العمر لحظة .. رسالة من بريد الجمعة


لم أكتب إليك مشكلتى .. لكنى وجدت فى بريدك مشكلات تتشابه مع مشكلتي, فحاولت أن أستفيد بردودك عليها..وأريدك أن تعرف نتائج التجربة..فلقد كتبت إليك زوجة ذات مرة تحكى لك أنها أحبت شاباً وحالت الظروف بينها وبينه, ثم خطبت إلى آخر ولم تكن مقتنعة به ولم تشعر تجاهه بالحب, ومع ذلك فقد مضت فى إجراءات الخطبة ثم الزواج بلا تفكير..ثم شكت لك مما تعانيه من افتقادها المشاعر والحب تجاهه ومن جفاف حياتها العاطفية معه رغم حبه لها وحسن عشرته..وقد رددت عليها منتقدا تصرف بعض الفتيات اللاتي يتأكدن من فتور مشاعرهن تجاه من خُطبن لهم قبل الزواج, ومع ذلك يمضين فى الخطبة والزواج كالسائرين نياما إلى مصير محتوم..ولا يفكرون فى التراجع قبل إتمام الزواج أو فى التكيف مع حياتهن بعد الزواج..وقلت فى نهاية تعليقك أن الحب قد يولد فى لحظة سحرية يكون فاصلا بين ما قبلها من تعاسة وهواجس وما بعدها من سعادة وصفاء, وأن عليها أن تنظر إلى زوجها بعين جديدة وبقلب راغب فى السعادة والحب...فربما تولد فى حياتها هذه اللحظة السحرية وينبض قلبها بالحب له وتتخلص من تعاستها, خاصة وأنها أنجبت منه, ثم قرأت أكثر من تعليق على هذه الرسالة لقارئات عديدات وقرأت ردودك عليها وكلها تؤكد إمكانية مجئ هذه اللحظة السحرية فى أى مرحلة من العمر.
وكنت أنا خلال هذه الفترة أعيش قصة حب طاهر لم تدنسه حتى لمسة يج واحدة مع زميل لى بالكلية..وتعاهدنا على الزواج..ويعد تخرجنا وإتجاهنا للدراسة العليا تقدم لخطبتى..لكن بعض المشاكل حدثت بين أسرتي وأسرته بسبب غطرسة أبيه الذى كان عائدا لتوه من البلاد العربية وحوله المال الذى جمعه هناك إلى تاجر يبيع ويشترى فى بنات الناس..فصمم على مطالب مغالى فيها وأقسم أنه لن يتنازل عنها...وساءت الأمور بينه وبين أبى فاضطررت أنا وزميلي إلى أن نفترق والحزن يدمى قلبينا..وقررنا ألا نلتقي مرة أخرى إلا إذا إتحسنت الأمور وإستطاع كل منا أن يؤثر فى أبيه ليغير من موقفه..ورضينا بهذا الفراق راغمين لكيلا نتجول بحبنا فى الشوارع والكازينوهات, وطوينا قلبينا على أحزانهما وإنشغلت بعملي ودراستي العليا ونجحت فيها وإنشغل هو بعمله, ولم نلتق طوال هذه الفترة سوى مرة واحدة لنعرف ما إذا كان أحد الأبوين قد تنازل عن موقفه أم لا...فلما وجدنا الموقف على ما هو عليه عدنا إلى إفتراقنا...كما كنا نتقصى أخبارنا عن طريق الأصدقاء عن بعد...وخلال هذه الفترة تقدم لى أكثر من خطيب ووجد أبى أحدهم مناسبا لى رغم أنه ليس ميسورا, لكنه على خلق ودين فقبلت الخطبة إرضاء لأبى وأمي ولأستريح من إلحاحهما على..وقررت بيني وبين نفسي أن أنهى هذا الإرتباط الجديد فى أقرب وقت بأن أجعل خطيبي يفر منى ناجيا من سخافاتي..فعاملته_وأعترف لك بذلك_ أوأ معاملة من خطيبة لخطيبها...فلا احترام ولا تقدر ولا استجابة لأى طلب من مطالبه ولا مشاركة له فى مشاعره ولو بكلمة واحدة حتى من باب المجاملة..ولا حرص على انتظاره فى البيت رغم علمي بمواعيد زياراته..وفعلت كل ذلك اقتناعا بأنى ما زلت على عهدي لزميل دراستي .. وانتظر الوقت المناسب لإنهاء هذه الخطبة ..لكن صبر خطيبي على لم ينفذ وتحمل كل سخافاتى بصبر وهدوء وحنان.
 وفى هذه الفترة قرأت ردودك عن اللحظة السحرية..والتطلع إلى شريك الحياة بنفس راغبة فى الحب والسعادة..فقررت أن أجرب  تنفيذ هذه النصائح, فإما أن تأتى هذه اللحظة التى تتحدث عنها فأستريح,وإما أن أحسم أمري مع خطيبي وأنهى الأمر معه وأستريح أيضاً وأتخلص من تأنيب الضمير الذى أحسه وأنا أراه يقابل إساءاتي بتسامح وإحسان..وكنا قد مر على خطبتي عام طويل من النكد التام لى وله على السواء...فصارحت خطيبي بأن هناك هوة واسعة بيننا...وأننا لم نفهم بعضنا حتى الآن لأن الخطبة تمت على وجه السرعة خلال 20 يوما فقط..ولهذا فإنى أريد أن نعطى لأنفسنا مهلة لإعادة التفكير فى الأمر كله .. وأن نفترق لمدة شهر أحاول خلاله أن أصلح من نفسي وأعيد التفكير فى أمره وأمري .. وتكون له هو خلال هذه المهلة الحرية فى تقدير الموقف..وليرى إذا ما كان يستطيع أن يسامحني بقلب صافِ عما فعلت معه...وليحاول من ناحية أخرى تغيير بعض العادات الصغيرة التى كانت تضايقني فيه وإتفقنا على ذلك وافترقنا..ومرت الأيام الثلاثة الأولى بسلام ورحت أفكر فيه من منظور جديد تماما...وأحاول أن أعرف هل سأشتاق إليه أم لا...فإذا بى ويا للعجب أجد نفسى فجأة وبعد أسبوع واحد أفتقده بشدة, وأفتقد حنانه ورعايته ورقته التى كان يغمرني بها حتى فى لحظات غضبى وكنت أضيق بها من قبل...وما أن إنتهى الأسبوع حتى تأكد لى أنى لا أتصور حياتي بغير وجوده فيها ومعى وحولي بحبه وحنانه واهتمامه الذى يغرقني به..وبعد 3 أيام أخرى أصبح شاغلي الشاغل هو هل سينسى لى ما فعلت به أم لا .. وماذا أفعل إذا لم تنس وإذا افترقنا للأبد...وفى اليوم العاشر وجدت يدى تمتد إلى التليفون قبل إنتهاء المهلة بعشرين يوما وإتصل به فإذا به فى أشد لهفة منى..وينتظرني على أحر من الجمر .. وإذا بى أعيش فجأة اللحظة السحرية التى قرأت عنها ولم أكن أصدقها...وعدنا إلى اللقاء ووجدته حنونا عطوفا أكثر من ذى قبل..وإذا بطاقة هائلة من النشاط تنفجر داخلي لإعداد عش الزوجية الذى كنت أكره سيرته وأضيق بها...وإذا بأيامي تمضى مشحونة بالتعب اللذيذ وأنا أتنقل من مكان لمكان لنعد معا تجهيزات الزواج...ونلتقى كل يوم ونتحدث فى التفاصيل ونشرف على كل صغيرة وكبيرة فى الاستعدادات..وإنتظرنا نهاية شهر رمضان الماضي بفارغ الصبر .. ثم تزوجنا بعده وأصبحت اللحظة السحرية عمرا من السحر والحب والسعادة...فشكرا لك أنك أرشدتنى لها..وشكرا لقارئاتك اللاتى
أسهمن برسائلهن إليك فى تعريفي بهذه اللحظة الغالية ! وتمنياتي للجميع بالسعادة والصفاء.

ولكــاتـبة هــذه الـرسـالة أقــول:
"شتاء أحزاننا إنزاح...تحت شمس حبنا الساطعة" قفز إلى خاطرى فجأة هذا البيت من شعر شاعر الإنجليزية الأشهر وليم شكسبير فوجدت فيه تحليلا وتفسيرا لقصتك كلها ولم أجد أبلغ منه تعليقا عليها..فهنيئا لك ميلاد لحظتك السحرية الجميلة...وعمرا مديدا من الحب والسعادة والثراء الإنسانى لك بإذن الله ..وعقبى لمن ينتظر !

        
                              كتبها من مصدرها بكتاب العيون الحمراء
                             Bosaa Aly

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali

إقرأ المزيد Résuméabuiyad

الحاجز الزجاجي .. رسالة من بريد الجمعة


أنا طبيب شاب أبلغ من العمر‏36‏ سنة وحاصل علي درجة الماجستير في تخصص نادر‏,‏ وقد أنعم الله علي بنعمة القبول لدى الآخرين‏,‏ ويراني الجميع شابا طيبا ورقيقا ومهذبا وخفيف الظل‏,‏ كما أن زملائي يغبطونني على نجاحي في عملي وعلاقاتي الاجتماعية الواسعة‏,‏ ويرون في مثالا للسعادة التي توافرت له كل أسبابها‏..‏ لكني لست سعيدا بكل ذلك وأشعر بالتعاسة لو خيرت بين كل ما توافر لي الآن وبين السعادة التي أطمح إليها لما ترددت في التضحية به‏,‏ فمنذ خمس سنوات أحببت فتاة كانت وقتها في الثانوية العامة ثم رسبت في الامتحان بسبب علاقتي بها وبسبب بعض هفواتها مع الشباب الآخرين وهي الهفوات التي كنت أغفرها لها‏,‏ وأعتبرها مراهقة لا تلبث أن تنتهي‏..‏ ثم حدث بعد ذلك أنني قد ترددت في الارتباط بها بسبب معارضة أسرتي وأصدقائي لزواجي منها لعدم التكافؤ العلمي والاجتماعي والعائلي بيننا‏,‏ فتقدم إليها شخص آخر وتزوجته ولم يطل زواجهما أكثر من أربعة شهور‏,‏ وتم الانفصال بينهما بسبب عدم توافق الطباع‏,‏ وبعد طلاقها شعرت بحب جارف لها من جديد‏,‏ وتقدمت إليها بالرغم من اعتراض الجميع عليها لأنها مطلقة‏,‏ وتمت الخطبة واستمرت عاما كاملا‏,‏ وجدت نفسي في نهايته غير مستريح للزواج منها‏,‏ فأعدت إليها الدبلة‏,‏ لكنها بكت كثيرا وتوسلت إلي ألا أهجرها‏,‏ ووعدتني باستكمال تعليمها وبالالتزام في جميع تصرفاتها بشرط ألا أتخلي عنها‏,‏ خاصة أن والدها مريض ووالدتها مسنة واخوتها كل منهم مشغول بأمره‏.‏
ولا أخفي عليك أنني شعرت بالاشفاق الشديد عليها‏,‏ وحاولت تفسير ضيقي بهذا الزواج وعدم رغبتي في اتمامه‏,‏ بما ووجهت به من معارضة من جانب الجميع‏..‏ وقدرت أن هذه الظروف سوف تتغير بعد الزواج ومرور الأيام‏,‏ وتزوجتها بالفعل‏,‏ وكانت ليلة الزفاف التي يقولون عنها إنها أحلى ليالي العمر أتعس ليلة بالنسبة لي‏,‏ ولم أشعر بأية فرحة لهذا الزواج بل شعرت بالندم الشديد لأنني لم أقل لا في الوقت المناسب بل وأحسست أيضا بأنها قد استغلت طيبتي وبأنني قد ضعفت أمام توسلاتها لي لاتمام الزواج‏,‏ وانني كنت أستحق من هي أفضل منها كثيرا‏,‏ وبدأت حياتي الزوجية معها وأنا لا أشعر بالابتهاج أو السعادة‏..‏ ولسوء الحظ فقد حملت زوجتي في الشهر الأول من الزواج‏,‏ وبدلا من أن أسعد بهذا الخبر الذي يسعد له كل الأزواج‏,‏ حزنت له‏..‏ ومضت شهور الحمل بشواغلها ومتاعبها المألوفة‏,‏ وجاء طفلي الصغير إلي الحياة فأصبح الشيء الوحيد الذي يربطني بها‏,‏ أما هي فقد وفت بما تعهدت به لي وهو مناشدتي ألا أتخلي عنها وأكملت تعليمها بالفعل وبذلت جهدا كبيرا للحصول علي الشهادة الثانوية‏,‏ والتحقت بإحدى الكليات الجامعية‏..‏ ونجحت في أعوامها الأول والثاني والثالث بلا تعثر‏,‏ حتى أصبحت الآن في عامها الجامعي الأخير‏,‏ وبالرغم من ذلك فإن مشاعري تجاهها لم تتبدل‏,‏ بل أصبحت أشعر بفتور باطني شديد منها‏,‏ فحتى اللقاء الجسدي بيننا أصبح واجبا ثقيلا بالنسبة لي إلي حد أنها تتهمني بالبرود مع أنني لست في الحقيقة كذلك‏,‏ ولقد حاولت خلال ثلاث سنوات ونصف السنة الاقتراب منها‏,‏ وحاولت هي قصارى جهدها اجتذابي إليها ولكن دون جدوى فهناك حاجز نفسي يقف بيني وبينها لا أعرف سببا له‏,‏ ولا أدري هل يرجع إلي إحساسي بأنني قد تنازلت كثيرا وضحيت بأشياء كثيرة في هذا الزواج وبالتالي فانني الطرف الخاسر طوال الوقت‏,‏ ولم أحصل على ما أستحقه من سعادة كانت مؤهلاتي التي أشرت إليها في بداية رسالتي ترشحني للحصول عليها‏..‏ أم يرجع ذلك الحاجز إلي أنها قد سبق لها الزواج قبلي وأنا لم أتزوج سواها؟‏!‏
إنني قليل الكلام معها‏..‏ وقليل الضحك أو الابتسام داخل البيت‏,‏ وشخص مختلف عن ذلك تماما خارجه‏,‏ وأشعر أنني أقف في مفترق الطرق وأفكر حاليا في الانفصال عنها‏..‏ وقد حصلت على شقة أخرى لكي أنتقل إليها في حالة الانفصال كما أنني لا أستطيع أن أعيش مع امرأة لغير سبب آخر سوى أن أربي ابني منها‏,‏ خاصة أنني أتعرض في مجال عملي لاغراءات كثيرة وأشعر في بعض الأحيان بالضعف تجاه هذه الاغراءات‏..‏ فبماذا تنصحني أن أفعل‏..‏ خاصة أن زوجتي ترغب في انجاب طفل آخر‏..‏ وأنا أرفض ذلك؟

ولكاتب هذه الرسالة أقول‏ :
ولماذا تزوجت زوجتك هذه وأنت غير مقتنع بها‏..‏ ولست على ثقة من أنك سوف تستطيع التعامل مع حقيقة أنها قد تزوجت قبلك‏,‏ وكانت لها بعض هفواتها في سن المراهقة؟‏..‏ ان مشكلة بعض الشباب هي أنهم لا يقوون نفسيا على مواجهة الحقيقة التي يتظاهرون أمام أنفسهم وهم في غمرة الاندفاع العاطفي والرغبة فيمن يحبون‏,‏ بأنهم قادرون على التعامل معها والقبول بها‏,‏ ثم يخمد الفوران العاطفي بعض الشيء بالزواج أو حتى بالخطبة‏..‏ فإذا بتحفظات العقل التي تجاهلها القلب في البداية تصحو من جديد‏..‏ واذا بمن تظاهروا بالنسيان والتجاوز عن الماضي‏,‏ يضيقون بضعفهم العاطفي الذي أغراهم بالارتباط بمن اعترض عليهن العقل من قبل‏,‏ وبدلا من أن يلوموا أنفسهم على فشلهم في اختبار المواجهة مع الحقيقة‏,‏ فإنهم يعفون أنفسهم من كل لوم ويصبونه صبا على من ارتبطوا بهن‏,‏ ويحدث ذلك غالبا بعد أن يكونوا قد أنجبوا طفلا صغيرا يشعرون بالعجز أمامه عن تصحيح أوضاعهم من وجهة نظرهم فلا يكون لذلك من نتيجة سوى النفور الصامت ممن أحبها الشاب وتحدى الجميع من أجل الارتباط بها‏,‏ وسوى اتهامها باستغلال طيبته للزواج منه‏,‏ مع أنه في البداية وفي النهاية رجل مسئول عن اختياراته ومن الرجولة أن يتحمل تبعات  
هذا الاختيار بشجاعة‏,‏ لأنه قد اختار الحب بالرغم من تحفظ العقل عليه‏..‏
ولأن كل إنسان يرى نفسه دائما جديرا بأن ينال أفضل جوائز الحياة‏,‏ فأنت يا صديقي الشاب تعتقد أنك كنت تستحق فتاة أفضل ممن تزوجتها‏,‏ وتبرر ذلك لنفسك بأن لك من المؤهلات العلمية والاجتماعية والعائلية والقبول عند الآخرين ما كان حريا بأن يرشحك للسعادة مع من هي أفضل من زوجتك وأم طفلك هذه‏..‏ وبعيدا عن نغمة التقدير المغالى فيه دائما للذات فإني أهمس لك بأنه ليست هناك مؤهلات علمية أو اجتماعية أو عائلية ترشح أي إنسان للسعادة‏,‏ وانما هناك عوامل تقرب الإنسان من الفوز بها‏,‏ من أهمها الرضا بما أتيح له من أسباب والاستعداد النفسي للتوافق مع الحياة بوجه عام ومع من يشاركهم رحلة حياته بوجه خاص من الزوجة إلى الأبناء إلى الأهل والأصدقاء إلى جانب الميل للعيش بسلام مع النفس ومع الآخرين‏..‏ ولهذا فقد يظفر بالسعادة من لايحظي بشيء من مؤهلاتك العلمية والاجتماعية‏,‏ وقد يحرم منها من يحظي بأضعاف أضعاف ما تعتز به من مؤهلات ولأنك شديد الاعتزاز بهذه المؤهلات فإنك تعتبر نفسك الطرف الخاسر طوال الوقت في زواجك من زوجتك‏,‏ وتعتبرها هي الفائزة على طول الخط لظفرها بالزواج منك‏..‏ وفي ذلك أيضا قد أقول لك ان زواج سيدة من رجل يعتقد في أعماقه أنه أفضل منها‏,‏ وينطوي لها علي ما يشبه الازدراء الباطني لزواجها قبله وبعض هفواتها في فترة المراهقة ليس فوزا لأي امرأة مهما يكن مستواها متدنيا‏..‏ وانما هو جحيم لا يدركه إلا من يكابده ويكفي أنها قد جاهدت باعترافك لاستكمال تعليمها والارتقاء بمستواها الثقافي لكي تكون جديرة بك كزوجة حتي أوشكت علي انهاء دراستها الجامعية والتزمت في كل تصرفاتها لتظفر باحترامك وثقتك‏,‏ وبذلت قصاري جهدها لاجتذابك إليها فووجهت دائما بالصد والنفور والخذلان‏,‏ فأي فوز في معاشرة رجل يستخسر نفسه في زوجته‏,‏ ويرى أنه كان يستحق أن يتزوج من هي أفضل منها من كل الوجوه لولا عشقه لها في  فترة من الفترات وضعفه العاطفي السابق معها؟‏..‏ نعم أي فوز في مثل هذا الزواج‏,‏ وأي نعيم فيه لمن تجد نفسها في مثل هذا الوضع المؤلم؟‏..‏ يا صديقي إنك لا تريد الاعتراف لنفسك بأنك لم تغفر لها هفواتها خلال فترة الارتباط الأولي بك‏,‏ ولا زواجها الأول الذي يبدو من طبيعته المتعجلة حيث تم عقب ترددك في التقدم إليها علي الفور انه لم يكن يختلف كثيرا عن سابق هفواتها‏..‏ لكن لأنك تخجل من الاعتراف لنفسك بذلك فانك تبحث عن أسباب أخرى للحاجز الزجاجي الذي أقمته أنت بيديك بينك وبينها‏..‏ ولو أردت الانصاف لواجهت الحقيقة وتحملت تبعات اختيارك بشجاعة نفسية وأمانة مع النفس والغير ولقدرت لزوجتك هذه حرصها عليك واستماتتها في السعي لنيل القبول منك بكل الحيل والوسائل‏,‏ ولو كان سهر الليالي وخوض الامتحانات الدراسية‏,‏ فضلا عن الاخلاص لك والالتزام بك‏,‏ ولأشفقت على نفسك من أن تنبذ مثل هذه الزوجة التي تعاني جحيم نفورك الصامت منها وتجاهد بالرغم من ذلك لاجتذابك إليها لكي تخوض من بعدها تجربة المجهول مع من قد لا تجد لديها بعض ما تحظي به الآن من تقدير لدي زوجتك هذه‏..‏ أو مع من قد تجد نفسك معها وقد انقلبت الآية وأصبحت أنت الذي تبذل كل جهدك ومهارتك لنيل القبول منها‏,‏ فلا تنال منها رغم الكد والعناء إلا النفور الصامت لأنها ترى نفسها هي الأخرى الطرف الخاسر في زواجها منك‏,‏ وتراك الطرف الذي ظفر بالزواج منها ولم تكن لتستحق هذا الفوز العظيم لأنها تظن بنفسها أنها كانت جديرة بأن تتزوج ممن هو أفضل منك من كل الوجوه‏..‏ وقديما قال الشاعر العربي‏:‏
وما مر يوم ارتجي فيه راحة ....... فأخبره إلا بكيت علي أمسي‏!‏

فاذا كنت تقول في النهاية انك لا تستطيع العيش مع امرأة لغير سبب سوى أن لك طفلا منها‏,‏ فاني أقول لك ان لكل إنسان أن يضع نفسه حيث يراها جديرة بأن تكون‏..‏ إما بين من يختارون ما يتصورون أن فيه سعادتهم ولو أدى ذلك إلى شقاء زوجة محبة  
وحيرة طفل صغير وإما بين من لا يسعدون بشقاء الآخرين‏,‏ ولا تهنأ لهم الحياة اذا هم تخلوا لمثل هذه الأسباب عن مسئوليتهم كآباء لأطفال لم يستشاروا قبل مجيئهم من عالم الغيب في اختيار أمهاتهم وآبائهم‏..‏
فضع نفسك حيث تراها جديرة بأن تكون بين أهل الأثرة والأنانية والذاتية‏..‏ أو بين أهل الفضل والمروءة والوفاء وشكرا‏
       ✿
                                    نقلها من أرشيف جريدة الأهرام
                         رفيدة محمد إسماعيل

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali

إقرأ المزيد Résuméabuiyad

القرار السليم .. رسالة من بريد الجمعة


أنا رجل أعمال شاب تعرفني شخصيا لأنني قد تعاونت معك من قبل في موضوع قديم من موضوعات بريد الجمعة,‏ لكن ظروفي الآن تحول بيني وبين ذكر اسمي‏,‏ وقد دفعني للكتابه إليك ما قرأته في بريد الجمعة من رسالة الزوجة الشابة التي انفصلت عن زوجها الذي تحبه ويحبها بسبب عدم قدرته على الإنجاب‏,‏ وإحساسها بالندم على ذلك‏,‏ ورغبتها في العوده اليه‏,‏ وقد كان يحبها باخلاص ويحسن معاملتها‏,‏ ولقد رددت عليها ونصحتها مادامت ترغب في العودة إليه‏,‏ بالاعتذار له عما المته به تمهيدا لاستئناف حياتهما معا‏,‏ ولقد اثارت هذه الرساله شجوني‏.‏ فلقد افاء الله سبحانه وتعالي علي بكل النعم‏,‏ من مال ونجاح كبير في الحياة العملية‏,‏ إلا أن حكمته جل شانه قد رات ان تحرمني من نعمه البنين‏,‏ واكتشفت ذلك اخيرا حين تاخرت زوجتي في الحمل واضطررنا لعمل التحاليل اللازمه فجاءت نتيجتها بهذه الحقيقة المؤلمة‏,‏ وأنا رجل مؤمن بالله وراض بقضائه إلا أنه تواجهني عده مشكلات لا ادري لها حلا‏,‏ أولاها أنني اشعر بأنني اظلم زوجتي باستمرارها معي بالرغم من انها مصرة على الحياة معي وترى أنني لم اقصر في حقها وارعي الله فيها وفي كل من هم حولي‏,‏ وتري كذلك ان هناك املا في الشفاء‏,‏ وهو من عند الله سبحانه وتعالى دائما‏,‏ لكني بمنطق رجل الاعمال أرى أن النهاية آتيه لا ريب فيها وانها لن تستطيع تحمل الحرمان من الولد إلى النهاية خاصة مع إنجاب صديقاتها وزميلاتها‏,‏ ونظرات الاقارب المتسائله عن سر عدم الانجاب‏,‏ ومن هذه المشكلات ايضا أنني لم استطع حتي الآن ولا استطيع مواجهة أبي وأمي بهذا الابتلاء خاصة أنهما في حاله صحية لا تسمح لهما باحتمال هذه الصدمة,‏ ومنها ما سبق أن أشار إليه بعض المبتلين بمثل هذا الحرمان وهي في رسائلهم إليك وهو نظرات الناس من حولي وتساولاتهم لماذا لم تنجب حتى الآن وقد أفاء الله علينا باكثر مما نستحق من نعم‏,‏ وهي تساولات لا جواب لها عندي‏,‏ أما المشكلة الأخيرة فتتعلق بي شخصيا‏,‏ فلقد اصبت بحاله احباط شديده عند علمي بهذه الحقيقه المؤلمة,‏ واشعر الآن أنني قد فقدت الحافز للحياة وبأنه لا معنى للسعي والعمل ولا لهذه المشاريع والأعمال التي أديرها‏,‏ فهي لم تذهب لاحد من بعدي‏,‏ وأبي وأمي لديهما ما يكفيهما فلمن اعمل اذن واكدح وأسعى إلى التوسع والنمو ؟ انني لا اجد داعيا للعمل وبالتالي إلى الحياة ولا حتى للخروج من باب البيت‏,‏ ولقد وجدت سلواي في الصلاه وقراءه كتاب الله‏,‏ املا ان يلهمني الله سبحانه وتعالى الصبر والقرار السليم بشأن حياتي الخاصة‏,‏ ذلك أنني أرى أننا يجب أن ننفصل أنا وزوجتي الحبيبة حتى لا نصل إلى المرحلة التي وصلت اليها الزوجه الشابة في الرسالة المشار إليها حين طلبت الطلاق من زوجها واصرت عليه بالرغم من دموع زوجها وتوسلاته إليها ألا تتركه‏,‏ ولكي اقطع دابر الاسئله الحائره من حولي‏,‏ لكني لا أجد في نفسي الشجاعه لان اخبر زوجتي برايي هذا‏,‏ كما أرى أنني يجب أن أصارح عائلتي ومن حولي بهذه الحقيقه المؤلمة لكني أيضا لا أجد الشجاعة الكافية لذلك‏,‏ وأنا أؤمن دائما بصواب رأيك‏,‏ لكني لا اتفق معك في نصحك لهذه الزوجة بالاعتذار لزوجها والعوده إليه‏,‏ لأنها لو اعتذرت ورجعت المياه إلى مجاريها بينهما فسوف يغلبها الحنين إلى الأطفال‏,‏ ويتكرر ما حدث بينهما مرة أخرى‏,‏ وأرى لها أن تترك زوجها لأقداره لأن اليأس إحدى الراحتين‏,‏ ولا داعي لنكأ الجمار مرة أخرى‏,‏ إنني انتظر رأيك فيما يواجهني من مشكلات‏,‏ وارجو تجنب الاشاره إلى أي شيء تفلح معه الاستنتاجات في التعرف على شخصيتي راجيا من المولى عز وجل ان يلهمكم الصواب دائما‏,‏ وان نتعاون مستقبلا في أية مشكلات تخص إخواننا من قراء البريد‏.‏

ولكاتب هذه الرساله أقول‏:‏
حين يصطدم الانسان بإحدى حقائق الحياة المؤلمة‏,‏ ويتطلب منه الامر اتخاذ قرار مصيري بشانها‏,‏ فإن أفضل ما يفعله هو أن يؤجل اتخاذ هذا القرار بعض الوقت‏,‏ إلى أن يستعيد توازنه الذي زلزلته هذه الحقيقه نفسها‏,‏ ويتاح له الوقت الكافي لكي يبرأ من اثر الصدمة القاسية ومما أصابه من إحباط وقنوط ويأس انفعالا بها‏.‏ ذلك أن أسوأ ما نفعله بحياتنا هو أن نتخذ القرارات المصيرية بشأنها ونحن في قمه تاثرنا وتشوش أفكارنا وانفعالنا بما لا يرضينا من حقائق الحياة المؤلمة
وأنت يا صديقي في بؤرة تأثرك بما اكتشفت من عدم قدرتك على الإنجاب في الوقت الحالي‏,‏ وتستوي لديك الآن كل الأشياء‏,‏ وتشعر بعدم جدوى الحياة والحب والعمل والكفاح والعلاقات الإنسانية‏,‏ وفقدت حتى الرغبة في مجرد مغادرة البيت ومواصلة الاشتراك في مباراة الحياة‏,‏ وتقبل هزائمها والانتشاء بانتصاراتها‏..‏ فكيف تكون صالحا وأنت في هذه الحال من الضعف النفسي واليأس والضغط لاتخاذ قرار قد تتاثر به حياتك سلبا او ايجابا إلى نهاية العمر‏,‏ إنكم في دنيا الأعمال والإدارة تقولون أن القرار الخاطئ الذي تكون له دائما اوخم العواقب هو القرار الذي يتخذه صاحبه انفعالا بموقف طاريء‏,‏ او تحت ضغوط نفسية قاسية لا تتيح لصاحبه صفاء التفكير والتجرد من الموثرات الشخصية‏,‏ او بناء على معلومات ناقصة أو خاطئة‏.‏


وقرارك الآن سوف تجتمع له كل اسباب الخطأ إذا اتخذته على الفور لأنك اولا في قمه انفعالك الحزين بما عرفت عن نفسك‏,‏ وتقع تحت ضغوط نفسيه قاسيه‏,‏ ولا تتوافر لك كل الحقائق اللازمه لاتخاذ القرار الصحيح‏,‏ وابسط دليل على افتقادك لها هو انك لا تضع اختيار الطرف الآخر المعني بهذه المشكله لحياته في الاعتبار وهي زوجتك‏,‏ وترجم بالغيب فتقرر أنها لن تحتمل الحياة بدون إنجاب إلى ما لا نهاية‏,‏ وسوف تصل معك إلى النقطة التي تشفق على نفسك منها وتطلب ذات يوم الانفصال عنك‏,‏ وكل ذلك ليس هناك ما يؤكده أو يجعل منه امرا غير قابل للمناقشة‏,‏ فشريكة حياتك كما تقول انت نفسك ترغب في استمرار الحياه معك وترى أنك ترعى الله فيها ولا تقصر في حقوقها‏,‏ والزوجة التي كتبت لي الرسالة وتتخوف من أن تصل شريكة حياتك ذات يوم إلى مثل موقفها حين طلبت الطلاق‏,‏ هي نفسها الزوجة التي ندمت على هجرها لزوجها وكتبت إلي ترجوني مناشدته أن يعيدها لعصمته بعد أن عرفت عن نفسها أنها لا تحتمل الحياة بعيدة عنه‏.‏ فإذا كنت تستشهد بموقفها في طلب الانفصال كدليل مؤكد على عدم قدرة شريكتك على احتمال الحياة معك بدون انجاب إلى ما لا نهاية‏,‏ فكيف غاب عنك موقف هذه الزوجة نفسها حين ندمت على تسرعها وافتقدت شريك حياتها المحب ورغبت في العودة إليه والحياة معه بغير انجاب ؟


لقد أثرت تأملاتي بحديثك عن عدم جدوى العمل والمال وليس هناك من سوف يرثه عنك‏,‏ لكني اقول لك يا صديقي أنه لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون‏,‏ وانت والحمد لله رجل مؤمن بالله سبحانه وتعالى ورسله وكتبه وبقضائه وقدره خيره وشره‏,‏ فكيف تقنط من رحمته إلى هذا الحد ؟ إن في الحياة رجالا ونساء شاءت لهم اقدارهم أن يحرموا من الانجاب فازدادوا عطفا وتمسكا بشركائهم وتعزوا عما افتقدوه بجوانب حياتهم الأخرى‏,‏ وبالحب الصافي الذي يتشاربونه مع شركاء العمر وبالعطف المتبادل بينهم‏,‏ وعرفوا أنه لا يربط بينهم سوى الحب الصادق فحرصوا عليه ورووا أشجاره‏..‏ فأثمرت ثمارها الطيبة في حياتهم‏,‏ وفي الحياة أيضا من اكتشفوا مثل هذه الحقيقة عن أنفسهم في بداية زواجهم فلم ييأسوا من رحمة ربهم‏,‏ وصبروا على أقدارهم‏,‏ وواصلوا السعي وطلب العلاج بلا كلل سنوات بعد سنوات‏,‏ فمنهم من أنجب لأول مره بعد زواجه ب‏12‏ او‏15‏ عاما‏,‏ ومنهم من شعر بالرضا عن اقداره لانه لم يقصر في طلب العلاج‏,‏ واتسع قلبه لرعايه طفل محروم او تعوض عن حرمانه بان اعتبر ابناء الاشقاء والشقيقات ابناءه وفاض عليهم قلبه بحبه وحنانه‏.‏
إنني أخشى أن أقول لك انك بما تراه من ضروره الانفصال عن زوجتك بعد اسابيع قليلة من اكتشاف عدم قدرتك على الإنجاب وبغير كفاح طويل ومر يتطلب الشفاء‏,‏ أخشى أن أقول انك إنما تخشى على نفسك أنت من اللحظة التي يشتد فيها حنين زوجتك للاطفال فتطلب منك الانفصال‏,‏ أكثر مما تشفق عليها هي من حياتها معك بغير انجاب وفي ذلك فانك ستكون ظالما لها باقصائها عن حياتك على غير رغبتها بدعوى انك تطلب لها الافضل على المدى البعيد حتى ولو تألمت لبعض الوقت لانفصالك عنها‏,‏ ولن تكون ظالما لها علي العكس من ذلك حين تواصل حياتك معها بناء علي رغبتها واختيارها الحر‏,‏ حتي ولو عانت داخليا مما لا مفر من معاناته في مثل هذه الحالة‏.‏
إننا في بعض الاحيان قد نتخذ من القرارات ما هو أكثرها أنانية ‏..‏ ونحن نتوهم اننا انما نقدم بها التضحية لمن يستحقون التضحية من أجلهم‏,‏ ونصيحتي لك في النهاية هي أن تؤجل اتخاذ أي قرار بشان حياتك الشخصيه إلى أن تستعيد صفاء الذهن وحماسك للحياة والأشياء من جديد‏,‏ والا تنفرد باتخاذ هذا القرار دون شريكتك في الحياة بدعوى التضحية بسعادتك في سبيل سعادتها‏.‏ فالسعادة أثمن من أن يضحي بها المرء بمثل هذه السهولة ومنطق رجال الاعمال الذي ترى به ان النهاية آتيه لا ريب فيها‏,‏ لا يصلح للتعامل مع هذه المشكلة، لأنه منطق لا قلب له ويعتمد على الحقائق المجردة والأرقام الصماء وحدها‏,‏ وحياتك وحياه زوجتك وسعادتكما انما تحتاج الي منطق الحب والعطف والتضحيه الحقيقيه وليست الموصومه‏..‏ للتعامل معها‏.‏
فأما إشفاقك على أبويك من إبلاغهما بما تعانيه في مشكله الانجاب‏,‏ وتساؤلات الآخرين من حولك‏,‏ فالحق هو أنك لست مطالبا بتفسير اي شيء في حياتك الشخصية للآخرين فيما عدا والديك اللذين يهتمان بامرك وصهريك اللذين يهتمان بامر زوجتك‏,‏ وما أسهل أن تتلطف في ابلاغ ابويك بانك تواجه بعض المشكلات الصحية في الإنجاب لكنك تطلب العلاج بجديه وتامل في الشفاء ذات يوم قريب باذن الله‏,‏ وان تفعل زوجتك نفس الشيء مع ابويها‏..‏ ثم تغلقان باب التساؤل بعد ذلك امام الجميع وتواصلان حياتكما في امل لا ينقطع في رحمه الله‏..

وتخرج انت من قوقعتك وتستعيد حماسك للحياة، وتؤمن بما أمرنا به الهادي البشير صلوات الله عليه وسلامه‏,‏ من أنه إذا قامت الساعة وفي يد احدكم فسيله فليغرسها في الارض طلبا للخير للآخرين ولو كانت الازفه على الأبواب ..  فإذا كنت تتساءل عن جدوي العمل والتوسع والمال وليس هناك من يرثه‏,‏ فإني أقول لك أن الشجرة الوارفة يستفيد الآخرون بظلها ولا تستفيد هي منه شيئا‏..‏ ولهذا يفضلها الجميع على الشجرة الجرداء ويخصونها بحبهم واعتزازهم‏,‏ وكذلك الإنسان حين يمتد ظله على الآخرين ويحميهم من لهيب الشمس ويهييء لهم اسباب السعادة‏,‏ ويسعد نفسه وشركاء حياته وكل من حوله‏.‏
        ✿
                                        نقلها من أرشيف جريدة الأهرام
                         رفيدة محمد إسماعيل

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali

إقرأ المزيد Résuméabuiyad

السلاح الأقوى .. رسالة من بريد الجمعة


منذ حوالي 9 سنوات كنت طالبة بالمرحلة الثانوية فتعلق قلبي بطبيب شاب من أقاربي ووجدت نفسي وأنا في هذه السن الصغيرة أحبه حبا عظيما من طرف واحد فحاولت جذب انتباهه أكثر من مرة إلا أنه لم يشعر بي إطلاقا فسلمت أمري لله ورضيت بأن أحمل له هذا الإحساس في قلبي بلا أمل .
وانتهيت من دراستي الثانوية  فصممت على الالتحاق بكلية الطب رغم عدم ميلي للدراسة فيها بل وعدم قدرة أسرتي أيضا على تحمل أعبائها .
وكان دافعي الوحيد للالتحاق بهذه الكلية هو حبي لقريبي هذا ..وإيماني بأن طريقنا سوف يلتقي ذات يوم مهما طالت السنون .
وبدأت الدراسة وانقطعت عني أخباره ثم علمت بعد فترة أنه سافر لدولة عربية وتزوج من زميلة له تعرف عليها هناك وتم الزواج سريعا بعد فترة تعارف قصيرة ووجدت نفسي أتابع أخباره باهتمام كأن شيئا لم يكن وكأن التقاء طريقنا واقع واقع برغم كل شيء وأصبحت أنتظر زيارة أمه لنا لأعرف منها أخباره وبعد عدة شهور جاءت حزينة تشكو سوء حظ ابنها في الزواج , وكيف أنه حدثت بينه وبين زوجته مشاكل كبيرة انتهت بعودتهما معا إلى مصر وإلى طلاقهما منذ فترة قصيرة بعد مشاكل وصلت إلى أقسام البوليس , وأنه الآن وحيد حزين لأن مطلقته حامل وهو مشفق على المولود القادم من الضياع .
سمعت كل ذلك وقلبي يرقص طربا ..رغم تظاهري بالأسف لحاله ومواساتي لأمه ! ولم تمض أيام حتى بدأت أتقرب إليه من جديد بحجة أن يساعدني على فهم دروسي , ونجحت في ذلك فعلا كما نجحت في إخراجه من محنته وإعادته إلى طبيعته مرة أخرى وبعد فترة قصيرة وضعت مطلقته طفلتها فجاءني قريبي سعيدا يبلغني أنه قد اختار لها اسمي فطرت فرحا بذلك وسألته ولماذا اسمي بالذات فأجابني بما أردت أن أسمعه منذ 4 سنوات وهو أنه يريد أن يتقدم لخطبتي والزواج مني ولكن بشرط أن أتفرغ له تفرغا تاما لأنه لا يريد أن يكرر تجربة الزواج من طبيبة مرة أخرى .
وبدون أن أفكر فيما قال وجدت نفسي أوافق على شروطه لكن أهلي ثاروا علي ثورة هائلة وعارضوا انقطاعي عن الدراسة والتضحية بمستقبلي ودراستي للزواج من رجل جرب حظه من قبل وله طفلة سيأتي يوم وأكون فيه المسئولة عن رعايتها ..وواجهت هذه الثورة الصاخبة بالصمت والإصرار , ثم زدت عليهما شيئا آخر هو أني رسبت في الامتحان عامدة متعمدة - وأعترف لك بذلك - لكي أجعلهم يوافقون على زواجي منه ونجحت خطتي فاقتنعوا بأني لن أتقدم في طريق الدراسة ووافقوا على زواجي منه ..وأصبح الحلم الذي راودني حقيقة وبدأت حياتي معه وأصارحك القول – يا سيدي – بأنني حتى بعد الزواج لم أشعر أنه يبادلني الحب , وعرفت جيدا أني مازلت أحبه من طرف واحد ورضيت بذلك وسعدت به ولم يعكر علي صفو حياتي سوى ألاعيب مطلقته ومحاولاتها تنغيص حياتي بسلاحها الأقوى وهو ابنته التي يحبها !
وعدا ذلك فقد مضت حياتي هادئة معه وتجنبت دائما إثارة أي خلاف معه يتعلق بابنته ورغم لهفتي على الإنجاب فقد وافقت على تأجيله استجابة لطلبه إلى أن ينتهي من تحضير رسالة الدكتوراه وصبرت على رغبتي ووفرت له كل ما يريده من هدوء وتفرغ حتى نال الدكتوراه وأصبح طبيبا ناجحا في منطقته وزاد دخله زيادة كبيرة , وكبرت ابنته أيضا وزاد تعلقه بها وزاد خوفي منها وهي مازالت طفلة عمرها 5 سنوات ولم يكن خوفي منها هي نفسها بالطبع وإنما كان من أمها التي لم تتزوج بعد ولم يمض وقت طويل حتى تحققت مخاوفي فأبلغتني إحدى قريباتي أنها رأت زوجي يركب سيارته وبجواره مطلقته وبينهما ابنته ومادت بي الأرض وأنا أسمع ذلك ..ثم تظاهرت أني أعرف ذلك وتركتها وأسرعت إليه وصارحته بما سمعت وأنا أبكي بحرقة حتى انتهيت مما أردت أن أقوله ونظرت إليه وانتظرت رده كأني انتظر حكم الإعدام فإذا به يقول في هدوء أنه قد عاد فعلا إلى مطلقته منذ شهور من أجل طفلتهما وأنه لن يفرط في ولا يطيق أن يعيش بدوني وأنه يطلب مني أن أستمر في عطائي له كما تعود مني دائما !
ولم أستطع الكلام فانصرفت من أمامه حزينة أفكر في أمري وقد فكرت بعقلي فلم أقو على مطالبته بالطلاق لأني سألت نفسي ماذا سأفعل بعد الطلاق وأنا لا عمل  لي ولا مكان أعيش فيه وليس لي أطفال منه فأكون حاضنة لهم ويترك لي منزل الزوجية ثم لماذا أترك لغريمتي كل ما وصل إليه من نجاح كنت أنا السبب فيه , وأنا التي لم تفكر سوى في إسعاده وقبلت عدم الإنجاب إرضاء له , في حين فضحته الأخرى في الغربة ولم تعد إليه إلا بعد أن أصبح ناجحا .
لقد قرأت منذ أسابيع في بريد الجمعة رسالة اسمها "الابتسامة الشاحبة " عن الفتاة التي رفضت من كان يحبها لأنه لم يكون نفسه وتزوجت وفضلت عليه العريس الجاهز فتعذبت معه وطلقت منه وعادت لبيت أبيها في حين كافح هو ولم يتزوج , وعاد بعد أن حقق نجاحه يطلب أن يحقق حلمه القديم ويتزوجها لأنه مازال يحبها متناسيا أنها غدرت به ولم تحتمل معه صعوبات الطريق وفضلت عليه العريس الجاهز لقد سألتك كاتبة الرسالة هل تقبل الزواج منه بعدما كان فنصحتها بالقبول لأنه فرصتها الأخيرة ولأنه شاب كريم بدليل استمرار رغبته فيها رغم ما لقيه منها , وقد يكون ذلك صحيحا من ناحية صالح الفتاة التي سألتك أما من ناحية الشاب فإني أقول له : لا حرر نفسك من وهم الحب وابحث عن فتاة أخرى تستحق أن تفوز بك لأن من لم تقبل أن تعيش معك آلامك ليس من حقها أن تشاركك سعادتك ..وهذا هو درس قصتي المريرة ..وشكرا .

ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
أشك يا سيدتي في أنك قد فكرت بعقلك هذه المرة واخترت البقاء معه رغم عودته لمطلقته وابنته سرا , فليس هذا في تقديري هو حكم العقل في القضية وخاصة أنك لم تنجبي منه أطفالا تفكرين في مصيرهم قبل طلب الطلاق كما أن لك بالتأكيد أسرة تستطيعين العودة إلى بيتها إذا أردت مستعينة ببعض حقوقك المادية عليه إلى أن تتدبري أمرك ..وإنما هو في أغلب الظن حكم القلب الذي أراد البقاء بجوار من أحب , ثم حاول أن يستتر وراء مبررات عقلانية بل " ومادية " أيضا إمعانا في التخفي !
ولا شك أنه أيضا نفس الحكم الذي دفعك إلى الانقطاع عن الدراسة للزواج ممن أحببت.
 ولست ألومك في شيء في قصتك هذه سوى في قبولك شرط الانقطاع عن الدراسة تلبية لرغبة فتاك ..مضحية بمستقبلك وبشهادتك التي كانت في متناول يدك رغم ما تمثله لك الشهادة من أمان حتى ولو لم تعملي بها بعد الزواج .
لقد اخترت لنفسك منذ البداية يا سيدتي مستهدية مشاعرك وعواطفك وحدها في قراراتك فلم تعرضي بعضها على عقلك ولم تجيدي حساب قوتك لتعرف من منكما تملك السلاح الأقوى , ولن ألومك في ذلك لأن اللوم لا يفيد ولأنك محبة " والمحب عن العذال في صمم " ! كما يقول الإمام البوصيري , لكني سأقول لك فقط أن الإنسان في مواجهة ما يتعرض له من مواقف في الحياة عليه أن يختار دائما بين أحد اختيارين : إما القبول بالأمر الواقع والتواؤم معه والكف عن الشكوى منه والمعاناة بسببه , وإما رفض هذا الأمر وتغييره إذا كان يملك القدرة على تغييره بغير الندم عليه ولا البكاء على أطلاله .
وفي حالتك هذه فإنك تستطيعين الانفصال إذا أردته لكنك اخترت الاستمرار وهو من حقك ولا اعتراض عليه , لكن الاعتراض هو على ألا تقبلي نفسيا الأمر الواقع الذي رضيت به فتعذبي نفسك برغبتك في تدمير الطرف الآخر أو الإساءة إليه واستعادة زوجك كاملا لك , فتتحول الحياة على صراع ومكائد وألاعيب الفائز فيها كالخاسر تماما لأنه خسر وقته وجهده وأعصابه وصفاء نفسه في تدبيرها وتنفيذها فأفسد حياته قبل أن يفسد حياة ضحيته .
إن التسليم بما حدث هو الخطوة الأولى لمواجهة أصعب المواقف فإما أن تتقبليه نفسيا وعقليا ..وإما أن تتحرري أنت مما تسمينه " وهم الحب " وتفكي قيده عن ذراعك فتستعيدين القدرة على الحركة والاختيار .

فهل تريدين ذلك حقا .
       ✿
                              كتبها من مصدرها بكتاب العصافير الخرساء
                             سمية الكيلاني

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali

إقرأ المزيد Résuméabuiyad

الهروب إلى الماضي .. رسالة من بريد الجمعة


أنا شاب في الخامسة والعشرين من عمري نشأت في أسرة متدينة.. وكنت الابن الوحيد لأبوين من رجال التعليم الأب يعمل مدرسا للغة العربية ووكيلا لمدرسة إعدادية, والأم مدرسة لمادة التاريخ بنفس المدرسة. فنهلت منذ صغري من نبع الحب والحنان المتدفق في قلب أمي وصدر أبي.. ونشأت منذ طفولتي علي الالتزام والطاعة.. بالرغم من أنني ابن وحيد وشعرت دائما باعتزاز أبي وأمي بي. ومضت بنا سنوات العمر وتقدمت في الدراسة من مرحلة إلى مرحلة حتى حصلت علي الثانوية العامة, والتحقت بالجامعة وبدأت أتطلع للحياة والمستقبل, وأحلم بالغد الذي أتخرج فيه من كليتي وأعمل.. وتضع الحياة في طريقي الفتاة التي سأرتبط بها وتشاركني رحلة العمر.. إلى أن قطع علي هذه الأحلام السعيدة يوم الاثنين الأسود اللعين الذي وقع فيه الزلزال الكبير, في12 اكتوبر1992 ورجعت إلى البيت عقب وقوعه بساعة فإذا بي أجد بيتنا ركاما وحطاما وأكواما من التراب, وأبي وأمي تحت أنقاضه, فأقف وسط رجال الإنقاذ منهارا ومذهولا وضائعا أشهد مشهد الختام المؤلم في حياة أبي وأمي, اللذين كانا كل ما لدي في هذه الدنيا الغادرة.. وأراهما بأم عيني محمولين على محفات رجال الإنقاذ إلى المصير المحتوم. وكنت حين وقعت هذه المأساة التي غيرت كل شيء في حياتي في التاسعة عشرة من عمري فانتقلت للعيش مع جدتي لأمي وحاولت جدتي أن تعوضني بعض ما فقدت من حب وحنان ولكن هيهات أن تستطيع ذلك وحزنها هي نفسها كان أضعاف حزني.. وحاولت أنا أن أتحصن بالقرآن والصلاة لكني كنت قد فقدت شيئا من روحي السابقة لا أستطيع استرداده.. ووسط هذه الظروف القاسية واصلت دراستي حتى انتهيت منها وهزم الحزن والقهر جدتي الطيبة فرحلت هي الأخرى عن الحياة رحمها الله ووجدت نفسي وحيدا تماما في الدنيا ونظرات الإشفاق تحيط بي من كل جانب.
وعقب وفاة جدتي كرهت الحياة في بلدتي التي نشأت فيها.. فتركتها هربا من نظرات الشفقة التي تقتلني وانتقلت إلي مدينة ساحلية كبيرة عسى أن أنسي فيها حزني وهمي ووحدتي, وعملت في مكان لا يعرفني فيه أحد على الإطلاق, وتضرعت إلى الله أن يمدني بالقدرة على تحمل حياتي, لكني تحولت إلى إنسان نصف غائب عن الوعي وفقدت توازني النفسي وعجزت عن تحمل الواقع.. فرحت أهرب منه إلى الماضي وأعيش فيه وأستعيد مشاهد حياتي السابقة قبل6 سنوات حين كنت أعيش في بيت دافيء بالحب والحنان.. وأري نظرة الحب والاهتمام في عيني أبي.. ونظرة الحب والفخر والاعتزاز في عيني أمي, وأراني محور حياتهما واهتمامهما في كل شيء فإذا كنت خارج البيت لا يهدأ لهما بال إلا حين يسمعان صرير مفتاح الشقة وأنا أفتح به الباب وأدخل عليهما قائلا: مساء الخير يا بابا.. مساء الخير يا ماما.. فيردان علي التحية بأحسن منها, ويطمئن قلباهما.. وتنهض أمي لإعداد العشاء لي.. ويدعوني أبي للجلوس بجانبه بعض الوقت قبل أن ينام ويسألني عما فعلت خارج البيت.. ومن من الأصدقاء قابلته وماذا قلنا في سمرنا معا.. وينصت باهتمام شديد لما أحكيه له من ذلك كأنما ألقي على أسماعه الدرر الغالية.. ويضحك من قلبه علي أية نادرة أرويها له وترجع أمي بصينية العشاء وتشاركنا الضحك وتحدوني بعطفها كأني طفل صغير.. أما احتياجاتي ومطالبي فقد كانت لها الأولوية المطلقة عندهما.. ومن بعد ذلك كل شيء يمكن تدبيره أو الانتظار عليه.. وإذا جلسا في أول الشهر يعدان ميزانية البيت كان أول ما يفكران فيه هو مصروفي.. وثمن كتبي.. وملابسي الخ, أما إذا مرضت بنوبة برد أو نزلة معوية, فلا شاغل لهما إلا صحتي ودوائي ونصحي بالراحة وعدم التسرع في الخروج من البيت قبل الشفاء التام.. وأما يوم نجاحي في نهاية العام فهو عيد خاص لهما تنهال علي فيه كلمات التهنئة والإشادة وعبارات الدعاء لي بالفلاح والسعادة في الحياة, وهكذا تتوالي علي الذكريات.. وتتراءى لي الوجوه الحبيبة في وحدتي وتمضي بي الساعات وأنا مستغرق في الماضي الجميل.. فكأنما أعيش فيه أكثر مما أعيش حاضري التعيس.. ويسيء من حولي تفسير هذا الصمت شبه الدائم وهذه العزلة وتتساءل نظراتهم عما يحول بيني وبين الاندماج معهم..
ولقد كتبت لك هذه الرسالة لأنه لا صديق لي أشكو إليه حزني وهمي فأرجو أن تفتح لي قلبك وألا تضن علي بنصيحتك والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ولكاتب هذه الرسالة أقول:
حين يشتد ضيقنا بتعاستنا قد نتلمس السلوى في استرجاع ذكريات الأيام السعيدة في حياتنا ومعايشة رموزها وشخوصها في مخيلتنا ووجداننا لبعض الوقت. ولقد عبر عن هذا المعني الأديب الفرنسي الكبير جوستاف فلوبير حين فرقت الأيام بينه وبين أسرته واشتد إحساسه بمعاناته في وحدته فكتب في رسالة إلي أمه يقول: بينما يواصل جسدي خطواته إلي الأمام فإن أفكاري لا تفتأ ترجع إلي الوراء وتعود إلي الأيام السعيدة التي عشتها في كنفك..
غير أن استرواح نسائم الماضي السعيد بهدف استرجاع بعض لحظاته الجميلة من حين لآخر شيء.. والاستغراق الكامل فيه معظم الوقت وبشكل يعوق تواصل الإنسان مع حاضره وتقبله له شيء آخر ينبغي التوقف أمامه.. والاحتراس من آثاره النفسية السلبية.. فحياة كل إنسان في الحياة تتمحور دائما حول ثلاث دوائر هي ماض بعيد يحن إليه من حين لآخر.. وحاضر يحياه ويتواصل معه ويوجه إليه كل همته واهتمامه.. وغد يتطلع إليه ويأمل فيه دائما. واستغراق الإنسان في ماضيه علي حساب حاضره والتطلع لمستقبله يعني الهروب النفسي من الواقع والعجز عن تقبله والتواصل معه.. واستغراق الإنسان في التطلع إلي الغد علي الناحية الأخرى يعني إهدار الحاضر لحساب مستقبل في علم الغيب, والاستغراق في الأحلام علي حساب الواقع, والتوازن النفسي يطالبنا دائما بتقبل الحاضر والتواصل معه ومعايشته بصفة أساسية فلا يمنعنا ذلك من التماس العزاء من حين لآخر في ذكريات الماضي السعيد, ولا من التمسك دائما بالأمل في المستقبل. وأنت شاب في مقتبل العمر.. ولم تكد جولتك في الحياة تبدأ أول فصولها, ومهما كانت قسوة المأساة التي فرضتها عليك أقدارك الحزينة, فلابد لك أن تقبل بصبر وإيمان وشجاعة بواقعك الأليم.. وتكف عن الهروب النفسي منه, لأنه لا جدوي للأسف من الاستغراق في الحزن والصمت والعزلة ورفض الواقع والهروب منه إلي الماضي, وأنت يا صديقي في أشد الحاجة إلي التفاعل مع الحياة والاندماج مع البشر من حولك, واكتساب الصداقات الجديدة وشغل أوقاتك بالنشاطات الاجتماعية المختلفة, لأن الوحدة بلاء لا يحتمله الإنسان السعيد الذي تخلو حياته من الأحزان والمآسي.. فكيف بمن كان في مثل ظروفك الحزينة هذه التي تصبح فيها الوحدة بلاء لا يحتمله أولو العزم من الرجال؟ إن المحزون تشتد حاجته إلي المشاركة الوجدانية في أحزانه وليس إلي الانفراد بها دون الغير وليس هناك ما يدعوك إلي العزلة ورفض الآخرين والهروب بمأساتك من مكان إلي مكان.. ومن زمان إلي زمان, كأنما تتوارى بسوأة ارتكبتها عن العالمين لأنك ضحية لأقدار مؤلمة ولست جانيا علي أحد, ولأنه لا معني لانفرادك بأحزانك نفورا من نظرات الإشفاق في عيون الآخرين إذا علموا بها أو شاركوك فيها.. والحق أني على كثرة ما حاولت قدر جهدي فهم بعض أسرار النفس البشرية, فإني لم أستطع أن أفهم حتى الآن منطق نفور بعض المبتلين من نظرة الإشفاق عليهم في عيون الآخرين, ذلك أنه ليس في إشفاق الآخرين علينا ما يدعونا للنفور منه بدلا من الامتنان له والتخفف به عن بعض أحزاننا, بل أن في حرماننا من العطف الإنساني ما يضاعف من معاناتنا, ويشعرنا بوحدتنا الكاملة في مواجهتها, وبهوان أمرنا علي الآخرين وافتقادنا لمن يهمه أمرنا. وكل إنسان في الوجود مهما علا قدره واشتد بأسه يحتاج إلي شيء من العطف الإنساني من جانب المقربين إليه.. فهذا العطف ليس سوي إعلام له بأن هناك من يهتمون بأمره ويشفقون عليه من مكابدة همومه وحيدا.. فإذا كنا نرفض من يغالون في التطفل علي الآخرين بأحزانهم وهمومهم بلا مبرر لذلك سوي الاعتمادية النفسية علي الغير وإدمان الشكوى واستجداء العطف, فإنه ينبغي لنا أيضا أن ندين من يغالون في الانطواء على أحزانهم واعتبار إشفاق الآخرين سلوكا يربأون بأنفسهم عن التعرض له.. والهم من أشد الأسلحة فتكا بالإنسان إذا انفرد به وحده وافتقد المشاركة والعزاء.. ففيم انفرادك به دون غيرك من البشر.. وفيم نفورك من الآخرين وأنت في أشد الحاجة إلي الصحبة والإيناس؟!
إنني أدعوك إلى أن تعتبر جماعة أصدقاء بريد الأهرام التي ستعقد اجتماعا قريبا لها بإذن الله في مدينتك الساحلية هي أسرتك الكبيرة التي يسعدها انتماؤك لها ومشاركتك في أنشطتها.. ولسوف أدعوك بإذن الله إلي الاجتماع المقبل بمدينتك وأقدمك لأعضائها ومن بينهم عدد كبير من أبناء مدينتك سوف يتواصل اللقاء بينك وبينهم بإذن الله بعد انفضاض الاجتماع.. وليكن ذلك هو الخطوة الأولي في خروجك من قوقعة الأحزان.. ومحاولة التواصل مع الحاضر والقبول به.. أما الخطوة الكبرى فلسوف تتحقق إن شاء الله حين تضع أسرتك الصغيرة.. وتجمع الأقدار بينك وبين من تشاركك رحلة الحياة وتتقاسمان فيها أحزانها وأفراحها.. فاتصل بي مساء الغد لإبلاغي بعنوانك ولنأمل معا في بداية جديدة وسعيدة لك بإذن الله..



         ✿
                                 كتبها من مصدرها بكتاب حصاد الصبر
                           Ola Othman

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali


إقرأ المزيد Résuméabuiyad

النفس الممرورة .. رسالة من بريد الجمعة


 أنا سيدة في الثلاثين من عمري‏.‏ أقرأ بريد الجمعة منذ كنت في سن الخامسة عشرة ودفعتني رسالة الضوء المبهر للزوجة الشابة ـ التي امتحنت بالمرض اللعين في ثديها وبرئت منه بعد إجراء الاستئصال والعلاج الكيماوي وكتبت إليك تعدد نعم الله عليها ـ لأن أروي لك قصتي‏,‏ فلقد نشأت في أسرة صغيرة متفاهمة وكنت الابنة الصغرى وأتمتع بالجمال والجاذبية والطموح وحب الدعابة وتربطني بشقيقتي التي تكبرني علاقة حميمة‏..‏ وبأمي التي لا أستطيع مهما فعلت أن أوفيها حقها وبأبي علاقة مماثلة‏..‏ وكنت أنا وشقيقتي من المتفوقين دراسيا وتعلمنا في المدارس الحكومية وكافحنا حتى حصلنا علي الثانوية العامة بمجموع كبير والتحقت شقيقتي بكلية عملية مرموقة وتخرجت فيها وعملت معيدة بها‏,‏ والتحقت أنا بكلية قمة أخرى للغات وتخرجت فيها وعملت في المجال الذي أحبه وهو الارشاد السياحي واستقللت ماديا عن أبي الذي يكفيه ما تحمله من عناء وما بذله من عطاء لنا من أجل تعليمنا‏,‏ وبدأت أحاول تعويضه هو وأمي عن حرمانهما السابق من أجلنا وبدأت أشتري كل ما أتمناه لأبي وأمي ونفسي‏,‏ وأسعد بدعائهما لي وأعتبره ستري في الدنيا الذي احتمي به ضد غدر الأيام‏,‏ ثم تعرفت ذات يوم على شاب جامعي يعمل معي في نفس الشركة‏,‏ اجتذبني إليه بدماثة خلقه وحلو كلامه وحيائه الظاهر فانشغل به فكري ووجدتني أفكر فيه ليل نهار بالرغم من عقلانيتي المعتادة وعدم ثقتي الكبيرة في العاطفة‏,‏ واندفعت مشاعري نحوه إلى أن صارحني برغبته في التقدم لخطبتي فسعدت بذلك كثيرا ورتبت له موعدا مع أبي‏..‏ فلم يسعد به أبي نفس سعادتي وكذلك أمي بسبب ضعف إمكاناته وعدم استعداده المادي للزواج‏,‏ لكني قاتلت بضراوة لإقناعهما إلى أن رضيا به على مضض وبدأنا نستعد للزواج وكان شرط أبي الأساسي للموافقة هو الشقة ولم يكن مع خطيبي سوى مبلغ محدود‏,‏ فساندته سرا بمبلغ ادخرته من أجري الكبير كمرشدة وتمكن من شراء شقة مناسبة‏.‏ وتولت أسرتي تأثيثها بالكامل‏,‏ وحرصت خلال فترة الخطبة على زيارة والدة خطيبي وشقيقاته ولاحظت خلال ذلك سطوة والدته عليه وهي التي تولت تربيته بعد وفاة أبيه‏,‏ وتوقفت قليلا أمام انصياعه الكامل لكل ما تقرره هي بشأن حياتنا وترتيبات زواجنا لكني تجاوزت ذلك سريعا واعتبرته برا من الابن بالأم وأملت خيرا فيمن يعرف لأمه فضلها ويحفظه لها‏.‏ ومضت فترة الخطبة بلحظات السعادة والعناء فيها‏..‏ وكانت لحظات العناء كلها بسبب تدخل الأم في كل صغيرة وكبيرة من شئون زواجنا وتسليم الابن المطلق لها بكل ما تريد‏.‏
وتزوجنا في النهاية وسعدنا بحياتنا ووجدت في زوجي شابا طيبا حنونا متدينا ويحبني بشدة‏,‏ ولم آخذ عليه سوى تعلقه الزائد عن الحد بأمه وعدم إخفائه عنها أي شأن من شئون حياتنا الخاصة مهما كان شخصيا ومحرجا مما أدى إلى إحساسي بالحرج تجاهها في بعض المواقف‏,‏ خاصة حين كانت تعنفني على انشغالي بعملي المرهق عن زوجي في بعض الأحيان‏..‏ أو تنبهني إلى حقوق زوجي الشرعية علي‏,‏ وبعد عام من زواجنا رزقنا بطفلنا الوحيد فأصبح قرة عيني وشاغلي الأعظم في الحياة‏,‏ وأملت أن يقرب الطفل الوليد بيني وبين زوجي أكثر‏,‏ لكنه رجع للشكوى مني إلى والدته مرة أخري بدعوى انشغالي عنه‏,‏ ورحت أنا ابذل جهدا مضاعفا للتوفيق بين عملي وطفلي وزوجي‏.‏
وبعد فترة قصيرة من بلوغ طفلي عامه الأول بدأت أشعر بآلام شديدة في صدري‏..‏ فتجاهلتها في البداية بسبب كرهي للمستشفيات 
 من أثر تجربة عائلية سابقة في حياتي‏,‏ وأملت أن يزول الألم تلقائيا لكنه تزايد حتى لم أعد أستطيع تحمله وأصر أبي وأمي علي فحصي طبيا‏,‏ وفي عيادة الطبيب كان القرار بإدخالي للمستشفي على الفور لإجراء جراحة عاجلة لاستئصال الثدي‏,‏ ورجعت إلى زوجي وأبلغته بالقرار فبكي بحرقة‏,‏ وأفقت من المخدر بعد الجراحة فوجدت أحبائي حولي وهم أبي وأمي وزوجي وكل الأهل‏.‏ وبعد الجراحة بدأت مرحلة العلاج الكيماوي العصيبة التي أصابتني بأضرار كبيرة كان أكثرها إيلاما لي أنني وجدت زوجي بعد فترة يبتعد عني تدريجيا ويفتعل معي الخلافات والمشكلات فشعرت بأن وراء هذا التغير من جانبه شيئا ما لا أعرفه وتوجست منه‏..‏ وأدى ذلك إلى تدهور حالتي النفسية حتى أصابني اكتئاب شديد وأشفقت علي أمي مما أعانيه فأصرت على أن أرجع معها إلى بيت الأسرة لقضاء بعض الوقت من باب التغيير ورجعت معها ومعي طفلي‏..‏ ولاحظت بأسى أن اتصالات زوجي بي وأنا في بيت أسرتي تتباعد وزياراته النادرة لي فيه قصيرة‏..‏ ودائما ما يكون وراءه ما يدفعه للاعتذار عن عدم البقاء معي لأن لديه واجبا آخر سوف يؤديه‏..‏ وتجددت الهواجس والشكوك في نفسي من جديد لكني تمسكت بالأمل في الخير والحب والروابط الإنسانية للنهاية‏,‏ إلى أن جاء يوم وزارني زوجي في بيت الأسرة وطلب أن ينفرد بي وحدي ثم صارحني بأن أمه تريده أن يتزوج من إحدى قريباته بعد ان اصبحت أنا كما قالت له عاجزة عن خدمته وتلبية احتياجاته أو الإقامة معه كزوجة ولهذا فهو إشفاقا علي من كل ذلك سوف يتزوج من أخرى لأنه لا يستطيع كما يقول إلا إطاعة والدته‏,‏ ومقابل ذلك فسوف يعطيني كل حقوقي ويترك لي طفلي إلى أن يبلغ سن الحضانة‏!‏ وسمعت ذلك فانفجرت ينابيع الدمع كالمطر من عيني‏,‏ وانصرف وأنا أبكي بلا توقف ولا انقطاع وازدادت حالتي النفسية سوءا حين سمعت في الأيام التالية ما تدافع به والدته عن هذا القرار وكيف أنني لا أستطيع أن أقوم بواجباتي الزوجية وأنه ليس من العدل أن يدفن ابنها نفسه مع فتاة مريضة مثلي‏,‏ وهناك  قريبته الجميلة الغنية التي تنتظره وترحب به من البداية‏..‏ الخ‏.‏ وسلمت أمري إلى الله‏,‏ وشكوت إليه ضعفي ومرضي وهواني على زوجي ووالدته‏,‏ وازدادت حالتي النفسية سوءا حين سمعت أنه قد خطب بالفعل قريبته‏,‏ وبكيت طويلا وطلبت من أبي أن يقابله ويطلب منه ان يطلقني ويدعني لمصيري مادامت عشرتي قد هانت عليه إلى هذا الحد‏,‏ ووافق زوجي على الطلاق بسهولة زادت من أحزاني وأعاد إلي أثاثي ومتعلقاتي وترك لي طفلي‏,‏ وتجهمت الحياة في نظري‏..‏ فلقد أصبحت شابة مريضة مطلقة وأما لطفل قدر عليه إلا ينشأ بين أبويه‏,‏ وعاجزة عن ممارسة العمل الذي أحببته بسبب العلاج القاسي الذي أخضع له واستسلمت للحزن والاكتئاب طويلا حتى حذر الطبيب أهلي من الأثر السلبي لحالتي النفسية على العلاج ونصح بإخراجي من هذا الجو الكئيب بأي طريقة ولو تطلب الأمر ابعادي عن المدينة كلها‏..‏
وسعت شقيقتي الحبيبة إلى إرسالي إلى دولة أوروبية تقيم فيها شقيقة زوجها التي يمكن ان تساعدني على تلقي العلاج في مركز متخصص هناك‏.‏ وتم تدبير كل شيء وسافرت مع أمي وطفلي إلى  هذا البلد‏..‏ وتلقتنا شقيقة زوج شقيقتي بالترحيب وتسهيل أمورنا‏,‏ وتعاطف معنا كل من قابلناه من المصريين هناك وتطوعوا لخدمتنا‏,‏ وبدأت اتردد على مستشفي كبير لتلقي العلاج الكيماوي وواظبت على الصلاة والاستسلام للراحة والدعاء الي ربي أن يحمي طفلي من قسوة الأيام‏,‏ وبدأت صحتي تتحسن شيئا فشيئا‏..‏ وبدأ العلاج الذي لم يحقق نتائجه المرجوة في مصر بسبب سوء الحالة النفسية‏,‏ يؤتي أثره وأنا في هذا البلد البعيد‏,‏ خاصة بعد أن غالبت نفسي طويلا حتى توقفت عن التفكير في زوجي السابق وموقفه مني وموقف والدته‏.‏ وبعد عام ونصف العام من العلاج أكد لنا الأطباء ان المرض قد تم القضاء عليه نهائيا والحمد لله وأن بإمكاني العودة للحياة والعمل وممارسة حياتي كأي شابة في مثل سني‏.‏ وشكرت الله سبحانه وتعالي كثيرا وقبلت طفلي الذي كان قد بلغ عمره ثلاث سنوات ونصف السنة‏,‏ ورجعنا إلى مصر  
مستبشرين‏,‏ ورجعت إلى عملي الذي انقطعت عنه رغما عن إرادتي أكثر من عامين‏,‏ واستقبلني زملائي وزميلاتي بالفرحة الكبيرة وعبارات التهاني والترحيب وتوزيع الشربات والضحكات العالية حتى دمعت عيناي من التأثر والعرفان‏..‏ ورجعت للخروج مع الأفواج السياحية من جديد وخلال فترة قصيرة كنت قد جمعت بعض المدخرات من عائد عملي‏,‏ وخشيت اذا واصلت العمل في شركتي ان تجمع المصادفات بيني وبين زوجي السابق ذات يوم فتتجدد الجراح‏,‏ واستأذنت رؤسائي في الانتقال إلى شركة أخري وتفهموا اسبابي وأكدوا لي أن باب العمل معهم مفتوح لي في أي وقت‏,‏ وانتقلت إلى شركة جديدة‏..‏ ودفعت مقدم شقة خاصة بي بالرغم من الحاح أبي وأمي علي في البقاء معهما إلى ما لا نهاية‏..‏
وذات مساء كنت عائدة من عملي إلي البيت فوجدت شخصا ينتظرني أمامه لم اتعرف عليه جيدا في البداية بسبب الظلام‏..‏ ثم تبينت فيه زوجي السابق فحاولت تجاهله والمضي في طريقي لكنه رجاني بإلحاح أن استمع إليه لعدة دقائق فقط‏,‏ وقال لي أنه تعيس إلى أقصى حد مع قريبته التي تزوجها بعدي لسوء معاملتها له ولوالدته وتعاليها على أسرته بسبب ارتفاع مستوى أهلها المادي‏,‏ وامتناعها عن زيارة والدته‏..‏ إلخ‏,‏ وفي نهاية حديثه طلب مني العودة إليه لكي ينشأ ابننا بيننا وترك لي مهلة لأفكر في الأمر طويلا وأرد عليه‏,‏ وانصرف وتابعته بنظري وأنا اتعجب لهيئته التي تغيرت كثيرا‏,‏ ورجعت لأهلي ورويت لهم ما حدث ففوجئت بترحيبهم بعودتي إليه من أجل الطفل‏,‏ لكني رفضت ذلك رفضا قاطعا ونهائيا وقلت لأبي وأمي أنني سأربي ابني وحدي معتمدة في ذلك على ربي قبل كل شيء وبعده وعلى جهدي وعملي وكفاحي في الحياة‏..‏ وفي كل الأحوال فانني لن اسمح لهذا الرجل بأن يعيش معي مرة أخرى أو يلمسني أو يقترب مني‏,‏ ولم يضغط أبي وأمي علي في ذلك كثيرا لكنهما طلبا مني فقط أن أفكر في الأمر بهدوء وروية‏.‏
ولقد فكرت وفكرت ولم أجد في نفسي دافعا يدفعني لنسيان ما فعله  
بي زوجي ووالدته أو التجاوز عنه‏,‏ فهل تؤيدني في ذلك أم تعارضني فيه ؟
وفي الختام فإني أقول لكاتبة رسالة الضوء المبهر المؤمنة بربها والتي تقبلت أقدارها برضا إنني قد فعلت مثلما فعلت وتقبلت أقداري راضية ومستسلمة لإرادة ربي‏,‏ لكن موقف زوجها النبيل الذي تمسك بها وازداد حبا لها ووقف الي جوارها حتي اجتازت محنتها كان هو الموقف الأصيل الذي ينبغي لشريك الحياة رجلا كان أو امرأة أن يتخذه من شريكه حين تمتحنه أقداره امتحانا مؤلما‏..‏ ولم يكن كذلك موقف زوجي السابق‏..‏ فماذا تقول لي يا سيدي وبماذا تنصحني ؟

ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏
من أجمل ما قرأت في السنوات الأخيرة هذه الكلمات المعبرة التي سطرها الناقد الأدبي الكبير الدكتور شكري عياد ـ رحمه الله ـ في سيرته الذاتية‏.‏ فلقد قال‏:‏ ما وقع علي ظلم من أحد ذات يوم وتأملت حال من ظلمني إلا ووجدته أحق بالشفقة مني‏,‏ فيدفعني ذلك لأن أجاهد وأنا اسعي لدفع الظلم عني لكيلا أبلغ في مسعاي حد الانتقام منه وكما تعلمت من ذلك ألا أسكت علي ظلم ينالني وأن أشفق في نفس الوقت عن من يظلمني‏!‏
والحق أنه لا أحد يا سيدتي يستطيع أن يلومك او يعتب علية تحول نفسك عن زوجك السابق ورفضك العودة إليه أو الصفح لأول وهلة عما فعل بك خلال محنتك المؤلمة مع المرض‏.‏ فمرارة الخذلان ممن يتوقع المرء منهم العطف والتأييد والمساندة عميقة‏,‏ والنفس البشرية لا تستطيع التجاوز عنها سريعا وبغير أن يكفر عنه مرتكبه طويلا ويجاهد لكي يمحو أثره من نفس ضحيته‏,‏ ولا عجب في ذلك وطعنة الأهل تدمي كما يقول الشاعر‏,‏ كما أن توقيت هذه الطعنة كذلك مما يؤخذ في الاعتبار عند الصفح عنها وتجاوزها‏ .‏ فالإنسان في ضعفه ومرضه يكون أشد احتياجا إلى وقوف من يحبهم إلى جواره‏,‏ منه وهو في أوقات صفاء سماء حياته من  
السحب والغيوم‏.‏ وحين تمتحنه أقداره باختباراتها القاسية فان حاجته النفسية والعضوية تزداد وتتضاعف لأن يشعره من يحب بأن محنته لم تنل من قدره لديه وحبه له وحقه عليه وانما قد زادته تمسكا به وحنوا عليه واعتزازا بوجوده في حياته‏.‏
وجوهر المرء الأصيل إنما يعرف في أوقات الشدائد والمحن وليس في أوقات الرخاء والصفاء‏,‏ والشاعر العربي يقول‏:‏
جزى الله الشدائد كل خير .. عرفت بها عدوي من صديقي
ومن أسف أنه ليس بين الكائنات الحية كلها كائن يبرع أحيانا في خذلان من يتوقعون منه المساندة والتأييد في الأوقات العصيبة من حياتهم أكثر من الإنسان نفسه وعلى خلاف كثير من فصائل الحيوان والطيور التي لا تعرف مثل هذه القدرة على خذلان الشريك والتخلي عنه في حين يحتاج للحماية والدفاع عنه‏,‏ فلا عجب إذن في أن تستشعري كل هذه المرارة تجاه زوجك الذي تخلي عنك ولم يصبر عليك وعلي نفسه إلي أن يكتب الله سبحانه وتعالي لك الشفاء‏.‏
لكن فهم كل شيء قد يؤدي إلى الصفح أحيانا عن كل شيء‏,‏ من ناحية أخرى‏,‏ كما قالت لنا ذات يوم الأديبة الفرنسية مدام دي ستايل
ولقد شعرت من خلال رسالتك ان محنتك المرضية القاسية لم تكن كل اسباب تخاذل زوجك السابق معك وتخليه عنك في أصعب أوقات الحياة بالنسبة إليك‏,‏ وإنما ربما تكون قد أسهمت بالقدر الأكبر في تشكيل موقفه المؤلم هذا منك‏.‏ مع تأكيدي في البداية ان هذه الحقيقة لا تخفف من بشاعة موقفه ولا تلتمس له أي عذر‏.‏ فلقد كانت حياتكما المشتركة قبل المرض تعاني من بعض المشكلات الجوهرية كشكوي زوجك السابق من انشغالك عنه بعملك المرهق الذي يقتضي منك السفر مع الأفواج السياحية للمناطق الأثرية في رحلات دورية قد تستغرق أسبوعا وربما أكثر‏,‏ وكشكواه لأمه مما اعتبره تقصيرا من جانبك في الوفاء له باحتياجاته الشخصية‏,‏ وكمعاناتك في التوفيق بين عملك وطفلك وزوجك‏,‏ فضلا عن  
تدخل والدته في أدق شئون حياتكما الخاصة‏,‏ وعدم حماسها لك كزوجة لابنها من الأصل كما توحي بذلك إشارتها الي قريبتها الغنية التي ترحب بابنها منذ البداية أي من قبل زواجك منه‏,‏ وتشجيعها لابنها علي التخلي عنك والارتباط بقريبته بمبرر عجزك بعد المرض عن خدمة زوجك وتلبية احتياجاته‏.‏
وكل هذه العوامل لم تكن في صالح حياتكما الزوجية ودوافع صمودها في وجه العقبات والمحن‏.‏
ولهذا فلست أعول كثيرا على النقطة التي ركزت عليها كثيرا في حديثك عن شخصية زوجك واعتبرتها السبب الأساسي في موقفه منك‏,‏ أقصد بذلك خضوعه المطلق لإرادة والدته واستجابته التامة لكل ما تقرره بشأن حياته الخاصة وزعمه لك أنه لا يملك إلا طاعتها ولو تطلب ذلك منه طلاق زوجته وأم طفله الوليد وزواجه من أخري‏!‏
فالحق أنه لو كان حبه لك قويا وصادقا وحقيقيا من البداية لما نجح أحد في التأثير عليه لكي يطلقك ويتزوج من أخرى‏,‏ وأنه لو كان شديد التمسك بك في محنتك ـ ولو من باب الوفاء الإنساني لشريكة الحياة التي اعتصرتها محنة المرض أو حتي من باب التجمل والترفع عن القبول لنفسه بموقف من يخذل شريكته وهي في أشد الحاجة إلي مساندته العاطفية لها ـ لما استجاب لرغبة والدته في الانفصال عنك والارتباط بغيرك مهما كان تأثيرها عليه‏,‏ بدليل سعيه الآن بعد ان شقي بحياته الجديدة مع قريبته إلى استعادتك‏,‏ ولو كان مغلوبا على أمره مع والدته كما يزعم لك لما فكر في استعادتك والتخلي عمن اختارتها له أمه‏.‏ فلقد طلقك بإرادته هو وليس بإرادة غيره حتي ولو كانت والدته قد زينت له ذلك وأغرته به ويرغب الآن في استعادتك بإرادته هو أيضا وليس بإرادة والده حتي ولو كانت أمه قد لمست الفارق بين معاملتك المتأدبة لها ووقوفك صامتة بين يديها وأنت تستمعين إلي تقريعها لك صاغرة وبين عجرفة الأخرى وتكبرها عليها وعلى ابنها وقطيعتها لها‏.‏
لكن الأمر على أية حال لا يجوز التعامل معه بهذه البساطة‏,‏ فلكل  
إنسان كرامته الإنسانية في النهاية‏,‏ وللنفس حالات قد تعجز معها ولو لبعض الوقت عن أن تتخلص من مراراتها تجاه من أشعروها بالغدر والخيانة والهوان وكل ما أرجو منك هو ان تفكري طويلا في حياتك وفيما تختارين لها وفقا لكل الاعتبارات الجوهرية المهمة بالنسبة لك ولكرامتك الإنسانية وطفلك الصغير بغير ان تتجاوزي حق الدفاع عن النفس والكرامة‏,‏ وحق الاختيار الحر لحياتك إلى حد الانتقام والتشفي والرغبة في إيلام الغير بنفس القدر الذي آلمونا به أو بأكثر فأحق الناس في النهاية بأن يترفع عن الانتقام والتشفي في شقاء الآخرين هو من عرف الألم وتجرع مرارته كما أنه أكثر الناس إدراكا لأنه لا شيء في الحياة يعدل صفاء النفس وخلوها من المرارات‏,‏ واستكانة القلب إلي جوار من يبادله الحب ويشاركه رؤيته للحياة والبشر والأشياء‏.‏
وفي كل الأحوال فإنه بقدر الخطأ يكون التكفير عنه‏..‏ ويكون الوقت الذي تحتاج إليه النفس الممرورة لكي تتخلص من شوائبها وتستعد لاستقبال المؤثرات الجديدة بلا ضغائن ولا احقاد‏..‏ وشكرا لك‏.‏

* نشرت بتاريخ 17 ديسمبر 1999
* رسالة الضوء المبهر تم نشرها بالصفحة وهى في المدونة تتبع القسم الخاص بكتاب صوت من السماء

         ✿
                                     نقلها من أرشيف جريدة الأهرام
                         رفيدة محمد إسماعيل

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali


إقرأ المزيد Résuméabuiyad

 

سجل إميلك وتوصل بمواضيعنا :