ضرب السياط .. رسالة من بريد الجمعة


"إن شئت فاظلم ، وإن شئت فاعدل .. فما تظلم في النهاية سوى نفسك ، وما تستعدي ربك في الحقيقة سوى على نفسك"

أكتب إليك للمرة الثانية بعد أن كتبت إليك منذ شهرين بقصتي ولم أجد ردا عليها .. فأنا سيدة في اﻷربعين من عمري، أعمل موظفة بهيئة حكومية منذ 17 عاما، وأحب عملي كثيرا، وقد تزوجت منذ أحد عشر عاما من رجل متوسط العمر يملك محلا تجاريا بجوار مكتب الهيئة التي أعمل بها، وكان حين تزوجته أبا لثلاثة أولاد، ودائم الشكوى من زوجته التي طلقها ثلاث مرات، فارتبط بي وجمعني بيت واحد معه ومع أبنائه، وكنت قد أحببت هذا الرجل حبا ملك علي نفسي ، فأديت واجبي كزوجة وأم تجاهه وتجاه أبنائه الذين أحببتهم ورعيتهم بإخلاص . وقد شاءت إرادة الله ألا أزرق بأطفال، وفشلت كل محاولاتي لﻹنجاب، فاتخذت من أولاد زوجي أولادا لي، وكانت أسعد أوقاتي دائما هي تلك التي أخرج فيها ﻷشتري لهم ملابسهم وألبي مطالبهم، وقد توليتهم صغارا حتى كبروا ووصلوا إلى المرحلة اﻹعدادية، وطول هذه السنوات كنت أحل أية مشكلة تحدث معهم بعيدا عن زوجي حتى لا أفسد عليه سعادته، وكان هو يردد دائما أن الله سبحانه وتعالى قد عوضه خيرا عن زيجته اﻷولى الفاشلة بزواجه مني، وأنه يحبني ولا يستطيع أن يتحمل فراقي . وكنت أسعد كثيرا بهذه الكلمات الطيبة وأستمد منها قوة جديدة للاستمرار في العطاء، خاصة وأني - والحمدلله - سيدة متدينة ومحجبة، ثم حدث أن توفيت والدتي رحمها الله ، وكنت أعتبرها كل شيء لي في الحياة ﻷني وحيدة بلا إخوة ولا أخوات .. فحزنت لوفاتها حزنا شديدا، وشعرت أن الدنيا قد خلت من حولي بعد رحيلها .. وفعلا يا سيدي، فقد كان رحيلها عن الحياة نذيرا بانتهاء أيام السعادة واﻷمان في حياتي .. فعقب وفاتها بأيام أصيب ابن زوجي في حادث سيارة ونقل إلى المستشفى في حالة سيئة، فلازمته عشرة أيام وجاءت والدته من البلدة التي تعيش فيها لتطمئن عليه فكانت تذهب وتجئ وكأنها إنسانة غريبة عنه، ولا تطيل وجودها إلى جوار ابنها، في حين أقوم أنا بكل ما يحتاج إليه من خدمة ورعاية في المستشفى ﻷني أحب هذا الولد حبا كبيرا كما أحب إخوته، إلى أن جاءت ذكرى اﻷربعين لوفاة أمي ، فاستأذنت زوجي في الذهاب إلى شقتها لاستقبال أقاربي، فأذن لي بذلك، وذهب هو بدلا مني إلى المستشفى وأمضى النهار كله إلى جوار ابنه . وفي نهاية اليوم رجعت إلى بيتي ، فإذا بزوجي يرفض السماح لي بالرجوع إليه ويطالبني بالعودة إلى حيث أتيت . ومنذ ذلك الحين وأنا أقيم في شقة والدتي التي ينازعني عليها مالك البيت ويريد طردي منها بحجة أنني متزوجة، وزوجي يرفض عودتي إلى بيته إلا إذا قدمت استقالتي من عملي وتفرغت له نهائيا . ولقد توسلت إليه واستحلفته بربه أن يتركني أواصل العمل لمدة ثلاث سنوات فقط لكي أتم 20 عاما في الخدمة وأستحق نصيبي في المعاش ﻷني أخاف من تقلبات اﻷيام وليس لي مورد سوى عملي، فرفض ذلك بإصرار، ووسطت لديه اﻷهل واﻷصدقاء بلا فائدة، وأخيرا سلمت مضطرة برغبته ، وذهبت إليه وأبلغته بقبولي الاستقالة والتضحية بعملي من أجله ، مع أن عملي لم يكن يؤثر على حياتي أو واجباتي تجاهه ، فإذا بزوجي يفاجئني مفاجأة أشد وأقسى ، وهي أنني إذا رجعت للحياة معه فلن أعود الشقة التي عشت فيها 11 عاما وارتبطت بها ! .. ودهشت دهشة شديدة لذلك ، وحاولت أن أفهم منه تفسيرا مقبولا له فلم أستطع .. وأخيرا - وبعد عناء شديد - صارحني بأنه يريد أن يتزوج من أخرى ويجعل من هذه الشقة التي وضعت على كل ركن فيها بصماتي عشا للزوجية الجديدة !

ولا تستطيع أن تتخيل يا سيدي مدى شقائي حين علمت منه ذلك ولا ما شعرت به من غيظ وكمد وحقد على كل شيء .. لقد اسودت الحياة أمام عيني وفقدت اﻷمل في كل شيء ولازمني الاكتئاب بعدها واليأس حتى كرهت عملي الذي كنت أحبه كثيرا، وأهملت أداء واجباتي فيه ﻷني شعرت بأنه كان السبب فيما أعاني منه ذلك! ولقد رفضت أن تشاركني في زوجي الذي أحببته كل هذا الحب امرأة أخرى أيا كان وضعها ، وطلبت من زوجي الطلاق ، فطالبني بالتنازل عن حقوقي المادية ، ومازال سادرا في غيه ويرفض النصيحة ، ويرد على من يقولون له أن زوجتك طيبة ومتدينة وترعى أبناءك، ولديك من أبناءك الذكر واﻷنثى ، فما حاجتك إلى زواج جديد .. فيؤكد أنه معترف بذلك بل مازال يحبني .. لكنه يريد أن يتزوج وخلاص !

لقد مضت خمسة شهور طويلة وزوجي يرفض أن يطلقني إلا إذا تنازلت له عن حقوقي، ويرفض عودتنا إلى حياتنا الطبيعية والعدول عن فكرة الزواج الجديد . ويقول إنه سوف يتزوج عرفيا حتى لا أحصل منه على الطلاق عن طريق المحكمة .. فهل هذا عدل يا سيدي ؟ .. وهل هذه مكافأة على الحب واﻹخلاص وتربية أبناء زوجي الصغار وحبهم ورعايتهم ؟ ..

إنني أرجوك أن تكتب لي كلمة ، وأن تنصحه بألا يظلمني ﻷن الظلم ظلمات يوم القيامة .. وأن تقول له : إنني لا أريد منه شيئا سوى أن يطلقني ويعطيني حقوقي، ولي الله بعد ذلك يتولاني ويرعاني، وإني واثقة من أنه لن يتخلى عني ﻷني لم أظلم زوجي يوما ما ، وكنت أرعى ربي في كل تصرفاتي معه ومع أبنائه طوال سنوات الزواج . لكن السؤال الذي يحيرني هو : هل هذا هو مصير الزوجة المحبة المخلصة لزوجها وبيتها ؟ .. وهل ذنبي أني لم أزرق بأطفال ؟ ..

لقد أصبحت أشك في جميع الناس ، وفقدت الثقة في كل من حولي ، ولا أريد أن أقابل أحدا أو أتحدث مع أحد ، بعد ما فعله بي هذا الزوج الغادر الذي كنت أعتبره كل دنياي ، وأعتبره اﻷب واﻷخ والزوج والحبيب وكل أهلي وأقاربي .، وإنني أناشدك أن تكتب له كلمة بألا يفعل معي سوى ما يرضى عنه ربه ، وألا يظلمني فيه .. ولك مني كل شكر وتقدير .. والسلام .

ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
تقلب المشاعر والقلوب أمر وارد ومن طبيعة البشر، لكن التجمل والتعفف عن خذلان من أخلصوا الود للإنسان، واسترجاع مواقفهم معه وعطاءهم المخلص له واﻹشفاق عليهم مما قد يصيبهم من أذى وإيلام إذا انساق لرغباته وحدها ، يرجع باﻷصلاء من بني البشر عن الاستسلام لخطرات النفس .اﻷمارة بالسوء، ويردهم عن غيهم .. وقد يحيي في قلوبهم بعد حين المشاعر القديمة تجاه شركائهم، فترجع صادقة إذا حثها على التنبه من مرقدها ورعاها.وأذكى نارها الفاترة إلى أن تسترد قوتها وعافيتها من جديد، وهذا هو ما ينبغي أن يفعله اﻹنسان في مثل هذا الموقف ، إذ لو استسلم كل إنسان لخطرات النفس وتقلبات المشاعر الطارئة لما دامت حياة ، ولما تشارك اثنان في رحلة العمر حتى نهايتها . والواضح يا سيدتي أن زوجك كانت له من قبل تحفظات قديمة على عملك وعلى تأثيره على حياتك معه ومع أبنائه ، وأن مطالبته لك بالاستقالة منه لم تكن مفاجأة كاملة لك بالاستقالة، وإنما كانت استطرادا لموقف سابق تمت مناقشته مرارا من قبل تحفظات.

ورغم أنه كان يستطيع أن يتجمل بالصبر ثلاث سنوات أخرى حتى لا يحرمك من حقك المشروع في المعاش وفي تأمين مستقبلك ، إلا أنه أراد عامدا هذه المرة أن يضعك أمام الخيار الصعب بين تطلعك للامان المادي وبين رغبتك في الاستقرار والسعادة معه . وظني أنه لم يكن جادا في هذا الاختيار، ﻷن من قبل بعملك أحد عشر عاما كان يستطيع أن يصبر عليه بغير عناء ثلاث سنوات أخرى ، وإنما هو في تصوري قد أراد أن يدفعك إلى التمسك بعملك وطلب الطلاق مقابل التنازل عن حقوقك المادية لديه، وأن يصور الخلاف بينكما وكأنه خلاف حول استمرارك في عملك والتضحية بزوجك ، أو التضحية بعملك وتفضيل حياتك الزوجية ، وحين فاجأته بالاستسلام لإرادته والتضحية بعملك قبل ثلاث سنوات فقط من أحقيتك في المعاش الكريم ، اضطربت برامجه .. فاضطر لمصارحتك بنيته المبيتة للزواج مرة أخرى ، وأراد إرغامك على القبول به كأمر واقع لا بديل عنه ، ورفض الاستماع لنصح الناصحين بأنه لا يحتاج إلى زواج جديد، وقد من الله عليه بالبنين وبالزوجة المحبة المخلصة الراعية ﻷبنائه ، وهو بالفعل زواج لا ضرورة له ولا مبرر سوى هوى النفس والاستسلام لرغائبها بغير توقف أمام ما يترتب على ذلك من إيلام للآخرين .

وحتى لو سلمنا له بحقه أن يفعل بحياته ما يشاء وألا يتوقف أمام شقاء اﻵخرين برغباته ، فلقد أعفانا الله سبحانه وتعالى من الحيرة ، وأوضح لنا الطريق لكي نخفف من وقع إيذائنا للآخرين بتحول مشاعرنا عنهم ، فخيرنا بين إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان .. واﻹحسان في اللغة أشمل وأعم وأكبر من (المعروف) .. ومعناه أن نؤدي إلى من آذيناهم - إن عجزنا عن الترفع عن الاستسلام ﻷهوائنا وحدها - كل حقوقهم بلا مماطلة ولا تسويف ، وبلا منازعة لهم في شيء منها ، بل ورأى لنا بحكمته أن نكون أكثر من كرماء معهم ، عسى أن يخفف ذلك عنهم بعض ما يشعرون به من غصة وخذلان . وهذا هو نموذج الخلاف النبيل الذي ينبغي أن يخفف يلتزم به المرء مع من شاركهم حياتهم وتمازج عرقه بعرقهم .. أما أن نبخسهم حقهم وننازعهم فيه ، ونطالبهم فوق كل ما أصابهم من إيلام الجحود والنكران بالتنازل عنه ، فهو ما لا يليق بالشرفاء من البشر ، ولا يرضى عنه من حرم الظلم على نفسه -سبحانه- وجعله بين عباده محرما .. فقولي لزوجك كل ذلك يا سيدتي وذكريه بأننا لا نفلت أبدا بظلم نرتكبه ضد أحد من عقاب الدنيا قبل عقاب السماء ، وبأن اﻹنسان إنما يتوسل إلى ربه أن يجنبه ظلم الحياة واﻵخرين له بالعدل مع الجميع ، وباﻷمانة مع الحياة .. فإذا كان راغبا في غير ذلك فهو وشأنه ، فما يختلف حاله في ذلك في كثير أو قليل عن حال ذلك الرجل الذي كان يضرب آخر بالسوط عقابا له على شيء ارتكبه ، فرآه أحد الصالحين ، فلم يستعطفه ولم يناشده الرحمة بمن يؤذيه ، وإنما قال له في ثبات : إن شئت فأكثر .. وإن شئت فقلل .. فما تضرب في النهاية إلا نفسك !

وكذلك أقول لزوجك : إن شئت فاظلم ، وإن شئت فاعدل .. فما تظلم في النهاية سوى نفسك ، وما تستعدي ربك في الحقيقة سوى عليك .. فضع نفسك حيث تراها جديرة بأن تناله من عدل الحياة معها .. أو ظلمها لها .. والسلام

˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙
كتبها من مصدرها بكتاب قالت الأيام
Rofida Mohamed Ismail

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali



إقرأ المزيد Résuméabuiyad

ابتسامة الغروب ! .. رسالة من بريد الجمعة


قرأت رسالة " الدعاء " المفزعة التي يتحدث فيها كاتبها عن زوجته الراحلة حديثا بشعا ويدعو ربه – غفر الله له – أن يضيِّق عليها قبرها الخ وأريد أن اروي له ولك قصتي .
ففي مثل هذا الشهر منذ سبع سنوات تعرفت على فتاة شابة في مناسبة هامة في حياتها هي يوم حصولها على دبلوم المعلمات ..وبعد أسبوع بالضبط كنت قد خطبتها وعقدت قراني عليها وعدت إلى الدولة العربية التي اعمل بها لاستكمال سنوات الإعارة .. ومضى عام على القران تراسلنا خلاله وتبادلنا أجمل مشاعر الحب والوفاء ثم عدت في الأجازة في الشهر الذي تعرفت عليها فيه منذ عام وتم الزفاف, وتحول الحلم السعيد الخاطف إلى حقيقة جميلة ..وفي اليوم التالي مباشرة جاء الأهل ليهنئونا .. وراحت حبيبتي تتحرك سعيدة ومزهوة بحبنا وسعادتنا فإذا بها تسقط فجأة مغميا عليها بينهم فاضطرب البيت بمن فيه وأسرع أهلها فنقلوها إلى غرفتها .. وأفاقت من غيبوبتها بعد فترة قصيرة لكنها ظلت نائمة بعدها في فراشها ولا تستطيع أن تستقبل أحدا .. وعرفت منها أنها تعاني من مرض يسبب لها هذه الغيبوبة على فترات متباعدة وأنها تشكو منه منذ عامين .. فعاهدتها ألا يكون لهذا المرض أي تأثير على حياتنا الزوجية وقلت لها عبارة ظلت ترددها فيما بعد عنِّي .. وهي أن السليم قد يمرض والمريض قد يشفى بإذن الله .. كما كررت عليها أيضا نصيحة الأم العربية لابنتها المقبلة على الزواج وهي : كوني له أرضاً يكن لك سماء .. وكوني له أمة يكن لك عبدا وكوني له شمسا يكن لك قمراً .
فكانت هي شمس حياتي منذ أول لحظة جمعتنا فيها الحياة معا وبدأنا رحلة العلاج الشاقة ..وعرفت أن زوجتي الشابة الملائكية تعاني من بؤرة صَرَعية في الجهة اليمنى من المخ تفقدها وعيها من حين إلى آخر لمدة دقائق لكنها تبقى بعد كل نوبة نائمة لفترة طويلة .
وحملت زوجتي الجميلة بثمرة حبنا وأراد الله سبحانه وتعالى أن يحفظ عليها جنينها فلم تأتها النوبات خلال فترة حملها إلا متباعدة ولم تصادفها لحكمة أرادها إلا وهي جالسة أو نائمة فلم تسقط على الأرض مرة واحدة طوال فترة الحمل ثم وضعت مولودها وبدأت النوبات تتوالى عليها بكثرة كأنما أراد الله لها أن تنطلق من عقالها بعد أن حبسها عنها معظم فترات الحمل فجاءت شقيقتها لتقيم معنا وترعى الطفل الوليد الذي حُرم من الرضاع من أمه حرصا عليه كما أمرنا الأطباء .
وظلت أختها مقيمة معنا حتى تم فطام الوليد ثم أصبحت شقيقاتها تتناوبن زيارتنا مرة كل أسبوع فتقوم إحداهن بغسل الملابس وطهي الطعام الذي يكفينا خلاله وسعدتُ بذلك لأني أخشى عليها الوقوف في المطبخ حتى لا تفاجئها النوبة فتسقط على البوتاجاز المشتعل أو خلال قيامها بعمل من أعماله .
وكنت أقوم بشئون البيت والمطبخ بقدر ما تسمح به معرفتي ووقتي فأصنع طعام الإفطار لنا في الصباح وأترك طعاما للطفل حتى لا تضطر زوجتي للذهاب للمطبخ في غيابي وأنهض في الليل للقيام بما يحتاج له الطفل وتعجز أمه عن القيام به .. ولا أدع لها عملا تؤديه إلا تسخين الطعام للغداء والعشاء وأنا واقف بجوارها ثم نقوم معا بإعداد المائدة ونجلس لنتناول الطعام سعيدين ضاحكين متعاطفين,  وفي أحيان كثيرة كنت أسهر على غسل الأواني عقب نومها وبعد أن أغلق النوافذ حتى لا يراني أحد من الجيران أفعل ..وكنت أقوم بكل ذلك راضيا وصابرا وقد تناسيتُ حقوقي الزوجية إلى أن يأذن الله بالشفاء ثم مضت بنا الأيام ونحن على هذا الحال راضييْن بما أرادته لنا الأقدار .. وفي كل جمعة نقرأ بريدك لنتخفف به ونتعزى بما فيه من هموم الآخرين ونقول في كل أسبوع وربما في صوت واحد أن الحمد لله أن حياتنا لا تعرف هذه المشاكل .
إلى أن جاء العام الماضي وزادت النوبات الصرعية وحار الأطباء في أمرها وأجروا أشعة بالكمبيوتر فإذا بها تكشف عن ورم في المخ ولابد من إجراء جراحة سريعة وخطيرة ومكلفة ماديا .
وبفضل الله ثم مساعدة الأهل والأصدقاء تم إدخالها معهد ناصر وإجراء الجراحة لها على يد أستاذ عظيم ورافقتُها في المستشفى قبل وبعد الجراحة أرعاها وأخدمها وأسهر على راحتها وأحلم معها باليوم الذي نعود فيه إلى عشنا الصغير ونستأنف حياتنا الوادعة الهادئة معا وبعد شهر عدت بها إلى بيتي كأنما هي عروس تُزف إلى زوجها لأول مرة ..لكن رحلة العلاج استمرت وأضيفت لها جلسات كهربائية يومية على المخ..وجاءت شقيقتها مرة أخرى لتقيم معنا وتذهب معها إلى المعهد حين أعود أنا من العمل لأجلس مع الطفل ..وانتهت الجلسات وتنفسنا الصعداء ..لكنه لم تمر سوى ستة شهور فقط إلا وعاد الورم اللعين مرة ثانية إلى المخ وفي نفس المكان ..وعدنا إلى نفس الجراح الكبير وقام بإجراء الجراحة للمرة الثانية ونجحت مرة أخرى والحمد لله وعادت الفرحة إلى قلبي وكانت أمها هي التي ترافقها هذه المرة في المستشفى وأذهب لزيارتها كل يوم ..فلا تأكل حتى آتيها وأطعمها بنفسي ولا تتناول شرابا إلا من يدي وقد ازدادت رقة وملائكية وجمالا .. وبعد أيام فاجأتها غيبوبة تامة طويلة فتم نقلها إلى العناية المركزة ولم تعد تشعر بشيء أو يوقظها شيء إلا حين أقتربُ منها وتحس بلفح أنفاسي على وجهها فتفتح عينيها وتنظر إلي نظرة طويلة تحمل ظل ابتسامة خجولة كأنما تقول لي بها أحبك وأشفق عليك مما عانيته معي لكن لا ذنب لي فيما حدث ..ثم تغمض عينيها مرة أخرى وتغرق في الصمت الذي يحيط بها .. وكنت أناجيها ..وأهمس لها وأؤكد لها أني أحبها ولست نادما على يوم واحد عشته معها وأدعو لها ربها ولا أغادر موقفي بجانبها إلا بإلحاح من الأطباء وفي اليوم الرابع من غيبوبتها الطويلة جئت إليها وانحنيت عليها وأحسَّت هي بلفح أنفاسي ففتحت عينيها ولكن لنظرة قصيرة تحمل ظل ابتسامة متعجلة ثم أغمضتهما على الفور وكان الوقت عند الغروب فتشائمت وأحسست بقرب الفراق ..ولم تمض فترة قصيرة إلا وكانت نفسها الوادعة المطمئنة قد عادت إلى بارئها في صمت وهدوء .
وبدأت المراسم الحزينة ووقفت على إعدادها للرحيل كما أوصتني بذلك وتأملتها وهي تنام هادئة مطمئنة فإذا بوجهها أكثر جمالا مما رأيته يوم القران وليلة الزفاف وكل أيامي معها ..وقد اكتسى بجلال ملائكي أعجز عن وصفه وأحاطت به هالة من نور شفيف فجلست إلى جوارها أقرأ لها سورتي يس وتبارك .
ثم تجمع الأهل والأصحاب لوداعها فشاركت في حملها إلى رحلتها الأخيرة على كتفي وأنا أردد لا إله إلا الله ..لا باقي إلا وجهك اللهم فارحمها واعف عنها واغفر لها وأفسح لها في قبرها واجعله روضة من رياض الجنة ...وجاف الأرض عن جنبيها اللهم اجمع بيني وبينها وصِلْ ما انقطع بيننا في رحابك يوم يكون اللقاء ..اللهم تقبل منها وعوضها عن كل ما لم يمهلها العمر للاستمتاع به في جنتك يا أرحم الراحمين .
وظللت أردد لها هذا الدعاء حتى ووريت الثرى ..وعدت إلى بيتي الخالي ..ومازلت أردده لها كل يوم ..وقد مضت أيام على رحيلها وانطوت صفحتها القصيرة قبل أن تبلغ الثلاثين من عمرها وقد لاحظت في غمرة أشجاني أنها قد رحلت عن الحياة وعني في نفس اليوم الذي عقد فيه قراننا منذ سبع سنوات وفي نفس اليوم الذي تم فيه زفافنا منذ ست سنوات ..فادع لي ربك بالصبر والاحتمال ..وادعه لابني الذي يبلغ من العمر الآن 5 سنوات ويحسب ببراءة الأطفال أن أمه في سفر قصير ينتظر عودتها منه بلهفة .

أما أنا فدعائي لك وللجميع هو : اللهم لا تفرق بين حبيبين من بعدي اللهم فاجعل لمن ليس له حبيب حبيباً يحب الحياة من اجله ويحس معه بجمالها ..ربنا وتقبل دعاء .والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

ولكاتب هذه الرسالة أقول :

مما يعزي المرء عن بعض أحزانه استشعاره الرضا عن نفسه لأنه لم يخذل أحدا .. ولم يتسخط على قدر اختاره له الله ..ولم يخن نفسه ولا واجبه الإنساني تجاه من تطلع إلى وفائه فكان له من الأوفياء وكان للآخرين في محنتهم حيث يجب أن يكونوا له هم في شدائد الحياة .

ولاشك أنك يا سيدي تحس ببعض هذا الرضا عن النفس الآن إذْ كنت خير شريك لمن أحببت ولمن جمعت بينك وبينها الحياة خلال هذه الرحلة القصيرة التي لم تطل أكثر مما يطول شفق الغروب ..ولا بد أن زوجتك الراحلة كانت ملائكية الروح والطبع وتستحق وفاءك وإخلاصك لأن " المرء مع من أحب " كما جاء في الحديث الشريف أي تجمعهما غالباً شمائل وخصال متشابهة ونظرة متقاربة للحياة .

لقد قال أحد الشعراء يوما " ولا يبعث الأحزان مثل التذكر " ..وهذا صحيح ولكن أي نوع من الأحزان ؟ أهي الأحزان التي تُقْسي القلب وتصبغه بالسواد وتضع بينه وبين البشر السدود فلا يتمنى لأحد خيرا ولا يرق لآلام أحد ؟ إن كانت كذلك لحق لنا أن نستجيب لنصيحة عمر بن الخطاب حين قال : لا تستفزوا الدموع بالتذكر, أما إذا كانت من الأحزان التي ترقق المشاعر والقلوب وتكسبها رفاهية وشفافية تئن معها لآلام الغير .. وتتمنى لو استطاعت أن تخفف عن الآخرين بعض ما قاسته هي وعانت منه ؟ فلا بأس بالتذكر من حين لآخر .. بلا مغالاة وبلا استغراق فيها يحجب عنا رؤية ضوء الشمس حين تشرق من جديد بعد ظلام الأحزان ..

ولا شك أن أحزانك من هذا النوع الذي يضيف إلى الحياة ولا يخصم منها وليس أدل على ذلك من أمنيتك الصادقة للجميع بألا يُحرموا ممن يحبون بعد أن قاسيت لوعة الحرمان ممن تحب وهي أحزان لا يملك المرء إلا أن يقف أمامها حانيَ الرأس داعيا لك ولكل المحزونين بأن يجفف الله دموعهم ويعينهم على أمرهم بقلب صبور ونفس متطلعة إلى رحمته وإلى موعدها مع السعادة بعد الشقاء .

فليتقبل الله دعاءك للآخرين ودعاء الآخرين لك ولطفلك البريء ..وليعوضك الله عن آلامك خيرا كثيرا وشكرا لك على رسالتك النبيلة .  
* من رسائل عام 1991

˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙
كتبها من مصدرها بكتاب أزواج وزوجات  
Somaya Elkilany
راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali


  





إقرأ المزيد Résuméabuiyad

الخــطأ الفادح .. رسالة من بريد الجمعة


أنا مصري أعمل بشركة بإحدي الدول العربية‏,‏ وقد شاءت لي أقداري أن أشهد عن قرب وقائع قصة آمل في أن تساعدني علي تدارك بعض آثارها الأليمة‏,‏ فلقد وجدت في موقع العمل الذي التحقت به منذ حوالي العام ونصف العام زميلا قديما عرفت من ظروفه أنه كان متزوجا من إحدي قريباته وأنجب منها ثلاث بنات ثم تم الطلاق بينهما وانفصل عن زوجته‏,‏ وجاء للعمل في هذا البلد العربي‏.‏ وبعد عام من غربته رجع إلي مصر في زيارة وتزوج من أخري تبين فيما بعد أنها كانت المسئولة عن انهيار حياته الزوجية الأولي‏,‏ ورجع بها إلي مقر عمله‏..‏ في حين بقيت البنات الثلاث في رعاية الأم التي تعمل بوظيفة صغيرة‏.‏
ويبدو أن مطلقة هذا الزميل قد ضاقت بعد ست سنوات من انفرادها برعاية البنات ببخل مطلقها عليهن‏..‏ فتنازلت له عن حضانتهن وطلبت منه أن يتكفل بهن‏..‏ واضطر الرجل للعودة لمصر وإحضار بناته للإقامة مع زوجته الجديدة وطفلهما الصغير‏..‏ أما الأم فقد تقدم لها إنسان مناسب ووجدت من حقها بعد كل هذه السنوات أن تكون لها حياتها فتزوجت‏.‏

وبعد حوالي ثلاثة أشهر فقط من ضم الأب لبناته الثلاث إليه فوجئت في أحد الأيام بهذا الزميل يتصل بي في الساعة السادسة صباحا ليستنجد بي لأن طفلته التي تبلغ من العمر‏7‏ سنوات في حالة سيئة ولا يعرف ماذا يفعل‏,‏ وبالرغم من استجابتي الفورية 
للذهاب إليه فلقد تعجبت لماذا لم يستنجد بزملائه المقيمين إلي جواره مباشرة بدلا من ضياع الوقت الذي يستغرقه حضوري من سكني علي بعد‏15‏ كيلو مترا ولكني كتمت تساؤلي وتوجهت إليه وفي البيت استقبلني هذا الزميل وزوجته في وجوم‏..‏ ولا أغالي إذا قلت أيضا في برود‏..‏ وقادني إلي طفلته‏..‏ فلم أكد ألقي عليها النظرة الأولي حتي أدركت علي الفور أنها في رحاب الله‏.‏ وطلبت منه التوجه معي إلي الشرطة لإبلاغها بالأمر‏..‏ لكنه طلب أن نتوجه بها للمستشفي أولا عسي أن يكون هناك أمل في إسعافها‏.‏ واستجبت لرغبته وحملنا الطفلة إلي المستشفي فلم يكد يراها الطبيب حتي تساءل باستنكار عما دعا الأب لأن يتأخر في إحضارها إلي هذا الحد‏..‏ وسأله عما حدث‏..‏ فروي الرجل ان طفلته قد سقطت من فوق السلم المتحرك في احدي الأسواق التجارية الكبري في مساء اليوم السابق وانها بكت بعض الوقت ثم لم تشك شيئا بعد ذلك فرجعوا بها إلي البيت قرب منتصف الليل واستسلمت للنوم في هدوء وفي الثالثة صباحا استيقظ من نومه ودخل غرفتها فوجدها بين الحياة والموت ولم يقتنع الطبيب بالقصة التي سمعها من الأب‏..‏ وتعجب لماذا انتظر من الثالثة حتي السادسة صباحا لكي يتصل بأحد زملائه ويطلب عونه بدلا من أن يهرول بها علي الفور إلي أقرب مستشفي وتم إبلاغ الشرطة‏..‏ وانخرط الأب في البكاء والعويل‏..‏ وانتهي الأمر بحفظ التحقيق وتشييع الطفلة إلي مثواها الأخير‏.‏
وتراوحت مشاعري أنا بين الشك في هذا الأب‏..‏ وبين الرثاء له‏..‏ ثم شغلتني هموم الحياة عن القصة كلها‏..‏ فإذا بتطور جديد يطرأ عليها‏,‏ ذلك ان إدارة المدرسة التي تدرس بها الابنة الكبري قد لاحظت مجيئها إليها أكثر من مرة وفي وجهها آثار كدمات وبقع زرقاء‏,‏ فبدأت تسألها عن هذه الآثار وبعد شيء من الضغط عليها إذ بالابنة التي تدرس بالصف الأول الثاني تنفجر وتروي لإدارة المدرسة ان أباها يضربها كثيرا وبوحشية هي وأختها بتحريض من زوجته‏..‏ وأن أختها الصغري التي ووريت الثري منذ بضعة شهور لم تسقط من فوق السلم المتحرك كما زعم أبوها في روايته‏.‏ وروت التفاصيل المؤلمة فقالت إن أباها قد ضرب طفلته الصغيرة بقسوة شديدة عقابا لها علي خطأ فادح ارتكبته‏..‏ وان الطفلة كانت تجري منه في الغرف خلال ضربه لها فاستثار ذلك حمقه وغيظه فأمسك بها ورفعها إلي فوق مستوي رأسه ثم ألقاها علي الأرض بقوة‏,‏ وسقطت الطفلة تولول ثم نهضت لتجري فلم يكتف بذلك وإنما أعاد للإمساك بها من جديد وهي تصرخ وتولول وتستعطف أباها وترجوه وتقسم له قائلة حرمت يابابا والله حرمت يابابا فلم يعفها ذلك من وحشيته ورفعها إلي مافوق رأسه مرة ثانية وألقاها علي الأرض بنفس القوة‏,‏ فازدادات صراخا وبكاء واستعطافا‏..‏ فلم يرق لها قلبه وأمسك بها للمرة الثالثة وألقاها علي الأرض من نفس الارتفاع فلم تنهض الطفلة من الأرض هذه المرة وإنما راحت في إغماءة أو غيبوبة‏..‏ وحل الصمت الكئيب علي المكان‏..‏ والأختان تشهدان هذا الموقف الرهيب خائفتين باكيتين صامتتين عاجزتين عن كل شيء‏..‏ فيحمل الرجل وزوجته الطفلة ويلقيان بها في البانيو ويفتحان عليها المياه لكي تفيق من إغماءتها فلا تفيق‏,‏ فيحملانها إلي الفراش ويدعانها فيه تتشنج من حين لآخر وتقاوم المصير المحتوم إلي أن تلفظ أنفاسها الأخيرة شاكية إلي ربها مالقيته من ظلم‏.‏ والأعجب من ذلك ان الأب قد تركها تقاوم مصيرها من السابعة مساء حتي أذن الله لروحها الطاهرة بأن تهدأ إلي جواره في حوالي الساعة الثالثة صباحا‏,‏ وهنا فقط أدرك خطورة الموقف وخشي أن يستنجد بزملائه في العمل المقيمين إلي جواره لإطلاعهم بحكم الجوار علي سوء معاملته لبناته وضربه لهن وخاصة للطفلة الصغري بسبب مشاكساتها المستمرة مع أخيها الأصغر فأراد أن يستشهد علي أمره زميلا آخر لا يعرف من سيرته الكثير‏..‏ فكنت لسوء الحظ هذا الزميل‏,‏ أما الخطأ الفادح الذي أرتكبته هذه الطفلة المسكينة ولقيت عليه هذا العقاب الوحشي فهو أنها قد تجرأت ودخلت الحمام لتقضي حاجتها في غير الموعد المحدد لها من زوجة الأب وبذلك فقد خرقت النظام الموضوع  للبيت واستحقت العقاب‏.‏ ولأن الله سبحانه وتعالي قد يمهل لكنه أبدا لا يهمل فقد أخذت الأمور بعد ذلك مجراها العادل‏..‏ وأيدت الابنة الأخري ماقالته أختها وتم القبض علي الزميل والتحقيق معه واعترفت زوجته عليه وثبتت التهمة عليهما معا وأودعا السجن منذ أسابيع وبقيت الفتاتان بلا عائل أو مأوي لبعض الوقت حتي تمت إعادتهما للقاهرة‏.‏
واستقبلتهما أمهما المتزوجة والتي أنجبت حديثا طفلا‏,‏ لكنه يصعب عليها إيواؤهما في ظروفها الحالية‏,‏ فهي تعيش في مسكن صغير من غرفتين تقيم مع زوجها وطفلها في غرفة منه وتقيم في الأخري والدة الزوج وأخته‏,‏ لذلك فلا بديل عن توفير مسكن متواضع لهاتين البنتين في الحي الشعبي الذي تقيم فيه الأم‏,‏ بالاضافة إلي توفير مورد لهما ومايقلقني ويؤلمني هو مصير هاتين الفتاتين‏..‏ ذلك ان بعض الزملاء هنا في العمل كانوا قد اتفقوا في قمة التأثر بالمأساة علي مساعدتهما وجمع مبلغ شهري وإرساله لهما‏..‏ إلا أن هذه الرغبة قد بدأت تخبو تدريجيا مع مرور الأيام وبرر البعض ذلك بأن كلا منهم له مشاكله ولديه من الأهل الأقربين من هو أكثر استحقاقا لهذه المساعدة‏.‏ فهل نجد بين قرائك من هم أكثر رغبة في مساعدة هاتين الفتاتين وإنقاذهما من الضياع إلي أن يتمكنا من النهوض بأمرهما ؟

ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏
ياإلهي‏..‏ لكم تقسو الحياة أحيانا علي بعض النفوس البريئة‏!‏ أتوءد طفلة صغيرة في السابعة من عمرها لأنها خالفت نظام البيت ودخلت الحمام في غير الموعد المخصص لها لقضاء حاجة ألحت عليها ولا تعترف بالأنظمة أو المواعيد‏!‏ ومن أي حجر أصم قد قلب هذا الأب الوحشي فلم يرق لهذه الطفلة الضعيفة وهي تستعطفه وترجوه وتقسم له صادقة أنها لن ترجع أبدا إلي ارتكاب مثل هذا الخطأ الفادح‏ !‏
وأين كانت أبوته ورحمته وإنسانيته وهو يرفع طفلته الصغيرة إلى 
مافوق مستوي رأسه ويلقي بها علي الأرض بقوة‏..‏ فإذا نهضت صارخة باكية وجرت محاولة النجاة من مخالبه‏,‏ طاردها بإصرار كما يطارد الصائد فريسته ورفعها من جديد وقذفها إلي الأرض من كل مرة ثانية وثالثة بين عويل الطفلة الضحية‏..‏ ونحيب الفتاتين الخائفتين إلي جواره ؟

وبماذا شعر هو بعد أن حقق هذا الانتصار العظيم علي هذه الطفلة الضعيفة ونجح في اقتناصها‏..‏ ومنعها من الفرار‏..‏ وتنفيذ حكمه الجائر فيها ؟ وماذا سيقول حين يقف أمام رب العرش يوم العرض العظيم "وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت"
لقد روي لنا الأثر أن رجلا إعرابيا قد حكي لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه كيف وأد ابنته في الجاهلية‏..‏ فبكي رسول الله تأثرا بما سمع وإشفاقا علي هذه الموءودة التي لم يعرفها ولم تربطه بها صلة دم ولا نسب‏,‏ حتي نهر الجالسون الرجل وصاحوا فيه‏:‏ أحزنت رسول الله‏,‏ فنهاهم الرسول الكريم وطالب الرجل بأن يعيد عليه روايته فأعادها وبكي الرسول من جديد حتي نزل دمعه علي لحيته‏.‏
فأي فارق في القلوب‏..‏ وأين دمع الرحمة الذي يميز الإنسان من الجماد في مثل هذه المواقف الموجعة ؟

وأي عقاب يمكن أن يشفي القلب من وجده علي مثل هذا الأب القاتل ؟ وأي مفارقة تستحق التأمل حين تسخو الأقدار علي بعض الآباء بنعمة الأبناء فلا يحفظونها ولا يعرفون لها قدرها ويحيلون حياة أبنائهم إلي جحيم كما فعل مثل هذا الأب الذي لا يستحق لقب الأبوة‏..‏ في الوقت الذي يتلهف فيه غيرهم من البشر المحرومين علي من يرجون ان يفيضوا عليهم برحمتهم وحنانهم ورعايتهم إلي آخر العمر‏.‏
لقد أحسنت سلطات تلك الدولة العربية صنعا حين سجنت مع هذا الأب القاتل‏..و‏ زوجته وحاسبتها معه علي جريمة وأد هذه الطفلة 
الصغيرة‏,‏ فلقد قتلتها معه بغير أن تمد إليها يدا‏..‏ بالتحريض عليها ومباركة مايفعله بها‏..‏ وتقاعسها عن إنقاذها من بين يديه وهو في عنفوان حمقه وثورته واستسلامه لشياطينه ونزعاته العدوانية ضدها‏.‏ وبذلك فإنها تكون قد تآمرت بالفعل مع زوجها علي قتل هذه الطفلة حتي ولو لم تمسها بيدها‏..‏ ليس فقط بتحريضه علي إيذائها وإنما أيضا بالصمت علي مافعله بها والنكوص عن رده عما يفعله‏,‏ ولقد كان في مقدورها لو أرادت أن توقفه في الوقت الملائم قبل أن يفلت الزمام من يده‏.‏
لقد قال أحد الحكماء أن مؤامرة الصمت هي أسوأ أنواع المؤامرات لأنها تعني إعانة الظالم علي ظلمه بالصمت علي مايفعل‏..‏ وتعني في الوقت نفسه محاولة التنصل من مسئولية المشاركة في الجريمة وإدعاء عدم المساهمة فيها‏.‏ في حين ان الصمت عن الخطأ قد يعادل في بعض الأحيان المشاركة في ارتكابه‏.‏

ولاشك في أن هذه المرأة لم تكن خير صاحب لزوجها وإلا كانت قد أنقذته هو أولا من نفسه وأنقذت هذه الطفلة البريئة ثانيا من هذا المصير المؤلم‏.‏
وفي الحديث الشريف أن خير الأصحاب من إذا ذكرت الله عنده أعانك وإذا نسيت الله ذكرك‏,‏ وشر الأصحاب من إذا ذكرت الله عنده لم يعنك وإذا نسيت الله لم يذكرك وهذه المرأة لم تذكر زوجها بربه حين نسيه‏..‏ وشاركته محاولته لإخفاء آثار الجريمة بعد ارتكابها‏..‏ وواصلت تحريضها له علي ابنتيه‏,‏ فكان في ذلك مقتلها هي وزوجها حين انكشف الأمر الذي جاهدا لإخفائه بافتضاح آثار تعذيبه لابنته الكبري‏,‏ "وماظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون‏" ..‏ ولا عجب بعد ذلك في أن تعترف علي زوجها وتثبت عليه جريمته ولا غرابة في أن تحاول النجاة بنفسها علي حساب رفيقها لأن من كانت هذه هي أخلاقياتها وعصفها بمن وضعتهن الأقدار تحت رحمتها لا يستغرب منها أن تخذل زوجها في الموقف العصيب وتتخلي عنه‏.‏

 نشرت بتاريخ 6 أكتوبر 2000


˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙

نقلها من أرشيف جريدة الأهرام 
Rofida Mohamed Ismail

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali




إقرأ المزيد Résuméabuiyad

الإحساس الغامض ! .. رسالة من بريد الجمعة


منذ 17 عاماً، كنت طالبة بالمرحلة الثانوية وأعيش حياة عائلية هادئة وكان أبي مديراً بإحدى المصالح الحكومية وأمي مدرسة بالمدارس الإعدادية ومتفاهمين وتربطنا علاقة محدودة بأسر الجيران في نفس البيت ومن بينها أسرة لموظف كثير الأبناء، أبي يتحدث كثيراً عن كفاحه الشريف في الحياة ليعول 6 أبناء وبنات في المدارس والجامعات .

وبالرغم من جفاف حياتهم فلقد كان مظهرهم محترماً وكانوا متفوقين في الدراسة ما عدا ثالثهم – سيء الحظ – الذي رسب في السنة الأولى الثانوية رغم اجتهاده فأصيب بعقدة نفسية حين لحقت به أخته الصغرى وسبقه شقيقه الآخر في الدراسة .. فرسب للعام الثاني وتكدرت حياة هذه الأسرة المكافحة وبكى الأب كالأطفال ثم سلَّم بالأمر الواقع ووافق على انتقال ابنه للمدرسة الثانوية التجارية ليبدأ المشوار من أوله وأصبح هذا الشاب كسير النفس يصعد السلم خافض الرأس ولا يتجاوب مع محاولات الجيران للتسرية عنه، وذات يوم كنت أهبط السلم ذاهبة إلى شأن من شئوني فوجدته أمامي فبادرته بالتحية، فأجابني "بذل" لم أنسه حتى الآن فتفجَّر في قلبي ينبوع من العطف عليه وأحسست بأني أريد أن أعيد إليه ثقته بنفسه، فاندفعت أسأله بغير تفكير متى ترفع رأسك وتستعيد تفاؤلك كما كنت زمان ؟ ورحت أحدثه عن أن النجاح في الحياة ممكن أن يتحقق بأكثر من طريق فنظر إليَّ حزيناً ثم قال لي : وهل إذا تقدَّم إليكِ شاب مثلي بعد تخرجه وعمله تفضلينه على آخر له وظيفة مرموقة ؟ فقلت له أني سأفضل من أحبه ويحبني ويسعدني مهما كان وضعه، ثم أسرعت بالنزول ومن ذلك اليوم اعتبر كل منا حديث السلم اتفاقاً غير مكتوب على الارتباط . والتحقت بكلية الصيدلة وحصل هو على الدبلوم بمجموع يقل درجة واحدة عن الحد الذي تقبل به كليات التجارة خريجي المدارس التجارية فأصيب بانتكاسة نفسية واعتصم بشقته عشرة أيام لا يغادرها . ثم عمل بعد فترة موظفاً صغيراً في أحد بنوك القطاع العام واستدعي لأداء الخدمة العسكرية، وتخرجت من كلية الصيدلة وعملت في إحدى شركات الدواء .

وبعد فترة قصيرة عملت لنصف الوقت في إحدى الصيدليات وذات مساء رفعت رأسي لألبي نداء مشترِ فإذا به أمامي يرتدي زي المجند ويطلب نوعاً من الدواء . فلم أتمالك نفسي وفرحت برؤيته وارتبك هو وأسرع يدفع ثمن الدواء ويحاول الانصراف . فصحت فيه : تعال يا دفعة، وطلبت منه أن ينتظر لكي يوصلني للبيت وانصرفت بعد قليل وسرنا نتحدث وهو لا يستطيع التخلص من خجله وإحساسه بأنه أقل مني وأنا أحدثه ببساطة إلى أن تجرأ وقال لي أنه سيعود إلى عمله بعد أسابيع وأنه ينوي أن يعيد دراسة المرحلة الثانوية من منازلهم ويلتحق بالجامعة مهما كانت التضحية . ويريد أن يتقدم لي لكنه خائف من رفض أسرتي له وأنا أسمعه باهتمام . لكنه لم يتقدم لي رغم ذلك وإنما تقدم لي زميل بالشركة وكان شاباً في الثانية والثلاثين من عمره وحاصلاً على الماجستير ويعد للدكتوراه وأبوه طبيب قديم تعلم في ألمانيا وكنت أحترمه لأنه مهذب وشديد الاحترام لنفسه وللآخرين ولم أعلن موافقتي وإنما قلت أني سأفكر في الأمر وتقبَّل ذلك بارتياح . وأخيراً تشجع فتاي القديم وأرسل أمه لتفاتح أمي فقابلتها مقابلة حسنة لكنها أبلغتها أنني قد خُطبت لزميل لي في الشركة . وغضبتُ من أمي لتسرعها في إعلان ذلك دون استشارتي فنزل عليها كلامي كالصاعقة . ثم شهد بيتنا الهادئ جلسات ومناقشات عاصفة وكان محور المناقشات كلها إنه لا وجه للمقارنة بين الاثنين وأنني عاقلة ويجب أن أفكر في مستقبل أولادي .. إلخ وانتهى الأمر بإعطائي مهلة طويلة للتفكير ووجدت نفسي في جانب وحدي وأمي وأبي وشقيقتي وشقيقي وأقاربي في جانب آخر ، وظللت على موقفي ستة أشهر وأسرتي تزداد تمسكاً برفض جاري وإصراراً على زميلي .. ولم أكن مستعدة للخروج على طاعتهم وبدأت أميل إلى قبول زميلي في العمل ليس لمميزاته الأسرية والاجتماعية وحدها .. وإنما في الحقيقة لأني أحسست أني سأعيش معه في أمان حتى ولو لم تكن عاطفة الحب مشتعلة في قلبي تجاهه فهو واثق في نفسه وأستطيع الاعتماد عليه ولا يعاني من أي إحساس بالنقص، في حين أن فتاي رغم حبي له كان للأسف سلبياً ومنهزماً ويعاني من الإحساس بأنه أقل مني ومن الآخرين واستسلمت لقدري وقبلت زميلي وسعدت أسرتي باختياري وتم زواجنا وانتقلت إلى شقة أنيقة، وعشنا حياة هادئة ليست فيها حدة العاطفة ولكن فيها المودة والاحترام المتبادل وبعد عام من زواجنا سافر في بعثة للحصول على الدكتوراه من أمريكا وسافرت معه وقررنا تأجيل الإنجاب إلى ما بعد عودتنا، وحصل على الدكتوراه لكنه بدلاً من أن يعود قرر العمل هناك لمدة عامين أو ثلاثة، فأنجبنا طفلاً وقبل أن يتم ابني الرابعة من عمره مرض زوجي فجأة فاستغثت بأصدقائنا هناك فنقلوه إلى المستشفى .. فما أن فحصه الأطباء حتى أدخلوه العناية المركزة . وسألت الطبيب المسئول عن حالته فصدمني بصراحة قاتلة وبغير أية محاولات لإخفاء الحقيقة عني فسقطت على الأرض مغمياً عليَّ وتغيرت حياتنا فجأة وخيَّم عليها الخوف والكآبة وبعد عدة جراحات وأهوال لا أريد أن أتذكرها عدت إلى بلدي أرتدي السواد ومعي طفل صغير في الرابعة من عمره وصندوق كئيب يضم جثمان أبيه لكي نودعه ثرى أرض بلاده ورفضت في البداية العودة إلى الشقة التي عشت فيها سنوات زواجي القصيرة وعشت في بيت أسرتي لعدة أسابيع .. وبعد أن تماسكت قليلاً عدت إلى شقتي وفتحت نوافذها المغلقة وعدت إلى عملي وحافظت على علاقاتي الطيبة بأسرة زوجي ومضت ثلاثة أعوام على عودتي، ثم ذهبت لزيارة أسرتي فإذا بطارق على الباب، ولم تكن عادتي أن أفتح الباب حين أكون في زيارة أمي لكني نهضت بإحساس غريب لفتحه هذه المرة فإذا بي أجده واقفاً أمامي يبتسم وينظر إليَّ بحنان ولهفة إنه فتى الحب القديم الذي لم أره منذ 13 عاماً فتسمرت أمام الباب وتولتني فرحة طاغية . أول فرحة حقيقية منذ عودتي الحزينة ومددت يدي إليه وصافحته في حرارة وأنا أسأله عن أحواله .. وجاءت أمي تقول تفضل يا دكتور محمد فدخل بخطوات واثقة وهو لا يرفع عينيه عني .. ولا يكف عن سؤالي عن أحوالي وجلست مبهورة الأنفاس .. وعيني لا تفارق عينيه .. ولاحظت بسرعة البرق أنه شخص آخر واثق من نفسه .. وأنيق ومنطلق .. وجاءت أمي بالقهوة وقالت قهوتك يا دكتور محمد فتنبهت لأول مرة لهذه الحكاية وسألته كيف أصبح طبيباً خلال غيابي ؟ فأغرق في الضحك وروت أمي لي قصة غريبة هي أنه أصر على استكمال تعليمه فحصل على الثانوية العامة نظام 3 سنوات وهو موظف والتحق بكلية التجارة التي حالت بينه وبينها درجة واحدة من قبل وحصل على البكالوريوس بتقدير جيد جداً فحصل بعدها على الماجستير في عامين .. ثم أوفد في بعثة إلى أوروبا لجمع مادة علمية للدكتوراه وعاد وحصل على الدكتوراه منذ أسابيع فقط، وخلال كفاحه هذا كان قد ترقى في عمله حتى أصبح مديراً مرموقاً بأحد البنوك الاستثمارية .

أما ما هو أهم من ذلك فقد رواه لي بنفسه وهو أنه لم يتزوج حتى الآن وأن صورتي كانت في خياله في كل مرحلة من حياته وتدفعه لأن يحقق لنفسه ما يتمناه لها وأنه كان يحس إحساساً غامضاً لا يعرف له تفسيراً بأن أقدارنا سوف تلتقي مرة أخرى ولو في خريف العمر، ورغم ذلك فقد حاول أن يكون واقعياً فتقدم لخطبة إحدى زميلاته ولم يجد نفسه معها فاعتذر لها وصد بعدها محاولات غيرها للاقتراب منه تاركاً للزمن شفاء نفسه ، ثم علم بعد عودتي بترملي .. فتقدم لأمي يطلب يدي واثقاً من أني سأقبله لأننا حب العمر الذي لا يعوض فإذا بي أقبل على الفور عرضه وبغير تفكير وأعده بأني سأتصل به لأبلغه بالجديد قريباً . وانصرف وهو يتوعدني بأنه سيصحب المأذون معه إلى الشركة التي أعمل بها إن تأخرت عليه في الرد .

وما أن أغلق الباب حتى انهرت باكية .. واجتمعت الأسرة لبحث الأمر .. ولم يرفض أحد لكنهم فقط تحسسوا مما سيكون عليه موقف أسرة زوجي الراحل ومن المشاكل التي ستترتب على قبولي الزواج .. وإلى أي حد ستصل هذه المشاكل وهل سيحاولون حرماني من طفلي أم لا وقلت للجميع أنه لا رغبة لي في أي ماديات ولا أحرص على شيء سوى طفلي وحقوقه وأن أسرة زوجي لا يمكن أن ترضى بحرمان طفلي من أمه بعد أن حرم من أبيه .. ثم لماذا أحرمه من أب مثل فتاي القديم الذي يحبني من أعماقه وسوف يحب ابني لأنه قطعة مني .. وأسرتي لا تعارض لكنها تراني مندفعة فهل أنا حقاً كذلك ؟ أليس من حقي أن أعيش إلى جوار رجل تمنيته ويتمناني من كل قلبه منذ سن الصبا ؟ لقد فرحت بلقائه وربما طمحت إلى الارتباط به منذ رأيته على باب الشقة وقبل أن أعرف تطورات حياته الجديدة فماذا يضير الآخرين في ذلك وهل من العدل أن أعيش وحيدة من سن الخامسة والثلاثين إلى أن ينتهي الأجل ؟

·       ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
رأيي دائماً يا سيدتي هو أن المرأة إذا استشعرت احتياجها القوي للزواج ، وتوافرت لها أسبابه اللائقة بظروفها وسنها ومكانتها ، وبغير أن ينعكس بالضرر الظاهر على أبنائها ، فإن الزواج في هذه الحالة أجمل بها من تعريض نفسها للفتنة وأرحم بها من مغالبة النفس لردها عن الأهواء .

وفي ظروفك أنت بالذات فإن الزواج ليس مجرد احتياج نفسي واجتماعي وبيولوجي ، وإنما هو أيضاً احتياج عاطفي مكتوم منذ أكثر من 17 عاماً مما يضاعف من شدته وضرورته . والحق أني لست أستبعد أن يكون نفس هذا الإحساس الغامض بأن أقداركما قد تلتقي مرة أخرى في مرحلة ما من العمر قد راودك أنت أيضاً ولو في الخيال عقب ترملك ومكابدتك آلام الوحدة ، لأن النفس في ضعفها وأحزانها تتلمس العزاء في الأحلام القديمة التي حالت دونها ظروف الحياة وتحلم بمعجزة من السماء تحول شقاءها إلى سعادة . فإذا كان هذا الإحساس قد راود فتاك 17 سنة وساهم بدور كبير في قصة كفاحه العظيمة هذه ، ثم تلاقت أقداركما فعلاً في الواقع وليس في الخيال وبغير سعي من أحدكما وراءها .. فهل تظنين أن فتاك القديم سوف يتنازل عنك بسهولة هذه المرة ..

بل وهل تظنين أنك سوف تسمحين له أنت بهذا الانسحاب والتنازل مرة أخرى . وماذا يضير أسرة زوجك في ذلك وهذه هي سنة الحياة التي لا تبديل لها ، وأنتما في النهاية لا تطلبان حراماً ولا تسعيان وراء أمر منكور ، صحيح أن أحزان المكلومين تتجدد في مثل هذه المناسبات التي تنكأ الجراح القديمة ، لكن هذه المشاعر الإنسانية الطبيعية لا تحول بين الإنسان العادل وبين التسليم بسنة الحياة وبحق الآخرين فيما شرع لهم .

فقط عليك يا سيدتي أن تحافظي على الخيط الرفيع بين ممارسة الإنسان لحقه المشروع في الحياة وبين استفزازه للآخرين بهذا الحق . وهذا أمر يمكن إدراكه بالحرص على مشاعر الأب المكلوم وشقيقات وأشقاء الزوج كالتحفظ في الاحتفال بالزواج مثلاً ثم بالتفاهم الودي على كل الأمور المعلقة وطمأنة أسرة الزوج إلى أن طفلك سيلقى عناية أفضل في حياتك الجديدة . وبالحرص على زياراتك لها وفي هذا الشأن تستطيعين الاستعانة بإحدى شقيقات زوجك الأقدر كامرأة على فهم أزمتك كشابة وحيدة على التمهيد لك في الحصول على قبول أبيها وعدم منازعتك في الأمور المشتركة والزمن كفيل بمداواة كل الجراح في النهاية والعلاقات الإنسانية رهينة بحرص الإنسان على الآخرين وحسن معاملته لهم والصبر عليهم وأغلب ظني أن والد زوجك الطبيب القديم الذي تعلَّم في ألمانيا سوف يكون أكثر واقعية وأكثر عدلاً وإنصافاً مما يتصور كثيرون ولن تواجهي مشاكل حادة بإذن الله .

أما عن لقائك بفتاك القديم على غير توقع بعد كل هذه السنوات فليس هناك تصوير أبلغ له مما قاله قيس بن الملوح في قصيدته المعروفة باسم المؤنسة :

              وقد يجمع الله الشتيتين بعدما
                                     يظنان كل الظن أن لا تلاقيا !

جمع الله الغرباء جميعاً بعد الظن "أن لا تلاقيا" .. وأعاد كل الطيور المهاجرة إلى أعشاشها المنتظرة كما جمع بينكما إن شاء الله .

* من رسائل سنة 1991

˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙
كتبها من مصدرها بكتاب رسائل محترقة
Rofida Mohamed Ismail

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali

إقرأ المزيد Résuméabuiyad

فتاة الاعلان .. رسالة من بريد الجمعة


أنا يا سيدي ابنه لأسرة طيبة ميسورة الحال لم يبخل علينا أبى رحمه الله بشئ من حنان أو مال فنشأنا نحب الحياة والناس, ونؤدي واجبتنا تجاه ديننا وقد كان أبى موظفا كبيرا, وأمي موظفة متعلمة, واخوتي جميعا جامعيين. ولأني رأيت الحب يرفرف على بيتنا فقد أردت أن أعيش حياة زوجية سعيدة يرفرف عليها الحب أيضا وتزوجت من شاب أحببته طويلا وأحبني وبدأت حياتي معه بوعود وردية بأن تبقى راية الحب دائما مرفوعة فى عشنا الصغير. لكنى بعد الزواج وجدت إنسانا مختلفا تماما عن الإنسان الذى أحببته قبله فهو سريع الغضب والانفعال ويفتعل المشاكل لأتفه الأسباب ولمجرد إثبات الرجولة أحيانا. وأنا اكره المشاكل ولا أريد أن ادخل طرفا ثالثا بيننا وابغض كلمة الطلاق وأريد ان "أعيش" بالإضافة إلى أنى أحب زوجي وهو يرفض دائما أن يصالحني ويستكبر أن يفعل ذلك مهما كان مخطئا فاضطر إلى معاتبته بود والتنازل عن حقي. وكنت أفسر مشاكلنا فى بداية حياتنا الزوجية بأنه يمر بحالة نفسية لتركه العمل بغير أن يجد عملا آخر.. ثم أنجبت طفلتي ووجد هو العمل الملائم وازداد دخله وتصورت أن متاعب البداية قد انتهت إلى غير رجعة.. فوجدته بعد أن استراح ماديا وبعد إنجاب الطفلة يعزف نغمة جديدة علينا أصبحت سببا للمشاكل المستمرة بيننا.. فهو يحاول دائما أن يثبت لى أن "هذه" تحبه و"تلك" واقعه فى غرامة.. فإذا اتصلت به مثلا زميلة كانت تعمل معه فى عمله السابق فهذا معناه أنها تحبه بالرغم من إنها زوجة وأم.. وكنت فى البداية آخذ الأمر ببساطة على انه تهريج لكنى فوجئت به يدعى نفس الادعاء بالنسبة لجارة لنا تقطن معنا فى نفس العمارة. ويظل يردد اسمها أمامي ليل نهار.. كما كان يفعل مع اسم زميلته السابقة. ويتفاقم الأمر فيردد هذا الكلام أمام الأهل والأصدقاء مع انه ليس لنا بها أية صلة ولا حتى مجرد تبادل التحية. وتكررت الحكاية بصورة مقززة.. حتى فوجئت به يلقن ابنتنا الصغيرة التى لا يزيد عمرها على عامين وبضعة شهور هذه التفاهات بدلا من أن يعلمها شيئا مفيدا.. فيقول لها قولي أن فلانة تحب بابا ! .. وأحاول أن اثنيه عن ذلك وعما يجرح به مشاعري طوال وجوده فى البيت بلا فائدة وصبرت لعله يمل هذه اللعبة السخيفة فإذا به يلتفت إلى إعلانات التليفزيون ويتغزل فى جمال فتيات الإعلانات أمامي ويندب حظه وكل ذلك وأنا أتصور انه تهريج واحتمل واصمت بل وأحاول مجاراته عسى أن يمل هذه الهواية المقززة بلا فائدة, مع أنى والله على قدر لا بأس به من الجمال وروحي خفيفة وأحب المرح ويحبني كل من يعرفنا ولا أجلس فى مجلس إلا ويثنى على من كانوا فيه وعلى روحي البشوشة. ولست بذلك أمدح نفسي والله العظيم ولكنها الحقيقة وربما هذا ما جعلني لا أكترث فى البداية لما يقوله زوجي وأتصور انه دعابة سوف تنتهي بعد قليل لكنها استمرت وطالت وأصبحت لا أسمع زوجي إلا أن "هذه تحبه".. وإلا كلمات الغزل فى بنات الإعلانات وإلا ندبه لحظه.. وأحاول مرارا أن اثنيه عن ذلك بالرجاء وبهدوء .. وأقول له انه يرتكب إثما كبيرا بهذا الكلام لأنه يرمى المحصنات بالباطل وهو من حج إلى بيت الله ويؤدى الصلوات ثم لم اعد احتمل الصبر أكثر من ذلك, فأصبحت اترك له الغرفة حين يبدأ فى هذا الكلام السخيف. لقد اختفت ابتسامتي وروحي المرحة يا سيدي وبدلا من أن يعود إلى رشده ازداد عنادا وأصبح يهددني انه سوف يقول دائما ما يريد ويهددني بالطرد ويطالبني بالعودة لأهلي إذا لم أكن راضية عن ذلك لأنه كما يقول سامحه الله قد زهق منى تماما!
    اننى لست مقصرة تجاهه فى شئ.. وحريصة عليه وعلى بيته ومع ذلك فهو يشككني فى نفسي .. وفى أنى لست مثل هؤلاء الفتيات اللاتي يظهرن فى إعلانات التليفزيون .. ويسألني دائما لماذا لم يكن من نصيبه أن يتزوج واحدة منهن؟ ولا أعرف لماذا يسألني.. ولا بماذا أجيبه مع أنى اخترته واستجبت لرغبته فى ألا اعمل حين تزوجنا.. إنني مرة أخرى لا امدح نفسي لكنى لست مقصرة فى شئ وأسارع دائما بعمل الشئ الذى يتعلل به حتى لا أعطيه الفرصة لإثارة أية مشكلة ومع ذلك فهو لا يقول لى كلمة طيبة واحدة.. ولا يكف عن حديث من تحبه.. ولا حديث بنات الإعلانات ولا يكف عن تهديدي بالطرد.. مع إن قلبي طيب ولا أفعل شيئا حين يجرحني إلا البكاء وتبكى طفلتي معى وبدلا من أن يستغل فى هذه النقطة لصالحي يستغلها ضدي ويواصل جرحى وتهديدي.
    فهل هذا يرضى الله.. وهل يرضى هو لأخته هذه المعاملة؟ إنني أرجوك ألا تبخل على وعليه بكلمة تحثه فيها على أن يحافظ على زوجته وبيته وابنته من الخراب وان يرعى الله فى معاملتنا حتى تنشأ طفلتنا سليمة نفسيا وان يتقى الله فينا وذكره بمعاملة سيدنا رسول الله لزوجاته وبأني رغم كل ذلك مازلت أحبه ومازال عندي أمل فى انصلاح الأحوال وشكرا جزيلا لك مقدما.

ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
    لن أقول له اتق الله فى زوجتك وطفلتك كما تنتظرين منى.. ولن اذكره بمعاملة سيد خلق الله لزوجاته.. وهو القائل ما معناه: خيركم ألطفكم بأهله.. وأنا ألطف الناس بأهلي, والقائل "استوصوا بالنساء خيرا فهن عوان لديكم" أى أسيرات لديكم ولن اذكره بأن الدين المعاملة.. وليس فقط الشعائر والركوع والسجود. أو بأن البر حسن الخلق كما قال صادقا رسولنا الكريم. أو بأن الحياة ديون.. وأن الإنسان له دورة كدورة الحضارة التى قال عنها المؤرخ ديورانت وان له فترة ضعف ثم قوة وبأس فى رجولته وشبابه ثم عودة للضعف فى شيخوخته, وانه فى ضعفه قد تستأديه الحياة قصاص ظلمه فى قوته للضعفاء الذين كانوا تحت رحمته.. كما لن اذكره بأن الحب رصيد إذا واصل السحب منه بغير ان يضيف إليه فسيأتي يوم قريب لا يجد فى حسابه إلا البغضاء والكراهية.. وسيندم ساعة لا ينفع الندم إذا هو بدد رصيده الكبير من الحب فى قلب زوجته بهذه الترهات السخيفة وبسوء عشرته لها.
    لن أذكره بشئ من ذلك.. وإنما سأسأله فقط سؤالا واحدا أرجو أن تكون فى نفسه الشجاعة الأدبية للإجابة عليه بصدق هو: ماذا يكون إحساسه حين تقول له زوجته من باب "الدعابة" أن فلانا جارهما فى العمارة "يحبها" ويبدو ذلك واضحا فى عينيه بالرغم من انه لا تربطهما به أيه صلة.. كما يفعل هو!
    وأي امرأة فى الدنيا مهما كان مستوى جمالها لن تعدم من يشتهيها ويرغبها.. ماذا يكون إحساسك يا صديقي إذا قالت لك زوجتك ذلك فقط لا غير ولم تحفظ ابنتها هذا السخف أمامك ولم تردده أمام الأهل والأصدقاء كما تفعل أنت.. وإنما تردده أمامك فقط.. أستكون سعيد بهذه الشوكة التى ستنغرس فى مشاعرك وكرامتك؟
    بل كيف يكون إحساسك حين تتأوه زوجتك إعجابا ونشوة أمام كل شاب وسيم يظهر فى التليفزيون فى حضورك ثم تندب حظها لأنها لم تتزوج "نجما" وسيما مثله.. وتتساءل ماذا كان ينقصها لكى تتزوجه ولا تكتفي بذلك بل تجعله حديث كل يوم وكل جلسة صفاء بينكما؟
    يا سيدي لا ترض لغيرك ما لا ترضاه لنفسك ولا داعي لهذه "الحركات" السخيفة لاستثارة غيرة زوجتك عليك فهى تحبك فعلا وحريصة عليك وتحسن عشرتك ونارها متأججة بحبك وليست فى حاجة إلى مزيد من قطع الخشب لكى يعلو أوارها. كما أن الزوج الذى يثق فى نفسه وفى جدارته لا يلجأ لمثل هذه الأساليب الرخيصة للتأكد من استحواذه على زوجته إلا إذا كان سادياّ يستعذب إيلام الآخرين ويتلذذ به أما تهديدها بالطرد كلما اعترضت على ذلك فلن أصفه إلا بأنه لا يتفق مع القيم الدينية لمن كان يعرف ربه كما تقول عنك زوجتك. يا صديقي إننا لا نعرف قيمة من يحبنا بإخلاص إلا بعد أن نفقده, فحاول ألا تعفى نفسك من معاناة تجربة ضياعه وفقده لكى تعرف بالدليل فيما بعد .. ما لا يحتاج إلى دليل الآن.. والعاقل يا سيدي من يتعلم من أخطاء الآخرين بغير أن يضطر لمعاناة تجاربهم ودفع نفس الثمن الذى دفعوه من قبل .  

˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙
كتبها من مصدرها بكتاب أزواج وزوجات  
Lilian Ali
راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali


  


إقرأ المزيد Résuméabuiyad

أحزان الخريف .. رسالة من بريد الجمعة


" من الإنصاف أن نضع سعادة الآخرين في اعتبارنا ونحن نطلب سعادتنا، وألا تنسى حقوق الآخرين علينا ونحن نطلب حقوقنا ".
  
أتابع مشكلات قرائك وهمومك، وأقرأ ردودك التي تضع الأمور في نصابها السليم وأحتفظ بها في ملف لدي، والآن جاء دوري لأن أحتاج لمشورتك في مشكلة قد لا ترقى إلى مستوى المآسي التي تعرضها في بريدك لكنها بالنسبة لمن كان في مثل سني لا تخلو من قسوة . فأنا رجل كنت مديرًا عامًا بإحدى الهيئات وعندما بلغت الخامسة والخمسين قدمت استقالتي وخرجت إلى المعاش المبكر بإرادتي وباختياري حتى لا أخرج إليه مكتئبًا وأنا في سن الستين، وباشرت عملي في مهنتي الحرة بهدوء ورفق وليس بإرهاق .

وقد تزوجت في شبابي المبكر وسارت بي وبزوجتي سفينة الأيام ونحن متعاونان ندير دفة حياتنا بحب وتضحية لكي يصل أبناؤنا إلى بر الأمان .

وكانت زوجتي – والحمد لله - فاضلة متدينة تعرف واجباتها كربة بيت وزوجة وأم، وقد رزقنا الله بابن وبنتين أحسنّا تربيتهم وأكملوا دراساتهم وعملوا وتزوجوا، والآن أنظر إلى حياتي الحالية فماذا أرى يا سيدي ؟ لقد تخرج الابن الوحيد طبيبًا وتزوج ممن أحبها ولم ينجب حتى الآن بعد سنوات من زواجه وقد تراضى مع أقداره وقبلها ويقول عن ذلك :"إذا كان السبب يرجع لزوجتي فما ذنبها في ذلك ولو كان الأمر بيدها لأنجبت لي عشرة أطفال .. وكيف أعترض على إرادة الله الذي لم يشأ أن يكون لي أطفال .. ثم ماذا فعل كثير من الأبناء لآبائهم وأمهاتهم وأنا واحد منهم ؟ .. إذ ماذا قدمت لأبي الذي أفنى حياته لأصل إلى وضعي الحالي، سوى بعض المجاملات في المناسبات المتباعدة كما أني أعيش بعيدًا عنه في الدولة التي أعمل بها منذ سنوات "؟.

وقد وافقته على وجهة نظره في ذلك بعد أن كنت في البداية أنظر إلى المسألة نظرة أخرى .. كأي أب يتمنى أن يرى أحفادًا له من ابنه الوحيد .. ثم اقتنعت والحمد لله مع ابني بأن الرضا بإرادة اله أفضل كثيرًا من هدم أسرة صغيرة لحساب أمل لا يعلم إلا الله إذا كان سيتحقق أم لا .. وهل سيسعد به من يحققه أو لن يسعد .

أما ابنتي الكبرى فقد تخرجت في كلية التربية وتزوجت وأنجبت وعملت فترة ثم استقالت وتفرغت لتربية أطفالها .. واستقرت مع زوجها في نفس البلد العربي الذي يعمل به شقيقها، وقد توقفت منذ فترة عن إرسال أية خطابات لي حتى التهنئة في المناسبات المختلفة لانشغالها بمسئوليات الأبناء وبزوجها الذي لا يقدم لها أية مساعدة في ذلك لانشغاله بمهام كثيرة ..

أما الابنة الصغرى فقد تخرجت أيضًا وتزوجت ورفضت الإنجاب باختيارها وبالاتفاق مع زوجها مع أنهما من الناحية الصحية على ما يرام وهي تقيم مع زوجها في نفس البلد الذي يقيم فيه شقيقها الأكبر وشقيقتها .

وهكذا اجتمع الأبناء الثلاثة في بلد عربي واحد ومكان واحد بعيدًا عني، وعن أمهم منذ سنوات عديدة، وقد زارتهم أمهم عدة مرات، فلاحظت منذ سنوات قليلة بوادر تغيير كبير في شخصية زوجتي وفي معاملتها لي خاصة بعد عودتها من كل زيارة .. وفسرت ذلك في حينه بأنه من أثر حبها الزائد لأبنائها وافتقادهم، وقدرت أنها فترة مؤقتة وتنقضي كما انقضت فترات مماثلة، لكن الأمور تصاعدت منذ فترة حتى فوجئت بها تطالبني بصراحة بأن تقيم مع أولادها في ذلك البلد العربي إقامة دائمة .. وتخيرني بين ذلك وبين الطلاق !

وصُدمت بما ناقشتني به وتناقشت معها في ذلك طويلاً، وذكرت ها من أسباب رفضي لأن أهاجر معها إلى هذا البلد أنه لا عمل لي فيه، وأنني في حالة صحية جيدة بل ممتازة والحمد لله ولهذا لا أقبل أن أترك لابني وزوجته، أو لابنيّ وزوجيهما أن يقوموا بإعالتنا هناك، فضلاً عن أن وضعي في بلدي مريح وأحمد الله عليه، فلماذا أتركه وأترك  بلدي لأعيش مع زوجتي عالة على أبنائها وزوجاتهم أو أزواجهم؟ ولم تقتنع بكل ذلك، وتكررت المناقشات وبدأت تنتابها الثورة والعصبية وحالات الإغماء وارتفاع ضغط الدم والبكاء والاكتئاب، فضلاً عن إرهاق ميزانيتي بفاتورة ثقيلة للمكالمات التليفونية الطويلة مع أبنائها وأحفادها يومًا بعد يوم .

وخوفًا على صحتها من الانهيار تركت لها حرية السفر لهم في أي وقت والإقامة معهم لفترة مؤقتة حتى ترتوي .. أو " تشبع منهم " على حد قولها .

وسافرت زوجتي واطمأنت على أولادها وسعدت بالقرب منهم وارتوت من محبتهم .. وانتظرت أنا أن تعود لتخفف عني وحدتي الموحشة في خريف العمر .. فإذا بها لا ترجع !

خاطبتها تليفونيًا ورجوتها العودة .. بلا فائدة .. خاطبت أولادي وكتبت إليهم وطلبت منهم أن يقنعوها بالرجوع ولكن بلا نتيجة .. خاطبها الأهل والأقارب ولم تستجب لوساطة أحد أو لنصحه ..

وتألمت لسلبية أولادي من هذا الأمر فعاتبتهم عتابًا مريرًا في ذلك فكانت حجتهم : أنت أبونا .. وهي أمنا .. فماذا نفعل بينكما .. هل نضعها في صندوق ونرسلها إليك ؟!

وحين أحست زوجتي بشدة الضغوط عليها لكي ترجع طلبت الطلاق لتقطع الصلة بيننا ولا يعود لي الحق في مطالبتها بالعودة . ورفضت الطلاق بالطبع بعد عشرة السنين الطويلة التي تقترب من الأربعين، ونحن في خريف العمر، وحين يئست من موافقتي عليه قالت لي :"إذًا تزوج إذا كنت تريد من تؤنس وحدتك وتخدمك" .

وأيّدها الأولاد في ذلك فيما بعد، وقالوا لي إنهم بذلوا معها ما يستطيعون ولكن بلين ورفق حتى لا تظن أنهم لا يريدونها معهم وإن كل المحاولات قد فشلت ولهذا قهم ينصحونني أيضًا بالزواج وقال لي أحدهم : يا أبي هذا حقك ونحن موافقون وراضون بأن تتزوج مادامت أمنا لن تعود إلى مصر مرة أخرى !

لكن زوجتي لم تكتفِ برفض العودة فقط وإنما منعت أيضًا أولادي من قضاء إجازاتهم في مصر كما كانوا يفعلون حتى لا تضطر للعودة معهم، وتتكرر المناقشات والانفعالات التي تؤثر على صحتها، وقد لاحظت بأسى  أن زوج ابنتي الكبرى الذي تقيم لديه زوجتي - مع أنني أحبه ونتبادل الاحترام منذ عرفناه - قد التزم الصمت عن "الإفتاء" في حكم الدين في تصرف زوجتي مع أنه مريض بداء الإفتاء في كل شيء ولو كان تافهًا ويسند كل فتاويه إلى "قال الرسول" - صلى الله عليه وسلم - و" قال الصحابة " وبالرغم من أن عمله كمحاسب بعيد عن مجال الفتوى، لكنه لم يتحفنا هذه المرة بأية " فتوى " عن حكم الزوجة التي تترك زوجًا وحيدًا مثلي للمعاناة والوحشة والسأم وتهرب من إبداء الرأي في ذلك، ربما لأن مصلحته في بقائها هناك لخدمة الابنة الكبرى الضعيفة المدللة وخدمة الأحفاد الأعزاء، بدلاً من تشغيل أجنبية من الفلبين أو سيريلانكا !.

أما عن نفسي فلا تسلني كيف مضت بي الأيام طوال السنوات الثلاث العجاف التي مضت على سفر زوجتي إلى أبنائها بلا عودة حتى الآن فلقد خيمت الكآبة والوحشة على حياتي، وتوقفت عن عملي لشعوري بالاختناق لغدر أقرب الناس إليّ بي، وأمضيت السنوات الثلاث الأخيرة أتنقل بين سكني في القاهرة وسكني بالإسكندرية وأسافر لقضاء بضعة أيام في الزقازيق أو في بورسعيد لأملأ فراغ حياتي بالجلوس في القطارات المزدحمة وسيارات الأجرة التي تسير بين المزارع والصحراء لأرقب الناس والأشياء بعد أن وجدت نفسي - وأنا الذي اعتاد الحياة الأسرية قرابة أربعين عامًا - في وحدة مميتة بلا زوجة ولا أولاد ولا أحفاد ولا رعاية من أحد !.

فبماذا تشير عليّ يا سيدي ؟ وبماذا تنصحني أن أفعل بعد كل ما فعلت ؟




ولكاتب هذه الرسالة أقول :

يخيّل إليّ أن ما قالته بطلة إحدى قصص الأديب جي دي موباسان من أنه يبدو أن السعادة في الأرض لا تواتينا غالبًا إلا في الأحلام، صحيح إلى حد كبير في بعض الأحيان، وقصتك مثال لذلك، فحين تنتهي مسئوليات الإنسان في الحياة ويتهيأ لأن يعيش إلى جوار شريكة الحياة حياة هادئة آمنة فيفاجأ بأنه قد كتبت عليه الوحدة والسأم والفراغ برغم وجود رفيق عمره على قيد الحياة أمر قاسٍ حقًا ومخيب للآمال .

وهو أيضًا جائزة غير عادلة للأب الذي أخلص في عطائه لأبنائه .. فإذا كانت الظروف قد اقتضت أن تستقر حياة الأبناء بعيدًا عنه .. فلقد كان الأمل والعزاء في شريكة العمر .. أما أن تتحالف الشريكة هي أيضًا مع ظروف الحياة عليه، وتهجره لتعيش مع أبنائها في الغربة فهذا بلاء مضاعف يزيد من وطأة إحساسك بالوحدة والألم .

والكارثة يا سيدي هي أن ما يسعد الآخرين يشقينا وما يسعدنا قد يشقيهم في بعض الأحيان، كما هو الحال في قصتك، فزوجتك قد وجدت سعادتها في الاستقرار إلى جوار أبنائها الثلاثة .. وهذه " السعادة " نفسها هي مصدر شقائك الآن، وسبب وحدتك ومعاناتك، لهذا فمن الإنصاف دائمًا أن نضع سعادة الآخرين في اعتبارنا ونحن نطلب سعادتنا وألا ننسى حقوق الآخرين علينا ونحن نطلب حقوقنا ونلح عليها .

ولو أنصفت زوجتك لما اختارت الهجرة الأبدية والبعد النهائي عنك لكي تحظى بالعيش مع أبنائها .. ولحرصت على العدل معك بغير أن تتنازل عن رغبتها في الحياة إلى جوار أبنائها .

ولم يكن تحقيق ذلك صعبًا ولا مستحيلاً لو شاءت، إذ كان يكفي تمامًا أن تسافر إلى أبنائها في أجازة طويلة لثلاثة أو أربعة شهور مثلاً كل عام لترتوي منهم ثم تعود لتصاحبك فيما بقي من رحلة الأيام، ولو أنها فعلت ذلك لاستمتعت أكثر بصحبة الأبناء ولتجددت حياتها كل حين بترقب موعد السفر، والاستعداد له وبانفعالات السعادة عند اجتماع الشمل بعد الغياب، ولكانت الأجازة السنوية تجديدًا مفيدًا للحياة يبعث فيها الحماس والحيوية والأمل لك ولها وللأبناء أيضًا .

ولست في الحقيقة أعرف دوافعها الحقيقية لهذا الاختيار غير العادل .. لكي أحكم على تصرفها حكمًا موضوعيًا .. لكني أعرف من ناحية أحرى أن الزوجة المنصفة لا تختار أبدًا صحبة أبنائها بديلاً لصحبة زوجها الذي تزداد حاجته النفسية لها كلما تقدم به العمر وكبر الأبناء، وانشغلوا بحياتهم عنه . كما أنها أيضًا لا تتخلى عنه وتدعه للوحدة والسأم ومعاناة  الإحساس بالنبذ، وفقد الاعتبار لدى شريكة عمره ، لمجرد الاستجابة لنداء حبها الزائد على الحد لأبنائها ، فمعظم الأمهات يحملن لأبنائهن مثل هذه العاطفة لكنهن لا يهجرن أزواجهن ليلحقن بهم .

والمشكلة أن بعض الزوجات قد يختزن مرارات رحلة العمر كلها مع شريك الحياة في صمت حتى إذا تهيأت لهن الظروف المواتية بعد انتهاء المسئوليات العائلية، زهدن فجأة في صحبة شريك العمر، واحتمين بأبنائهن، وتحجرت مشاعرهن تجاه أزواجهن كأنما لم تعد تربط بينهن وبينهم صلة .. أما أزواجهن فإنهم يشترون هبة العمر الطويل للأسف بثمن بالغ الفداحة هو الوحدة .. والنبذ .. ومرارة الإحساس بالغدر .

وهذه قصة أخرى  لا أريد أن أزيد من آلامك بها ..

لكني تعجبت حقًا "للحل المثالي" الذي تقدمه لك بديلاً عن عودتها إليك وهو أن تتزوج لكي تجد من تؤنس وحدتك وتخدمك .. نعم إنه أحد الحلول الممكنة لمشكلتك حقًا، لكنه ليس بالسهولة ولا باليسر الذي تتصوره زوجتك وأبناؤك . ولست أقصد بذلك صعوبة إيجاد شريكة حياة جديدة ملائمة في مثل سنك لأن هناك بكل تأكيد من تتماثل ظروفها مع ظروفك، وترحب بك، لكني أقصد صعوبة الإقدام على تغيير الحياة .. والتوافق نفسيًا من جديد مع إنسانة أخرى، تحتاج لأن تتواءم مع طباعها وأفكارها وأسلوب حياتها بعد ذا العمر الطويل من الحياة العائلية والروابط المشتركة مع إنسانة بعينها، فالزوجة ليست مجرد سيدة تشارك زوجها السكن وتلبي احتياجاته الإنسانية وترعى شئون بيته .. وإنما هي صحبة نفسية واجتماعية واعتيادية وتراكمات شعورية تختلط فيها الخيوط وتتشابك حتى ليصعب فيها على الإنسان الطبيعي أن ينسلخ منها بسهولة ليبدأ من جديد مع إنسانة لم يعرفها ولم تجمع بينه وبينها أية روابط من قبل .

وبالرغم من ذلك .. فإن الإنسان مطالب على أية حال بأن يتحمل أقداره بشجاعة ولأن يقول لنفسه دائمًا مع الموسيقار بيتهوفن : لأغالبن الظروف القاسية دون أن أحني لها هامتي .

.. ومادام الأمر كذلك فلا بأس بأن تنفذ "الحل" الذي تقترحه عليك زوجتك الآبقة حتى ولو لم يكن الحل المثالي، ولا العادل في مثل ظروفك إذ إن الوحدة الموحشة أشدّ خطرًا على النفس من تبعات المخاطرة والتغيير في خريف العمر .

ففكر جديًا في أن تملأ فراغ حياتك الذي تشغله الآن بركوب القطارات وسيارات الأجرة، بشريكة جديدة للحياة تشغلك حتى ولو بمشكلات عدم توافق الطباع واختلاف الرؤى بينكما، عن اجترار مرارة الوحدة والإحساس بالغدر والجحود .. فهو إحساس قاتل للإنسان وهو في عنفوان شبابه وقوته، فما بالك به بعد رحلة السنين .. والكفاح لتربية الأبناء .. وتحقيق أهداف الحياة ؟

وتخفف من بعض معاناتك بإعفاء نفسك من الإحساس بالمرارة تجاه سلبية أبنائك في هذا الأمر .. فهم لا يملكون إرغام أمهم على العودة إليك، بل ولا يملكون - مهما كانت تحبهم - أن يمنعوها من العودة إليك ولو كانت قد أرادتها .. وأصعب الأشياء هو ما يتعلق بإرادة الغير وليس بإرادتنا وحدنا .. والأمر كله معلق بإرادتها وحدها . لهذا فلا مسئولية على أبنائك فيه ولا على أحد حتى على زوج ابنتك .. وشكرًا .


* من رسائل سنة 1994
˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙
كتبها من مصدرها بكتاب مكتوب على الجبين 
Rofida Mohamed Ismail

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali


إقرأ المزيد Résuméabuiyad

 

سجل إميلك وتوصل بمواضيعنا :