ارتكبوا عظائم الكذب والافتراء وظلم من شهدوا عليه بالباطل. وكيف يستخف البعض بهذه الشهادة وقد قال عنها الهادي البشير صلوات الله وسلامه عليه ألا أنبئكم بأكبر الكبائر: الإشراك بالله وعقوق الوالدين, ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور, فمازال يكررها حتى قلنا ليته سكت وكيف تثق بذمة أمثال هؤلاء ونخوتهم وقيمهم الأخلاقية الفاسدة؟

يا سيدي لقد ترفق بك ربك حين حال بمحنة المرض المباغت بينك وبين المضي إلي ما سعيت إليه.. واختار لك ما هو أفضل مما أردته لنفسك.. وهو أن تعيد النظر في حياتك كلها وفي قيمك السابقة ومبادئك, وتنتصر للحق والعدل وكل القيم النبيلة في الحياة وتقول راضيا: 
رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ))صدق الله العظيم. القصص17
وتصبح ممن عناهم الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه بقوله: إذا رضوا لم يدخلهم الرضا في باطل,, وإذا غضبوا لم يخرجهم الغضب من حق وإذا قدروا عفوا عسى الله سبحانه وتعالى أن يدرجك ضمن هؤلاء.. وضمن من يستحيون من الله استحياءهم من ذوي الهيبة في قومهم ويفصل بينك وبين حياتك السابقة.. ويكفر عن أخطائك فيها ويتقبلك في حياتك الجديدة, بقبول حسن ويتم عليك نعمة الشفاء ويذكرك دائما بما كان من أمرك لكيلا ترجع إليه أبدا.. وتمضي قدما في حياتك السعيدة الجديدة إن شاء الله.



 نشرت بتاريخ 4 يوليو 2003


˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙

نقلها من أرشيف جريدة الأهرام 
Rofida Mohamed Ismail

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali


إقرأ المزيد Résuméabuiyad

 

سجل إميلك وتوصل بمواضيعنا :