الضوء الأخير .. رسالة من بريد الجمعة


      أكتب إليك بعد صراع مرير مع نفسي وأرجو أن تسمعني وأن تؤجل حكمك علي إلى النهاية .
      أنا سيدة متوسطة العمر نشأت في أسرة فقيرة .. وقاسيت مرارة الحاجة وحين بلغت سن الزواج لم أفكر في الزواج من شاب مثلي لأني كنت في حاجة إلى زوج جاهز يوفر لي المسكن والملبس والمأكل ولا يكلفني شيئاً وقد وجدت هذا الزوج في شخص مطلق له أولاد وعنده شقته ولديه إمكانات الحياة، بل ولا أكذبك إذا قلت لك أني فرحت به بالنسبة لظروفي التي شرحتها لك وهكذا تزوجته واعتزمت أن أحافظ عليه وعلى حياتي الجديدة .. وكان هو أيضاً سعيداً بي .. لكن شيئاً ما في داخلي كان يدفعني دفعاً لإساءة معاملة أطفاله " رغم أنهم أبرياء" ولتعذيبهم.. تسألني لماذا أقول لك لا أعرف .. هل أساءوا إليك أقول لك أنهم أطفال صغار حرموا من أمهم وفرحوا حين وجدوا أما ترعاهم لكن النفس الأمارة بالسوء كانت تدفعني دفعاً لتعذيبهم .. ولم يخف الأمر طويلاً على زوجي .. فلقد أحس- بقلب الأب- بعذاب أطفاله .. ولم يكن هناك ما يربطني به سوى حسن العشرة فلم أنجب منه أطفالاً .. لذلك لم يجد صعوبة في التخلص مني وطلاقي، فعدت إلى الوحدة وإلى معاناة ظروفي الاجتماعية بعد فترة قصيرة من الاستقرار معه..

      وحاولت أن أجد مخرجاً من ظروفي فعملت في إحدى الشركات ومن خلال عملي التقيت بتاجر كبير يتعامل مع الشركة له بنات وأبناء متزوجون كان أرمل توفيت زوجته .. ولفت نظري إليه بحديثه الدائم .. عن زوجته الراحلة وأبنائه الذين يتحدث عنهم بحب شديد .. ووجدت نفسي أميل إليه رغم كبر سنه وأتمنى أن أتزوجه .. وشاءت الأقدار أن تتحقق أمنيتي بعد فترة قصيرة إذ فاتحني برغبته في الزواج مني وسعدت بطلبه جداً وسارعت بالموافقة .. وبارك أبناؤه زواجي من أبيهم لكي يجد من ترعاه في وحدته، وشهدوا جميعاً مراسم الزواج وأحاطوا بأبيهم سعداء بسعادته وقال قائلهم أن الحياة لابد أن تستمر وأن من حق أبينا أن يجد من يؤنس حياته بعد زواجنا جميعاً وانشغالنا بأسرنا، وزففت إليه في حفل عائلي صغير وخرج الأبناء وهم يودعون أباهم بالقبلات ويودعونني بحرارة والبنات يقبلنني ويثنين على جمالي الهادئ وأناقتي ويقلن أنهن فخورات بي .

      وأحسست أن هذه الأسرة يجمعها الحب الصادق بين أفرادها .. وحمدت الظروف التي جعلت مني واحدة منهم، وانتويت أن أستمتع بحياتي .. وأن أكسب حب زوجي وأولاده، ومضت الأسابيع والشهور سعيدة والجميع يعاملونني بحب واحترام.. وكنت قد تركت عملي وتفرغت لأسرتي الجديدة ووجدت فيها كل ما أحتاج إليه، لكني يا سيدي بدأت أغار شيئاً فشيئاً من حب زوجي لأولاده وأحفاده .. وبدأ الشيء يتحرك من جديد .. وبدأت أضيق بحديث زوجي عن ذكرى زوجته الراحلة وباهتمامه بأمور أبنائه وبناته ، فإذا أردت أن اشتري فستاناً قال لي زوجي اشتري لأولادي معك .. وإذا فكرت في شراء شيء جديد للبيت قال لي اشترى معه لأولادي .. حتى وجدت نفسي فجأة أكره أولاده وبناته بلا سبب .. وأريد أن أبعد هذا الزحام عن زوجي لكي أنفرد به وباهتمامه .. وبدأت أشكو لزوجي من أبنائه .. وفي البداية لم يكن يسمع لي .. ثم بدأ يسمع ولا يعلق .. ثم بدأ يسمع ويتعاطف معي ببعض الكلمات .. ثم بدأ يسمع ويعبر عن سخطه ببعض الكلمات القاسية .. ثم بدأ يتغير تجاههم تدريجياً .. وأنا لا أدع له فرصة للتراجع ولم يمض سوى عامين حتى كان يكره أبناءه وأحفاده وأنا "أتلذذ" "لذة" الانتصار عليهم !

      تسألني مرة أخرى لماذا وسأقول لك لا تسألني لأني لا أعرف سوى أني أردت أن أبعد كل هذا الحشد عن زوجي وأن يخلو لي وحدي .. وأن طبيعتي غلبتني كأني نسيت كل ما جرى في زواجي الأول ونسيت طلاقي وعودتي للعمل ومعاناتي للحرمان مرة أخرى ..
      وبعد أن انفردت بزوجي انقطع الأبناء والأحفاد عن زيارتنا ولم يعد يدخل بيتنا أحد.. وفي هذه الأيام بدأ زوجي بإيحاء وضغط مني يبيع أملاكه لكيلا تكون هناك أشياء واضحة يمكن أن ينازعني فيها أحد .. والحق أن أبناءه لم يهتموا بذلك بقدر ما حزنوا لمقاطعة أبيهم لهم وحرمانهم منه .. وفي إحدى المناسبات انفجرت ابنته الكبرى فيَّ باكية ودعت الله أن يحرمني من "نظري" كما حرمتها وأخوتها من أبيهم وبدلاً من أن أغضب أو أجزع وجدت نفسي أضحك سعيدة بالانتصار عليهم ..
 وتفرق الأبناء .. وبدأوا يهاجرون كل إلى بلد مختلف .. فهاجر بعضهم إلى البلاد العربية وهاجر البعض الآخر إلى أوروبا، حتى البنات هاجرن وراء أزواجهن بعد أن سلمن أمرهن لله في أبيهن .

وخلت الدنيا تماماً من حولنا .. وبدأت أستمتع بالهدوء مع زوجي .. لكنه لم يطل كثيراً .. فلقد توفي زوجي بعدها بعام وفوجئت به وهو في لحظاته الأخيرة يهتف بأسماء أبنائه وبناته وقد كنت ظننت أنه قد نسيهم ..

      فاندفعت أقول له أنا بنتك وزوجتك وأمك وكل شيء لك في الدنيا ، لكنه لم يحفل بي وفارق الحياة ولسانه يهتف بأسماء أبنائه وعيناه تبحثان عنهم في ضيق ويأس.

      وانتقل زوجي إلى العالم الآخر .. وحزنت عليه لأني وجدت معه الحياة التي أردتها.. لكني تماسكت ودبرت كل أموري بحكمة وكانت كل ثروته تحت يدي أموالاً سائلة فانفردت بها وحرمت كل أبنائه وتجاوزت الأزمة بسرعة .. وعشت حياتي مطمئنة للمستقبل فعندي الشقة التي نقل زوجي عقدها باسمي وعندي أموال في البنك لكن الأبناء لم ينازعوني في الشقة ولا في غيرها وعشت عامين هادئين .. أحيا حياة أرملة ثرية احتاطت للمستقبل باحتياطات عديدة .. عندي سيدة ترعى شئون بيتي وأشغل وقتي بزيارة الصديقات اللاتي تعرفت بهن في السنين الأخيرة أو أستقبل بعضهن في الصباح ونروح نتحدث في أمور الدنيا..وأتفرج على التليفزيون ، وأفلام الفيديو كل يوم ، وبدأت أفكر في استئجار شقة للمصيف أمضي بها الصيف في الإسكندرية ..

      وأسرفت في التفرج على أفلام الفيديو حتى بدأت أحس بزغللة بسيطة في عيني ونصحتني صديقة بأن أعمل نظارة تحفظ نظري .. فذهبت إلى أكبر طبيب عيون لعمل النظارة ، واخترت نظارة أنيقة زادت وجهي شياكة وأنا أرتديها.. واستعدت راحتي في التفرج على الفيديو لكن النظارة الجديدة لم تلبث شهرين حتى بدأت تزغلل عيني من جديد فعدت إلى طبيب العيون الذي استبدلها لي بأخرى جديدة ، واستعدت اطمئناني سريعاً .. لكن النظارة لم تلبث أن ضايقتني فاستشرت صديقتي فنصحتني بالذهاب إلى طبيب آخر وذهبت إليه ففحصني بدقة ثم نظر لي طويلاً وقال : يا مدام إن القرنية عندك تضمر منذ زمن .. وقد تأخرت كثيراً في بدء العلاج!

      فصرخت فيه : ماذا تعني ؟ فقال : كل شيء بأمر الله! فغامت الدنيا أمام عيني .. وتركت العيادة وأنا لا أرى الطريق وفي طريق عودتي إلى البيت مر شريط حياتي أمام عيني .. من الفقر والحرمان إلى الزواج الأول .. إلى الطلاق والحرمان.. إلى الزواج الثاني إلى الراحة والاطمئنان والمال .. ثم فجأة قفزت إلى مخيلتي صورة ابنة زوجي الكبرى وهي تدعو الله أن يحرمني من بصري كما حرمتها من أبيها وتسمرت في مكاني ..

      وسألت نفسي بفزع هل يكون هذا هو النذير؟
      لا .. لن يكون إن معي مالاً .. وهناك أطباء .. وسأصرف آخر قرش معي في علاجي..

      وبدأت الرحلة المريرة ..وطفت على الأطباء ومراكز العلاج .. وبت ليالي تعسة أنتظر نتائج الفحوص .. وكل يوم يمضي تظلم عيناي فيه قليلاً عن اليوم الذي سبقه .. وتوقفت عن مشاهدة التليفزيون والفيديو وقراءة المجلات ..

      وأمضيت أياماً قاسية معصوبة العينين .. ثم انسحب آخر ضوء من عيني منذ أسابيع وتحولت الحياة إلى ظلام قاتم أيكون هذا هو العقاب الذي توعدتني به ابنة زوجي يا سيدي ؟

      إنني لا أسألك لكي تجيبني لأني عرفت فعلاً أنه كذلك منذ أن ظلمت عيناي لأول مرة ونفض الأطباء أيديهم مني يائسين.. لكني أُملي هذه الرسالة على أعز صديقاتي التي وقفت معي في محنتي لكي أطلب منك شيئاً آخر .

      لقد كنت من قراء هذا الباب قبل أن أفقد القدرة على القراءة وأصبحت الآن أستمع إليه .. وبعد صراع مرير مع نفسي قررت أن أكتب إليك لأطلب منك أن تنشر قصتي لكي تدعو أبناء زوجي للحضور إلي لكي أعطيهم نصيبهم مما ترك أبوهم رحمه الله من مال فصورته وهو ينادي أبناءه لا تفارقني منذ كف بصري .. ووجود مالهم الذي حرمتهم منه معي يلسعني بالنار ويذكرني بما فعلت وبما جنيت وأدعوك لأن تكون شاهداً على أني سوف أبرئ ذمتي أمام الله مما دخلها من مال حرام حين يحضر أبناء زوجي وأعيد إليهم حقوقهم .

      ولتسأل الله لي الرحمة .. ولتسأل أبناء زوجي لي السماح والمغفرة وكفاني ما ألاقيه من عذاب والسلام عليكم ورحمة الله .



    ولكاتبة هذه الرسالة أقول
      إن رسالتك هذه يا سيدتي من الرسائل القليلة التي لا أجد في نفسي أي ميل للتعليق عليها لأن ما تقوله كلماتها لا يدع زيادة لمستزيد إذ ماذا يمكن أن أقول أنا أكثر مما قلت أنت في هذا الاعتراف ؟ وأي كلمات يمكن أن تحذر من ظلم الأبرياء وأنانية الإنسان ووساوس النفس الأمارة بالسوء " أردع" من هذه الخاتمة المفزعة لرسالتك؟

      إن كارثة البعض هي أنهم يتصورون أنهم لن يسعدوا أبداً إلا بهدم الآخرين ولن يرتفعوا إلا فوق جثث الضحايا.. ولن يرتووا إلا بحرمان الظمأى من ماء الحياة مع أن الكرة الأرضية تتسع للجميع ويستطيع كل إنسان لو أراد أن يحقق لنفسه السعادة بغير إيذاء الآخرين وأن يجد الأمان بغير أن يشرد غيره وأن يعيش في سلام ويدع الآخرين يعيشون حياتهم في هدوء .. لكن ذلك يبدو صعباً إلا على من يتقون الله فيجعل لهم مخرجا.. ويغرس القناعة والطمأنينة في نفوسهم.

      إنك تتساءلين أهو العقاب! نعم يا سيدتي هو العقاب بل هو العدل الإلهي الذي يغيب عن أنظار البعض في قمة اندفاعهم لإشباع أهوائهم .. حين يتصورون أن الدنيا بين أيديهم وأنه لا عقاب ولا حساب .. كما ضحكت أنت مثلاً بشماتة وابنة زوجك لا تملك إلا دعاء العاجزين !
      الآن انتهى وقت الضحك يا سيدتي .. وجاء وقت الحساب.. ووقت الضعف البشري ، والتماس العفو ممن قسونا عليهم وظلمناهم .. والظلم شر القبائح كما كان يقول أبو العلاء المعري .. وما أعجب الإنسان في جبروته .. وما أضأله في ضعفه ! لكني لن أطيل عليك في ذلك لأنك قد عرفت الآن كل ذلك وبثمن غال تهون معه كل أموال الدنيا أعانك الله عليه وشفاك منه.
 فأما أبناء زوجك فإني أدعوهم للعودة إليك واستعادة حقوقهم التي طابت نفسك لأن تؤديها لهم الآن ، وأما دعوتي لأن أكون شاهداً وشهيداً على ذلك فإني ألبيها مرحباً بأن أسهم في مثل هذا العمل الخير لعله يكون طريقك إلى العفو ممن يملك العفو والمغفرة أما عفو أبناء زوجك عنك فأمره مردود إليهم إن شاءوا فعلوا وهو أكرم وأكثر قربى إلى الله وإن شاءوا أبوا حتى بعد استرداد حقوقهم ، فلا جناح عليك في ذلك ولا جناح عليهم لأنك لا تطلبين "جائزتك" منهم وإنما تطلبينها ممن يملك منح الجوائز .. وأكبرها شأناً أن يقبل توبتك ويغفر لك ويفرج كربتك ويغرس الطمأنينة في قلبك .. سبحانه وسعت رحمته كل شيء .. وهو على كل شيء قدير.


 * من رسائل سنة 1987

˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙


كتبها من مصدرها بكتاب نهر الحياة
Ahmed Mahmoud El-magnoon

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali


إقرأ المزيد Résuméabuiyad

الصمت النبيل .. رسالة من بريد الجمعة


أنا رجل في السابعة والأربعين من عمري‏ ..‏ أقيم في مدينة كبيرة من مدن الأقاليم‏..‏ نشأت في أسرة بسيطة متدينة‏..‏ وتشربت منها النفور من الحرام في الفعل والقول والإشارة‏..‏ وأنهيت تعليمي وعملت باحدي الهيئات بمدينتي وساهمت مع أبي في إعداد صغري شقيقاتي للزواج بعد أن ضعفت موارده في شيخوخته‏,‏ وشعرت بالرضا عن نفسي لإعانتي لأبي في تلك المشكلة التي أقضت مضجعة‏..‏ ونعمت برضاه ودعواته الصالحة لي ودعوات شقيقتي الصغري لي بالستر في الدنيا والآخرة كما سترتها أمام أسرة زوجها‏..‏ ودعوات أمي الطيبة كذلك‏,‏ وبسبب استدانتي لمساعدة شقيقتي ظللت‏4‏ سنوات بعد عملي أعيش في تقشف شديد وأحرم نفسي مما يستمتع به الشباب في مثل سني لكي أسدد أقساط الديون والجمعيات ولم أندم يوما علي ذلك‏..‏ بل إنني كثيرا ما شعرت بالاعتزاز وأمي تقول لي إنني ولدت رجلا من البداية‏..‏ وتصرفت دائما تصرف الرجال حتي وأنا طفل صغير‏..‏ ولسوف أظل دائما رجل البيت إلي النهاية‏,‏ ورحل أبي عن الحياة بعد عملي بخمس سنوات داعيا لي بالستر والصحة وطول العمر‏..‏ واحتضنت أمي بعد رحيله وخففت عنها أحزانها ووحدتها وأصبحت أبا لشقيقاتي المتزوجات حتي لمن يكبرنني منهن في السن‏..‏ وحرصت علي أن يظل بيت أبي مفتوحا لهن يجدن فيه راحتهن‏..‏ ويجتمعن مع أبنائهن في الاجازات والأعياد‏,‏ ونستمتع بالجو العائلي والحب الصادق الذي يجمع بيننا‏,‏ وفي هذه الجلسات العائلية واصلت شقيقاتي وأمي إلحاحهن علي بالزواج وراحت كل منهن ترشح لي فتاة تراها مناسبة لي‏,‏ إلي أن استقر الاختيار علي فتاة شهد لها الجميع بالأخلاق والالتزام الديني والاحترام‏,‏ ورفضت ان أتزوج في مسكن أمي لكي يظل بيتها مفتوحا لشقيقاتي‏,‏ ونجحت في الحصول علي شقة بالايجار قريبة من بيت الأسرة‏,‏ وبدأت حياتي الزوجية مع زوجتي وكانت أول امرأة في حياتي فأحببتها بإخلاص وحرصت علي إسعادها وراحتها‏..‏ وأصبح يومي يبدأ في الصباح المبكر بتناول الإفطار مع زوجتي ثم نخرج معا فتذهب هي إلى عملها‏..‏ وأذهب أنا إلي بيت أمي القريب لأحظى برؤية وجهها السمح‏..‏ وأفتتح يومي بدعائها الصالح لي‏,‏ فأجدها جالسة علي الكنبة القديمة في صالة الشقة وقد نهضت من نومها في الفجر‏,‏ واغتسلت وأدت صلاتها الطويلة وتلت أدعيتها المحفوظة لأبنائها ودعت لزوجها وأبويها بالرحمة والمغفرة وتناولت كسرة من الخبز مع بعض الجبن‏..‏ وانتظرت قدومي لأشرب معها القهوة فما أن أفتح الباب بالمفتاح الذي احتفظ به حتي تتهلل لرؤيتي وتستقبلني بابتسامة الترحيب وتشعل موقد الكحول تحت كنكة القهوة المعدة سلفا‏..‏ وأجلس إلي جانبها‏..‏ وأسألها عن صحتها وأحوالها واستمتع بشرب القهوة والحديث معها لمدة نصف الساعة ثم اقبل جبينها ويدها وانصرف إلي عملي وأنا منعم بإحساس التفاؤل والابتهاج‏..‏
وهكذا كل يوم طوال الأعوام الماضية‏..‏ لم يغير من عادتي إلا بعض الظروف الطارئة كإنجاب زوجتي لطفلتنا الأولي ثم الثانية‏..‏ أو سفري إلي خارج المدينة في عمل‏.‏
وأما زوجتي فقد أحبت أمي وشقيقاتي كما أحبهن‏..‏ وغبطتني علي علاقة الحب الصادق التي تجمع بيننا‏..‏ وأسفت كثيرا لأنها لم تستمتع بمثل هذه العلاقة العائلية الدافئة‏..‏ حيث ساد التباعد والفتور علاقات أخوتها ببعضهم البعض وعلاقاتهم بأبويهم ومضت بنا الأيام وأنا سعيد بحياتي وزوجتي وأسرتي وتقدمت الأبنتان في 
مراحل العمر والدراسة‏..‏ ولم تشهد علاقتي بزوجتي أية مشاكل حقيقية‏..‏ ولم يتجاوز أي خلاف عابر بيني وبينها حدود الخلافات العادية التي تحدث بين الأزواج والزوجات‏,‏ وسرعان ما تجد حلها خلال ساعات أو أيام علي الأكثر‏,‏ وكثيرا ماكنت أنا الباديء بالصلح حتي ولو لم أكن مخطئا لحبي لها ولكرهي للجفاء والخصام بصفة عامة‏..‏ وفي كل مناسبة أشيد بزوجتي ورعايتها لابنتيها ولي‏,‏ وفي كل حين تشيد هي بي‏,‏ وبحسن معاملتي لها وحناني معها وحرصي علي بيتي وبناتي‏,‏ وتفسر ذلك بنشأتي في بيت متراحم متحاب على عكس نشأتها هي في بيت تسوده الخلافات الحادة بين الأبوين‏.‏
وتحسنت أحوالنا المادية إلي حد كبير خلال رحلة العمر‏..‏ فازداد دخلي وارتفع مرتبها وبدأنا ندخر القليل لمواجهة نفقات بنتينا الطارئة ومدرستيهما وزواجهما في المستقبل‏..‏ وأصبحت حياتنا أنشودة من الحب والتعاون والتفاهم الزوجي‏..‏ وظل الحال علي هذا النحو حتي بدأت ألاحظ علي زوجتي منذ حوالي عام بعض التغيرات في شخصيتها وتصرفاتها‏,‏ وكانت البداية أن لاحظت اهتمامها الزائد بنفسها‏..‏ كما لاحظت أيضا أنها قد بدأت تتخفف من بعض احتشامها المعتاد كما بدأت تضع الماكياج الخفيف عند خروجها ولم تكن تستعمله من قبل إلا في البيت‏..‏ وأخيرا بدأت ألاحظ جفاءها العاطفي معي وتهربها مني وسرحانها الطويل والتزامها الصمت معظم فترات وجودها بالبيت‏..‏ وفي جلستها الصباحية مع أمي شكوت لها من تغير أحوال زوجتي معي فخففت عني ونصحتني بزيادة الاهتمام بها وتخصيص وقت أكبر لها‏..‏ وفعلت مانصحتني به‏..‏ ولم يتغير الحال إلا قليلا وعلمت أن أمي قد استدعتها ونصحتها بالاهتمام بي ووعدتها زوجتي خيرا‏.‏
وكان قد لفت نظري كذلك أنها قد أصبحت تذهب إلي العمل مبكرة عن موعده الطبيعي بحوالي الساعة ولم تعد تنتظرني لكي نخرج معا كما كنا نفعل من قبل‏,‏ فقررت ولا أدري لماذا أن أراقبها ذات يوم لأعرف إلي أين تذهب في هذا الوقت المبكر وتتبعتها عن بعد 
فوجدتها تتجه الي عملها‏..‏ ولم تكن الساعة قد جاوزت السابعة صباحا‏,‏ وتبعتها إلي العمل فوجدت بابه مفتوحا ودخلت الإدارة التي تعمل بها فلم أجد أحدا‏.‏ وفتحت مكتب مدير الإدارة لعلي أجد الساعي يقوم بتنظيفه وأسأله عن زوجتي فإذا بي أراها مع مدير الإدارة في موقف غرامي يتبادلان فيه فيما يبدو تحية الصباح بالقبلات‏ !‏
ولا أدري كم لحظة مرت علي وأنا ذاهل عن كل ماحولي‏..‏ ولأنني استوعبت ما حدث فانقضضت عليهما وهما يرجوانني ألا أسيء فهم مارأيت‏,‏ ولولا أن تمالكت نفسي بعض الشيء لحدث ما لا تحمد عقباه ثم دفعت الخائنة أمامي وغادرت الإدارة ولم يكن قد أتي أحد أو شهد ماشهدته‏..‏
وفي البيت أجلستها أمامي وسألتها سؤالا واحدا هو‏:‏ لماذا ؟ ماذا فعلت لك لكي تفعلي بي ذلك‏..‏ فيم أسأت إليك لكي تطعنيني هذه الطعنة القاتلة‏.‏ لقد عاملتك بالحسني طوال زواجنا‏..‏ ولم أقصر في حقك يوما ما ولم أخنك‏..‏ ولم أر في الدنيا كلها امرأة سواك‏..‏ فلماذا ؟ ولماذا لم تطلبي مني الطلاق اذا كنت لا تحبينني ولا ترغبين في مواصلة الحياة معي ؟
ولم تجد ما تقوله سوى أنها مرت بحالة ضعف استغلها مديرها‏..‏ واقترب منها فيها فضعفت أمامه‏,‏ وأنها كانت تأمل أن تقاوم هذا الضعف وتسترد نفسها وترجع لسابق مسيرتها معي‏..‏
واتصلت بوالدتها ودعوتها للحضور وواجهتها أمامها وألقيت عليها يمين الطلاق وطلبت منها أن تصطحبها إلي بيتها وتركت لها الفرصة لجمع ملابسها وحمدت الله ان الابنتين كان في مدرستيهما فلم تشهدا هذا الموقف المخزي‏..‏ ورجعت الابنتان من المدرسة فوجدتاني مريضا في الفراش وحرارتي مرتفعة والعرق يتفصد مني وسألتا عن أمهما فأجبتهما بأنها فاجأتها نوبة مرض عصيبة ونفسية وتستريح لبعض الوقت في بيت أسرتها وأنهما سوف تذهبان لزيارتها كل يوم جمعة إلي أن تشفي‏.‏
وانقلبت حياتي رأسا علي عقب بعد هذا اليوم‏..‏ وظللت مريضا  
سقيما لا أقوى علي مغادرة البيت ثلاثة أيام ولاحظت أمي شرودي وحزني حين زرتها بعد ذلك وسألتني مرارا عما ألم بي فلم استطع أن أنطق بكلمة واحدة وبعد الحاح منها ومن شقيقاتي صارحتهن بإنني قد طلقت زوجتي بسبب تغيرها معي وجفائها لي ولم أزد على ذلك كلمة أخري‏,‏ وبعد ذلك بأيام كررت علي أمي السؤال عن سبب الطلاق فغلبتني دموعي أمامها وأجبتها بعد أن تمالكت نفسي بعض الشيء‏..‏ لأنني رجل يا أمي‏..‏ كما كنت تقولين دائما عني وأريد أن أظل كذلك إلي آخر عمري‏.‏ ففهمت بغير كلام وبكت طويلا وقبلتني في جبيني ودعت لي كثيرا بأن يخفف لي الله عني همي‏..‏ وكفت عن الاشارة لهذا الأمر بعد ذلك نهائيا وان كان الاشفاق يطل دائما من عينيها كلما رأتني‏.‏
والآن يا سيدي فلقد مضت بضعة شهور علي هذا الزلزال الذي هدم أسرتي وهز كياني كله‏..‏ وقد لاحظ علي الجميع حزني واكتئابي وهزال جسمي‏.‏
ولقد عرفت الابنتان من أمهما وليس مني أنني قد طلقتها‏,‏ وتسألانني عن السبب فألوذ كل مرة بالصمت العاجز‏..‏ أو اقول لهما ان حياتنا معا قد انتهت عند هذا الحد فلا تقتنعان‏,‏ وتطالبانني باقناعهما بسبب مقبول للطلاق خاصة انهما طالبتان وقادرتان علي تفهم هذه الأمور‏.‏
وأنا عاجز عن البوح لهما بالسبب الحقيقي للطلاق‏..‏ ولا أريد لهما في نفس الوقت أن تظلمانني وتظنان بي القسوة علي أمهما أو أنني ظلمتها وظلمتهما معها‏..‏ ولا أريد في نفس الوقت أن أشوه صورة أمهما في مخيلتهما وهما فتاتان في مطلع سن الشباب‏,‏ كما أنني لا أجد في نفسي أي استعداد للصفح عن أمهما أو استئناف الحياة معها في يوم من الأيام بعد ان طعنت قلبي وشرفي وكرامتي‏..‏ وبعد ماسمعته منها من اعترافاتها المؤسفة خلال المواجهة‏..‏
وأنا حائر وحزين ويملؤني الإحساس بالخزلان وأتساءل عما جنيته في حياتي لكي أواجه مثل هذا الغدر الخسيس وأنا الذي مات أبي راضيا عني وداعيا لي بالستر والسعادة في الدنيا وكنت ومازلت  
بارا بأمي وشقيقاتي وتدعو لي أمي كل يوم دعاءها الصالح‏..‏ فلماذا انكشف عني غطاء الستر‏..‏ وتجرعت هذه الكأس المرة يا سيدي‏.‏
أنني أريد أن أتخطي هذه المحنة وأواصل حياتي واؤدي رسالتي مع بنتي فماذا أفعل معهما وهل استجيب لضغطهن علي لكي اصارحهما بسبب الطلاق الحقيقي‏..‏ وهل يمكن ان أبدأ حياة جديدة حقا بعد هذا الزلزال الذي هد كياني‏!‏

ولكاتب هذه الرسالة أقول‏ :‏
من نكد الدنيا أن يكون الإنسان ضحية لغيره ثم يجد من بين أقرب الناس إليه من يظنون به القسوة على من جنى عليه أو أن يساء إليه أبلغ الإساءة فلا يقدر على التصريح بحقيقة ما تعرض له من أذي ويحاسبه الأخرون علي رد فعله لما يتكتمه هو في صدره حرجا منه أو رعاية لاعتبارات تربوية وإنسانية أهم لديه من اعتباراته الشخصية‏,‏ وفي كل هذه الأحوال فلسوف يعقل المرء لسانه عن البوح بما يكابده لأنه إن لم يفعل ذلك آذي مشاعره الشخصية قبل أن يؤذي الآخرين وأساء إلي نفسه وأعزائه قبل أن يسيء لمن أخطأ في حقه‏..‏ فكأنما يكابد ذلك الظلم المضاعف الذي أشار إليه الشاعر العربي في قوله‏:‏
ولم أر ظلما مثل ظلم ينالنا
يساء إلينا ثم نؤمر بالشكر
أو بالصمت وكلاهما مر‏,‏ لكنه لا حيلة لأصحاب النفوس الكبيرة سوى تجرع الصمت في مثل هذه الظروف الشائكة ولا مفر أمامهم من الاعتصام به حفظا للحرمات ورعاية للمشاعر وحرصا على معنويات الأبناء ومثالياتهم‏.‏ فواصل التزامك بهذا الصمت النبيل مع ابنتيك ياصديقي وقل لهما إن من الأسباب المشروعة للطلاق بالرغم من كراهته استحالة العشرة بين الزوجين فاذا تعذر الإصلاح وفشلت كل الجهود ولم يعد في طاقة أحدهما أو كليهما مواصلة احتمال الحياة مع الطرف الأخر فلهما أن يتفرقا بلا ضغينة وبغير ان ينقص ذلك من كفاءة أحدهما أو حرصه على  
ابنائه مصداقا لقوله تعالي "وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته"
ولقد استحالت العشرة بينك وبين أمهما ورأيتما بعد طول مجاهدة ان يستقل كل منكما بحياته عن الآخر‏..‏ ويواصل رعايته لأبنائه بغير أن يسيء للطرف الآخر أو يذكره بسوء لديهم‏.‏ والأيام كفيلة بعد ذلك بمداواة الجراح وتفهم الأبناء لبعض حقائق الحياة القاسية بغير ان يهتز رمز الأب أو الأم في مخيلتهما‏.‏
فأما الستر الذي تتساءل في غمار همك بأمرك ورثائك لنفسك‏,‏ لماذا انكشف عنك وأنت الابن البار لأبويه والأخ العطوف لشقيقاته‏..‏ والزوج المخلص لزوجته فإن تساؤلك المؤلم له ما يبرره بالفعل وأنت الذي التزمت بمثالياتك الأخلاقية والدينية في الحياة وتوقعت أن تجزيك عنها الأيام بالسعادة والأمان‏..‏ لكن كل إنسان في الوجود معرض للإساءة من الآخرين ولو كان من الصالحين‏..‏ ولقد تعرض الأنبياء جميعهم للتعذيب من أقوامهم وهم دعاة الحق وهداة البشرية إلي الخير والصلاح‏.‏
والخطيئة في النهاية هي عار المخطيء وليست عار ضحيتها‏.‏
وليس يعيب الإنسان ان يغدر به الآخرون أو يتنكروا له أو يخذلوه وإنما يعيبه ان يقبل الخنا علي نفسه أو يتغاضى عنه طلبا للسلامة‏..‏ فارفع رأسك ولا تشعر بالانكسار والهوان لأن من اخلصت لها العشرة والود لم تحفظ لك الود ولم تبادلك اخلاصا بإخلاص‏.‏
وثق في ان تجربتك معها لم تذهب سدى في النهاية فمن عرف من لا يصلحون له فلقد عرف بغير ان ينهار أمامها سوى أصحاب النفوس الكبيرة مثلك‏.‏ والمثل البوذي القديم يقول لنا بالتالي الصالح المنشود وليس يصمد لاختبارات الحياة القاسية ان العظمة الحقيقية هي في القدرة علي احتمال المكاره‏.‏
ولو راجعت ماجري لك في محنتك لأدركت ان غطاء الستر لم ينكشف عنك في واقع الأمر على عكس ما يبدو لك‏,‏ فلقد اكتشفت ما تعرضت له من غدر في بدايته وقبل ان تفوح رائحته وتزكم الأنوف وتسيء الي كرامتك واعتبارك‏,‏ كما تأكدت من ظنونك بغير أن تنفجر حولك فضيحة مدوية تشعرك بالانكسار أمام  
شهودها‏..‏ ووقعت الواقعة المؤلمة في أضيق حدود العلانية ولم يشهدها سواك ولم يعرف بحقيقة الأمر سوي والدة زوجتك السابقة حين صرحت أنت لها بها وكل ذلك يخفف من الخسائر النفسية والمعنوية‏,‏ ويؤكد لك أن دعاء أبويك لك ومثالياتك الأخلاقية والدينية وتعاملك الأمين مع الحياة لم يذهب هباء والإنسان قادر دائما علي أن يبدأ حياة جديدة في أية مرحلة من العمر وأكثر الناس استحقاقا للسعادة هم الذين اختبرتهم الحياة بالشقاء واستوفوا كأسهم المرة منه‏.‏
وسن السابعة والأربعين مناسبة تماما لبدء حياة جديدة لك إذا رغبت في الزواج من جديد بشرط اختيار الزوجة الملائمة لك في العمر والظروف العائلية والاجتماعية‏..‏ وتقبل ابنتيك مع الأيام للفكرة‏..‏ وتشجيعهما لك عليها‏..‏ وما أظن إلا أنهما سوف تشفقان عليك من وحدتك وتقبلان بها بعد حين‏.‏ والشاعر الألماني شيللر يقول لنا إنه‏:‏ حين يسقط البناء ويتغير الزمن تزهر حياة جديدة من بين الحطام‏.‏
فلعل ما تستشعر مرارته الآن يكون بشيرا لك بحياة جديدة تزهر ورودها من بين حطام التعاسة السابقة ولعل الله سبحانه وتعالي يعوضك عمن تحرص عليك وترع لك حرماتك بمن هي خير منها‏.‏
ولاشك في أن حرصك علي ألا تسيء إلي أم ابنتيك بالرغم من إساءتها لك وترفعك عن التشهير بها لدي ابنتيها والآخرين سيكون شفيعا لك لدي السماء لكي تمسح عنك أحزانك وترشحك للسعادة الحقيقية في قادم الأيام بإذن الله‏.

* نشرت بتاريخ 12 مايو 2000

˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙

نقلها من أرشيف جريدة الأهرام 
Rofida Mohamed Ismail

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali




إقرأ المزيد Résuméabuiyad

من الشــرفة .. رسالة من بريد الجمعة



     نقلتني هذه الرسالة فجأة من دنيا إلي دنيا، ومن عالم إلي عالم آخر تقول كلماتها:
     أكتب إليك هذه الرسالة وأنا في أشد حالات الضيق بعد أن سمعت عبارة ساذجة من طفلي الصغير, ولكي أقول لك ماذا قال لابد أن أروي لك الحكاية من أولها.
     الحكاية يا سيدي أنني مهندس شاب كنت موفقا في دراستي وفي عملي عمري 38 سنة متزوج من مهندسة زميلة لي وموفق والحمد لله في حياتي الخاصة وفي عملي. لدي ولد وبنت أسعد بهما وأشكر الله كثيرا علي نعمته وأعيش حياة هادئة أتمتع فيها باحترام زملائي في العمل وجيراني وأقاربي, وأعيش في مستوي معقول رغم كل شئ .. زوجتي والحمد لله طيبة ومثقفة وعاقلة نجلس معاّ أول كل شهر ونضع ميزانية الشهر فأجمع راتبي علي راتبها ثم نحجز المصروفات الثابتة كالإيجار والكهرباء والأقساط المتوقعة ثم أعطي زوجتي مصروفات البيت وما يتبقي بعد ذلك أقسمة بالعدل بيني وبين زوجتي لمواصلاتها ومواصلاتي وذلك بعد حجز مبلغ صغير كاحتياطي للنفقات الطارئة كزيارة طبيب الأطفال مثلا, وحياتنا والحمد لله منظمة إلي حد كبير نعرف حدودنا ولنا طموحتنا الصغيرة التي نحققها عن طريق الادخار.
     وكل هدف نسعى إليه نخطط له قبلها بعدة شهور, فإذا أردنا مثلا شراء غرفة نوم للأطفال نجئ بمظروف جديد ونكتب عليه اسمه ويضع فيه كل منا ما يستطيع الاستغناء عنه ونضع فيه أيضا أية موارد إضافية من الحوافز في الأجور الإضافية ومنحة الحكومة في الأعياد وغيرها. ونسعد كثيرا كلما رأينا المظروف ينتفخ ويقترب من الهدف! وكم تكون فرحتنا حين يكتمل المبلغ المطلوب ثم نحمل المظروف إلي محل الموبيليا وندفع ثمن غرفة النوم ونحس أننا أجزنا شيئا كبيراّ في حياتنا. وبهذه الطريقة حققنا نجاحات كبيرة. وبنينا أهرامات صغيرة نعتز بها في حياتنا فأدخلنا طفلينا مدرسة خاصة راقية ونشتري ملابس لائقة للشتاء والصيف, ونقضي كل عام أسبوعين في أحد المصايف عن طريق الرحلات التعاونية للشركة التي أعمل بها, وأكملنا تأثيث شقتنا. واشترينا التليفزيون الملون.
     وتسألني بعد كل ذلك وأين هي المشكلة وأجيبك أنه ليس هناك مشكلة محددة .. لكن هناك "مصيبة" نزلت فوق رأسي بلا ذنب فلقد كانت هناك قطعة أرض فضاء ملاصقة للعمارة التي أقيم فيها سمعنا أن أحد الأغنياء قد اشتراها. وبدأ البناء فيها. وخلال سنة واحدة أقيم فوقها قصر فخم وطوال فترة البناء كنا نعتقد أن الرجل يبني فندقا من فنادق الدرجة الفاخرة ونتوجس خيفة من افتتاح الفندق والضجيج الذي سوف يحدثه فندق يتردد عليه النزلاء في هذه المنطقة الهادئة, إلي ان انتهي البناء والديكور وبدأ التأثيث فبدأ الشك يساورنا في أن ما يقام بجوارنا هو فندق جديد فلقد بدأت سيارات محلات الأثاث الكبرى تأتي كل يوم محملة بأثاث لا يمكن أن يكون أثاث فندق مهما كانت درجة فخامته, صالونات مذهبة بالصدف وبرؤوس الحيوانات وانتريهات لا حصر لها .. وغرف نوم دائرية وبيضاوية وبكل الأشكال .. وحمامات بكل الألوان سألنا ذات يوم حارس العمارة الريفي وهو من أقارب صاحب البناء فقال الرجل ببساطة إن المعلم يبني "دارا" له ولأولاده.
     المهم انتهي البناء والتأثيث وجاء يوم الافتتاح وفوجئنا بحديقة القصر مزدحمة بالمعلمين والأقارب وجاءوا بعدة عجول ذبحت علي باب القصر وغمس أحد الأتباع يديه في دم ذبيحة ثم طبع كف يده علي باب الفيلا وعلي حائطها الخارجي كأنه يقول لنا يا ناس يا شر كفاية قر.
     واستقر الجيران في قصرهم بجوارنا وبدأ عذابنا ! وبالرغم من أن مرحلة التأثيث قد انتهت منذ زمان إلا أن سيارات المحلات الكبرى تأتي كل عدة أيام تحمل ثلاجات بارتفاعات لم نرها في الأفلام وأجهزة تليفزيون وأجهزة استريو وأجهزة فيديو وشرائط فيديو بالصناديق وكاميرات سينما وأجهزة عرض سينما.
      وكل شئ بالكوم .. أما الملابس فلا أعرف متي يلبسون كل هذه المشتريات التي تحملها سيارات النقل وهم يعيشون في حالة مهرجان مستمر حفلات غداء وحفلات عشاء .. وخروج في صف سيارات إلي المسارح والملاهي, أما حفلات الغداء فحدث عنها ولا حرج سيارات عليها اسم أكبر جزار في مصر تأتي لتفرغ الذبائح وسيارات عليها اسم أكبر محلات الحلوى تأتي لتفرغ التورتات والحلويات. وسيارات نقل تأتي لتفرغ 50 أو 60 بطيخة من حجم الفيل. وحفلات عيد ميلاد .. وعيد زواج .. وعيد أي شئ ومطربون ومطربات وفرق موسيقية كفرق العوالم تصدح بأغان سوقية عالم عجيب .. وضيوفه أعجب والشارع كله يهيص كلما كانت هناك حفلة منادون خصوصيون للسيارات ينظمون المرور ويرتبون وقوف السيارات .. وأتباع يقفون علي باب القصر وناس يتجمعون ليتفرجوا مذهولين علي أيام وليالي ألف ليلة وليلة, ومن سوء حظنا أنهم يفعلون كل ذلك في الحديقة تحت أنظارنا, ثم هل تصدق أن لهم مقاول زبالة مخصوص يأتي كل يوم ليحمل بسيارة أطنان الزبالة الفخمة ويرفض الاقتراب من زبالتنا ؟
     ومرة ثالثة ستسألني وماذا يضيرك في كل ذلك وسأقول لك ماذا أضرّني بالفعل, أضرنّني الكثير يا سيدي- وخسرت الكثير بالفعل ستقول لي ما دخلك في ذلك, وسأقول لك إن لي دخلا كبيرا في ذلك إن لم يكن بإرادتي فبغير إرادتي فقد كنت أعيش سعيدا قبل هذه الجيرة السعيدة ولكنني لم أعد كذلك وإذا لم تصدقني أرجو أن تزورني وسأصحبك إلي شرفة مسكني لتري بعينك ما يجري بجواري وسأترك لك بعد ذلك الحكم. الأسرة التي سكنت بجواري عائلها رجل .. معلم.. مازلت أعجب من أين جاء بهذه الرغبة المتأججة للاستمتاع بالدنيا.
     سمعت من الحارس أنه بدأ حياته بائعاّ سريحاّ في بلدة خارج القاهرة ثم تاجر في كل صغير .. ثم في محل كبير ثم خلال 10 سنوات فقط لا غير تحول من تاجر كبير إلي مليونير يستطيع أن يبني فيلا لا يقل ثمنها عن عدة ملايين. وليست هذه هي القضية .. لكن القضية هي أسلوب حياة الجيران الجدد فهم يركبون 3 سيارات مرسيدس من نوع التمساحة. وإلي جوارها عدة سيارات صغيرة. فرط. للبنات الصغيرات وهم يفتحون الستائر في الصباح فتتشعلق سيدات العمارة ورجالها –وشرفك- يتفرجون على ما يظهر من خلف الزجاج من التحف والرياش والنفائس.
     بعد وصول جيران الهنا إلي حينا فقد خسرت إحساسي بالتفوق والامتياز وبأن المستقبل مفتوح أمامي لأني مهما صنعت ومهما تعبت وخدمت عملي بإخلاص لن أحقق واحدا علي مليون مما أراه كل يوم .. وخسرت هدوء نفسي وإحساسي بالرضا عن حياتي وعن بيتي وأسرتي .. لأني وجدت نفسي بدون إرادة موضوعا موضع المقارنة الظالمة مع من لا طاقة لي بهم. وخسرت إحساسي بأني أنجزت شيئا أفخر به في حياتي .. وقد كنت أحس بهذا الإحساس حتي ولو عدت إلي بيتي حاملا بطيخة وأسعد كثيرا بفرحة أطفالي بها. بل لن تصدقني لو قلت لك إنني والله العظيم لاحظت أن صوتي بدأ يخفت عندما تطلب زوجتي مني طلبا ما.. وكنت قبل ذلك أقول لها بكل ثقة أنظري ماذا فعلت لك.. أما الآن فأصبحت نفسي "مكسورة" لأني أعرف أنها تري ما أراه ومن حقها كإنسانة أن تضعف وتطلب. أما أكثر ما آلمني في كل هذه القصة فهي هذه العبارة الساذجة التي أشرت إليها في أول الرسالة.. والتي قالها لي ابني اليوم ونحن في الشرفة نتفرج علي مهرجان جديد من المهرجانات المستمرة. لقد قال لي ببراءة ليه يا بابا معندناش فيللا زي دي .. ولا عربيات كتير وفلوس كتير زي الناس دول "فقل لي بربك ماذا أقول له.. وماذا أقول لنفسي الأمارة بالسوء؟".

ولكاتب هذه الرسالة أقول:
     هذه هي الرسالة التي نقلتني فجأة إلي هذا العالم العجيب وهذه المشكلة الأكثر عجبا. إنني يا صديقي أشفق عليك مما تعانيه وأفهم تماما ما تشعر به من إحساس بالعجز والإحباط واللاجدوى بسبب هذه الصورة الجديدة للحياة التي اقتحمت عليك حياتك الهادئة, وكادت تفسدها عليك فكل أحاسيسك هذه أحاسيس مشروعة ومفهومة ولا يجدي هنا أن أقول لك ماذا يهمك من الأمر ماداموا لا يعتدون عليك في شئ.. فالحق أنهم يعتدون بالفعل علي حياتك الهادئة وعلي مثلك العليا وقيمك بهذا الإنفاق الاستفزازي تحت بصرك وبصر أسرتك.. ومن هنا تأتي أهمية إدراك الأثر الاجتماعي للسفه والإنفاق الاستفزازي وسط بحيرة من الحرمان.
      والمشكلة أن معظم أثرياء الطبقة الجديدة لا يدركون القيمة الأدبية والاجتماعية للمال ولا أثر هذا الإنفاق السفيه علي حياة الآخرين .. بدعوى أنه مالهم وهم أحرار فيه. وهذا هراء لأنك لا تستطيع أن تحرق ألف جنيه بالنار أمام عين جائع بغير أن تخشي علي حياتك منه رغم انه مالك " وأنت حر فيه" لأنك آذيت بذلك آخر يتطلع إلي جنيه واحد منه بحرقه أمامه. ولو اعتدي عليك هذا الجائع ساعتها لقدرت المحاكم هذه الظروف واعتبرتها ظروف مخففة للعقاب, لذلك تتضاعف أهمية السلوك الحضاري والتصرف الحضاري في المال. لكن من يقرأ ومن يفهم؟
     وبرغم كل ذلك أقول لك يا صديقي إن السعادة تنبع من داخل الإنسان ولا تأتي إليه من خارجه. وأن العقلاء من الناس من يرون الأمور في أوضاعها الطبيعية .. ويدركون أن لكل إنسان حياته .. ولكل إنسان نصيبه من الدنيا .. ومن لا ينشغلون بمراقبة الناس ومن راقب الناس مات غماّ كما يقولون.
     والسعداء من الناس من يرون ما في أيديهم ويرضون عنه ويشكرون الله عليه ثم يسألونه من فضله المزيد.. ولا بأس في ذلك فالله يحب أن يسأل. لكن بعض الناس يا صديقي لا يرون إلا ما في أيدي غيرهم.. ولا يرون إلا ما ينقصهم ويتعذبون به.. وهؤلاء عذابهم طويل لأنه لا حد لاحتياجات الإنسان ولا نهاية لها. ثم إنك نسيت في انشغالك بمراقبة هؤلاء كل ما لديك وهو كثير كثير وينبغي أن تشكر الله عليه.. فلديك حياة عائلية موفقة وزوجة مخلصة وعاقلة وطفلان تسعد بهما النفس.. وعمل مرموق موفق وحياة اجتماعية معقولة يحلم بها مئات الآلاف وصحتك جيدة والحمد لله أنت وأسرتك.. فماذا تريد أكثر من ذلك؟         


*نشرت بتاريخ 27 يوليو 1984

˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙
كتبها من مصدرها بكتاب فتاة من قاع المدينة
ليليان علي

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali



إقرأ المزيد Résuméabuiyad

الوتر المشدود .. رسالة من بريد الجمعة


ترددت قليلا فى نشر هذه الرسالة لأنى لا أنشر عادة مثيلاتها من الرسائل .. لكنى وجدت فيها بعض ما قد يفيدنا للإطلاع عليه من أحوال النفس البشرية,فتغلبت على ترددى ورأيت ألا أحبسها فى صدري وحدي.

سيدى .. أريد ان أسألك سؤال يلح على .. لماذا لا يقبل الرجل"الشرقي" أن يطلق زوجته وقد عرف وتأكد أن هناك رجلا آخر قد ملك عليها قلبها؟ ولماذا يصر الرجل الشرقي على عدم طلاق زوجته بعد أن طلبت منه ذلك وتوسلت إليه إلى حدٌ أن أخبرته بأن هناك رجلا آخر فى قلبها ؟ لماذا ؟... إنني بكل أسف هذا الرجل الشرقي .. وهذا السؤال المحرج أوجهه إلى نفسي كل يوم ولا أستطيع الإجابة عنه .. لهذا أردت أن أشركك معى فيه .. ولنبدأ القصة من البداية .. كلانا أنا وهى من حملة المؤهلات المتوسطة ونعيش فى إحدى عواصم الأقاليم وقد تمت خطبتنا عن طريق المعارف, ثم عقدنا القران لنستفيد ببعض المزايا التى تتيحها لنا قسيمة الزواج كقطن التنجيد وحجز الشقة الشعبية وخلافه. وكان علينا أن ننتظر سنوات حتى يتم الحصول على الشقة وتجهيزها للزواج .. وبعد القران بعام تم تعيين زوجتي على الورق فى مؤسسة كبيرة بنفس المدينة التى نقيم فيها .. وكنت أنا أعمل فى مؤسسة أخرى .. وبعد عدة شهور من تعيينها حدث الحدث الذى كنت أظن أنه لا يحدث إلا فى الأفلام فقط, إذ من بين خمسمائة آنسة وسيدة يعملن تحت رئاسة مدير شاب وسيم تعلم فى الخارج ويشهد له الجميع بالإستقامة والأمانة وطهارة اليد وتتمناه أية إمرأة .. من بين كل هؤلاء السيدات والآنسات وقع هذا المدير فى غرام السيدة التى حملت إسمى بعد عقد قراني بها, ولم يُرد ولم يتمنى غيرها, وبادلته هى حبا بحب وبجنون, حتى أصبحا حديث المؤسسة كلها .. ثم بلغتنى الأخبار وتمزقت بالإحساس بالعار والحنق والغيظ .. وبعد تردد قصير واجهتها بما سمعت فلم تنكر, وإنما طلبت منى الطلاق فى هدوء,لأن قلبها ليس معى ولن يكون لى أبداً ولأنها كما قالت: لن تحب أحداً إلا هذا المدير حتى اللحظة الأخيرة فى عمرها .. وصعقت واستعديت عليها أهلها وحاصرتها بهم, وتعجلت إتمام الزواج لكى أضعها فى موقف لا تستطيع فيه أن تتزوج من مديرها .. وتم الزواج فعلا ومر على زواجنا الآن ست سنوات أنجبنا خلالها طفلين .. وطوال هذه السنوات لم أكسب قلبها أبدا حتى هذه اللحظة, وطوال هذه السنوات كان لى جسمها فقط أما قلبها فلم يكن لى ولن يكون لأني أعرف عن يقين أنهما مازالا على عهدهما من الحب العفيف , ولا أستطيع أن أدينها بأي خطأ فى حقي أو فى حق الدين أو المجتمع .. والكارثة أنها رغم الطفلين ورغم كل هذه السنوات مازالت تأمل فى أن أطلقها, ومازال مديرها ينتظرها ولم يتزوج .. وأنا أحس بها تتعذب وتكتم وتتألم وتعطيني من نفسها فى حسرة وألم, ثم أجدها تبكى وحدها بالساعات , وأسمعها تنتحب حتى وهى تصلى, فأحس أحيانا بأنى أريد أن أسرحها بإحسان , خاصة وقد أخبرتني بكل شئ قبل الزفاف .. وفى أحيان أخرى أحس بأنى أريد أن أقتلها هى ومديرها الولهان .. ثم أفكر فى أطفالي فأطرد هذه الفكرة عن خاطري .. وبين هذا الإحساس وذاك مضت حياتى معها, ومازالت حتى الآن .. إننى لا أحبها جدا أو للدرجة التى تجعلني أتحمل هذا العذاب, لكنى أتمسك بها إغاظة لها ولمديرها الذى أعجب من أمره, وأريد أن أدفع نصف عمرى لو أعرف منه فقط ما هو الشئ المميز والفريد الذى وجده فيها ولم يجده فى غيرها ويجعله يتمسك بها إلى هذا الحد  أننى أكاد أجن أو أرتكب حماقة أندم عليها, فقد كنت أظن أن كليهما سينسى هذا الحب بعد الزواج أو بمجرد إنجابها وانشغالها بالأطفال وبشئون الحياة.. لكنى اكتشفت أنى كنت واهما فحرمانهما من بعضهما قد زادهما جنونا وتعلقا , وهى تعرف أنى أعرف أنها مازالت تتمنى أن أطلقها لكى تتزوج منه, ولم تكف طوال السنوات الماضية عن مطالبتى بطلاقها .. إلا حين هددتها بأنى سأقتل مديرها إذا لم تكف عن طلب الطلاق .. فصدقتنى .. وكفت فعلا.. لكنها راحت تذبل وتذوى منذ أدركت أنى لن أعطيها حريتها أبدا وتستسلم لنوبات طويلة من البكاء خفية عنى .. وتحاول ألا تظهر أمامى شيئا من ذلك لكنى أعرف .. وأعرف أن قلبها لم يكن لى ولن يكون ..وأفهم كل ذلك فماذا أفعل؟.

ولكاتب هذه الرسالة أقول:
إنك لم تغظها وحدها وإنما أغظتني أنا أيضا برسالتك هذه وبمنطقك العجيب فيها؟
فلقد تعاملت يا سيدى مع مشكلتك منذ البداية بمنطق الرجل الذى يقول عنه الإنجليز فى أمثالهم أنه أراد يوماً أن يغيظ زوجته فقطع أذنيه لكى تعايرها الزوجات بأن زوجها بلا أذنين !! فآذى نفسه أشد الأذى ولم يغظ فى النهاية سوى نفسه !
والحق أنك قد تفوقت على هذا الرجل فى عناده, فلم تدمر نفسك معنويا وإنسانيا فقط, وإنما دمرت معك هذه السيدة التى مهما كان خطؤها أو خطيئتها قبل الزفاف , فلقد اعترفت لك بها منذ البداية, و طالبتك بتسريحها بإحسان وأكدت لك أنها لن تكون لك أبدا لأن قلبها رهينة عند غيرك إلى آخر نفس فى صدرها .. ورغم بشاعة تصرفك حين حاصرتها بالأهل لكى تجبرها على إتمام الزواج, فإنك لم تكتف بذلك وإنما ارتكبت جريمة أشد نكراً هى إنجابك لطفلين من أم خَبرت بنفسك حقيقة مشاعرها تجاهك, وتأكدت من أنها لن تكون لك ذات يوم .. فكيف رضيت لنفسك هذا الهوان؟
لقد أخطأت زوجتك بارتباطها عاطفيا بغيرك وهى مرتبطة معك بعهد الوفاء, وأجرمت فى حق نفسها حين ضعفت عندما حاصرتها لإتمام الزواج, ولم تصمد للعاصفة وتتمسك بالانفصال مهما كانت العواقب إبراءَ لذمتها من الارتباط بك وقلبها لغيرك .. وأجرمت معك بإنجابها هذين الطفلين وهى على يقين من أمر نفسها, ومازلت تتعلق بالأمل حتى اليوم فى غيرك .. أخطأت زوجتك لا شك فى كل ذلك لكن فى أى دين أو عرف أو منطق يكون عقاب خائنه العهد هو تهديدها بالأهل لإتمام الزفاف وتوريطها فيه؟. أهكذا يتصرف الرجال شرقيين كانوا أم غربيين؟ لا يا سيدى لا تظلم الدماء الشرقية بهذا الافتراء .. لقد إستمع الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام إلى امرأة تريد أن تعفف نفسها من الفتنة , فأمرها الرسول بأن ترد عليه ما أخذت منه , وأمر زوجها بأن يطلقها ويتزوج غيرها رعاية لحقه وكرامته وحفاظا عليها من الزلل.
هذه هى الشرقية الحقيقية المستهدية بقيم الدين والعرف الرجولة والفروسية , وليست كما فعلت .. فإمساك الزوجة الكارهة على غير إرادتها أو تركها معلقة لسنوات طويلة فى نزاعات المحاكم لمجرد حرمانها من الزواج بآخر , ليس سوى حض لها على الخطيئة والانحراف , وهى مازالت تحمل اسم الزوج الذى يمسكها أو يراوغ لتركها معلقة .. ثم يسمى البعض هذا التصرف انتقاما ! فأي انتقام هذا؟ إنه انتقام قاطع أذنيه وليس انتقام الرجال .. فعقاب خائنة العهد الحقيقي هو إخراجها من حياة من لم تحفظ عهده, ومغالبة النفس للتخلص من أية مشاعر تجاهها, ثم التطلع لحياة جديدة مع غيرها بعد أن تبرأ النفس من جراحها .. ويتكفل الزمن بمداوتها.
أما غير ذلك فليس انتقاما إلا من النفس .. ولا عقابا إلا لها .. فأي عقاب للنفس أقسى من أن يرضى لها المرء بمعايشة هذا الجحيم وتجرعه يوما بعد يوم .. وفى مقدوره أن يعفى نفسه منه لو تعالى على آلامه وقرر مواجهة نفسه بدلا من مراوغتها, وسلم بأن ما جرى له هو محنه شخصية قد يصادفها أي إنسان سئ الحظ فى حياته, وإنها لا تنال من احترامه عند الآخرين إلا إذا تمسك بمن لا تريد العيش معه وتستميت للانفصال عنه.
وأما ما عدا ذلك فحكم جرت به المقادير .. وليس علينا سوى التعامل معه بما يحفظ علينا كرامتنا وإنسانيتنا .. وفى أعيننا نحن أولا .. قبل أعين الآخرين
إننى أتردد ألف مرة قبل أن أشير على أحد بطلاق زوجته إذا كان له منها أبناء صغار .. وكان هناك بصيص من أمل فى الإصلاح .. لكنى فى حالتك الفريدة هذه لا أرى لك رأيا غيره وإن كان الثمن باهظاً بكل أسف, وسوف يدفعه طفلاك .. لكن ربما يخفف من وطأته أنهما إن لم تفعل فسيرضعان من أمهما عدم احترامك, وسيشبا فى بيت قوائمه آيلة للسقوط فى أية لحظه .. وسيواجهان نفس المصير اليوم أو غدا .. ولله الأمر من قبل ومن بعد !..


˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙
كتبها من مصدرها بكتاب العيون الحمراء 
Bossa Aly

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali


إقرأ المزيد Résuméabuiyad

الكتاب المفتوح .. رسالة من بريد الجمعة


أنا يا سيدي أستاذ جامعي في الثانية والأربعين من عمري نشأت في أسرة يعولها أب يعمل بالتجارة .. وبين أشقاء كثيرين .. ثم فقد الأب ثروته تدريجيًا وأسفرت الحياة عن وجهها القاسي .. فعرفنا مبكرًا إنه لا سند لنا في الحياة سوى سواعدنا وتفوقنا .. وكافحت أمي معنا كفاح الأبطال لتربيتنا وتعليمنا حتى تخرجنا جميعنا في الجامعات .
وتركت التجربة المريرة آثارها على شخصيتي فعلمتني الاعتماد على النفس .. فتخرجت في كليتي متفوقًا .. وواصلت طريق الدراسة فحصلت على الماجستير .. ثم أوفدت في بعثة للحصول على الدكتوراه .. من إحدى دول أوروبا .. وسافرت إلى هناك محملاً بكل الآمال الطيبة .. وتحملت عناء الغربة حتى حققت لنفسي ما تمنيته لها وعدت لبلادي متفتحًا للحياة ومارست عملي .. وكان أول ما سعيت إليه هو الحصول على شقة تمليك ملائمة بعد جهاد مرير وجلست يومًا ألتقط أنفاسي فاكتشفت أني أعيش في كفاح متواصل منذ بدأت عامي الجامعي الأول .. وأني بلغت الخامسة والثلاثين من عمري فهفا قلبي إلى أن أقيم بيتي الخاص .. وأن أنعم فيه بالأمان والاستقرار مع شريكة الحياة .. وآثرت الزواج من فتاة جامعية من مستواي الاجتماعي وخطبتها .. وعشت لحظات السعادة الصغيرة في أيام الخطبة .. وقررت أن نتزوج وأن نذهب لقضاء الأيام الأولى من الزواج في نفس المدينة الأوروبية التي تلقيت العلم فيها وشهدت صراعي مع الحياة .. وتم الزواج وسافرت في إجازة إلى هناك .

وفي اليوم الأول لوصولنا إلى المدينة .. توقف التاكسي أمام الفندق الصغير الذي سنقيم فيه وكانت معنا ثلاث حقائب .. وضعها سائق التاكسي على رصيف الفندق وحصل على أجره وانصرف .. فانحنيت على الأرض وحملت حقيبتين وأشرت إلى زوجتي بتلقائية لكي تحمل الحقيبة الثالثة الأصغر لتخطو داخل الفندق فحملتها لوهلة .. ثم فجأة ألقت بها على الأرض وصرخت أنها ليست خادمة ! وتداركت الأمر سريعًا فحملت الحقيبتين إلى الفندق وعدت سريعًا إلى موقفها فحملت الحقيبة الثالثة واصطحبتها للداخل .. وتمسكت بأحلام السعادة فتجاوزت عن هذا الحادث الصغير وأصررت على ألا أدع شيئًا يفسد عليّ هنائي .

ومضت الإجازة وعدنا لمصر .. وبدأت أكتشف أن هذا الحادث الصغير ليس مجرد تصرف عابر لكنه يعكس شخصيتها وأسلوبها في الحياة .. فهي ترفض أن تقوم بأي عمل تتصور أن فيه انتقاصًا من كرامتها .. وتعلنني في كل مناسبة أنها لم تكن تفعل شيئًا ، أي شيء في بيتها وأن أباها وأمها كانا يخدمانها وفي أحد الأيام الأخيرة من شهر العسل سمعتها تحادث صديقة لها في التليفون وتقول لها أنها ستعرف كيف تملي إرادتها على زوجها في كل شيء ! فتعجبت لذلك ونشبت بيننا أول مشادة قبل أن يجف الحبر الذي كتب به عقد قراننا ورغم ذلك فقد تمسكت بألا تفشل حياتي بعد أن عانيت كل ما عانيت من أجل أحلام السعادة ، وأنجبنا طفلاً حسم الأمر من جانبي .. ولم يعد أمامي من خيار إلا إنجاح الحياة والحفاظ عليها من أجله .. ثم أنجبنا طفلاً آخر لكن المتاعب لم تتوقف .. وإنما تزايدت .. وتحولت الحياة بيننا إلى صراع مستمر لفرض إرادتها عليّ في كل شيء متصورة أن المرأة ينبغي أن تكون الأقوى ! .. وفي كل أزمة تكون كلمتها الأولى هي : أريد الطلاق فأتساءل بتعجب وهذا الطفلان اللذان يحبوان في الأرض .. ماذا يكون مصيرهما .. ثم تهدأ العاصفة .. وتستمر الحياة إلى حين ثم جاءتني فرصة للإعارة إلى إحدى الدول العربية .. فأملت أن تكون حلاً لبعض مشاكلنا خاصة بعد أن خسرت معظم مدخراتي في شركات الأموال ففوجئت بها ترفض أن تصحبني إليها بحجة أن الحياة فيها لا تناسبها ، واضطررت إلى السفر وحيدًا وعانيت الغربة مرة ثانية .. وبدأت أتصل بها تليفونيًا بانتظام لأطمئن على أسرتي الصغيرة وفي كل اتصال تروي لي عن "جهادها" في تربية الطفلين ومتاعبهما كأنه ليس في الدنيا أم أنجبت طفلين سواها وأشركتني معها على البعد في كل المتاعب الكبيرة والصغيرة حتى بلغ بها الحال أن هددتني بأن ترسلهما إليّ في غربتي لأنها لا تستطيع تحمل العبء وحدها بالرغم من قيامي بتوفير كل مستلزماتها هي والطفلين قبل سفري وخلاله ، ووجدت نفسي أعايش القلق عليهما وأنا هناك يومًا بعد يوم وبدأت أعاني الاكتئاب والضيق والأرق ولا أطيق الغربة التي تحملتها من قبل  سنوات وضاقت نفسي بالحياة فلم أستطع استكمال العام بعيدًا وعدت بعد 9 شهور فقط من سفري في إجازة ولأحل مشاكلها ومتاعبها ثم أعود لاستكمال الإعارة ..

ففوجئت بها بعد أيام من وصولي تغادر بيت الزوجية إلى بيت أهلها تاركة لي الطفلين .. وتضعني أمام اختيار صعب لاستكمال الإعارة .. هو تسليمي لها بكل ما تريد وتلبية كل مطالبها ثمنًا لعودتها لبيت الزوجية وتربية طفليها وإلا فلن تعود .. ولن أستطيع أنا السفر تاركًا الطفلين للمجهول ، أما شرطها يا سيدي فهي تأمين مستقبلها بتسجيل الشقة التمليك التي عانيت الكثير للحصول عليها باسمها ، ومبلغ شهري كبير ، هذا أو الطلاق وكان الطفلان اللذان تركتهما وراءها لم يبلغ أكبرهما الخامسة ولم يبلغ أصغرهما الثالثة من عمره وجلست أراجع شريط حياتي .. وأتساءل ماذا جنيت يا ربي لكي ألقى هذا العناء .. وماذا جنى هذان الصغيران وفي لحظة اختيار صعبة قررت ألا أعود للدولة العربية التي أُرت إليها متنازلاً بذلك عن مستحقات مالية كبيرة وعن كتبي وملابسي التي تركتها هناك وقررت البقاء مع الولدين لأقوم لهما بدور الأم التي تخلت عنهما .. وقررت ألا أخضع لمطالبها أكثر من لك ويكفيها أنها قد تسببت في رمان ولديها وحرماني حرمانها أيضًا من رزق الإعارة الذي أرسله الله لنا ليخفف من متاعبنا ..

وبدأت فتسلمت عملي في جامعتي الإقليمية التي أعمل بها .. وتفرغت لرعاية الطفلين وطلبت زوجتي كل متعلقاتها وأثاثها .. وحملته من شقة الزوجية .. وعوضت أنا ذلك ببعض الأثاث العملي .. وبالأجهزة العديدة التي اشتريتها من الخارج .. وبدأت حياتي كأب وأم لطفلين صغيرين لأول مرة .. فأصبحت أصحو كل يوم في الخامسة صباحًا .. فأصنع الإطار للصغيرين وأقودهما للحمام ثم أساعدهما على ارتداء ملابس الخروج .. وأصطحبهما إلى مدرسة الحضانة فأتركهما فيها إلى وسط المدينة لألحق بالأتوبيس الجامعة الذي يحملني خلال ثلاث ساعات إلى كليتي وفي الكلية ألقي محاضرتين أو ثلاثة على الأكثر .. وقد أعفاني زملائي الذين يقدرون ظروفي الإنسانية ويتعاطفون معي من باقي جدولي ونهضوا به هم جزاهم الله خيرًا عني ثم أسرع إلى الأتوبيس وأسافر إلى القاهرة لأصل إلى مدرسة الحضانة في الثالثة بعد الظهر فأجد الطفلين يلهوان في الفناء بعد أن انصرف كل التلاميذ الصغار مع أسرهم .. وأصطحبهما إلى البيت وأمضي المساء في خدمتهما فأطهو لهما الطعام وأغسل لها ملابسهما وأذاكر معهما دروسهما .. ثم أضعهما في فراشهما وأرقبهما إلى أن يستسلما للنوم .. أما أمهما سامحها الله فهي لا تراهما إلا مرة كل أسبوعين وأحيانًا كل ثلاثة أسابيع .. ولمدة 24 ساعة فقط لا تزيد ولا تقبل بقاءهما عندها أكثر منها .. وتعيدهما إليّ سريعًا لأتكبد متاعب خدمتهما لأضعف وأرضخ لمطالبها وكلما أرسلت إليها من يبلغها بأن طلها الصغير يحلم بها كثيرًا ويبكي من أجها ويسألني عنها .. جاءني جوابها القاسي ، أن أترك البيت أولاً كشرط لكي تعود وترعى طفليها .. وأسأل نفسي هل يطمئن قلبي إلى رعاية مثل هذه الأم وحدها لطفليّ الصغيرين .. وأجد الجواب بالنفي ثم أين أذهب أنا ولماذا .. فلا أجد جوابًا وأواصل الطريق متحملاً أقداري .. ومضت ثمانية شهور طويلة فشلت خلالها كل محاولات التوفيق بيننا وأبدت هي رغبتها في الحصول على الطلاق مرة أخرى وأعلنت استعدادها لتنازل رسميًا عن حضانة الطفلين وقبلت ذلك وتحدد يوم تجئ فيه لمقابلتي في الشهر العقاري لتوثق لي تنازلاً عن حضانتهما .. والتقينا .. ووجدتني أقول لها ربما بغير وعي مني .. ألا تفكرين قليلاً لعلك بذلك تسعدين ثلاثة قلوب تحاج إليك .. ويجيئني جوابها كالطمة .. لنتكلم فيما هو مفيد .. وهو التنازل والطلاق .. وأتمالك نفسي وندخل إلى الموظف المختص ونروي له القصة وكان موظفًا شهمًا .. فما إن يسمعها حتى يثور ثورة عارمة .. ويقول إن هذا مخالف للقانون وليس من حق الأم أن تتنازل عن حضانة أولادها قبل بلوغهم السن القانونية وأسأله ما العمل وهي تطلب الطلاق وترفض رعاية طفليها إلا إذا طلقتها وإذا طلقتها الآن لحصلت هي على الشقة التي وضعت فيها كل ما أملكه ويغلي الدم في عروقه .. ينتحي بي جانبًا ثم ينصحني بألا أطلقها إلا إذا وفرت لها مسكنًا آخر تضم إليها فيه الطفلين .. وأحتفظ أنا بشقتي التمليك .. أو بألا أطلقها إلا بعد أن يصل الولدان إلى السن القانونية فلا يصبح لها الحق في شقتي أو في أي شقة أخرى .. وأشكره وأنصرف .. ورحت أبحث عن شقة أخرى وعرض إخوتي أن يتنازلوا عن شقة الأسرة لأجعلها شقة الحضانة فعرضتها عليها فرفضتها بحجة أنها ليست من مستواها !

.. وأخيرًا استطعت أن أدبر مبلغًا من المال بدأت به في بناء شقة لها على قطعة أرض للبناء كنت أدخرها للأسرة والطفلين لكي أقدمها لها كمأوى شرعي عند طلاقها .

ومضت الشهور .. وبدأت أضيق بظروفي ووحدتي .. ونصحني الأهل بأن أتزوج أخرى .. وأنسى هذه التجربة المؤلمة .. لكن من يا سيدي تقبل رجلاً مطلقًا في رقبته طفلان أكبرهما في السادسة . لقد مضى على هجرها للبيت الآن ثلاثة عشر شهرًا .. ويبدو أنها لم تكن تتصور أني سأصمد كل هذا الوقت في رعاية الطفلين والقيام بواجبات الأم والأب معًا .. لذلك فقد بدأت تتنازل عن مطلب نقل ملكية الشقة لها وقالت لوسيط أنها تطلب فقط الآن أن أذهب إليها وأن أردها وأن أقدم لها شبكة ذهبية من جديد تأمينًا لمستقبلها لكي تعود .. لكني حائر هل أثق فيها مرة أخرى .. وهل ستستقيم الحياة معها من جديد .. وأنا أعرف وأنت تعرف أن الطبع غلاّب .

إن قلبي مع طفليّ في حاجتهما لأمهما .. لكن عقلي يقول لي أنه لا فائدة وإن مسلسل العذاب سيستمر معها إلى مال لا نهاية .. وأن الأفضل أن أتزوج أخرى .. فبماذا تنصحني أن أفعل ؟

§                                 ولكاتب هذه الرسالة أقول :
§                                 إن الآباء والأمهات مسئولون مسئولية كاملة ليس فقط عن تربية الأبناء ولكن عن سعادتهم أيضًا ، لسبب منطقي بسيط هو أن هؤلاء الأبناء لم يستشاروا أصلاً فيما إذا كانوا يرغبون في المجئ إلى الحياة أم لا ، ومادام الآباء هم الذين يتخذون هذا القرار منفردين فمن واجبهم التضحية من أجل سعادة أبنائهم .. ولو بالتضحية بسعادتهم الشخصية في بعض الأحيان .

وأنت يا صديقي قد تحملت من أجل طفليك ما قد ينوء به غيرك .. فأين تضحية الأم وعطاؤها لهما وهي من كانت الأجدر بذلك ؟ إن طفليها ليسا مسئولين عن حسن أو سوء اختيارها لشريك حياتها لكنها لا تعي هذه الحقيقة ولا تفهمها .

وفي تقديري أن كليكما قد أخطأ بالاستمرار في هذا الزواج إلى أن أنجبتما أول أطفالكما بعد أن قُرئ كتاب زاوجكما من عنوانه في الأيام الأولى منه .. وأنبأكما بأن كليكما لم يحسن اختيار رفيق دربه .. أنكما تتراسلان على موجتين مختلفتين .. وأن لهيب الشقاق كامن تحت الرماد "ويوشك أن يكون له ضرام" كما يقول الشاعر .

ومع ذلك فإن كثيرات من الزوجات يراودن أنفسهن على الرضا بأقدارهن .. والتوافق معها إذا أنجبن وجئن إلى الحياة بمن لا ذنب لهم في اعتباراتهن الشخصية .

والمشكلة يا سيدي هي أن زوجتك لم تروّض نفسها من قبل على أن تضحي بشيء مهما صغر شأنه من أجل أطفالها .. وكتابها المفتوح معك يؤكد كل ذلك فلقد أرهقتك نفسيًا ومعنويًا بأمر رعايتها للطفلين خلال اغترابك كأنما قد أدّت عملاً خرافيًا يدرجها في مدارج الشهداء والقديسين لمجرد أنها رعت طفليها تسعة شهور لا تزيد في غيابك .

يا إلهي .. ماذا تقول إذًا الزوجات اللاتي يرعين أطفالهن ويواجهن أعباء الحياة وحيدات بعد رحيل الآباء عن عالمنا ؟ . وماذا تقول الأمهات اللاتي يرعين عصبة من الأطفال في غياب الأزواج المغتربين لسنوات طويلة من أجل حياة أفضل لأسرهم ؟

ثم أي مستقبل هذا المشغولة بتأمينه ولا مكان لطفليها فيه ! وهل كان من الاهتمام بأمر مستقبلها أن تضعك في الاختيار الصعب وتضطرك للتضحية بإعارتك  مع ما تمثله من تأمين لمستقبل الأسرة كلها .. بل أي مستقبل هذا الذي تضمنه وتؤمنه شقة تمليك أو شبكة ذهبية .. والمستقبل غيب في علم الله وخير زاد نتسلح به له هو أن نرعى حدود من بيده ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا وقد تحصّن له من قبل غيرنا بخزائن من ذهب فلم تحمهم خزائنهم من عوادي الدهر وغوائل الزمن ؟ إن أسوأ ما يفعله إنسان بنفسه هو أن يفسد حاضره لحساب مستقبل لا يعلم سوى الله ما سوف يكون من أمره كما تفعل الآن زوجتك ولحسابات أنانية لا مكان فيها لعاطفة الأمومة .. ولا لأي عاطفة أخرى .

ومستقبل الأسرة يا سيدي .. همّ مشترك للجميع لا ينبغي أن يفكر فيه عضو من أعضائها لحسابه وحده .. وإنما ينبغي أن يذيب همّه به وبقدر محسوب لا يفسد عليه حاضره في همّه بمستقبل الأسرة كلها .. وأولهم أبناؤه . وزوجتك لا ترى في حسابها سوى نفسها .. وليست مشغولة إلا بها .. لكل ذلك .. فإني لا أرى لك أن تستجيب لأي مطلب في هذا الشأن كشرط لعودتها إلى بيتها وطفليها وأمومتها الغائبة فإن كان ضميرها قد استيقظ حقًا وصدقًا .. فلتعد إلى طفليها بلا شروط ولتكفر عن جريمتها في حقيهما بصدق الندم وحسن الرعاية فرعاية كل أم لأطفالها هو واجبها الإنساني والديني وليس تنازلاً منها تستحق عليه مكافأة تشجيعية أو حوافز إضافية وجائزتها الكبرى عند ربها أولاً وقبل كل شيء ومكافأتها الحقيقية هي أن يشبّ أبناؤها أسوياء سعداء صالحين .. فيردوا إليها عطاؤها أضعافًا مضاعفة ..

فلتعد بلا شوط إذا أرادت .. وإذا قبلت أنت أو فلتضُم إليها طفليها اللذين أعجب كيف تحملت مشاعرها الصخرية أن يغيبا عنها عامًا وبعض عام ، وليكن ذلك في بيت أسرتها كما تفعل كثيرات غيرها إلى أن تعدّ لها مسكن الحضانة .

فإن لم تكن هذه ولا تلك فليفصل الله بينكما بالحق بعد أن بذلت كل جهدك لإنقاذ طفليك من هذا المصير ولتسرع بإعداد المسكن البديل لها ولترضَ بألم الجراحة الذي تعقبه راحة الشفاء بإذن الله بدلاً من معاناة الآلام المزمنة التي لا بُرء لها ولا شفاء وليرع الله طفليك إلى أن يبلغا اتي تستحق فيها حضانتهما .. ولتبدأ حياة جديدة مع أخرى تعوضك عما لاقيت من سوء حظ وافتقاد الأمان والحق أننا جميعًا نحتاج كما يقول الأديب الفرنسي العظيم فيكتور هوجو إلى الشجاعة لكي نتحمل أحزان الحياة الكبرى .. وإلى الصبر لكي نتحمل آلامها الصغيرة . وأنت في حاجة إلى هذه الشجاعة الآن لتحمل أقدراك ومغالبة أحزانك .. أعانك الله عليها وعوضك عنها بأوفى الجزاء .



˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙
كتبها من مصدرها بكتاب أزواج وزوجات  
Rofida Mohamed Ismail

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali


إقرأ المزيد Résuméabuiyad

 

سجل إميلك وتوصل بمواضيعنا :