الشعاع الوحيد .. رسالة من بريد الجمعة



قرأت رسالة لحظة العبور للسيدة التي فقدت زوجها تحت عجلات القطار عقب خلافها معه وتشعر بالندم على سابق دعائها عليه بالموت‏,‏ فآثارت الرسالة شجوني وذكرتني بما أحاول نسيانه خلال البقية الباقية من عمري‏,‏ فأنا سيدة تزوجت عقب دراستي الثانوية منذ‏38‏ عاما من رجل فاضل كان يكبرني بـ‏3‏ سنوات ورزقني الله بولد لم يعش أكثر من ساعات‏,‏ وفسر الأطباء ذلك بالمشكلات الوراثية نظرا لصلة القرابة بيني وبين زوجي‏,‏ فانطويت على نفسي وتفرغت لرعاية زوجي ثم شاءت إرادة الله أن يرزقني بابنة نجت من مصير شقيقها ودرجت في العمر حتى بلغت ثلاث سنوات ثم بابنة أخرى تعلقت بالأمل في أن تنجو هي الأخري من هذا المصير‏,‏ لكن الأجل المحتوم حل عليها بعد أسابيع‏,‏ فقررت أنا وزوجي عدم محاولة الإنجاب مرة أخرى‏,‏ وشكرنا الله علي ابنتنا التي حفظها لنا‏,‏ وركزت كل حبي ورعايتي أياها‏,‏ واعتبرتها ملاكي الصغير‏,‏ الذي يضيء سماء حياتي والتصقت بها ولازمتها في كل خطواتها‏,‏ ورأيتها وهي تتفتح أمامي كالزهرة النضرة الجميلة‏,‏ فما أن بلغت سن الخامسة عشرة حتى وجدنا من شباب العائلة من يطلب الارتباط بها لكني وزوجي أصررنا على أن تستكمل تعليمها وزادني إصرارا على ذلك أنني لم أكمل تعليمي العالي .. والتحقت ابنتي بالجامعة وراحت تروي لي عن صديقاتها بالكلية وارتباطاتهم بشباب من زملاء الجامعة وعدم رضائها هي عن ذلك‏,‏ فازددت حبا لها وإعجابا بكمالها وعقلها وأخلاقياتها‏,‏ ومضت بنا الحياة وادعة سعيدة حتى أوشكت على التخرج‏,‏ فإذا بوالدها يرحل عن الحياة‏,‏ فيصبح كل منا هو السند الوحيد للآخر في الحياة‏,‏ وتخرجت ابنتي الغالية من كليتها وبدأت رحلة العمل وازددنا تلاصقا واقترابا‏,‏ وأصبحت اعتمد في حياتي على معاش زوجي الراحل ومرتب ابنتي التي تضعه في يدي أول كل شهر فتترك لي حرية التصرف فيه ثم بدأت بعد فترة ألاحظ عليها السرحان وعدم التركيز وبعدها النفسي عني‏,‏ وحاولت أن اتحرى عن طريق صديقاتها سر ما طرأ عليها من تغير‏,‏ ففوجئت بأنها قد تعرفت على شاب يكبرها بـ‏12‏ عاما‏,‏ ويعمل معها في نفس المكان نفسه وواجهتها بما عرفته عنهما‏,‏ فلم تنكره وإنما أخبرتني بأنها وافقت على الزواج منه وأنها كانت تحاول منذ فترة تهيئتي لهذا الأمر‏,‏ لكن الحزن الذي سيطر علي بعد وفاة أبيها لم يمكنني من ملاحظة ذلك‏.‏
وطلبت منها مقابلة هذا الشاب لكي استطيع أن أصدر حكمي عليه‏,‏ والتقيت به فلم يترك لدي أي انطباع بالارتياح إليه‏,‏ خاصة أن امكاناته المادية عادية غير أنني لا أنكر في الوقت نفسه
انني قد رأيت الحب في عينيه لابنتي وعقب انصرافه من البيت ثرت على ابنتي لأول مرة في حياتي وأبلغتها برفضي القاطع لهذا الشاب لأنه دون المستوي الاجتماعي المناسب لعائلتنا وأيضا بسبب فارق السن بينهما‏.‏
وبكت ابنتي لكنها لم تيأس ولم تكف عن محاولة إقناعي به‏,‏ وراحت تقنع كل من حولي بالتوسط لها عندي‏,‏ وأنا مازلت على موقفي منها وهي لا تيأس أبدا من الأمل في نيل موافقتي حتى حل الصمت والجفاء بيننا وأصبحنا غريبتين تعيشان تحت سقف واحد‏,‏ وأستمر الحال بيننا على هذا النحو خمسة أشهر ثم حدث أن رددت على التليفون ذات مرة فكان هذا الشاب‏,‏ ولتشابه صوتي مع صوتها فقد ظن أنني ابنتي وتحدث على هذا الأساس‏,‏ فطلبت منه الابتعاد عنها لأنني لم أوافق عليه نهائيا‏,‏ ولأن هناك من سوف يتزوجها وهو ابن خالتها ثم أغلقت السماعة في وجهه‏.‏
ولم أكتفي بذلك وانما شكوته لمديره في العمل وافتريت عليه بالكثير والكثير‏,‏ وحاول الرجل تهدئتي ووعدني بأن يتدخل لديه لمنعه من تكرار الاتصال بابنتي‏,‏ ولم تمض أيام حتى كانت ابنتي قد علمت بكل ما جرى ولا أنسى نظرتها اللائمة لي‏..‏ولا عبارتها المؤلمة لي بعد أن ظلت للحظات تنظر إلي في صمت مؤلم‏:‏ حرام عليك‏..‏ما تفعلينه بي‏!‏
وازداد حاجز الصمت والجفاء الصامت بيني وبينها رسوخا‏,‏ واستمرت الحياة بيننا على هذا النحو وأنا آمل كل يوم في أن ترجع إلى طبيعتها معي وتنسى هذا الشاب‏..‏وهي تأمل في أن أرحم يتمها ووحدتها وأرجع عن موقفي من زواجها‏.‏
إلى أن كان يوم انصرفت فيه إلى عملها باكية وهي تكرر لي نفس تلك العبارة المؤلمة ‏:‏ حرام والله ما تفعلينه بي فلم اجبها سوى بالدعاء عليها‏..‏لخصامها وجفائها لي بعد أن كرست كل حياتها لها فغادرت البيت والدموع في عينيها‏,‏ فكانت المرة الاخيرة التي رأيتها فيها وهي على قيد الحياة .. يا حسرة قلبي المكلوم عليها ويا مصيبتي الهائلة فيها‏!‏ فلقد تعرضت لحادث تصادم بشع أودى بحياتها القصيرة وشبابها الغض وانطفأ الشعاع الأخير الذي كان يضيء حياتي‏,‏ ومضت الأيام بي بعدها وأنا كالميتة‏..‏ما بين مرض‏,‏ وعلاج‏,‏ وبكاء لا ينقطع عليها حتى استطعت بعد أكثر من عام أن اتمالك بعض نفسي وحتى أكرمني الله بأداء العمرة مرتين ولابنتي الحبيبة التي أتمنى أن يعوضها الله في جنته بما حرمتها منه في الارض وأنني الآن استرجع ما كان من أمرها معي وأمري معها وأعجب لنفسي لماذا حرمتها مما رأت فيه سعادتها‏..‏وهي التي لم تغضبني قبل هذا الموضوع ذات مرة‏,‏ وكانت دائما نبعا للحب والحنان معي‏,‏ ويشتد علي الألم حين أتساءل‏:‏ ترى لو كنت قد وافقتها على ما أرادته أكان يمكن أن تودع الحياه دامعة باكية قانطة كما رأيتها آخر مرة؟ أو ليس من المحتمل أن يكون حزنها وانشغال بالها بموقفي منها قد عجلا لها بالقضاء فلم تمر السيارة القاتلة وهي تقترب منها؟ إنني ارجوك أن تنصح السيدة كاتبة رسالة لحظة العبور بألا تكرر خطأ الدعاء على أحد أعزائها مرة أخرى وكل الآباء والأمهات ألا يفعلوا ذلك أيضا وبألا يتحجروا في مواقفهم من ابنائهم إذا كانوا لا يقبلون منهم شيئا مخالفا للشرع والدين‏,‏ كما فعلت انا مع ابنتي وزهرة عمري الوحيدة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

: ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏
من المؤكد يا سيدتي أن العمر لو كان قد طال قليلا بهذه الابنة الغالية فإنك كنت ستتوصلين معها إلى حل مرض لهذه المشكلة التي عكرت صفوكما في الفترة الاخيرة من حياتها القصيرة‏,‏ وقد كان الاغلب الاعم هو أن تتنازلي أنت عن معارضتك لزواجها وتقبلي بارتباطها بهذا الشاب وتسعدي بسعادتها‏,‏ غير ان عجلة الايام سريعة الدوران للأسف وكثيرا ما تسبق خطواتنا ورغباتنا‏,‏ فنرجو لو كنا قد أسرعنا‏,‏ قليلا بما تدبرناه في اعماقنا ولم نستبعد الاقدام عليه ذات يوم قريب او بعيد لكننا آثرنا كما نفعل احيانا لثقتنا غير المبررة في الايام ان ننتظر بعض الوقت عسى أن يجيء التنازل والاقتراب من الجانب الآخر‏..‏ أو عسى أن نفوز نحن في سباق التحمل والمعاناة إلى أن تضعف مقاومة الآخرين ويسلموا لنا برغباتنا‏..‏ وقد نكافئهم في هذه الحالة نحن ايضا بالاستجابة لبعض رغباتهم‏.‏
فإذا حق لأحد ان يحزن فليحزن على أيام العمر الثمينة التي تبددت في الجحود والعناد والكبرياء‏,‏ ولنحزن ايضا علي تعجلنا لأسباب الشقاق والجفاء والصدام مع الاعزاء‏,‏ وقد كان في مقدورنا لو اتينا أو أوتينا الحكمة وبعد النظر ان نتفادى كل ذلك والا نحرمهم مما رغبوا فيه ورأوا فيه جماع سعادتهم وغاية امانيهم‏,‏ ولكنا قد أسعدنا أيامهم بالتأييد والمساندة وتركنا لتجربة الأيام ان نمتحن صدق اختياراتهم‏.‏
فهذا هو واجبنا تجاههم يا سيدتي ان نخلص لهم النصح دائما فيما نراه محققا لخيرهم وصلاح أمرهم ونبذل أقصى ما نملك من جهد لإقناعهم به‏...‏ وتبصيرهم بما هم مقدمون عليه‏,‏ فإذا تمسكوا بعد كل ذلك باختياراتهم الشخصية‏..‏ وأبوا الاقتناع بما في وجهة نظرنا بشأنهم من حكمة وبعد نظر‏,‏ لم نحرمهم بالرغم من ذلك من ثمار حكمة الايام التي اكتسبناها بالتجربة والخطأ خلال رحلة العمر‏,‏ ولم ندعهم لطريقهم يواجهون فيه المجهول وحدهم‏,‏ وإنما واصلنا حدبنا عليهم حتى وهم يسيرون إلى الطريق الذي عارضناه من قبل‏..‏ واكدنا لهم في كل حين اننا سنكون إلى جوارهم دائما وفي كل الاحوال وكلما احتاجوا الي دعمنا ومساندتنا‏,‏ لأن ما بيننا وبينهم لا ينفصم بخلاف في الرأي او التوجهات‏..‏ وانما دائم ومستمر إلى أن يقضي الله امرا كان مفعولا‏.‏
وأحسب ان هذا هو نفسه ما كانت ستئول اليه علاقتك بابنتك الغالية بالرغم مما حدث بينكما في الايام الاخيرة‏,‏ وما تساؤلاتك المريرة عما اذا كان من الممكن ان يتأخر عنها الاجل المحتوم لو لم تكن قد غادرت البيت دامعة مشغولة الخاطر بهمها‏,‏ سوى صدى آخر لما تعايننه الآن من حسرة عليها‏..‏ واحساس مؤلم بالذنب تجاهها لأنك قد عارضت اختيارها لشريك حياتها‏,‏ ولا لوم على احد في القضاء الذي لا راد له ولا يقدم أو يؤخر منه شيء وإنما هي حسرات القلب المكلوم على وحيدته الراحلة‏,‏ رحمها الله وأعانك على أحزانك عليها .. فاعفي نفسك من مرارة الندم بعد فوات الأوان يا سيدتي‏..‏ وتذكريها دائما بدعائك الصالح لها وتأكدي أنها لم تحمل لك في اعماق قلبها سوى الحب والحنان اللذين كانا خلال عمرها القصير نبعا دائما يفيض بمائه العذب عليك‏,‏ فإن كان قد حل بعض الجفاء بينكما في شهورها الاخيرة‏,‏ فلقد كانت تعرف في اعماقها انك ما عارضت في زواجها إلا بدافع الحب لها والخوف عليها والامل من اجلها في افضل الاشياء‏,‏ وبالصبر والصلاة والايمان نستطيع دائما ان نروض الاحزان‏..‏ ونأمل في عون السماء لنا على احتمالها ومواصلة الحياة بالرغم منها‏..‏ وقديما قال الشاعر الانجليزي وودورث‏:‏ إن العاقل هو من يحزن على ما بقي له من العمر وقد حاصرته الاحزان والآلام اكثر مما يحزن على ما مضى من هذا العمر‏..‏ ولو كان فيه ما فيه من الاخطاء والاشواك‏.

نشرت بتاريخ 27 اغسطس 1999

  
                              نقلها من مصدرها بأرشيف جريدة الأهرام
رفيدة محمد إسماعيل

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali

إقرأ المزيد Résuméabuiyad

لحظة عبور .. رسالة من بريد الجمعة



أنا سيدة من قارئات بابك منذ عام 1985حتى الآن.. ولم أتصور أن يجيء اليوم الذي أصبح فيه صاحبة إحدى مشكلاته.. فلقد تزوجت من موظف بإحدى الوزارات وأنجبنا ثلاثة أبناء, وسافرنا جميعا في منتصف السبعينيات إلى إحدى الدول العربية حيث عمل زوجي في وظيفة بإحدى الهيئات وعملت أنا أيضا في تخصصي ورجعنا إلى بلدنا بعد رحلة غربة طويلة والتهمت شركات توظيف الأموال جزءا كبيرا من حصيلة شقاء الغربة, ووضعنا الجزء الباقي في البنك ليدر علينا دخلا شهريا يعيننا علي مواجهة الحياة ونفقات الأبناء, ومضت بنا الأيام بحلوها ومرها, وتركت عملي وتفرغت لزوجي وأبنائي, وآمنت دائما بأنه لا فرق بين الزوجة وزوجها من الناحية المادية وشجعني على ذلك أن زوجي رجل عطوف وحنون ويحبني حبا عظيما.. كما أنني أيضا أحبه حبا كبيرا, غير أنني لاحظت عليه بعد عودتنا واستقرارنا في مدينتنا بالأقاليم اهتمامه المبالغ فيه بزميلة له في العمل متزوجة ولها أبناء, لكني استبعدت أن يكون معجبا بها, ولم أمانع في التعرف عليها استجابة لإلحاح زوجي على ذلك, وتم التعارف بيننا فأصبحت هذه السيدة بعد ذلك جزءا من حياتنا, تزورنا هي وزوجها وأبناؤها كل يوم تقريبا, ويحرص زوجي علي استمرارها لأطول وقت ممكن, وبعد فترة أخري وجدت زوجي متحمسا لإنشاء مشروع تجاري صغير, يموله زوجي ويشارك فيه زوج هذه السيدة بالعمل والمجهود وبدأ المشروع بالفعل وتحسنت أحوال الشركاء المادية وجددت هذه السيدة أثاث بيتها, واشترت الذهب والملابس لنفسها ولأولادها وكل هذا وأنا أنبه زوجي إلى أن هذه النفقات الجديدة من رأسمال المشروع أو أرباحه, وزوجي يرفض تصديق ذلك ويكذب ظنوني ويتهمني بالتجني على هذه السيدة وزوجها بدوافع الغيرة.وثارت مشاكل عديدة بيني وبين زوجي بسبب هذا الأمر, وطلبت منه الطلاق بعد أن أصبح الوضع بينه وبين هذه السيدة المتزوجة محرجا أمام الأبناء, كما طلبت أيضا أن يجعل جزءا من المال الذي شقيت في جمعه خلال سنوات الغربة باسمي, ولم يستجب زوجي لهذا الطلب أو لذاك, ومن شدة غيظي وحنقي وضيقي بما أراه دعوت عليه بالموت مرارا وتمنيته له بالفعل لأنه لا يستجيب لي, وإنما يستجيب لرغبات هذه السيدة الملعونة لا لشيء إلا لأنها بيضاء البشرة وأنا سمراء! .. وتعجبت غاية العجب كيف لرجل مثل زوج هذه السيدة أن يرضى لنفسه أن يلمس اهتمام رجل آخر بزوجته وغمره لأسرته بالهدايا والأطعمة الفاخرة لها, ولا يتشكك في نية هذا الرجل الغريب تجاه زوجته, ولا يعترض علي ذلك, بل يتقبل ذلك بسعادة ورضا. وكل ذلك وأنا المخلصة الوفية لزوجي لا ألقي منه سوى التجاهل لرغباتي وتحذيراتي.لقد سلمت أمري إلى الله.. وغلبني حبي لأولادي الذين منحتهم زهرة عمري على إحساسي بكرامتي كزوجة, وتركت لمن لا يغفل ولا ينام أن يحل هذه المشكلة التي أعيتني الحيلة في حلها, وذات يوم ركبت السيارة مع زوجي إلى المدينة المجاورة لمدينتنا التي لا يفصل بينهما سوي الكوبري لكي يدفع زوجي مبلغا من المال لأحد الأشخاص هناك.. وتوقف زوجي بالسيارة قرب محطة السكة الحديد وترك لي مفاتيحها واستأذن في أن يغيب عشر دقائق فقط يعبر خلالها شريط القطار ويدفع المبلغ المطلوب ويرجع إلي..وراقبته في صمت وهو يتجه إلى شريط القطار لكي يعبره.. وقبل أن يصل إليه أذن لصلاة العشاء في مسجد المحطة الصغير فاتجه إليه زوجي بدلا من عبور القضبان, وأدى الصلاة, وغاب بعد ذلك عن نظري فلم ألاحظه وهو يتجه إلى غايته أو يرجع منها, ومضى الوقت وطال بغير أن يرجع.. وبعد نصف الساعة مرت من جواري سيارة إسعاف تدوي صفارتها المزعجة وانقبض صدري.. وبعد ساعتين أخريين غادرت السيارة لأبحث عن زوجي, فإذا بي أعرف أن قطارا قد دهم رجلا لحظة عبوره لشريط القطار عند المحطة, وأنه نقل بسيارة الإسعاف وهو في حالة سيئة إلى المستشفي.. وبطريق الصدفة البحتة اكتشفت من أحاديث من حولي أن هذا الرجل هو زوجي, ومادت بي الأرض وسقطت مغشيا علي.. وتعاون الناس على حملي للسيارة وإعادتي للبيت حيث تأكدت من رحيل زوجي عن الحياة ـ يرحمه الله ـ وتحملت الصدمة المؤلمة وحدي وصبرت على أقداري ومصيبتي في أعز إنسان لدي في الوجود, والآن وبعد عشرة أشهر علي وفاته لا أستطيع أن أصف لك عمق حزني عليه وهو من كان زوجي وحبيبي وأخي وكل من لي في الحياة.. ولقد مرضت بالسكر وساءت حالتي الصحية والنفسية, وأصبح السؤال الذي يؤرقني ويضاعف من همومي وأحزاني هو: هل دعائي على زوجي بالموت هو الذي عجل بوفاته؟ وهل استجاب الله سبحانه وتعالي لدعائي المذموم هذا عليه أم أنه قدر مكتوب من قبل أن يأتي إلي الحياة؟, إنني مؤمنة بقضاء الله وقدره وصابرة على أقداري لكن ضميري يعذبني وأعاني من الاكتئاب والإحساس المؤلم بأنني السبب في وفاة زوجي, وأدعو له الله بالمغفرة والرحمة وأتعلق بالأمل في أن يكون موته عقب خروجه من المسجد مباشرة كما علمت إشارة إلى أن الله ـ سبحانه وتعالي ـ قد غفر له كل ذنوبه, لكن عقلي يكاد ينفجر كلما تذكرت الطريقة الفظيعة التي لقي بها زوجي مصرعه.. ـ رحمه الله.وأرجو من قرائك جميعا أن يقرأوا له الفاتحة ترحما عليه وأخيرا فإني أتساءل.. ألا يحق لي أن أقاضي هيئة السكك الحديدية لمسئوليتها عن مصرع زوجي حيث كانت محطة القطار عند عبوره لها مظلمة تماما فلم ير القطار الذي دهمه, وبعد الحادث تم إصلاح الإنارة فيها؟ .. وهل أجد من قرائك من المحامين من يتبني هذه الدعوي القضائية ولدي كل الأوراق والمستندات المؤيدة لها!

ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
هوني علي نفسك يا سيدتي, فإن الآجال لا شيء من دعاء البشر يعجل بها أو يؤخرها, وإنما هي كما جاء في الأثر كالرزق والسعادة, تقدر علي الإنسان وهو في رحم أمه, فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون[ صدق الله العظيم]غير أنه ليس من المستحب, أن يرجو الإنسان موت أحد مهما كان حانقا عليه أو مكلوما منه.. خاصة إذا كان هذا الإنسان شريكا له في حياته أو قريبا منه, لكنه ينقم عليه فقط بعض أفعاله, ومن الأفضل دائما أن يعتصم المرء بالحلم والصبر على من آذوه, وأن يدع أمرهم لخالقهم راجيا أن ينصفه ـ سبحانه وتعالي ـ منهم بعدله ورحمته. فإذا ما نزلت بهم النوازل لم يشمت في مصيبتهم ولم يفرح لها, وإنما اكتفي بالاعتبار.. والصمت.. والتفكر في عدالة السماء وعبرة الأحداث.ومن الأفضل كذلك إذا اشتد ضيق المرء بجناية البعض عليه وظلمهم له أن يدعو بدعاء الرسول صلوات الله وسلامه عليه ـ المأثور عنه: رب أعني ولا تعن علي, وانصرني ولا تنصر علي, وامكر لي ولا تمكر علي, واهدني ويسر الهدي إلي, وانصرني على من بغي علي.وفي ذلك ما يغني المرء عن تمني الأذى للآخرين انتصافا لنفسه أو ثأرا لها منهم, وما يطهر الصدور من سخائمها, ويعفي الإنسان من الإحساس المرير بالذنب إذا تصادف أن أصابت الأقدار من اشتد به حنقه عليهم فرجا لهم الأذى, ومن دعاء الرسول الكريم كذلك ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ: رب تقبل توبتي, واغسل حوبتي واجب دعوتي, وثبت حجتي وسدد لساني, واهد قلبي, واسلل سخيمة صدري ومن سداد اللسان وهداية القلب وخلو الصدر من سخيمته ألا يستجيب الإنسان لنوازع الغضب والحنق فينطق لسانه بما يندم عليه, أو ينطوي قلبه وصدره للآخرين على ما يكرهه لنفسه من الأحاسيس والمشاعر. غير أن الإنسان خلق عجولا فما أن يضيق صدره بشيء حتي يطلق العنان للسانه وتمنياته, التي لا تعدو أن تكون في أغلب الأحيان أكثر من إطلاق للبخار المكتوم في صدره, ولا تعبر في حقيقة الأمر عن رغباته وتمنياته الحقيقية.. وما أسرع ما يندم عليها المرء لو تحققت في أرض الواقع.وحالك خير مثال علي ذلك يا سيدتي, فلقد ضقت باهتمام زوجك بتلك السيدة ورفضه الاستجابة لك, مع استمراره في الخضوع لها والاستجابة لرغباتها, فكان أن تمنيت الموت له, فما أن أصابته الأقدار في موعدها المقدور حتي عضك الندم, وعانيت الوحدة والوحشة وفقدان الرفيق, واستشعرت جسامة الخسارة الإنسانية التي أصابتك, ورجوت لو كانت الحياة قد امتدت برفيق الحياة ولو كان في العمر ما فيه من الحسرات فأما مصرعه وقد خرج لتوه من المسجد ذاكر القلب واللسان, ومتطهرا, فلعله من علامات القبول والإجابة, بإذن الله, وأما عن مقاضاتك لهيئة السكك الحديدية لمسئوليتها عن مصرع زوجك الراحل ـ يرحمه الله ـ فهي من حقك بل من واجبك أيضا تجاه نفسك وزوجك الراحل وأبنائك, ذلك أن سكوت صاحب الحق المنهوب عن حقه قد يجعل المعتدي صاحب حق في الاعتداء, أو يغريه بمواصلة عدوانه علي الآخرين بلا رادع ولا عقاب!


  
                              كتبها من مصدرها بكتاب الأرض المحترقة
عـــلا عثمان

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali

إقرأ المزيد Résuméabuiyad

ثورة البركان .. رسالة من بريد الجمعة


أرجو أن يتسع صدركم لمشاركتي مشكلتي العائلية‏,‏ وان تساعدوني برأيكم فيما أعانيه في حياتي‏,‏ فأنا طبيب أبلغ من العمر‏54‏ عاما وقد نشأت في أسرة فقيرة جدا‏,‏ وتوفي والدي العامل بإحدى المؤسسات الحكومية وأنا في الخامسة عشرة بعد صراع مرير مع المرض‏,‏ وتولت والدتي تربيتي وشقيقاتي البنات الثلاث حتي أتممنا دراستنا الجامعية‏,‏ ولا يخفى عليكم كم عانت والدتي وهي تواجه الحياة ونفقات تعليمنا بمعاش أبي الهزيل‏,‏ وفي عامي الأخير بالكلية تعرفت على زميلة لي لها نفس ظروفي الاجتماعية وحظها من الجمال بسيط‏,‏ وجمعنا الفقر والمعاناة فأحببنا بعضنا وأصبحنا لا نفترق‏,‏ وعرفتها بأسرتي واستقبلوها بترحاب وفرحة‏,‏ ولكن أهلها رفضوا بشدة مبدأ ان تتزوج ابنتهم إنسانا فقيرا‏,‏ غير أننا اصررنا على الزواج وتم زواجنا بالفعل على أسنة الرماح واقمنا في سكن حكومي بالوحدة الصحية التي عملنا بها وكان كل جهازنا في بيت الزوجية دستة أطباق ودستة ملاعق وملاءتين للسرير فقط ومع ذلك فلقد كنا في منتهى السعادة‏.‏
وبعد عام واحد من الزواج اكتشفت ان زوجتي التي أكن لها حبا عظيما ليست إلا قنبلة موقوتة أو بركانا قابلا للثورة في اي وقت وأمام أي شخص ولأتفه الأسباب‏,‏ ويرمي بحممه في كل الاتجاهات دون أي محاذير أو ضوابط‏,‏ ولقد انفجر هذا البركان حتى أمام أمي وشقيقاتي أكثر من مرة فساءت العلاقة بينهن 
وأصبحت أمي وشقيقاتي هن الهدف الرئيسي لحمم البركان حتى ولو كانت ثورة البركان لأي سبب آخر لا علاقة لأسرتي به‏.‏

وبعد نحو أربع سنوات من زواجنا حصلنا على عقد عمل بإحدى الدول العربية وبدأت حالتنا المالية تتحسن ورزقنا الله بولد وبنت‏,‏ حاولنا تربيتهما أفضل تربية‏,‏ ولكن كان هناك دائما اختلاف في وجهات نظرنا تجاه تربية الأولاد‏.‏ فأنا أومن بأهمية الشدة والحزم معهما احيانا إذا تتطلب الأمر ذلك وهي تؤمن بحرية الأولاد المطلقة وبأنه لا مكان على الإطلاق للشدة والحزم‏,‏ وخوفا من ثورة البركان فقد كنت اتنازل لها عن كل شيء يتعلق بتربية الابناء وكانت النتيجة ان الابن الكبير ضحى بإحدى كليات القمة للالتحاق بأحد المعاهد الفنية‏,‏ ولم اعترض بل باركت ما فعل‏,‏ ومع ذلك فهو متعثر في دراسته وأدمن شرب الخمور أما الابنة فإنها عنيدة بشكل رهيب وورثت طبع أمها البركاني تجاه كل الناس‏,‏ ففقدت القدرة على تكوين صداقات‏,‏ ومرت بنا سنوات العمر على نفس المنوال‏..‏ ثورات بركانية رهيبة لا تبقى ولا تذر لأي اختلاف بسيط في وجهات النظر‏,‏ ولا أخفي سرا انني في بداية زواجنا كنت أتفاعل مع هذه الثورات حتى مددت يدي عليها مرتين أو ثلاثا دفاعا عن نفسي ولمنع ايذائها البدني لي أو نتيجة لاستثارتها وإهانتها الشديدة لي ولأهلي بلا أي سبب‏,‏ وكانت بعد كل ثورة بركانية منها أو بعد كل انفجار قاتل تقوم بمنتهى العذوبة بمحاولة مصالحتي‏,‏ ومرات أرفض التصالح واترك المنزل لعدة أيام وأقيم في منزل والدتي حتي تصفو نفسي‏,‏ وفي أحيان أخرى كنت أقابل مصالحتها لي بأحسن منها‏.‏
وبعد ان تحسنت حالتنا المالية قمت بشراء شقة فخمة في احد احياء القاهرة الراقية بدلا عن الشقة المتوسطة باحدي المدن بمحافظتها‏,‏ واصرت زوجتي على كتابة الشقة الفاخرة باسمها ووافقت في الحال وحين اشترينا بعد ذلك فيلا صغيرة في احدي المدن الجديدة  اصرت على كتابة نصفها باسمها ووافقت كذلك دون أي مناقشة‏,‏ كما أصرت ايضا على أن تكون السيارتان باسمها وكذلك الأموال السائلة ولم اعارض لأني علي علم أن حبنا مازال قائما رغم كل ما نعانيه‏,‏ ولأنه لا رغبة عندي في الثروة أو التملك فكل ما أجمعه من ثروة هدفه الوحيد اسعاد ابنائي بعد مماتي‏.‏

وهكذا مضت حياتنا طوال الأعوام السبعة والعشرين وفي كل مرة كانت تنفجر فيها كانت تعيد على مسامعي كل ما حدث مني تجاهها في الماضي‏,‏ مكررة في كل مرة أنني قد اعتديت عليها بالضرب ذات يوم منذ عشرين عاما ولا تذكر سبب اعتدائي عليها‏,‏ وتقوم خلال انفجارها بسبي بأبشع الألفاظ وكذلك سب شقيقاتي وأمي رحمها الله‏,‏ ومنذ‏15‏ عاما أصبحت لا أتفاعل على الإطلاق مع انفجارها وإنما اغادر المنزل لفترة قصيرة وأعود حين تهدأ أعصابها أو أغلق على نفسي احدي الحجرات أو أقوم بوضع قطعة القطن في اذني حتى لا أسمع ما تقول‏,‏ وفي كل انفجاراتها طوال‏27‏ عاما كانت تصر على ان تكون فضيحتنا علي الملأ وتقوم بفتح كل النوافذ على مصراعيها‏,‏ وحين أقوم بإغلاقها تفتحها مرة أخرى‏,‏ وتقف بالنافذة وتصرخ وتسب بكل ما أوتيت من قدرة على الصراخ حتى أصبحت سيرتنا على ألسنة الجيران‏,‏ في الحي الراقي الذي نسكنه‏,‏ وكل هذا وأنا لا أرد بكلمة واحدة حتى لا تزداد ثورة وعنفا‏,‏ غير أن ما حدث في الانفجار الأخير للبركان لم يخطر لي على بال أو فكر أو توقع من قبل‏,‏ فقد كنا قبل امتحانات الأولاد بحوالي‏3‏ أسابيع وكان المفروض انه بعد اسبوع بالضبط سوف نستقبل أحد الشباب مع أهله لطلب يد ابنتي وهو شاب ممتاز يعمل في مهنة مرموقة ويشهد له الجميع بمستقبل باهر في مهنته‏,‏ ولقد قابلني وزوجتي واتفقنا معه على حضوره مع أهله لإتمام الإجراءات المعروفة وتحديد موعد لخطبة ابنتنا له‏,‏ ولكن قبل‏7‏ أيام فقط من هذا الموعد وكان يوم جمعة صحت زوجتي من نومها متعكرة المزاج وبدأت الأبخرة والغازات التي تسبق الانفجار في 
التصاعد بشكل سريع جدا وبدون أي اسباب على الإطلاق وجاءت لحظة الانفجار الرهيب حين رأت ابنتنا تتصفح الجريدة اليومية فانفجرت فيها متهمة إياها بأنها تشبه اباها في اضاعة وقتها في قراءة الجرائد والكتب‏,‏ ثم بدأت الحمم في التناثر في كل اتجاه وأصابت كالعادة شقيقاتي وأمي رحمها الله‏,‏ ونالتي من الحمم أكثرها إيلاما مع ذكر كل ما مرت به من مآس وصعاب خلال رحلة الأعوام السبعة والعشرين وانتابتها حالة هياج عصبي شديد‏,‏ وأنا لا أقوم سوى بمحاولة تهدئتها مذكرا إياها بالعشرة والحب‏,‏ طالبا منها أن تتقي الله في نفسها قبل اتقائه فينا‏..‏ فما كان منها إلا أن ألقت بالقنبلة القاتلة في وجهي خلال هياجها فقالت لي أمام ابنائنا انها كانت تخونني في كل مرة كانت تحس فيها بالإهانة ولما لم أصدق أذني كررت نفس الكلام أمام ابننا البالغ من العمر‏23‏ عاما وابنتنا البالغة من العمر‏20‏ عاما وأسقط في يدي ولم ادر ماذا أفعل كرد فعل لما تقوله وأصابني الذهول مما اسمع حيث كنت أتوقع منها أي شيء إلا هذا‏,‏ خاصة وانني لم أشك لحظة واحدة طوال سنوات زواجنا في أي سلوك من جانبها‏,‏ فضلا عن انها على درجة كبيرة من التدين وتؤدي كل فرائض دينها وتفعل الخير الكثير للآخرين‏..‏ وبعد أن عدت إلى تفكيري المنطقي بعد لحظات الذهول الأولي ادركت انها محاولة منها لإيلامي كعادتها في كل مرة‏,‏ ولكن هذه المرة كانت مدمرة‏,‏ ودخلت غرفتي لترتيب افكاري والوصول إلى قرار بشأن ما قالته‏..‏ ثم استقر رأيي على إبلاغ أخواتها بما حدث منها واستدعائهم من المحافظات البعيدة التي يسكنون فيها لمحاولة معرفة أسباب قولها الخطير هذا‏,‏ وبعد نحو نصف ساعة اتصلت بها إحدى شقيقاتها تليفونيا تستفسر منها عما حدث وتوصيها بتقوى الله في نفسها واسرتها‏,‏ وفوجئت بردها على أختها وكنت بالمصادفة موجودا أثناء المحادثة فقد قالت لاختها أنها لا تدري كم مرة طاوعت الشيطان وكم مرة قاومته‏.‏ وهنا وسوس الشيطان لي إنها قد تكون صادقة فيما قالت بالرغم من استبعادي لهذا الفعل منها‏,‏ وحضرت أخواتها وحاولن إفهامي انها كانت  تغيظني فقط بهذا القول وجئن بها أمامي وقالت إنها لم تكن تعني ما قالته‏,‏ ولكن كل هذا لم يجد نفعا معي فقد ركبني الشيطان وتملكتني الوساوس‏,‏ وفي محاولة مني لوضع حد لهذا العذاب فقد طلبت منها أمام أخواتها أن تقسم على كتاب الله بأن كل ما قالته كان غير حقيقي ولكنها رفضت نهائيا القسم بحجة أن في هذا اهانة لها وان القسم معناه أنني أشك فيها‏,‏ وهذا أمر مرفوض فأصررت على موقفي‏,‏ فما كان منها إلا أن غادرت المنزل إلى منزل آخر لنا ومعها الأبناء‏,‏ وبعد ذلك حاولت استرضائي كعادتها بعد كل انفجار بركان‏,‏ لكنني رفضت تماما إلا إذا أقسمت بأن كل كلامها كان غير صحيح ومازالت ترفض القسم حتي الآن‏.‏
إنني أعتقد إلى حد كبير أنها لم تكن تعني ما تقول ولكن تلك الوساوس تتملكني وانا علي ثقة تامة بأنها لن تقسم على كتاب الله كذبا‏,‏ وأنا الآن في حالة يرثى لها من حيث شكوكي فيها وضاقت السبل أمامي وأصبحت أعتقد أن الحياة لا تستحق أن نعيشها‏,‏ حيث إن كل أمالي في أسرة هادئة سعيدة ناجحة لم يتحقق أي شئ منها بسبب تعنت زوجتي وعواصفها البركانية‏..‏ لقد تحملت كل انفجاراتها طوال‏27‏ عاما‏,‏ فهل يكون جزائي بعد كل ذلك هو ايلامي بهذا الشكل‏,‏ وهل هذا جزاء الوفاء والإخلاص والتفاني والتحمل؟ انها الآن تطلب الطلاق لأني أشك فيها بعد ما قالته وبسبب اصراري على أن تقسم بالله وأنا لا اتخيل بيتي محطما خاصة ان الطلاق سوف يؤدي الي ضياع مستقبل الأولاد خصوصا مع تعثر ابني في دراسته وأيضا إبنتي الآن في سن الزواج‏,‏ فكيف يكون موقفها أمام خطيبها اذا حدث الطلاق بين ابيها وامها بعد‏27‏ عاما من الزواج ارجو ان تساعدني في التفكير واتخاذ القرار مع عظيم شكري وتقديري لك مقدما‏.‏

ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏

قد يكون لزوجتك بعض الحق في أن تغضب لكرامتها وتستشعر الإهانة‏,‏ إذا كنت قد بادرتها بالشك في وفائها لك دون آية شواهد  
يمكن أن تثير مثل هذه الشكوك‏,‏ أما أن تعلن هي على رءوس الأشهاد وأمام أبنها الشاب‏,‏ وهي في قمة ثورتها البركانية أنها كانت تخونك كلما شعرت بالإهانة من جانبك لها‏,‏ وتتعلل بعد ذلك بأنها لم تكن تعني ما تقول‏,‏ وتدافع عنها شقيقاتها بأنها كانت تقصد إيلامك وإغاظتك في حمأة استسلامها لشياطين الغضب‏,‏ وترفض هي أن تطمئن خواطرك بالقسم على كتاب الله على كذب ما ادعته على نفسها‏,‏ ثم تغضب بعد كل ذلك لأن طائفا من الشك في إخلاصها قد ألم بك؟ فهذا ما لم اسمع به من قبل وما لم أتعامل معه على كثرة ما تعاملت مع هموم البشر‏,‏ وعرفت ولمست من غرائب النفس البشرية‏!‏
فالمرأة السوية اذا استسلمت مرة لشياطين الغضب قد تحاول إيلام زوجها بأي وسيلة إلا أن تقترب‏,‏ وهي في قمة غضبها من المنطقة المحرمة‏,‏ وهي منطقة الشرف‏..‏ شرفها هي أولا ثم شرف زوجها من بعدها‏,‏ ولقد تدين نفسها بكل سبة‏,‏ لكنها وأبدا لا يمس شرفها وشرف زوجها على هذا النحو الذي يكشف عن طبيعة سادية شديدة القسوة‏.‏

أما غضبها بعد ذلك لمجرد استسلامك لبعض وساوس الشك في أن يكون ما صرحت به في عنفوان ثورتها عليك صحيحا‏,‏ وليس كما تقول شقيقاتها فليس إلا نوعا من التجبر والكبرياء الجوفاء التي لا سند لها من الواقع والحقيقة‏.‏
ولو كان لدى زوجتك أي قدر من الحكمة لأدركت أنها قد أخطأت بما قالت خطأ لا تغسله مياه البحر‏,‏ ولا يجدي شئ في تبريره حتى ولو كانت الرغبة السادية في الإيذاء النفسي لزوجها‏.‏

بل ولأدركت كذلك أن من حقك أن تتردد بعض الوقت بين تصديق ما صرحت به عن نفسها‏,‏ وبين الاقتناع بأنه ليس سوى حلقة جديدة ولكن مبتكرة في محاولة إيلامه وجرح كرامته وإشعاره بالهوان معها ولعرفت كذلك انك لو لم تفعل ذلك وتفكر في هذا الأمر بجدية  
لكنت مفرطا في كرامتك كرجل وكزوج‏,‏ ولنهضت لإزالة أسباب هذا الشك من نفسك بكل الحيل ولو تطلب الأمر أن تقسم على مصاحف الدنيا كلها‏,‏ ليس فقط تهدئة لخواطرك‏,‏ وإنما أيضا صيانة لشرفها وكرامتها‏,‏ واستردادا لاعتبارها أمام ابنها الشاب الذي أصابت كرامته في مقتل بهذا التصريح الشائن‏.‏
والحق أنني لا أرى فيما حدث‏,‏ سواء كانت صادقة أو كاذبة فيما ادعته على نفسها‏,‏ إلا فصلا جديدا من فصول القهر النفسي التي تعيشها معها منذ زواجك منها‏,‏ فأنت مقهور معها منذ زمن طويل وتحملت منها الكثير والكثير حتى اعتادت منك الخنوع التام‏,‏ فما أن حاول عقلك التمرد مرة واحدة‏,‏ وطلب الدليل على عدم صحة ما قالته عن نفسها‏,‏ حتى انتفضت غاضبة وهي الملوم في الأصل وهجرتك وطلبت الطلاق‏,‏ فبأي منطق تفكر هذه السيدة؟

وبأي شريعة تستحل مالك وأملاكك التي قهرتك على تسجيلها باسمها دون اعترض من جانبك؟
يا سيدي أنني أري لك أن تتمسك بموقفك وبمطلب القسم على كتاب الله أمام جميع أفراد أسرتها لكي تزيل هي آثار الشك الذي بذرته في نفسك بتصريحها المعيب ذاك‏,‏ وبأن تتنازل عن تجبرها وكبريائها الأجوف وتخضع لعلاج منتظم لدى طبيب للأمراض العصبية يحاول أن يخلصها من نوباتها البركانية أو يقلل من معدلها أو يخفف من أثقال حممها وشظاياها‏,‏ فإن لم يكن هذا ولا ذاك‏..‏ فلترد عليك أملاكك ومالك بعد استقضاء حقوقها الشرعية كاملة‏..‏ ولتطو أنت هذه الصفحة من حياتك وتضع كلمة النهاية غير نادم لحياة زوجية لم تكن مودة ولا رحمة‏,‏ وأما الخوف على مستقبل الابن المتعثر في دراسته‏,‏ وحرج الابنة الشابة أمام خطيبها وأصهارها اذا أنفصل أبواها في هذه المرحلة من العمر‏,‏ فهو حرص حميد على صالح الأبناء لكنه ينبغي له ألا يقتصر علي أحد الأبوين دون الآخر‏,‏ بل إن الأولى بالهم به هي الأم التي ينبغي لها أن تكون عماد الأسرة وحاميتها من الانهيار والكوارث‏..‏ ولله الأمر  
من قبل ومن بعد‏.‏

*نشرت بتاريخ 30 يناير 2004

  
                              نقلها من مصدرها بأرشيف جريدة الأهرام
رفيدة محمد إسماعيل

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali

إقرأ المزيد Résuméabuiyad

الأحلام الموءودة ! .. رسالة من بريد الجمعة


قرأت رسالة الجنيه الذهبي التي تروي فيها فتاة صغيرة السن أنها أحبت رئيسها في العمل الذي يكبرها بأكثر من خمس وعشرين سنة رغم أنه متزوج ولديه ولدان وتزوجته مما أثار عليها سخط زملائها في العمل واضطرها للاستقالة ثم بدأ زوجها يتحاشى الخروج معها أو اصطحابها في الزيارات العائلية تجنبًا لما أسمته "حديث العيون" الصامت والرافض لهذا الزواج .. وقد أثارت هذه الرسالة شجوني فأردت أن أروي لك أنا أيضًا قصتي ، فأنا فتاة أبلغ الآن من العمر 24 سنة لكن لي تجربة أعمق مع الحياة ، فمنذ 5 سنوات تزوجت وأنا في التاسعة عشرة من إنسان طيب اخترته عن اقتناع بالرغم من أنه لا يحمل أية شهادة دراسية ويعمل بالتجارة .. ولقد عارضني الجميع في اختياري له بحجة أنه غير متعلم وأنا طالبة جامعية فتمسكت به وصممت على الارتباط به بل وقررت ترك دراستي الجامعية حتى لا أكون أفضل منه في شيء وتركتها بالفعل وتزوجنا سريعًا وعشت معه حياة سعيدة بكل معنى الكلمة وواجهت بعض المتاعب التي حاولت أن تخلقها بيننا إحدى قريباته فصبرت عليها وتحملت وصممت على ألا تنتصر عليَّ هذه السيدة أو تهزم حبنا ومضى عام وثلاثة شهور من زواجنا ونحن في سعادة تامة نستمتع بالحب والتفاهم ودفء المشاعر والإخلاص .. ثم ذات يوم وقع زوجي الشاب وهو يقف في محله على الأرض . فأسرعوا إليه ليعينوه على الوقوف فوجدوه يتنفس بصعوبة وأسرع بعض الحاضرين لاستدعاء طبيب لإسعافه من هذه الأزمة الطارئة التي يمكن أن يتعرض لها أي إنسان بسبب إرهاق العمل فإذا به يلفظ أنفاسه بين أيديهم بلا مقدمات ولا مرض ولا أي شيء وإذا بحلمي السعيد ينهار فجأة أمام عيني وأنا أكاد أجن من الذهول والصدمة ولا أصدق ما حدث ، وبعد ثلاثة أيام فقط من هذا اليوم الأسود بدأ أهله الذين كنت على علاقة طيبة بهم وأحبهم ويحبونني يلمحون لي بضرورة مغادرة الشقة .. وكأني قاتلته ولست زوجته التي أحبته وأحبها من كل قلبه لكن قاتل الله الميراث والخوف على الشقة الذي بدد سريعًا المودة السابقة ولست في حاجة لأن أقول لك أني تركت لهم الشقة الجميلة لأني لا أستطيع أن أواصل الحياة بها وكل شيء فيها يذكرني بزوجي الراحل رغم أن أهلي عارضوني في ذلك فتركتها لهم وغادرت عش أحلامي الموءودة قبل مرور 40 يومًا على رحيل زوجي وسلمتها لشقيقه .. ونلت ما يقضي لي به الشرع من ميراث وعدت إلى بيت أسرتي أرملة في الثانية والعشرين من عمرها وعشت أيامي حزينة وحيدة وتعرضت لأزمات صحية عديدة طفت معها على عيادات الأطباء طلبًا للعلاج .. ووجدت في الصلاة وقراءة القرآن راحتي وملاذي ومضت الأيام والشهور وأنا لا أستطيع نسيان ما جرى وأسأل نفسي في حسرة وبلا جدوى لو أني على الأقل أنجبت طفلاً منه أعيش له ويجدد ذكراه دائمًا في قلبي .. ألم يكن ذلك يخفف من وحدتي ، وأشفقت عليَّ صديقة مخلصة ذات يوم فنصحتني بأن أطوي هذه الصفحة الحزينة من حياتي وأن أستعين بالزواج من جديد والإنجاب على نسيانها مؤكدة لي أني سأتزوج إن آجلاً أو عاجلاً ، وما دام الأمر كذلك فليكن ذلك عاجلاً لأخرج سريعًا من دائرة الأحزان قبل أن تورثني اكتئابًا مستديمًا .

وتقدم لي كثيرون لم أجد فيهم ما أريده من سلوى ، ثم تقدم لي إنسان أحسست أنه يستطيع أن يعوضني عن سوء حظي في الحياة بالرغم من أنه أرمل يكبرني في السن وله ثلاثة أبناء بلغ اثنان منهما المرحلة الثانوية . ومرة أخرى عارضني أهلى في زواجي منه بسبب فارق السن والأبناء الثلاثة بل واتهمني البعض بأني وافقت عليه لأنه ميسور الحال ، مع أن ظروفي المادية مقبولة كما أني ورثت من زوجي الأول ، لكني قبلت به لأنه صنع الكثير ليقنعني بالزواج منه ورسم لي أحلامًا جميلة عن المستقبل وأكد لي أن أبناءه يحتاجون إليَّ .. وبكى أمامي وهو يؤكد لي أنه حتى لو قُضي أجله فإنه يريدني من بعده إلى جانب أبنائه ، فسألت نفسي وماذا يساوي فارق السن وقد تزوجت الصغير المعافى من كل مرض فإذا به يموت فجأة ويتركني ، وانتهيت إلى القرار بالزواج منه .. وأكدت لنفسي ولغيري أني سأحب أبناءه وسوف يحبونني لأني لا أحمل للناس إلا الحب ، وتزوجنا سريعًا وبدأت حياتي الجديدة معه بحنين جارف إلى السعادة وإلى تعويض ما فاتني منها وأحببت أبناءه الثلاثة وأحبوني بالفعل .. ثم بدأ زوجي بعد شهرين فقط من الزواج يتغيَّب كثيرًا عن البيت ولا يعود إليه إلا في موعد النوم .. وكلما سألته عن سر غيابه الدائم تعلل بالعمل ، فوجدت نفسي مرة أخرى لا عمل لي إلا رعاية أبنائه الثلاثة في غياب زوجي وحاولت أن أشغل وحدتي بإشباع عاطفة الأمومة فرغبت إليه في أن أنجب طفلاً وصُدمت برفضه الإنجاب وطلبه مني أن أكتفي باعتبار أبنائه أبنائي ، ثم بدأت الإشاعات تترامى إليَّ أنه على علاقة بسيدة موظفة وبدأت أتتبع هذه الأخبار فعرفت أنه على علاقة بها منذ عشر سنوات ومن قبل أن ترحل زوجته الأولى وأنها رحمها الله كانت تعرف ذلك ولا تملك له شيئًا لمرضها الدائم وخوفها من أبنائها ، وتعجبت من نفسي كيف خُدعت فيه وفي الآخرين الذين شهدوا له بالاستقامة عندما تقدم لي وعندما واجهتهم بما عرفت قالوا لي أنهم كانوا يعرفون بالأمر لكنهم أملوا أن ينصلح حاله بزواجه مني ! ولم أطق صبرًا على ما عرفت وواجهته بعنف فأنكر وصمم على أنه برئ وأقسم على ذلك فصدقته وحاولت أن أطرد الوساوس من صدري لكن الحال لم يتغير كثيرًا فبعد أيام قليلة عاد إلى الانصراف عني نهائيًا والتغيب طوال اليوم عن البيت .. واشتعلت النيران في قلبي فتقصيت أخباره وعرفت أنه عاد للالتقاء بها من جديد وتتبعته ذات يوم ورأيته بعيني في بيتها .. وواجهته مواجهة صاخبة وفجرت الموقف معه .. فهل تعرف ماذا كان جوابه ؟

لقد صمم على طلاقي أنا الزوجة الشابة الجميلة ابنة الأسرة الكريمة التي صنع الكثير ليقنعها بزواجه وطلقني بالفعل ثم تزوج من الأخرى التي لا أريد أن أقول كلمة سوء عنها حتى لا يحاسبني الله بها رغم أنها تكبرني بـ 15 سنة ولم يأبه لاستنكار كل أفراد أسرته لهذا الزواج ومقاطعتهم له وعدت إلى بيت أسرتي مرة ثانية مهزومة وحزينة .. مطلقة في الرابعة والعشرين . وذات تجربة حافلة مع الحياة ومع البشر .. تزوجت الصغير فغدر به الزمان .. وتزوجت الناضج الكبير فعصف بسعادتي ضعف البشر .. وأريد أن أسألك لماذا تزوجني وهو يحب الأخرى ولماذا لم يتزوجها قبلي ويعفيني من هذه التجربة المريرة . ولماذا يقبل البعض ومنهم كاتبة رسالة الجنيه الذهبي أن يقيموا سعادتهم على أنقاض سعادة الآخرين بغير اعتبار لما يفعلونه بهم وبلا أي ذنب لهم ؟

·       ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
 تعامل الزوجة مع ضعف زوجها البشري يتطلب يا سيدتي قدرًا كبيرًا من الحكمة والحذر .. ويبدو بكل أسف أن صغر سنك وبراءة مشاعرك لم يتيحا لك التعامل بهما مع قصة زوجك المخجلة . فبعض الأزواج المتورطين في علاقات مشينة حين تنفجر العاصفة وتقع المواجهات الصاخبة فتهتك الأسرار وتجعل منها مادة علنية للحديث والمناقشة ، لا يجدون سبيلاً أمامهم إلى إصلاح الأخطاء إلا بإضفاء المشروعية على العلاقة المشينة وتحويلها إلى زواج بدلاً من الرجوع عنها وقطعها .. ومنطقهم في ذلك أنه مادام كل شيء قد عُرف وأصبح أمرًا ذائعًا فلقد وقع ما كانوا يخشون منه ويتجنبونه بكل الطرق ولا مفر إذًا من علاج الخطأ بالزواج إما تورطًا وإضفاءً لطابع الاحترام على العلاقة السابقة ، وإما ميلاً مع الهوى القديم الذي أزاحت عنه المواجهة الصاخبة عبء التكتم والتستر وأعانته على التعبير عن نفسه ، فضلاً عما يلقيه فضح الأسرار من مسئولية أدبية جديدة على الرجل تطالبه بحفظ كرامة الأخرى في مجتمعها والتكفير عما عرّضها له بالزواج ، لهذا فإننا نطالب دائمًا الزوجات بأن يحافظن على شعرة معاوية بينهن وبين الأزواج المستهترين وأن يلتزمن بقدر الإمكان بتجنب إثارة الفضائح حولهم لكيلا يدفعهم ذلك إلى تحدي الجميع والمضي في طريقهم إلى النهاية مع تمسكهن بالرفض النفسي الدائم لسلوكهم ، والالتزام بسياسة النفس الطويل معهم لاستعادتهم وإعانتهم على الرجوع عن الخطأ ولو بالتظاهر بتصديقهم أحيانًا إلى أن يعودوا لرشدهم وللطريق القويم .

ويبدو أن كل ذلك لم يتحقق في قصتك يا سيدتي لهذا فلقد جاء الانفجار السريع وجاء التحدي الصارخ من جانبه بتحويل القصة السرية إلى زواج علني يرفضه الأهل والأصدقاء لكنك على أية حال ضحية جديدة لسوء الحظ الذي عرضك لهاتين التجربتين الأليمتين ولم يتعد عمرك بعد الرابعة والعشرين ، كما أنك بكل تأكيد ضحية أخرى تضاف إلى قائمة ضحايا المأزق الإنساني الذي ينتج عنه كثير من المآسي الشخصية وهو مأزق تعارض وسائل سعادة البشر حين يرتضي البعض لنفسه أن يختار سعادته بغير اعتبار لما يترتب على اختياره ذاك من شقاء الآخرين ، وإن كان كثيرون يرفضون هذا السبيل ويترددون كثيرًا في اختيار سعادتهم الشخصية على حساب سعادة الآخرين ولو شقوا بذلك ولا يؤمنون بمنطق صديقة الكاتب الفرنسي العظيم فيكتور هوجو التي لامها البعض على علاقتها به على حساب تعاسة زوجها فقالت : "لو كان للإنسان أن يشتري سعادته لأنفقت حياتي منذ زمن طويل .. ولما توقفت عند أي اعتبار آخر" ويرون دائمًا أن السعادة المثلى هي التي يخلو الإنسان معها دائمًا من وخز الضمير ويتحصن فيها بعدم إيلام الآخرين ، ويحاول دائمًا ألا تتعارض وسائل سعادته الخاصة مع وسائل الآخرين المشروعة .

أما لماذا لم يتزوجها زوجك قبلك ويعفيك من هذا الإيلام بعدما تعرضت له من محنة سابقة ؟ فلأنه يا سيدتي رغم ارتباطه العاطفي القديم بها لم يكن مقتنعًا بها ولا قادرًا على مواجهة أبنائه ومجتمعه بالزواج منها .. لكن هتك الأسرار والمواجهة الصاخبة قد ورطاه في الزواج منها أو سهَّلا له على الأقل إعلان ما كان يتهيَّب أن يعرفه الآخرين .


والله عليم بما في الصدور .. أما أنتِ يا سيدتي فليس أمامكِ إلا أن تطوي أيضًا هذه الصفحة المحزنة من حياتك .. وتستعيني بالأيام والصبر والصلاة على مداواة هذا الجرح الجديد .. ولسوف يعينك شبابك على سرعة شفائه لأن جراح الشباب سريعة الالتئام ولأن الحياة رغم آلامها السابقة مازالت عريضة وممتدة أمامك ولابد أن تعوضك الحياة ذات يوم عما لقيتِ من تصاريف القدر .. وغدر الإنسان .. 
  
                              كتبها من مصدرها بكتاب رسائل محترقة
رفيدة محمد إسماعيل

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali

إقرأ المزيد Résuméabuiyad

جمال الذكرى .. رسالة من بريد الجمعة



أنا فتاة فى الثانية والعشرين من عمري..قرأت رسالة (الثمن الفادح) للأستاذة الجامعية التى تشكو تحملها وحدها مسئولية رعاية والدها المسن المريض مما أثر فى حياتها الزوجية، ومن عدم مشاركة إخواتها لها فى تحمل هذه المسئولية والتخفيف عنها .ولقد أثارت هذه الرسالة شجوني لأنني نشأت فى أسرة متوسطة الحال ومتدينة إلى حد كبير .ومنذ صغرى تعودت على أن أسمع من أبى توجهاته عن الحرام والحلال ،وما يجوز لنا أن نفعله فى حياتنا وما لا يجوز ..ولأنني أصغر إخوتي فلقد كان أبى موقناً فى أعماقه أنه لن يكمل معى الطريق وأنه سوف يتركني أستكمله وحدي من بعده. فنشأت بيني وبينه علاقة حب عميق وفهم صادق . فكان يشعر دائماً بما أشعر به من ضيق أو حزن ولا يدعني حتى يسرى عنى ويعيد البسمة إلى وجهي . وإذا خرجنا معاً راح يتحدث معى كصديق ويصارحني بما يشغله، أو يضايقه فمضت بنا الأيام وحبه ينمو فى قلبي ويمتزج بالإعجاب والفخر بهذا الأب الذى ظل يكدح أربعين سنة ويعطى ويرعى ويحب من حوله ناسياً نفسه، إلى أن بدأ المرض يدب فى جسمه، وبدأت أيدي الأطباء، تتداوله وكل منهم يفتى برأي مختلف عن الأخر، وحالة أبى تسوء يوما بعد يوم، إلى أن عرض نفسه على طبيب كبير بالقاهرة فأكتشف أصابته بالمرض اللعين ووصف له العلاج الصحيح وتحسنت حالته بعض الشىء، وتماسكنا نحن لكى نخفف عن أبى وقع الصدمة ..والتففنا حوله نحيطه بالحب والرعاية والدعاء..وفى كل صباح أدخل عليه غرفة نومه وأنا متوجسة لأرى إذا كان يتنفس أم لا . وأسأله هل يريد شيئاً .. وأتأمله بعض الوقت وأسمع إجابته الحبيبة أنه لا يريد إلا سلامتي، وأخرج للجامعة وأرجع ملهوفة لأطمئن عليه، وأتبادل مع أختي تعليق الجولوكوز له .. وأتجنب النظر إلى عينيه لأنني لا أحتمل دموعه التى تنساب بغزارة، وأدخل عليه وهو نائم عشرات المرات أنظر إليه وأتفحصه وكأني أراه للمرة الأولى .. أو كأنني أريد أن أشبع عيني من وجهه بعد أن أشبع هو قلبي بحبه . وكم كانت تبلغ  بى السعادة حين أؤدي له شيئاً يطلبه أو أنجح فى إدخال السرور إلى قلبه الحزين أو أرسم الابتسامة على شفتيه، إلى أن جاء اليوم الأخير وجلست إلى فراشه أطعمه بيدي لأول مرة فى حياتي، وفى ليل هذا النهار رحل أبى – رحمه الله – عن الحياة ودخلت غرفته فرأيته يبتسم ابتسامة صافية جميلة وهو بين يدى خالقه فقبلت جبهته ودعوت له ربى بأن يتقبله بقبول حسن ويعوضه فى رحابه عن كفاحه وعطائه لأسرته وأبنائه.. وواجهت الحياة من بعده وحيدة .. أسير فى الطريق (فأراه) يمضى إلى جانبي يحدثني ونضحك معا ..وأرى فراشه خاليا فأشعر بقلبي يعتصره الألم.. وأرى ملابسه فى الدولاب فأقبلها وأبكى، وأراه فى كل مكان من البيت كأنما لم يغادره.. وفى أوقات كثيرة يخيل إلى أنه غائب عنا فى العمل وسوف يعود إلى البيت فى موعده ويفتح الباب ويلقى علينا تحيته المعتادة, ولقد مضت ستة أشهر على رحيله عنى ومازالت أفتقده كثيرا وأتوق إليه أكثر وأحتاج إليه بشدة وأشعر كأنني شجرة سقطت منها كل أوراقها ولم يعد هناك ما يحميها من عواصف الحياة .. وأتمنى لو ارتمى على صدره وأبكى بكل دموعي، ولقد ظهرت نتيجة السنة النهائية فى الجامعة ونجحت بتفوق فلم أفرح بنجاحي ولا بتفوقي وطوال طريقي للعودة إلى مدينتي من مقر الجامعة لم تتوقف دموعي ،لأنني لن أستطيع أن أبلغ أبى بنجاحي وأسعد بفرحته به وبدعائه لى كما كان يفعل كل سنة .. إنني أريد أن أقول لهذه الأستاذة الجامعية التى تشتكى من رعايتها لأبيها دون إخواتها إنني أغبطها على ما تشكو منه من عناء خدمة أبيها ،وإنني كنت أتمنى لو طال المرض بأبي إلى ما لا نهاية ليبقى بيننا ومعي أطول فترة ممكنة ولو خدمته برموش عينى وأمضيت عمري جالسة تحت قدميه ..كما كنت أتمنى لو طال به العمر قليلا ليرانا حوله ويحصد ما زرعه فينا ويرى ثمار زرعه الطيب .. إنني راضية تماما بقضاء الله وقدره لكنى حزينة على أبى ..وحزينة من أجله وهناك فارق كبير بين الحزن وعدم الرضا ،ولأن قلبي كتوم لما فيه دائما فقد فاض بأحزانه ولم يعد يستطيع إخفاء ما أشعر به من افتقاد لأبى ووحشة من بعده..والسلام عليكم ورحمة الله..

ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
الله سبحانه وتعالى وحده هو من يعلم بعمق عاطفة الحب التى ينطوي عليها قلب الأب لأبنائه خاصة الضعفاء منهم ،فهم حبه الأبدي والسرمدي الذى لا تنال منه السنون وهو عند الصالحين منهم مع حب الأم حبهم الأول والأعمق والذى يصوغ وجدانهم ويعلمهم حب الآخرين ومن أصدق ما قرأت فى شأن ما كتبه الكاتب المسرحى صمويل بيكيث عن أبيه حين قال مخاطبا إياه (إذا لم تحبني فلن يحبني أحد فى الدنيا بأسرها وإذا لم أحبك فلن أحب أحدا أبدا !)- وهى كلمة عميقة المغزى ،وتنبهنا إلى حقيقة نفسية كامنة فى النفس والوجدان هى أن من لا يحبه أبوه أو لا يستطيع أن يجتذب حب من فطره الله على حب أبنائه ،فلن ينجح غالبا فى الفوز بحب أحد غيره حبا صادقا أبدا، وأن من لا يحب أباه لن يتسع قلبه الذى فطره خالقه على حب الأبوين لحب حقيقي صادق لأي إنسان من قبلهما أو بعدهما مهما تراءى له غير ذلك ..ولأن أحب أبناء الأب إليه ،كما قال العربى الحكيم – هو صغيرهم حتى يكبر ومريضهم حتى يشفى وغائبهم حتى يعود ، فلقد كنت أنت يا ابنتي بهذا المعيار الرحيم أحب أبناء أبيك له ، لأنك (صغيرهم) الذى يختلط حبه له بالإشفاق عليه ..والتوجس مما قد يواجهه فى الحياة من بعده إن لم يتسع العمر لحدبه عليه حتى تصل سفينته إلى شاطىء الأمان ..والأب العطوف الصديق هو دائماً أقرب الآباء إلى قلوب أبنائهم ،وإذا كانت طبيعة الابن تنزع به عند سن معينة للاستقلال بشخصيته وأفكاره وهواجسه عن أبيه ،وتقيم لديه (تعارضاً) موهوما ،بين تعبيره لأبيه بالكلمات عن مشاعره العاطفية تجاهه ..وبين ما يحسبه هو من مقتضيات الرجولة واستقلال الشخصية ،فإن الابنة بطبيعتها الأنثوية تعفى نفسها من هذا التناقض الموهوم ،ولا ترى بأسا فى التعبير عن مشاعرها العاطفية لأبيها وأمها مهما بلغت عن العمر ..ولقد تستقل مكانياً عنهما ويصبح لها بيت أخر وزوج وأبناء ،لكنها لا تنفصل عنهما عاطفياً أبداً،وإنما تظل مشدودة إليهما بخيط رفيع من الحنان  والعطف والحب الصادق والاعتمادية النفسية التى تعمق روابط الأبوين معها،وكذلك يفعلان هما أيضا معها مهما تباعدت بينهما وبينهما المسافات والأزمان ولأن حبها لهما وحبهما لها هما نبع الحب الأول فى قلبها ،فكل حب يطرأ على حياتها هو امتداد لهذا الحب وليس متناقضاً معه .ولقد كان الرسول الكريم (صلوات الله وسلامه عليه ) يحب ابنته فاطمة أشد الحب وأعمقه ،ورفض أن يأذن لعلى بن أبى طالب بأن يتزوج عليها قائلا ما معناه والله لا إذن والله لا إذن .. فإن فاطمة بضعة منى يؤذيني ما يؤذيها ويريبني ما يريبها .فلا عجب إذن فى أن ينطوي قلب أبيك على كل هذا الحب ولا فى أن تبادليه أنت ككل ابنة بارة عطوف حبا بحب ،وتفتقدي غياب شمسه عن حياتك .. ومن أحزان الحياة حقا أن تتحقق لنا الأهداف التى سعينا بجد لبلوغها والانتصارات التى كدحنا جادين لتحقيقها.. وقد غاب عنا من كانوا سيسعدون بها أكثر من سعادتنا نحن بها ،أو تجيئنا هذه الأهداف بعد أن رحل عنا من كان النصيب الأكبر من فرحتنا بها سيكون نابعا عن إحساسنا بالرضا عن أنفسنا لأننا قد أسعدناهم بها وأدخلنا الفرحة من أجلنا إلى قلوبهم الحزينة .. فالإنسان لا يسعد بسعادته وحده بالأشياء التى تطلع إليها ،وإنما بسعادة أعزائه الأقربين إليه بها من أجله ،قد يثير الأسى فى نفوسنا حين تتحقق لنا بدلا من الابتهاج به حين لا نجد حولنا من نتقاسم معه الفرحة بها ،غير أن هذا الإحساس المرير قد يشعر به الإنسان فى نهايات العمر أكثر وليس فى بداياته كما هو الحال معك ،ولقد يثير المرارة فى نفس الإنسان الوحيد تماما فى الحياة .وليس فى مثل ظروفك التى تحظين بها بنعمة وجود الأم والإخوة والأحباء .. فاستعيني بما غرسه والدك فى قلبك من حب له وللآخرين على مواجهة الحياة، ولتكن ذكرى أبيك وأيامك السعيدة معه وفى حياتك العائلية زاداً عاطفياً لك يشد من أزرك ويعوضك عن غيابه عنك.. فإن جمال الذكرى يمكن أن يعوض الإنسان بعض ما يستشعره من وحشة ووحدة بعد غياب الأعزاء .. وشكراً على إعلائك للقيم العائلية الصحيحة وتذكيرك للآخرين بواجباتهم تجاه أعزائهم والسلام ..

 
                                     كتبها من مصدرها بأرشيف جريدة الأهرام
                           Yasmin Orabi    

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali

إقرأ المزيد Résuméabuiyad

القرار الصائب .. رسالة من بريد الجمعة


سأعرض عليك قصتي راجياً أن تساعدني في اتخاذ القرار الصائب.
أنا موظف بإحدى الهيئات الإقليمية في الخامسة والأربعين من عمري.تخرجت في الجامعة منذ ثلاثة وعشرين عاماً وتزوجت بعد تخرجي مباشرة وأنجبت طفلة..ثم فشل زواجي سريعاً وانتهي بالطلاق..ولم أشعر وقتها بمرارة الطلاق أو فراق الأبناء لأني كنت صغيرة السن وفي مطلع الشباب..وكان حولي إخوتي وأمي فخففوا عني ما حدث ونسيته سريعاً.
وبعد ثلاث عشرة سنة من تجربتي الأولى الفاشلة تزوجت وأنا ناضج في سن السابعة والثلاثين من زميلة لي بالعمل..ولم يعرف أهلها أو أي إنسان آخر بتجربتي الفاشلة الأولى.
وبعد زواجي سعيت للانتقال إلى عمل آخر تجنبا للمشاكل التي قد تحدث نتيجة لوجودنا معاً في عمل واحد,وانتقلت إلي الهيئة التي أعمل بها الآن,ومضت الأيام بنا فأنجبت من زوجتي ولداً وبنتاً, ورحلت أمي عن الدنيا وتفرق الإخوة والأصدقاء ولم تعد لي دنيا خارج حدود أسرتي الصغيرة,وككل حياة كانت تحدث أحياناً بيني وبين زوجتي خلافات عابرة تتم تسويتها على الفور بعد العتاب أو بعد خصام لا يستمر عدة أيام ولم تكن لي شكوى من هذه الناحية.
وفي صيف العام الماضي استأجر أحد زملاء زوجتي في العمل وهو زميل سابق لي وصديق,شقة مفروشة بأحد المصايف لقضاء الأجازة فيها وعرض على زوجتي أن نسافر معه لقضاء العطلة في هذه الشقة لأنه لن يستفيد منها سوى بغرفة واحدة,وفاتحتني زوجتي فاعترضت لأنه أعزب أولاً ولأن نصبينا في إيجار الشقة سوف يرهقنا مادياً فضلاً عن نفقات المصيف.لكنها ألحت على القبول بحجة أنها فرصة لا تعوض لقضاء أجازة قليلة النفقات..وطالبتني بأن أدعه يتحمل هو إيجار الشقة لأنه كان سيتحمله سواء ذهبنا معه أم لم نذهب على أن أعطيه بطانية جديدة هدية فلا يكون له كما قالت"فضل عليك" ووافقت على مضض بسبب إلحاحها وإصرارها,وسافرنا وقضينا الأجازة وعدنا من المصيف,وبدأ هذا الصديق يتردد علينا كثيراً .ثم جاء عيد ميلاد ولدي ففوجئت به يفتح دولابي الخاص ويخرج منه هدايا كان قد أعدها قبل ذلك لأطفالي وأخفاها فيه بدون أن أسمح له بذلك..وبدأت ألاحظ أشياء غريبة وأتوقف..وأراقب وكلما طلبت من زوجتي أن تطلب منه الإقلال من زيارتنا تجنباً للمتاعب أجابتني بأنه "وحيد وغلبان " وكثرت هداياه لها..وكلما لفت نظرها إلى عدم جواز ذلك تقول وماذا في ذلك..إنه يجد راحته عندنا..وأنت ليس لك أصدقاء وفي حاجة إلي صديق مثله!ثم بدأت تخرج معه أحياناً من الساعة السابعة صباحاً ولا تعود إلا في الثالثة بعد الظهر واسألها فتجيبني ":بخطب له ..أصله غلبان!" .مع أن هذا "الغلبان الوحيد" له أربعة أشقاء وأخت يستطيعون أن يخطبوا له نصف بنات البلد إذا أراد بالإضافة إلى انشغالها المستمر بشراء كل لوازمه الخارجية والداخلية واهتمامها بذلك على حساب شئوني الخاصة فإذا عاتبتها شقيقتي استنكرت منها ذلك وذكرتها بأن زوجها الأهم ردت في ثبات:ماذا يعيب زميلي..ولماذا تكرهونه؟ وأكثر من ذلك فكانت تفرض علي أو تورطني في دعوته من حين لآخر لقضاء ليلة الأجازة معنا ليبيت في غرفة الأولاد وتظل تسامره طول الليل وأنا جالس أغالب النعاس,وكلما دعوتها للنهوض للنوم تجيبني بأني أستطيع أن أنام في أي وقت..أما هي فسوف تسامره لأنه عيب أن يتركه كلانا وحده! فأضطر لمواصلة الجلوس وأنا أتطوح من تأثير الرغبة في النوم حتى تطلق سراحي بعد الفجر..وكثير وكثير من المواقف المخزية..ثم أخيراً سافر هذا الصديق للعمل في الخارج وتنفست الصعداء لكني فوجئت بها بعد سفره بثلاثة أيام تهجر البيت وترفض العودة وتزعم أني قد ألقيت عليها اليمين ثلاث مرات خلال فترة زواجنا التي لم تكمل تسع سنوات وتطلب الطلاق لأنها صارت بذلك محرمة علي.وتجادلنا في ذلك وسألتها كيف قبلت عشرتي بعد اليمين الثالثة التي تزعمين أني ألقيتها عليك منذ شهور فتقول لي إنها لم تكن تعرف أنها قد أصبحت لا تحل لي وتدخل الأهل وقررنا أن نستفتي شيوخ الأزهر وقبلت ذلك لثقتي في سلامة موقفي واصطحبنا إلى هناك وقابلنا أحد الشيوخ الأجلاء وروى كل منا القصة من وجهة نظرة فإذا بالشيخ الفاضل يقول لي إنها فعلاً محرمة علي..وإنها صادقة وإني كاذب..مع أنى متأكد أني لم ألق عليها اليمين خلال تلك المشاحنات الأخيرة بسبب هذا "الصديق" وقد فشلت كل الجهود في إقناعها بالعودة ومازالت ترفض بإصرار.
فماذا أفعل يا سيدي..هل أطلقها غير مأسوف عليها وأترك أولادي..وأواجه مرارة فراق الأبناء وأنا في هذه السن.وبعد هذه المرحلة من العمر أم أصبر عليها لعلها تفيق من غواية الشيطان وأهوائه؟
إنني أكاد أجن لعدم قدرتي على اتخاذ قرار صائب علماً بأني لم أكن في يوم من الأيام متردداَ في اتخاذ أي قرار هام في حياتي ولو كان فيه ضرر لي. فأرجوك أرشدني لما فيه خيري ولا تنشر اسمي تجنباً للفضيحة ومن أجل ابنتها الصغيرة التي ستحمل وزر أمها وكذلك ابني.

ولـــكـاتـب هــذه الرســالة أقــــول:

لن أطيل في ردي عليك حرصاً على المشاعر إذ لولا أن رسالتك قد تفيد البعض في إثراء معرفتهم بالحياة وببعض ما يجري بها أحياناً من "أحوال" خارقة للمألوف لما نشرتها ولاكتفيت بالرد عليها في باب الردود الخاصة, كما أفعل كثيراً مع مثيلاتها.
يا سيدي إن المشكلة الأساسية في قصتك ليست في حقيقة عدد المرات التي ألقيت عليها فيها اليمين وهل هي ثلاث كما تتمسك زوجتك أم اثنتان كما ترى أنت, وإنما المشكلة الحقيقية هي أن زوجتك قد اختارت غيرك منذ فترة ليست قصيرة وحسمت أمرها نهائياً وهجرت بيتك وتطلب الطلاق وتصر عليه لتبدأ حياة جديدة بعيداً عنك فماذا تريد أن تفعل بنفسك أكثر مما فعلت حتى الآن؟ وماذا تحتاج من دليل جديد على أن الحياة قد فسدت بينكما تماماً ولم تعد تجدي فيها محاولات الإصلاح .
إن محنتنا الحقيقية تبدأ برفض الاعتراف بالأمر الواقع الذي يلمسه الجميع ما عدانا نحن ثم نحاول تجاهله ومواصلة حياتنا كما نراها بدلاً من أن نسلم بما حدث ونتحرك لمواجهة نتائجه ونتحمل تبعاته بشجاعة كما ينبغي للإنسان الرشيد أن يفعل.
وما جرى العام الأخير يعكس هذه الحقيقة وينطبق عليه قول الشاعر:
وكيف يصح في الأذهان شئ      إذا احتاج النهار إلى دليل؟
إنني لا أريد إيلامك .. بل أقدر آلامك وأفهم دوافع إشفاقك على أبنائك..وعلى نفسك من مرارة مفارقتهم ومعاناة محنة الانفصال في سن الهدوء والاطمئنان..لكن ماذا نستطيع أن نفعل إذا فرضت علينا المحنة لأسباب خارجية ولا حيلة لنا فيها سوى أن نتحمل اختبارات الحياة القاسية وننهض لنبدأ من جديد؟

إن الإنسان العظيم هو الإنسان القادر على نفسه دائماً قبل أن يكون قادراً على الآخرين والأكرم لمن فرضت عليه هذه المحنة ألا يتوقف ليسأل أو يجادل في عدد مرات الطلاق..وإنما أن يتقبل الهزيمة بشجاعة الألم..موقناً تماماً بأنه لا يعيب المرء أبداً أن يغدر به الغادرون..وإنما يعيبه فقط أن يرضى لنفسه بالهوان وفي مقدوره أن يتخلص منه.
وقد حدث ما حدث ولم تلتفت للأسف لمقدماته الطويلة وحان الآن وقت تصحيح الأوضاع مهما كان ذلك قاسياً عليك فدعها لنفسها وما اختارت فذلك أفضل كثيراً من محاولة إرغامها على مواصلة الحياة معك..وليرع الله طفليك إلى أن تستطيع ضمها إليك أو التوصل لصيغة كريمة للإشراف عليهما معها الآن..ولتبدأ حياتك من جديد مع سيدة ملائمة لك في العمر ولا رغبة لها في الإنجاب ..والإنسان يستطيع دائماً أن يبدأ حياته من جديد في أي مرحلة من مراحله مستفيداً من دروس الألم وعثرات الطريق فاحزم أمرك يا صديقي سريعاً..وسرحها بهدوء حرصاً على كرامتك وكرامة أبنائك واستجابة لرغبة من لا تريد الحياة معك ولا تكشف ما أراد الله ستره لصالح أبنائك وليس لصالح أحد آخر .ودع لربك أن يقتص لك ممن ظلمك ويعوضك عما لقيت خيراً مؤجلاً.
وتأكد أني لا أنصح أباً أو أماً لأطفال صغار باتخاذ هذا القرار البغيض أبداً إلا إذا كان في استمرار حياتهما معاً, ما هو أشد بغضاً وحرمة عند ربهما من انتهائها.
وفي حالات قليلة أجدني مرغماً على الإيمان بصدق هذه العبارة التي جاءت علي لسان إحدى شخصيات الأديب الفرنسي جان أنوي في مسرحية مسافر بلا متاع, فأرددها معك قائلاً: "لا خير في الأسرة إذا انعدمت الروابط بين أفرادها..أو إذا فسدت الحياة نهائياً بينهم".
والمؤكد أن الحياة بينك وبين زوجتك قد فسدت نهائياً ولم يعد يرجي لها صلاح ولم يبق إلا اتخاذ القرار الصائب بإسدال الستار عليها للأسف.وشكرا لك.


 
                               كتبها من مصدرها بكتاب شركاء في الحياة
                            Bosaa Aly    

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali


إقرأ المزيد Résuméabuiyad

 

سجل إميلك وتوصل بمواضيعنا :