قيود الآباء " من مقال سلامتك من الآه "


منذ أسابيع أثار طالب جامعي شجوني برسالة حزينة يروي لي فيها انه نشأ يتيم الأب فلم تع ذاكرته عن أبيه الذي رحل عن الدنيا و هو في الرابعة من عمره، لكنه وجد لدى أمه كل ما كان يحتاج إليه من حماية نفسية ورعاية وعطف فانتقل من مرحلة إلى مرحلة حتى بلغ مرحلة الجامعة وهو يعيش مع أمه وحيدا في حين تزوج إخوته وانشغلوا عنه بدنياهم الخاصة، ثم رحلت أمه فجأة عن الحياة قبل أن يتم دراسته الجامعية فأحس بمرارة اليتم الحقيقي لأول مرة في حياته مع انه قد نشأ يتيم الأب منذ طفولته، وشعر بأنه لم يعد له في زحام البشر أحد يهتم بأمره ويعني بصحته و يسعد لسعادته، ويحزن لتعاسته، فحاول أن يلتمس السلوى لدى أخوته الكبار، فلم يجد لديهم ما يحتاج إليه من عطاء نفسي تشتد حاجته إليه، فانطوى على نفسه وزهد كل شيء في الحياة حتى كاد يعتذر عن عدم دخول الامتحان وقال لي فيما يقال انه يعجب لأمر زملائه في الكلية الذين يشتكون دوما مما يفرضه عليهم الآباء والأمهات من رقابة وقيود، فيلومونهم على السهر خارج البيت لأوقات متأخرة، ويحاسبونهم عن انشغالهم عن دروسهم.. ويتشممون ملابسهم خوفا من أن يكونوا قد ابتلوا بآفة التدخين.. الخ، فيسمع هو شكاواهم من هذه "القيود" وتلهفهم على حياة الحرية الخالية من كل رقابة عليهم، وهو يتحسر في أعماقه على حاله، ويقول لهم انه يتمنى أن تسخو عليه الحياة ببعض هذه "القيود" التي يشكون منها، لأنها تعني أن هناك في الحياة من يهتم بأمرهم ويطلب لهم الخير، ويحاول حمايتهم من الضياع..
أما هو فيخرج من مسكنه الذي يعيش فيه وحيدا فلا يسأله احد متى سترجع إلى البيت كما يسألونهم، ويعود في الليل فلا يسأله احد لماذا تأخرت.. أو أين كنت.. ومع من أمضيت كل هذا الوقت، ويزهد في الذهاب للكلية وفي المذاكرة، فلا يسأله احد لماذا لم تخرج إلى كليتك، ولا لماذا لا تذاكر دروسك؟، لأنه لم يعد له في الوجود كله من يهتم بأمره سواه.. و لم يعد هناك من يتحمل مسئوليته عنه، وهو يكره هذه "الحرية" التي يشتهيها زملاؤه من أعماق قلبه ويعرض أن يبادل زملاءه بها.. فينعم هو بحياة الأسرة وقيود الحب و الاهتمام التي حرم منها، ويتنازل عن حياة "الحرية" التي يطلبونها، ويرون فيها بقصر نظرهم و غفلتهم أقصى المنى!

ثم يختتم رسالته طالبا مني أن أبحث له عن "أسرة" تهتم بأمره وتفرض عليه هذه "القيود" الغالية وتسأله عن دروسه وتنهره إذا أهملها أو تراخى فيها أو تأخر في السهر خارج البيت!

و تذكرت وأنا أقرأ رسالته حالي حين سافرت من مدينتي الصغيرة بالأقاليم إلى القاهرة لالتحق بكلية الآداب جامعة القاهرة وأقمت في مسكن بالقرب من الجامعة، وغادرني شقيقي الأكبر بعد أن اطمأن على استقراري في سكني عائدا إلى مدينتنا، فوجدت نفسي فجأة وأنا في السابعة عشرة من عمري أعيش وحيدا تماما في المدينة الصاخبة، واتمتع بكامل حريتي في الدخول والخروج من البيت  السهر في الخارج إلى أي وقت أشاء دون أن ينتظرني احد ليسألني أين كنت، أو ينهرني لتأخري عن التاسعة مساء في الخارج لبضع دقائق أو يتحرى التزامي بالسلوك القويم داخل البيت و خارجه فلم تمض أيام قليلة على هذه "الحرية الكاملة" التي تمنيتها من قبل و أنا طالب بالمرحلة الثانوية، حتى وجدتني أضيق بها تماما، وأشعر بحنين جارف إلى حياة الأسرة الدافئة، وافتقد كل شئ فيها حتى ما ضقت به من قبل كقيود عدم السهر في الخارج.

و مضت علي أيام "الحرية" بطيئة و مملة و قاتلة، ثم تركت كل شئ فجأة بعد 20 يوما بالضبط وحملت حقيبتي وركبت القطار لمسافة 180 كيلو مترا عائدا إلى بيت الأسرة، و فوجئ بي أبي يرحمه الله داخلا عليه غرفة نومه وقت الأصيل فاتحا ذراعي كأنما قد غبت في "المهجر" 20 عاما وليس 20 يوما، ودهش أبي لمرآي لأول وهلة لكنه لم تغب عنه دوافعي النفسية لهذه العودة السريعة، فضحك طويلا ورحب بي بحرارة وسألني عن أحوالي في الكلية وفي المسكن و أجبته بأن كل شئ على ما يرام لكنني جئت في "زيارة" عادية لأسرتي! و أقمت بين عائلتي أسبوعا "استمتعت" فيه بالقيود التي ضقت بها من قبل حمقا، وجهالة مني.. و تثاقلت في العودة للقاهرة الصاخبة التي كنت أحلم بها من قبل بالحياة وسط أضوئها و مغرياتها، وأبي يشفق علي من أن يحثني على العودة لدراستي وكليتي، وينهى أمي كما علمت فيما بعد عن أن تطلب مني هذه العودة حتى لا تفوتني أيام الدراسة، إلى أن ارتويت من نبع عطاء الأبوين لأبنائهم ودفء علاقة الأخوة والشقيقات، ثم حزمت أمري أخيرا وقررت العودة للقاهرة فودعني أبي وهو يرجوني أن أحاول الصمود لحياة الوحدة فترة أطول حتى لا انقطع فترات طويلة عن الكلية، ووعدته بذلك وأنا أقول لنفسي: آه لو تعمل كم كانت الأسابيع الثلاثة التي ابتعدت فيها عنكم ثقيلة و قاسية حتى كنت أعد الأيام الباقية على اكتمالها لأرجع إليكم.

ثم اعتدت بعد ذلك حياة الوحدة شيئا فشيئا حتى ألفتها  ألفتني، وأصبحت لا أرجع إلى أسرتي إلا كل شهر مرة ثم كل شهرين.. لكن إحساسي بانتمائي لأسرتي ظل دائما قائما  و قويا، ثم بدأت أولى خطواتي في التدريب على الصحافة بمجلة روز اليوسف وأنا مازلت طالبا بالسنة الأولى بقسم الصحافة بكلية الآداب، واحتجب ذات مرة للسفر من القاهرة إلى الإسكندرية لمدة يومين لإعداد تحقيق صحفي في الميناء، فوجدتني بتلقائية اتصل بأبي تليفونيا لأستأذنه في هذا السفر، مع أني أعيش على بعد 180 كيلومترا منه و لو سافرت للإسكندرية ورجعت لما علم بسفري ولا برجوعي، لكنه الإحساس بوجود "الأب" في حياة الإنسان حتى ولو كان بعيدا والإحساس بوجود المرجعية التي ينبغي أن يرجع إليها الابن في شئونه الهامة واختياراته المصيرية في الحياة، وهذه "المرجعية" هي المظلة التي يستظل بها الأبناء في حياة أبائهم وأمهاتهم، فتحميهم من عوادي الدنيا و تجنبهم الكثير من العثرات وتيسر لهم الكثير من الصعاب .
فمن عجب إذن أن يضيق بها البعض او يتسخطوا عليها، و على ما تمثله في أذهانهم غير الواعية من قيود أو تسلط! إنها "عز" البنوة لآباء وأمهات يهتمون بأمر أبنائهم ويطلبون لهم السعادة والأمان في الحياة و يتحملون عنهم مسئولياتهم التي اكتشف هذا الشاب كاتب الرسالة كم هي ثقيلة حين وجد نفسه مضطرا لتحملها وحده، لكنه لا يعرف الشوق إلا من يكابده، ولا يعرف لهذا "العز" قدره الحقيقي إلا من يحرم منه، كما حرم منه هذا الشاب وكما حرم منه كثيرون غيره أعفتهم الأقدار من هذه "القيود".. وكمثلي أنا أيضا حين فقدت أبي وأنا في الواحدة والعشرين من عمري وكنت قد تخرجت في كليتي وبدأت العمل في " الأهرام" فشعرت كما شعر هذا الشاب بأن المظلة التي كانت تحميني من صواعق السماء قد رفعت عني فجأة وأصبح أمري لا يهم أحدا في الوجود سواي .. سافرت ام أقمت؟ نجحت في الحياة أم فشلت.. سعدت أو شقيت.. طعمت.. أم زهدت الطعام.

أما "قيود" الآباء و الأمهات التي يضيق بها بعض الأبناء بطرا وغفلة، وأما حياة الحرية الخالية من كل قيد التي يحلم بها أمثالهم فإنه لو أدركوا معناها الحقيقي، وفهموه حق فهمه إذن لعرفوا أنهم إنما يحلمون بأن يتنازلوا عن "عز" اهتمام الآباء و الأمهات بهم، ويطلبون لأنفسهم بؤس المحرومين من هذه النعمة الجليلة الذين فقدوا من كانوا يقدمون إليهم الحب و العطاء والرعاية والاهتمام على طبق من فضلة و بلا غرض سوى إسعادهم و خيرهم و صلاح أمرهم.

أما "الحرية" التي يحلمون بها.. فمتى سعد بها كلاب الطريق التي لا يسألها احد عما تفعل ولا يعنى بها احد.. و لا يهتم بأمرها احد؟

فمن ذا الذي يرفض كرامة الآدمية، و يطلب مهانة حياة الكلاب الضالة التي لا رقابة عليها ولا قيود؟!

    

˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙



كتبها من مصدرها بكتاب سلامتك من الآه


Neveen Ali












إقرأ المزيد Résuméabuiyad

طائر الحب القديم .. رسالة من بريد الجمعة

طائر
أكتب إليك لأروي لك قصتي ولتشاركني فيما أحس به الآن ، وأطلب مشورتك فيه . فمنذ سنوات بعيدة كنت أقيم مع أسرتي فى بيت قديم بحي المنيرة لا يضم سوى ست شقق ، فكان من الطبيعي أن يتعارف الجيران وأن ينشأ الأبناء جميعا أصدقاء بحكم المنشأ والملعب الواحد الذي يضمنا فى الفناء الخلفي للعمارة . وهكذا نشأت فى أسرة كبيرة العدد تضم كل سكان هذه العمارة ، وعرفت كل أفرادها وأحببتهم وكان أأثرهم بمودتي اثنان ، سأذكرهما باسمين مستعارين هما ( محمد ) وشقيقته ( ياسمين ) وانضمت لنا فيما بعد شقيقتي الصغرى جيهان ، فتزاملنا فى المدرسة الإبتدائية ثم فرقت بيننا المدرسة الإعدادية ، فدخلت مع محمد مدرسة قريبة ودخلت ياسمين وجيهان مدرسة أخرى ، واستمرت صداقتنا قوية حتى ناهزنا معاً سن المراهقة . فبدأت نظرتي إلى ياسمين تكتسب أعماقا جديدة ، ثم لم ألبث أن اعترفت بيني وبين نفسي أني أحبها بكل اندفاع الصبا ومثالياته ، وأدركت أنها تبادلني المشاعر البريئة نفسها ، ونظراً لاستقامتي فإن علاقتنا لم تخرج أبداً عن حدود العلاقة الأخوية بين صبيين نشآ معاً ، ويعتبر كل منهما الآخر شقيقه أو شقيقته فلم نتبادل أبداً كلمات الحب والخطابات الغرامية ، لكن كلاً منا كان يعرف تماماً أنه مرتبط بالآخر برباط وثيق .. وحين بلغت السابعة عشرة ، من عمري وبلغت هى الخامسة عشرة أقدمت على خطوة جريئة مازلت أعجب لها حتى الآن ، فقد توجهت إلى شقتها وقابلت أمها وهى صديقة أمي الحميمة وصارحتها برغبتي فى خطبة ابنتها فور حصولي على الثانوية العامة والتحاقي بالجامعة ، على أن تنتظرني إلى ما بعد التخرج ،فضحكت الأم طويلاً وقالت لى أنها أختك وقد تربيتما معاً ، لكن المشوار طويل ولا يعرف أحد ماذا ستحمل الأيام غداً . لهذا فالأفضل هو الاهتمام بالدراسة والمستقبل بعد ذلك فى يد الله ، واعتبرت هذا وعداً منها وبدأت أعتبر نفسي خطيبها بصفة غير رسمية ، وظللت كذلك حتى دعاني أبى عصر يوم للجلوس معه فى ( الفرندة ) ، ثم فاتحني بإشفاق فى إنه على علم برغبتي فى خطبة ياسمين ، وقال لي إنه لا يعترض على ذلك لأن أباها صديقه الحميم لكن المشوار طويل وقد يشق على الفتاة الانتظار كل هذا الوقت ، وانتهى من حديثه بأن طالبني بأن أترك أمر المستقبل لله وأن أهتم بدراستي وليهيئ لنا الله الخير على يده ، وكان أبى بعيد النظر فما أن حصلت على الثانوية العامة والتحقت بكلية التجارة والتحقت فتاتي بكلية الآداب وهممت بأن أعيد التحدث مع أبى فى الموضوع حتى عدت ذات يوم إلى البيت فوجدت محمد ينتظرني فى شقتي مع أبى وأمي ليدعوني للخروج معه فى مشوار مهم ، فخرجنا وتمشينا حتى كوبري قصر النيل وأنا أنتظر أن يفاتحني فى الموضوع المهم ثم أخيراً تكلم فكان ما توقعته وهو أن شقيقته سوف تخطب الليلة لضابط شرطة من أقارب أبيه ، وأنه آثر ألا يحضر قراءة الفاتحة لكيلا يتركني وحيدا أسمع الزغاريد وأتألم ، وأنه يقدر مشاعري لكن أباه يفضل الزواج المبكر للفتاة كعادة أسرته إلخ .. وأنها سوف تتزوج خلال فترة قصيرة وتتوقف عن الدراسة الجامعية وتصحب زوجها إلى مقر عمله فى المنيا . وهوت على الأخبار كالمطارق .. لكنى حاولت التماسك أمامه وتظاهرت بأني رتبت نفسي على ذلك منذ زمن طويل .. وقدرت له فى أعماقي إخلاصه لي ورجولته ومشاعره ، وتمت كل الخطوات بسرعة كبيرة . وتجرعت المرارة وحدي لكن صداقتي بشقيقها لم تتأثر لعلها تعمقت أكثر ، فواصلنا التقدم فى الدراسة حتى تخرجنا معا وجاءنا تعيين القوى العاملة فى وقت واحد فعينت أنا بالبنك الأهلي وعين هو فى وزارة الإعلام .
وخلال هذه السنوات رأيتها عدة مرات فى العمارة فى زيارات عائلية مع زوجها أو وحدها ، ورأيتها حين عادت للولادة فى بيت أسرتها مرتين وفى كل مرة أراها فيها يخفق قلبى ولا ينطق لساني إلا بكلمات المجاملة بين الجيران القدامى . ثم تقدم محمد يطلب يدي شقيقتي فكنت سفيره إلى أبى فى طلبه وزكيته بحرارة وتمت الخطبة والزواج فى شقة حديثة بالجيزة ، أما أنا فلم أتزوج وبلغت سن الثامنة والعشرين بغير تجارب عاطفية ولا رغبة فى الزواج ،وبدأت أمى تلح على فى الزواج وبدأت أستجيب للفكرة ، وعن طريق بعض الأقارب رشحت لى أمي مدرسة من خريجات معهد التربية البدنية ورأيتها فوجدتها مقبولة الشكل ولا عيب فيها ، فوافقت عليها فتزوجنا بعد شهور فى شقة معقولة بحي المهندسين ، وبعد زواجنا فاتحتني زوجتي فى تأجيل الإنجاب لأنها مرشحة للإعارة فى دولة عربية قريباً وسوف يعوقها الإنجاب عنها فوافقت على رغبتها وجاءت الإعارة فعلاً بعد عام من الزواج ، فطلبت منى مصاحبتها على أن أبحث عن عمل هناك فلم أحبذ الفكرة لأني تقدمت فى عملي ولا أريد أن أضيع فرصتي فى الترقية . فسافرت وحدها وأصبحت تعود كل صيف فتودع مدخراتها فى البنك وتعيش معي شهوراً ثم ترجع إلى عملها ، وهكذا حتى انقضت سنوات الإعارة . ووجدت نفسي قد بلغت الثالثة والثلاثين ولم أنجب ففاتحتها فى الأمر لكنى لم أجد لديها حماسة .
وبدت مترددة فسكت أسابيع وفاتحتها فى الأمر مرة أخرى ففاجأتني بطلب بسيط هو الطلاق . الطلاق .. نعم . لماذا ؟ لا شىء . أنا لا أحبك وأنت لا تحبني ، ولو كنت كذلك لما تركتني أسافر وحدي 4 سنوات ولحاولت أن تبحث عن عمل معى فى الخارج لكيلا نفترق .. ولكي ندخر معاً ثروة نبدأ حياة راقية سعيدة إلخ .. ورغم صدقها فيما قالت فإنني لم أشأ أن استسلم للشيطان فاستدعيت أمها وأبلغتها فوجدتها تعلم بالأمر كله وتوافقها ، فأردت ألا أقصر فى حقها وفى حق نفسي فاستدعيت شقيقتي ومحمد وتركتهما يناقشانها فعادا إلى بعد قليل بإصرارها على الطلاق .
فاستخرت الله وطلقتها وأعطيتها كل حقوقها بلا منازعات ، وحملت هي أثاثها إلى شقة تمليك جديدة اشترتها ، ولم تنقض شهور العدة حتى سمعت أنها تزوجت من زميل سابق لها فى الإعارة لديه مدخرات وسيبدآن معا حياة راقية وتعجبت لنفسي ، أنى رغم ذلك لم أحزن لطلاقها أو لزواجها ولم تمض شهور حتى كنت قد نسيتها كأنها لم تدخل حياتي ولم أعش معها خمس سنوات من عمري ، وتفرغت لحياتي فأعدت تأثيث شقتي وحققت فى عملي أكثر مما كنت أحلم به . بل وانتقلت فى وظيفة أكبر بأحد البنوك الجديدة ،وانتظمت حياتي ما بين البنك ومسكني ..
وبيت أسرتي فى المنيرة وبيت شقيقتي ، وكلما زرت أبى الذى أحيل إلى المعاش منذ سنوات سألني لماذا تعيش وحدك وأنت قادر على الزواج . فأتهرب من الإجابة وأغير الموضوع . ثم أفكر فى كلامه فأجده منطقياً وأحاول النظر حولي عسى أن يخفق قلبي بحب إحدى زميلاتي أو معارفي فأفشل فى كل مرة ، فمن تقترب منى فى العمل أفر أنا منها . ومن أحاول التقرب منها لا أجد لديها استعداداً أو قبولا .
وهكذا مضت بى السنوات حتى قاربت الأربعين وهى مرحلة حرجة من العمر يحس من يبلغها أنه قد أنهى مرحلة الصعود وبدأ مرحلة الانحدار على الجانب الآخر من عمره وصحته وكل شىء، فبدأت تلح على فكرة الزواج وطالبت شقيقتي بالبحث عن عروس . فرشحت لى فتاة فى السابعة والعشرين من جيرانها والتقيت بها وتحادثنا طويلاً ، وتكررت الزيارة ثم بدأنا نتحدث فى التفاصيل .
واستقر الرأي على أن نقرأ الفاتحة بعد ثلاثة أيام وخرجت من بيتها سعيداً ومعى محمد وشقيقتي ، وقررنا أن نذهب إلى المنيرة لنبلغ أبى وأمي ووصلنا إلى البيت فأحسسنا بشىء غير عادى فيه ، وبدافع غريزي اتجه محمد إلى شقته ونحن معه .ففوجئنا بأمه تبكى وأبيه فى حالة وجوم ، وعرفنا أن زوج شقيقته قد لقي مصرعه فى حادث سيارة على الطريق بين أسيوط وسوهاج التى انتقل إليها منذ سنوات . فغادرنا البيت على الفور إلى قطار الصعيد وبقيت فى سوهاج حتى انتهت المراسم وتركت شقيقتي ومحمد هناك ، وعدت لعملي بعد يومين واستقر رأى الأسرة على أن تبقى ياسمين فى سوهاج إلى أن يؤدى ابناها الامتحانات ثم تعود معهما إلى القاهرة ، ويلتحقان بالمدرسة فيها ، تم ذلك فعلاً .
وفى أوائل الصيف جاءت الأرملة وأبناها فتاة فى الخامسة عشرة ، وفتى فى الثالثة عشرة ، واستقروا جميعاً فى بيت الأسرة بالمنيرة وبدأ ترددي على بيت المنيرة يزداد وبدأت أرى صديقة العمر القديمة كثيراً ، فأحس بنفس إحساسي القديم وعمري 15 سنة ، ولا تسألنى ماذا تم فى مشروع الخطبة لإنى بعد عودتي من سوهاج وبغير أن أستطيع المقاومة وجدت نفسي وقد صدت تماماً عن هذا الموضوع ، فاعتذرت لأسرة الفتاة عن إتمام المشروع . ولم يسألني أحد لماذا فعلت ذلك فحالتي كانت واضحة للعيان فأنا لا يمضى يوم دون أن أزور المنيرة ، وأرى الصديقة القديمة وأضع نفسى فى خدمتها وخدمة ابنيها وأفتش فى نظراتها عن آثار للحب القديم ، فأسعد أحياناً وأكتئب أحياناً أخرى حين ألحظ استغراقها فى الحزن والهموم .
وبعد مرور عام على الوفاة قررت أن أضع حداً لعذابي ففاتحت شقيقتي فى الأمر فوجدتها قد فاتحتها فيه مراراً وتحدثنا فيه طويلاً ، وبدأت فتاتي تخوفها من أن يتأثر ابناها بالزواج أو أن يضايقهما عمهما إذا تزوجت مما قد يحرمهما من حقهما فى قطعة أرض تحت سيطرة العم ، ووجدت نفسي انتفض غضباً وتوجهت إلى بيت المنيرة ، وقابلتها وانتحيت بها جانباً وقلت لها إنني لم أنجب وسوف أكون أرحم أب لهذين الابنين لأنهما ابناك ، وإنني سأدافع عن حقوقهما بكل الوسائل وسوف أتحمل المسئولية عن ذلك ، ولو اضطررت لتعويضهما ماليا عن أى حق يضيع عليهما بسبب الزواج ، وإنني انتظرتها 24 عاما حتى جمعت بيننا الأقدار مرة أخرى ، ولن أفرط فيها بعد ذلك ، وبعد مرافعة طويلة وجدتها تبتسم والدموع فى عينيها وتطلب إمهالها بعض الوقت لكى تمهد للأمر مع ابنيها وانتظرت أسابيع أخرى ، حتى جاءتني شقيقتي تطلب منى الاستعداد للزواج وكنت مستعداً من الأصل ، فتم زواجنا المؤجل منذ 24 عاما وهى فى الثامنة والثلاثين وأنا مطلق بلا أبناء ، فإذا كان قد أحزنني شىء فهو أنها أصرت على أن يتم العقد بغير احتفال وأن ننتقل فى هدوء إلى شقتي ، وكنت أريد أن احتفل بزواجي بما يتناسب مع صبري الطويل .
لكنى سلمت برغبتها حرصا على مشاعر الابنين . والآن يا سيدي لقد مضى على زواجنا عشرة شهور ، وقد أصبحت فى أسرة صغيرة مكونة من زوجة أحببتها وعمري 15 سنة وابنة رقيقة فى الخامسة عشرة من عمرها ، وابن يافع فى الثالثة عشرة ، أجلس معهما كل مساء فى الشرفة .. وأراقب مذكراتهما وألبى مطالبهما وقد تجاوزا فترة الحساسية الأولى وبدأ يأنسان لى ويحباننى ، وعلى عكس ما كانت زوجتي تخشاه فإن عم ابنائها كان أفضل مما تصورت فسلم لى بأن الزواج ستر للمرأة ، وأن كل ما يعنيه هو أن يطمئن على راحة الأبناء وعرض على الاستمرار فى رعاية الأرض لحساب الأبناء والزوجة أو شرائها بسعر السوق إذا أردنا ذلك ،ففضلت البيع ، وتم ذلك وبأعلى سعر ممكن ووضعت المبلغ بنفسي باسم الأبناء والزوجة حسب الأنصبة الشرعية فى البنك الذى أعمل به ، وهكذا احتفظنا بعلاقة طيبة معه رغم كل شىء وهو يزورنا ونحن نزوره فى المناسبات وكل شىء تمام الآن والحمد لله ، وقد كشفت لى المعاشرة عن مزايا عديدة فى زوجتي فهى جميلة كعهدها وهى فى صباها وأستاذة فى التنظيم وتربية الأبناء وشئون البيت والمطبخ ، وجميلة الروح إلى أقصى حد فلا يشعر المرء إزاءها إلا بالحب والاحترام.
فقط لا يعكر صفوى أحيانا سوى شىء واحد هو الخوف من الموت وهو إحساس يراودني لأول مرة فى حياتي بعد زواجي الثاني ، واعترف لك بأننى أخشى أن يفاجئنى قبل أن أشبع من السعادة التى انتظرتها طويلاً مع أننى رجل مؤمن بالله وأؤدى فروض دينى كاملة وزوجتي كذلك . لكنى كلما ازددت إحساسا بسعادتي تساءلت هل بقيت من العمر بقية لكى أعوض فيها ما فاتنى من سنوات الوحدة والاكتئاب ؟ وهل ترى هذا الإحساس طبيعياً أم أنه بوادر مرض لا أعرف كهنه ويحتاج إلى العلاج ، إننى لم أصارح أحداً بهواجسى سواك فماذا ترى ؟

ولكاتب هذه الرسالة أقول :

 إنها طبيعتنا القديمة التى تستكثر على النفس دائماً لحظات السعادة الحقيقية فتتوجس شرا مما قد يعقبها من ألم ، وهى طبيعة اكتئابية أكاد أشك فى أن المصريين جميعاً يشتركون فيها بدرجات متفاوتة ، لهذا نستجيب غالباً للحزن بأسرع مما نستجيب للفرح ، فإن استجبنا للإحساس بالسعادة فقد نفسدها بترقب زوالها بدلا من الاستمتاع باللحظة الراهنة وامتصاص رحيقها .. ولا عجب فى ذلك مع شعب للحزن فيه عادات عريقة وتقاليد وليست للسعادة فيه عادات ولا تقاليد بنفس العمق ولا بنفس الاتساع .
ولست ألومك فى ذلك وإنما أفسر لك حالك فقط ،فأنت الآن شديد الإحساس بسعادتك ، لهذا فأنت تخشى أن تفقدها تماماً كما نخشى على الأشياء الثمينة من الضياع فيساورنا الخوف عليها ، ونتفقدها كل حين لنتأكد من أنها لا تزال فى موضعها ، فى حين لا نتفقد الأشياء التافهة لأننا لا نخاف عليها ولن نجزع لفقدها وأكبر أعداء السعادة هو الفراق ، لهذا بدأت أخيراً فقط وبعد زواجك الثانى تخشى الموت مع أنه كان محلقا فوق رأسك طوال سنوات عمرك ، وسوف يظل كذلك لك ولغيرك إلى أن تحين اللحظة المسجلة فى اللوح المحفوظ فيهبط الطائر فى الموعد المحدد والمكان المعلوم.
وسوف يتكرر ذلك كل يوم ، كما تشرق الشمس تغرب بانتظام ،
فلماذا نفسد أوقاتنا السعيدة بالتوجس مما لن يحول دونه حائل ؟ على أنه من المفيد دائماً أن يسعى الإنسان لتحصين سعادته ضد غوائل الزمن بالتقرب إلى الله وببذور الخير التى يبذرها حوله فتثمر ثمارها وتحميه من العثرات ،فبذلك ومثله تطمئن القلوب ، وفى حالتك أنت بالذات بذلك كله وبرعاية هذين اليتيمين ومراقبة الله فى تنشئتهما وتعهدهما بالحب والعدل والحنان سوف يطمئن قلبك ويرسخ إيمانك بأحقيتك فى السعادة إلى نهاية العمر ، لكن دعنا من ذلك كله ولا تفسد علينا استمتاعنا بهذه القصة الفريدة التى جمعت الدنيا فيها قلبين ضل كل منهما الطريق إلى الآخر 25 سنة .. ياإلهى ، إنه حقاً حب العمر الذى لا يصبح للحياة معنى إن لم يكتمل بالوصال ، لذلك فقد أحسنت صنعاً حين اعتذرت لأسرة الفتاة عن إتمام الخطبة رغم ما فى ذلك من إيلام لها لأنك كنت ستظلمها أكثر ، وبكل تأكيد لو كنت قد ارتبطت بها وفتاتك تتراءى أمامك وقلبك يهتف لها صامتا مع الشاعر .
أه مما بى وهل تدرين ما بى     يوم ودعتك ودعت شبابى
لأنها قصة الصبا والشباب والرجولة بحق ، وقد عاد الشباب الآن وآن للغريب أن يهنأ بالعودة إلى عشه القديم الذى لم يفارقه خياله .. فاهنأ بحياتك يا صديقى وادع ربك أن يحفظ عليك سعادتك وسلامك ، واشرب كؤوس الهناء حتى الثمالة ، فالرى حق لمن طال عطشه ، والسعادة حق أيضاً لمن طال انتظاره لها مثلك والسلام .

 نشرت سنة 1988

   

˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙



كتبها من مصدرها بكتاب طائر الحب القديم


Yasmin Orabi

راجعها وأعدها للنشر

Neveen Ali













إقرأ المزيد Résuméabuiyad

تحت المائدة .. رسالة من بريد الجمعة


 أرجو أن تعبر علي قراءة رسالتي هذه التي دفعتني لكتابتها إليك ما قرأته في رسالة "دوائر الدوامة" للزوجة الشابة التي تشكو من"كسل" زوجها الشاب المدلل واعتماده علي أشقائه في كل شئ ,ونومه 12 ساعة كل يوم تاركاً لها وحدها مواجهة المشاكل المادية وحلها نيابة عنه ! فقد حركت هذه الرسالة ذكرياتي القديمة..ثم واجهت منذ فترة قصيرة موقفا"دراميا" آخر أهاج مشاعري, فاعتزمت أن أكتب لك ليقرأ هذا الشاب وأمثاله قصتي ولأستشيرك أيضاً في هذا الموقف الدرامي, فأنا رجل في الرابعة والأربعين من عمري نشأت لأب مغامر يعمل عملاً مهنياً بعد استقالته من الحكومة,ومن أسرة ميسورة, ولأم من أسرة كريمة لكنها فقدت عزها وثراءها في طفولتي المبكرة, وإن لم تفقد قيمها ولا أخلاقها .. وقبل سن التاسعة من عمري تنبهت حواسي على واقع حياتنا فوجدت أمي تفيض علينا عطفاً وتقف عاجزة أمام جموح أبي المغامر الذي"يختفي" عاماً أو عامين تاركاً أسرته بلا مورد .. ثم يعود فجأة وتعرف أمي أنه قد تزوج وطلق في فترة الغيبة بعيداً عن مدينتنا الصغيرة, ورغم ذلك تقابله بالتسامح والاحترام , وتنهي إخوتها الذين يتألمون لحالها عن أن يغاضبوه أو يزجروه أملا في أن يستقر في بيته هذه المرة ويرعى أولاده, فلا يمضي شهر أو شهران..حتى "يغطس" مرة أخرى بنفس الطريقة ولعام أو عامين قادمين وهكذا .. وأسرف أبي في الزواج فبدد ثروته التي ورثها عن أبيه وأفلس وأغلق مكتبه المهني .. وتوقف عن الإنفاق نهائياً علينا وأنا في التاسعة من عمري, ووجدت أمي نفسها مع أولادها الأربعة قد أصبحوا بلا مورد نهائياً, في نفس الوقت الذي فقدت فيه أسرتها وأخوتها عزهم القديم وحدائقهم المثمرة مع تقلبات الأيام وكثرة الأبناء, وتشاور الأهل في مستقبل أسرتها, وكانت أسرة أبي مازالت ثرية ولها حدائقها في بلدتنا , فاستقر رأي جدي لأبي على أن يضعني أنا أكبر أخوتي إلي أسرته في القاهرة, وأن يعطي لأمي مبلغاً شهرياً متواضعاً تواجه به نفقات أسرتها وفارقت أمي وإخوتي راغما وانضممت لأسرة جدي الذي يعيش مع جدتي وعمتين شابتين لي.
وكانت شقة جدي مكونة من ثلاث غرف أحداها للصالون, والأخرى لنوم جدي وجدتي,والثالثة تنفرد بها عمتي الصغرى المدللة الطالبة بالثانوي, أما الصالة ففيها السفرة وإلي جوارها كنبة بلدية وجاء الليل بعد أول يوم لي مع أسرة جدي فأعطتني جدتي بطانية ممزقة ومخدة رثة وأشارت إليّ أن أنام على البلاط تحت السفرة رغم وجود الكنبة بالقرب منها, وامتثلت طائعاً لحياتي الجديدة, وأصبحت منامتي الدائمة تحت المائدة, وأصبح يومي حسب تعليمات جدتي لي يبدأ في السادسة صباحاً فأنهض من النوم, وأرفع "فراشي" وأخفيه في المطبخ, وأكنس الصالة وأمسحها بالماء والخيشه, ثم أنزل الشارع فأشتري الخبز والفول وأعد طعام الإفطار "لسادتي" الجدد علي مائدة السفرة .. بينما أكل أنا لقمة ببقايا الفول على عجل في المطبخ ثم أعد لهم الشاي, وبعد غسل أطباق الإفطار أرتدي ملابس المدرسة القديمة وأذهب إلى مدرستي وأعود منها في الظهر فأضع كتبي في المطبخ, وأنزل لأشتري الخضار واللحم لجدتي وأساعدها في الطهي .. وأعد السفرة للغداء وأرفع الأطباق وأغسلها وأغسل الأواني , وأكنس الشقة مرة أخرى تحسبا لقدوم زوار, وربما تطلب الأمر مسحها بالماء مرة ثانية وأصنع الشاي ما لا يقل عن 8 أو 10 مرات لمن يريد, وأساعد جدتي في الغسيل على الغسالة القديمة إلى جانب غسل جوارب عمتي ومناديلها, بل وملابسها الداخلية أيضاً علي يدي في الحوض كلما طلبا مني ذلك, وفي الليل أختلس بعض الوقت لمذاكرة دروسي وأظل مستيقظاً أغالب النوم حتى ينصرف إذا كان هناك ضيوف ويدخل جدي وجدتي إلى غرفتهما .. وقرب منتصف الليل احضر فراشي من المطبخ وأضعه تحت مائدة الطعام وأنام كالقتيل.
وباختصار فلقد وجدت نفسي يا سيدي للأسف "خادماً" صغيراً في التاسعة من عمره يعمل لدى أسرة جده وجدته الميسورة .. مقابل إعانة جدي لأمي وإخوتي بمبلغ شهري بسيط بعد أن تخلى أبي نهائياً عن مسئوليته عنا.
أما الملابس فلقد كان للمدرسة قميص وبنطلون قديمان من مخلفات أطفال الأسرة العديدين للمدرسة ..وللبيت جلباب من قماش الدمور الرخيص الذي تصنع منه أكياس الدقيق, وقد خيط لي بلا اعتناء فجاء "ختم" الشركة الكبير فوق ظهري باديا للعيان كأنما يذكر الجميع بوضعي المؤلم ومأساة أسرتي وأخوتي مع أبينا ! ومع ذلك فلم أكره جدي ولا جدتي ولا عمتي الكبرى ولا حتى عمتي الصغرى المدللة التي كانت ترهقني بطلباتها المتكررة طوال النهار ولا تفعل هي أو أختها الكبرى شيئاً بيديهما أبداً, وإنما يتركان كل شئ إلي.
ولقد كانت عمتي الصغرى طالبة متعثرة بالمرحلة الثانوية .. وتحاول أن تسهر للاستذكار وتطالبني بالسهر معاً لأشجعها على المذاكرة , وأيضاً لعمل الشاي والقهوة لها طوال الليل .. وتعطيني أقراصاً منبهة كانت منتشرة وقتها بين الطلبة لكي أقاوم الرغبة القاتلة في النوم التي تنتابني بعد إرهاق اليوم الطويل , فاستجيب لطلبها طائعاً أو راغماً .. وأظل أغالب النوم حتى الثانية صباحاً, كما كانت سامحها الله توقظني من النوم بعد منتصف الليل في ليالي الشتاء القارسة لأعد لها ولصديقاتها الساهرات معها للمذاكرة الطعام والشاي, ومع كل ذلك فقد كانت ترسب وتعيد كل سنة في عامين أو ثلاثة .. في حين كنت أنا_للعجب_متفوقاً في مدرستي ولا أذاكر أكثر من ساعة أو ساعتين وأجي دائماً بين الأوائل, ولعل هذا ما شفع لي في إعفائي من رسوم المدرسة التي لم تكن تزيد علي ثلاثة جنيهات ونصف الجنية سنوياً .. والتي مازلت أعجب حتى الآن كيف كان جدي يستطيع أن يصطحبني معه للمدرسة ليقدم لي طلباً بإعفائي منها للناظر بحجة أني "فقير" ناسيا أنني في نفس الوقت حفيده وهو ميسور وقادر على دفعها !
المهم أن أيامي مضت على هذا الحال حتى حصلت على الإعدادية , ورق قلب جدي لي فألح على جدتي أن تسمح لي بالنوم على الكنبة في الصالة بعد أن كثرت أمراضي وآلام جنبي وظهري من النوم على البلاط.فوافقت أخيراً وخرجت من تحت المائدة لأول مرة بعد 5 سنوات, وبدأت أسرة جدي تبحث مستقبلي التعليمي, فأشار علي المشيرون أن الأفضل لي هو أن أتطوع في القوات الجوية لأتكفل بنفسي, وأرسلوني بالفعل مع أحد الأقارب لتقديم طلب التطوع وصاحبته حتى باب المعسكر, ثم تمردت فجأة لأول مرة على أوضاعي وهربت منه, ورجع القريب إلى جدي ناصحاُ له بأن يسمح لي باستكمال دراستي كرغبتي ولو بإلحاقي بالمدرسة التجارية ووافق جدي على ذلك والتحقت بالمدرسة التجارية , وحصلت علي الدبلوم بعد 3سنوات وعملت ببنك الائتمان الزراعي بعاصمة الإقليم الذي تقع فيه مدينتي, وبعد شهر تم تجنيدي بالقوات الخاصة قبل حرب أكتوبر,ومن اللحظة التي تسلمت فيها أول مرتب لي بدأت مسئوليتي عن أمي وأخوتي الصغار , ولعلك تسألني عن علاقتي بهم خلال فترة معيشتي في بيت جدي فأقول لك أني كنت أراهم مع جدي حين يزور بلدتنا وهي بلدته في نفس الوقت تفيض أمي حباً وحناناً علي ّوترثي لحالي لكنها لا تستطيع أن تفعل لي شيئاً .. وذات زيارة ضعفت ..فرجوتها أن تسمح لي بالبقاء معها وأنام في حضن أخوتي ولو على الأرض مؤكداً لها أن وجودي معهم يخفف من عناء حياتي فبكت وقالت لي عبارتها الأثيرة التي تناديني بها دائماً يا عين أمك! أبق معنا وليفعل الله بنا ما يشاء, لكن جدي زمجر وكان معنى زمجرته أنه لن يتردد في قطع إعانته الشهرية لأمي وأخوتي إذا لم أعد معه .. فرجعت راغماً واستمرت حياتي ببيته إلى أن عملت
أما أبي خلال هذه السنوات فلم أكن أراه وإنما كان يواصل ظهوره واختفاءه كالعادة .. وفي أحد ظهوراته هذه أهدانا شقيقي الأصغر الذي سأحدثك عنه بعد قليل , فأصبحنا خمسة أبناء, وبعد أن عملت في بداية حياتي تكرر ظهوره المتقطع .. ودهشت حين طلبت مني أمي الطيبة ذات مرة مبلغاً من النقود لكي تعطيه هي لأبي المأزوم مالياً حتى لا تجرح "إحساسه" بأن أعطيه أنا مباشرة المبلغ.
وأجبتها إلى ما طلبت إكراماً لها, وانتقلت من عمل إلى عمل آخر بإرادة حكومية ثم حدث أن قابلت إنساناً فاضلاً مع أحد أصدقائي في مناسبة اجتماعية وتحدث معي طويلاً..ويبدو أنه قد سمع من صديقي طرفا من قصة حياتي .. لأني فوجئت به في نهاية الجلسة يقول لي أنه معجب بشخصيتي وكفاحي ثم أعطاني بطاقة باسمه فإذا به مدير أحد البنوك الأجنبية الجديدة وقتها في مصر , وطلب مني زيارته في اليوم التالي وزرته وفاجأني بترشيحي للعمل معه فامتننت له كثيراً واعتبرت ذلك فضلا له لا تمحوه الأيام..
وعينت بالبنك بالدبلوم فوجدت نفسي فجأة في مجتمع جديد وغير مألوف لي, فالموظفون الذين أعمل معهم كلهم من أبناء علية القوم الأثرياء ومعظمهم حديثهم الانجليزية .. وملابسهم مستوردة وفاخرة وسجائرهم أجنبية وكلهم من أصحاب السيارات , فصممت على احترام نفسي معهم وفصلت لي بدلتين لائقتين, وحرصت على ألا أدخن في البنك.حتى لا أضطر لإخراج سجائري المحلية الرخيصة أمامهم ولم أقبل من أحد سيجارة أو كوب شاي, وأهم من ذلك أنني رأيت أن المحافظة على الكرامة لا تكون بالملابس فقط, وإنما بالكفاءة في العمل وكنت قد سكنت مع صديق لي في شقة صغيرة  بالقاهرة, فأصبحت أدخل البنك وأؤدي عملي المطلوب مني.بإخلاص وبعد انتهائي منه أتطوع لأداء أي عمل زائد , وخلال ذلك كله أنقل في ورقة كل التعبيرات الإنجليزية التي لم أفهمها وأترجمها في البيت من القاموس وأظل أحفظها حتى ساعة متأخرة من الليل.
لكني وجدت ذلك غير كاف فالتحقت بالمعهد البريطاني لدراسة الانجليزية ودرستها بدأب حتى تمكنت خلال فترة معقولة من اجتياز أعلى اختباراتها, وأصبحت أجيد الانجليزية قراءة وكتابة وأعمل بها في البنك مما فتح أمامي مجال الترقي فيه .. ثم سألت نفسي بعد ذلك عما ينقصني فوجدت أنه الشهادة الجامعية فانتسبت لكلية التجارة وحصلت على شهادتها بعد 4سنوات , وتفتحت مجالات الترقي أمامي وتلقيت دورات تدريبية في أوروبا وسافرت في مهام مصرفية إلى أوروبا والدول العربية, وحققت خلال وقت قصير نجاحاً كبيراً..أحمد الله عليه, وأرجع الفضل فيه إلى دعوات أمي الصادقة لي ليل نهار, وخلال ذلك كنت قد حصلت على شقة مناسبة بأحد أحياء القاهرة الراقية وتعرفت بزميلة لي بالبنك وتبادلنا الحب وتزوجنا وسعدنا بحياتنا أربع سنوات لم ينقصها شئ حتى ما تأكدنا منه من عدم قدرتها على الإنجاب. لكن أمها التي لم ترحب بي من البداية على عكس أبيها الطيب رحمه الله ,لم تدعنا في حالنا وراحت توسوس لزوجتي بأنني من أصل ريفي وأمثالي يعشقون الأطفال ولا يتخلون عن حلمهم في الإنجاب مهما تظاهروا بغير ذلك ولهذا فإنني "سأغدر" بها ذات يوم قريب..إلخ.وأثمر فحيحها الدائم ثماره في النهاية ففاجأتني زوجتي بطلب الطلاق وغادرت البيت إلى بيت أمها, ولم أجد مفراً من الاستجابة لطلبها بالطلاق حزيناً لانهيار أول بيت عرفت فيه الاستقرار بعد رحلة العناء الطويلة , وجاء إخوتها لنقل الأثاث, وكنت خلال زواجي منها قد أنفقت معظم ما كسبته على استكمال البيت وتزويده بالتحف والأجهزة حتى لم يكن في حسابي يوم الطلاق سوي 100 دولار فقط.وبدأت أسرتها في إنزال الأثاث فحاولت خالتي العطوف أن تحتفظ لي بالأشياء الثمينة التي اشتريتها من مالي لكني رفضت ذلك وقلت لها لقد خسرت استقراري الذي لم أنعم طوال حياتي,إلا هذه الأعوام القليلة, فما قيمة أي شئ  آخر؟
وسمحت لهم بأخذ كل شئ فغادروا والشقة على البلاط, وأنصرف الجميع وبقيت في الشقة الخالية وحدي أتأمل حياتي فأجدني قد عدت من حيث بدأت فبالبلاط..بدأت..وإلى البلاط عدت..وكان من أقسي فترات حياتي ,وبعد قليل اشتريت سريراً ثم غرفة نوم وبعد شهور من هذه المحنة زارني عدد من المديرين بالبنك يتوسطوا_مشكورين_بيني وبين زوجتي السابقة, التي تطلب العودة لي بعد أن ندمت على الانفصال وعرفت كم ظلمتني..لكن نفسي كانت قد تشبعت بالمرارة, وكرامتي قد جرحت جرحاً غائراُ, فرفضت عودتها.
وبعد فترة التقيت في النادي بآنسة جامعية مهذبة رشحها لي أحد الأقارب ثم تعرفت بأبيها التاجر الميسور فأعجبت بشخصيته وتحدثت معه بصراحة مطلقة عن إني لا أملك شيئاً الآن لأني خسرت في زواجي السابق كل مدخراتي , وتأثر الرجل بصراحتي ووافق على أن تتم خطبتي وزواجي من ابنته بلا شبكه ولا مهر لأنه يريد أن "يشتري" رجلاً يحافظ على ابنته, وليس أثاثاً ولا عقاراً فتأثرت بموقفي منه حتى أغرورقت عيني بالدمع ,وفي صباح اليوم التالي ذهبت إلي البنك وأنا مهتاج المشاعر, فإذا بي أعرف أني قد أتممت عشرين عاماً من العمل به وأصبح من حقي أن أستبدل جزءاُ من معاشي بمبلغ بالآلاف , ولم أتردد وقدمت طلب استبدال المعاش وحصلت على مبلغ كبير, وأصررت على أن أشتري لخطيبتي شبكة ماسية بمبلغ كبير رغم معارضتها ومعارضة أبيها, لكني تمسكت بشراء الشبكة لأنهما قد قبلاني وأنا علي البلاطة ..وليس جزاء الشهامة إلا التكريم.
وتزوجت وأنعم الله عليّ بطفل عوضني مع أمه الفاضلة عن كل ما لاقيت في حياتي من عناء..وأقفز بك فوق السنين لأقول لك أنني واصلت تحمل مسئوليتي عن أمي وأخوتي التي بدأتها وأنا بالجيش وأني أصررت ربما لمرارة في أعماقي على أن يلتحق أخوتي جميعا بالتعليم الثانوي العام الذي حرمت منه وأنا في بيت جدي, وواصلت تشجيعهم على الدراسة وتلبية جميع مطالبهم المادية حبا وإعزاز حتى تخرجوا جميعاً ما عدا أحدهم تعثر في الطريق لعدم استعداده الدراسي,وعمل بوظيفة لا بأس بها وساعدته بعمل مشروع صغير له إلى جانب الوظيفة, أما آخر العنقود الذي أهداه لنا أبي في أحد ظهوراته الخاطئة , فلقد اعتبرته ابني الذي لم أنجبه وأردت أن أحقق فيه ما لم تتيح لي الأيام تحقيقه فكانت كلمتي له دائماً هي أني لا أتنازل عن كلية الطب!
فكان يذاكر وكلما أحس بالتعب تذكر كلماتي فيواصل الاستذكار أرضاء لي حتى حصل علي الثانوية العامة بتفوق والتحق بكلية الطب فعلا وهو الآن آخر من بقي من إخوتي بالتعليم ولن يمضي سوى عامين ويتخرج ولست في حاجة لأن أقول لك أنني قد كفيته كل احتياجاته الدراسية حتى ليرفض قبول المزيد تحرجاً مني وأراه خجلا أمامي فتفيض مشاعري حبا له ولكل أخوتي ..أرسل الله لي ما ألبيه به من حيث لا أتوقع ولا أحتسب ويفيض عندي ما أوجهة لأسرتي الصغيرة..أما أمي الوديعة الصابرة فمازالت حتى الآن تغمرني بحبها وعطفها ولا تناديني وأنا في الرابعة والأربعين من عمري إلا بعبارتها الأثيرة "يا عين أمك" ولا يجف لسانها من الدعاء لي بالسعادة في الدنيا والآخرة وقد أصبحت أعطيها زكاة مالي بعد أن أصبح لي مال لتوزعها على الضعفاء من الأقارب البعيدين وأهل بلدتنا الصغيرة..فتوزعها عليهم وتضيف إليها مما أعطية لها "شهريات صغيره" لعدد من الأسر الفقيرة في بلدتنا في السر, وترفض أن أتحمل عنها هذه الشهريات.
ثم نأتي إلى الحديث الدرامي الذي وقع منذ فترة قصيرة ودفعني إلي كتابة رسالتي هذه بعد قراءتي لرسالة "دوائر الدوامة" فلقد فوجئت منذ أيام بصوت غريب في التليفون يقول لي صاحبه أنه يريد أن يزوروني في البيت .فمن تتصور أن يكون صاحب هذا الصوت الغريب؟ إنه "أبي" الذي انتسب بشهادة الميلاد إليه ولم أره من عشرين عاماً متصلة بالرغم من أنه يعيش في نفس الوطن ولم يهاجر منه..وكانت آخر مرة رأيته فيه وأنا في الرابعة والعشرين من عمري حين عملت بالبنك وطلبت منه أن يعود للاستقرار مع أمي وإخوتي ويكف عن مغامرات الزواج مع استعدادي لمساعدته بمبلغ شهري من مرتبي الصغير وقتها فقال:إن شاء الله..ثم "غطس" بعد ذلك فلم يره أحد وإن كنا قد عرفنا أنه قد تزوج في الإسكندرية ..ثم طلق ثم تزوج وطلق ثم استقر أخيراً مع آخر زوجاته في مدينة ساحلية ..أ بي ؟ماذا يريد مني بعد عشرين سنة من الاختفاء عنا ؟
عدت إلي بيتي وقد هاجت ذكرياتي القديمة وعلمت أمي بأنه سيزورني فاتصلت بي وأوصتني بأن أحسن مقابلته لأنه مهما كان أبي وجاء في الموعد المحدد فاستقبله باحترام ولكن بمشاعر حيادية تماماً .. وتعجبت من نفسي أنني لم أشعر تجاهه بأية عاطفة .. بل على العكس من ذلك فقد تذكرت فجأة حين مرضت وأنا صبي بالتيفود وأشرفت على الموت وقابلة شقيقي الذي يليني في العمر في احدى شوارع بلدتنا مصادفة وأبلغه بمرضي وبأني علي مشارف الموت فقال له: شفاه الله ثم مضى إلى حال سبيله ولم يظهر مرة أخري قبل سنوات !
وقارنت مشاعره كأب تجاهي بمشاعري وأنا كأب تجاه طفلي الوحيد الذي لا أطيق إذا سافرت للخارج أن يمضي يوم واحد دون سماعي لصوته واتصلت به مرة فوجدته نائماُ ورجتني زوجتي أن أدعه دائماُ ليستريح من شقاوته فتوهمت أنه مريض وأنها تخفي عنى الخبر فأعدت الاتصال ببيت صهري حيث كانت تقيم خلال سفري وتحدثت إلى صهري وقلت له أنني لم أسمع صوت ابني الآن فسوف أركب أول طائرة عائداً لبلدي..وبكيت فتأثر الرحل وطمأن خاطري وأيقظه من النوم وتساءلت في باطني وأنا أنظر إلى أبي الجالس أمامي الآن في صالون بيتي ألم يكن لك قلب كقلبي يا أبي ؟ولماذا لم تعطنا من حبك وحنانك بعض ما يعطيه كل أب لأبنائه..وبعد ترحيب زوجتي به انسحبت إلى الداخل وتركتني معه ففهمت من حديثه أن موارده قد شحت وأنه قد أنجب من آخر زوجاته وهي بالمناسبة أصغر من زوجتي ! ثلاثة أبناء وكثرت المطالب .. ولهذا فهو ينتظر مني دون أن يطلب ذلك صراحة استمراراً "لكبريائه" أن أعينه على مطالب "أسرته"الجديدة بمبلغ شهري محترم أي بالمئات ! ربما لأني أركب سيارة فاخرة وأقيم في مسكن فاخر وقد وسع الله لي في رزقي رغم أعبائي العائلية التي حملتها نيابة عنه.لم يطلب ذلك صراحة لكن حديثة أفاد بهذه النتيجة .. فنظرت إليه وقد تجمعت كل أحزان حياتي داخلي ووجدتني رغماً عن إرادتي أعاتبه بأدب بالغ على إهماله لنا صغاراً وتخليه عن مسئوليتنا وأروي له جانباً من ذكرياتي المريرة في بيت جدي وأنا أمسح البلاط في عز البرد وارتدي الجلباب الدمور وأكل بقايا الطعام في المطبخ وأسير على قدمي ثلاثين كيلو متراً كل يوم على الأقل في مشاوير الأسرة وأمرض بجنبي من نوم البلاط ولا أعالج إلا بالوصفات البلدية..و..و..وأفصل بين كل ذكرى وأخري بسؤالي له:ألم أكن ابنك أيضاً يا أبي كما أن أبناءك الثلاثة الذين يعيشون في حضنك الآن..أبناؤك !
وتصاعدت انفعالاتي الداخلية حتى غامت الدنيا عن عيني وأنهيت الموقف المؤلم بتقديم هدية مالية مناسبة له دون أن أشير إلى أنها ستصبح مساعدة شهرية منتظمة وانصرف إلى حال سبيله.ومع أني كنت قد رويت لزوجتي جانباً من قصه كفاحي وذكرياتي المؤلمة إلا أنها يبدو أنها قد سمعت من حديثي إليه ما لم تكن سمعته من قبل ولم تتخيل إمكانية حدوثه في الدنيا وهي ابنة التاجر الميسور التي لم تعرف حرمانا ولا معاناة في الدنيا ففوجئت بها بعد انصراف أبي تحتضنني وهي تبكي بالدمع الغزير ونظرات العطف والإشفاق تطل من عينيها و ازداد تأثري بالموقف وما أثاره من ذكرياتي.
والآن يا سيدي فإني أكتب لك هذه الرسالة ليقرأها أخونا الشاب المدلل الكسول الأناني الذي لا يهتم إلا بنفسه ويطالب أشقاءه بحل كل مشاكله المادية بغير طلب منه ودون أن يشكرهم على ما فعلوه معه أو يعترف لهم بفضل أو جميل ,ليعرف أن في الدنيا من تجرعوا العلقم ولم يساعدهم أحد وإنما ساعدوا هم غيرهم حين استطاعوا ذلك.
وثانياً لكي أسألك عن موقف الدين من أب مثل أبي..وهل هذا الأب يندرج حقا ضمن الآباء الذين قال لنا الله سبحانه وتعالي عنهم, وقضي ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما, وقال لنا أيضاً "واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً".
هل هذا الأب حقا واحد من هؤلاء؟
وهل أنا مطالب بأن ابره وأقدم له مساعدة شهرية كبيرة بعد أن بدد مئات الألوف من الجنيهات على مغامراته, ولكي يربي بها أبناءه من آخر زوجاته وهو الذي تركني أعمل "خادماً" عند جدي وهو ينفق الآلاف دون أن يهتز له طرف !
إنني أبر أمي وأعطيها بغير أن تطلب وعلى استعداد لأن أنزع عيني من محاجرهما لأعطيها لها فهل من العدل أن أعطي هذا الأب مثلها وأسوى بينه وهو الظالم وبين المظلوم والضحايا وهم أمي وأخوتي..إنني أصارحك القول بأنني لا أحس تجاه هذا الإنسان بأي نوع من المشاعر ..وإذا كانت هناك مشاعر فهي سلبيه للأسف بل ولماذا ندور حول الكلمات ولا أقول لك صراحة أنني كنت قد نسيت وجوده في الدنيا فلما ظهر في حياتي تذكرت كل المرارات ووجدتني أحس تجاهه بكراهية مريرةَ! فتري هل يحاسبني الله عن مشاعري هذه تجاهه..وهل يحاسبني عن رفضي لإعانته بانتظام؟ كما يأمل هو خاصة وقد فكرت جدياً في أن أغير رقم تليفون بيتي حتى لا يتصل بى مرة أخر..ولماذا أقتضي الأمر فلربما فكرت في تغيير مسكني أيضاً ..فما هو رأيك في ذلك.

ولـــكاتـــب هـــذه الـرسـالة أقــــول:
 والله يا صديقي أني لو تركت لنفسي وانفعالي برسالتك المؤثرة هذه لقلت لك علي الفور أقبض يدك علي هذا "الأب" الذي لا يستحق من كلمة الأبوة حرفاً واحداً منها وغير رقم تليفونك أيضاً لو اقتضت الضرورة حتى لا يجد إليك سبيلا مرة أخري!
لكن هل يستطيع الإنسان حقاً أن يستسلم لانفعالاته ويعمل بما تمليه عليه وحدها؟ وهل من الحكمة والرشد والمصلحة البعيدة أن يفعل ذلك؟ لا نستطيع ذلك بالطبع ولا هو من الحكمة ولا من الرشد وإنما علينا دائماً أن نرجع فيما يشتبه علينا من شئون الحياة إلى مرجعنا الأرشد وهو تعاليم ديننا وقد رجعت إلى مراجعي وأمضيت يوماً طويلا أقلب في كتب الفقه والتفاسير باحثاً عن ثغرة تجيز لنا إخراج مثل هذا الأب الذي لم يبر أبناءه من زمرة الآباء والأمهات الذين تناولتهم الآية الكريمة فلم أجد, بل وجدت ما يؤكد لي إيماني الدائم بأن حقوق الأبوين على الأبناء واجبة الأداء ولو لم يبروا أبناءهم أو لم يعينوهم على البر بهم في الكبر باستهتارهم وأنانيتهم كما فعل أبوك معكم. إذ ليس هناك ما هو أبشع من الشرك بالله وقد أمرنا الله بألا نطيعهما فيه وأن نصاحبهما بعد ذلك في الدنيا معروفاً..وحكمة الدين في ذلك أن بر الأبناء بهم من التكاليف الدينية التي لا يحق لنا أن نتوقف أمامها لنفرز من يستحقون الالتزام بها تجاههم ومن لا يستحقون, كما أن المكلف بذلك لا يؤدي هذا التكليف طلباً لمودة أبيه وأمه وإنما يؤدي إبراء لذمته أمام الله سبحانه وتعالي تاركاً حساب أبويه عما صنعاً به إلى أعدل العادلين..وكل عمل الإنسان له بثماره ونتائجه فإن أحسن فلنفسه وإن أساء فعليها..إذن فجناية أبيك عليك وعلى إخوتك وأمك طائر في عنقه يقابل به ربه..لكن برك به وفي الحدود التي تتحملها طبيعتنا كبشر ليسوا ملائكة, طائر في عنقك أنت أيضاً وأني لأري أن أباك هذا بالذات لا يستحق أن يكون سبباً في أن تعلق بصفحتك البيضاء شائبة أمام ربك أو أن يكون سبباً في إنقاص ميزاتك .نعم لسنا ملائكة ..وإنما نحن بشر نحب ونكره ونستعيد طعم المرارة تجاه من جرعونا العلقم في حياتنا..ونشعر أحيانا بأن من حقنا ألا نمتعهم بما حرمونا منه وقد كانوا قادرين على إسعادنا بما بين أيديهم لو التزموا العدل معنا ولا بأس بأن نحب ونكره ونشعر بما نشاء ولكن بشرط ألا تخرج مشاعرنا عن دائرة صدورنا إذ أنه من رحمة الله بنا أنه لا يحاسبنا عما يعتل في صدورنا من انفعالات وأحاسيس ,وإنما يحاسبنا عما نعبر به عنها من أفعال وأقوال.
ونحن في النهاية أمام أمر صريح من الله سبحانه وتعالي"وصاحبهما في الدنيا معروفاً" وأمام أمر آخر يفرض للأبوين علي الأبناء حق النفقة الواجبة حتى ولو كانا قادرين علي العمل..ولو كان الابن معسراً لا يكسب إلا قوت أولاده ,وهذا الأمر لم يستثن منه الآباء والأمهات الذين لم يؤدوا حقوق أبنائهم إليهم أو تخلوا عنهم كما فعل أبوك لا سامحه الله عن سجله المخجل معكم.
وأنت تسألني كيف يكون عدلا أن تسوي في برك بين أمك العطوف الصابرة وبين أبيك الأناني المستهتر الذي لم يتحمل تبعات الأبوة وأنا أقول لك أن العدل قائم رغم كل شئ والفرق كبير بين عطائك لأمك وعطائك لأبيك, فالنفقة الواجبة إنما تكون بقدر حاجه مستحقيها,ولهذا فأنت تستطيع أن تعطي أباك الحق الأدنى الذي تراه مبرئاً لذمتك أمام ربك,وتستمر في الإغداق علي والدتك وإخوتك كما تفعل فيكون الفارق شاسعاُ بين عطائك لمن يستحقون العطاء حباً وكرامة..ومن لا تمد يدك إليه إلا صدوعاً بأمر ربك وإبراء ذمتك أمامه,كما أن هناك شيئاً آخر يؤكد الفارق بين الخير والشر وبين من أحسنوا إلينا ومن أساءوا هو أنك تعطي أمك وأنت سعيد بما تعطي وراغب في منح المزيد وقبل أن تطلب وربما أرغمتها بالحب على أن تقبل منك المزيد,وستعطي أباك إذا أعطيت وأنت كاره وتعلم أنه يريد منك المزيد لكنك لا تعطيه إلا ما تراه ملبياً لحاجته,فضلاً عن أنك لن تقدم له إلا العطاء المادي وحده وهو أهون العطاء ..أليس في كل ذلك ما يكفي للتفريق بين الخير والشر؟
إنه فارق كبير صدقني..ولن يخفى علي أبيك ويكفيه عقاباً له أن ألجأته الأقدار إلى طلب معونتك أنت بالذات وهو الذي لم يحفل بك يوماً وأنت تتجرع كئوس الشقاء في بيت أبيه,فإذا وقفت منه الآن موقف المانح..الذي كاد يقول له بغير كلام إنما أعطيك صدوعاً بأمر ربي وليس إكراماً لك فكفى بذلك عقاباً أشد من كل عقاب الدنيا ..ناهيك عما ينتظره من عقاب السماء.
كما أنك إذا أعطيته فأنت لا تعطيه هو ..وإنما تعطي ثلاث ضحايا جدداً له هم أبناؤه من آخر زوجاته,وهم في النهاية إخوتك شئت هذا أم أبيت,ولقد هدتك فطرتك السليمة وطيب عنصرك إلى أن تكون كريماً بعد أن تجاوزت أيام الشقاء..وأن تفيض بعطائك وحبك علي أخوتك لكي تجنبهم شقاء طفولتك وحرمانك ومن كانت له مثل هذه الفطرة السليمة..لابد أن تهديه أيضاً إلي محاولة تجنيب "إخوته" الجدد هؤلاء بعض ما عاناه هو ليس تكريماً لأبيهم وإنما إشفاقاً علي المزيد من ضحاياه.
فإذا فعلت ذلك وأبرأت ذمتك فلك أن تحمل لأبيك من المشاعر ما تشاء ..وإن عفوت لكان أكرم..لكني لا أستطيع أن أطالبك بما لا تحتمله طبيعة البشر,بل إني لاعترف لك إني قد كرهت هذا "الأب" بعد أن قرأت رسالتك من أعماقي غير أني أقول لك أخيراً أنك قد حققت لنفسك فوق كل ما حلمت لها به وفوق ما كانت إمكانياتك ترشحك له حتى ولو كان هذا الأب قد أدى واجبه تجاهك على أفضل وجه وكان فضل الله عليك عظيماً.
ولقد انتهت معاناة أيام المعاناة والشقاء وخرجت من تحت مائدة الطعام إلى أفاق النجاح والتوفيق والسعادة..ويبقى أن تخرج أيضاً من تحت مائدة الذكريات المريرة وألا تسمح لها أيضاً بإنقاص موازينك عند خالقك إذا تقاعست عن أداء هذه الواجب الديني البسيط تجاه أبيك حتى ولو كان لا يستحقه,فلنفسك ما تفعل ولخيرك وخير أسرتك الصغيرة وابنك..حفظه الله لك وحفظك له..ولأمك وإخوتك والسلام.


 نشرت بتاريخ 31 ديسمبر سنة 1993
   

˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙


كتبها من مصدرها بأرشيف جريدة الأهرام


Bosaa Aly

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali



إقرأ المزيد Résuméabuiyad

دوائر الدوامة .. رسالة من بريد الجمعة


تفتحت عيناي للحياة فوجدت نفسي أعيش مع أبي في شقة من أربع غرف وليس بين جدرانها سوانا أنا وهو, فقد رحلت أمي عن الحياة وأنا طفلة صغيرة في السابعة من عمري فلم يبق في ذاكرتي منها سوى طيف غائم.ووجدت أبي يرعاني ويحنو عليّ ويقوم بكل شئوني , فأحببته واحتميت به واعتبرته أبي وصديقي وكل أهلي .وكان أبي في طفولتي موظفاً في إحدى المصالح الحكومية فكان يصطحبني معه في الصباح إلى المدرسة ثم يذهب إلى عمله وانتظره في فناء المدرسة بعد انتهاء الدراسة حتى يأتي ويعيدني إلي البيت,ومهما تأخر في الحضور فلقد كنت انتظره ولا يسمح لي فراش المدرسة الخروج قبل حضوره .ومازلت أذكر حتى الآن يوم أن تأخر في العودة ذات يوم. وانصرفت كل التلميذات وخلا عليّ فناء المدرسة, وبدأت الشمس تميل إلى المغيب فوجدت نفسي أحس بالضياع القاتل وأخشى أن يكون أبي قد "مات" هو الآخر ولم يبق لي في الدنيا أحد بعده, فانفجرت في نوبة بكاء هستيرية ورحت "أولول" وانتحب وفراشو المدرسة يحاولون عبثاً طمأنتي وخرجت الناظرة في طريقها إلى بيتها حتى يعود أبي ويعرف من الفراشين بمكاني .. لكني أبيت أن أتحرك من المدرسة ..ولم أتوقف عن البكاء والعويل إلى أن رأيت أبي قادماً يلهث ويعتذر بأنه اضطر للسفر إلي مأمورية عمل طالت أكثر مما توقع , ولكن هيهات أن أغفر له ما فعل, فقد خاصمته, وفي بيتنا عاتبته بقسوة على تركي فريسة للخوف وصارحته بأنني ظننت أنه قد "مات" وتركني وحيدة في الحياة فدمعت عيناه واحتضنني معتذراً, و"أقسم" لي أنه "لن يموت" قبل أن أكبر وأتزوج ويطمئن إلى أنه تركني في رعاية زوج أمين يحبني ويرعاني مثله!
ولفترة طويلة بعدها ظللت أذكره "بوعده" هذا فيعيد تأكيده لي ويطيب خاطري.ثم كبرت وانتقلت إلى المرحلة الإعدادية وأصبحت لي صديقات أروي لهن عن حياتي, وسألتني إحداهن مرة:لماذا لم يتزوج أبي بعد وفاة أمي .. فأزعجني هذا الخاطر وسألت أبي عن احتمال أن يتزوج ويبتعد عني, فأكد لي أنه ينتظر حتى يضعني على أول طريق المرحلة الجامعية ثم يختار لي من بين الشباب من يطمئن عليّ معه. وبعدها قد يفكر في الزواج: وازددت حباً واحتراماً لأبي, فلقد كنت قد كبرت وفهمت حقائق الحياة وعرفت أنه قد تزوج أمي وهو في السادسة والعشرين من عمره فلم تطل حياتها معه أكثر من ثماني سنوات رحلت بعدها عن الدنيا بمرض خاطف , ووجد نفسه أرملاً في الرابعة والثلاثين من عمره , وبعد عامين من رحيل أمي شقت عليه وحدته فأراد أن يتزوج مرة أخرى, وفوجئ بأن كل من أراد الزواج منه إما أن ترفضه لأن معه طفلة أو تطلب منه التخلي عنها لجدتها لأمها, ولأنه قد تربى يتيماً ينتقل بين بيتي جده لأمه وجده لأبيه فلقد أراد أن يجنبني هذه الحيرة, وقرر أن يؤجل زواجه إلى أن أكبر ويقل اعتمادي عليه, وازددت إكباراً لأبي حين عرفت ذلك, وحاولت جهدي أن أعوضه عما يفتقده في حياته فأجدت كل شئون البيت وأنا في سن صغيرة, وأصبحت أطهو له كل أنواع الطعام وأغسل له ملابسه وأكويها وأنظف غرفته والشقة وأرتب له أشياءه.
وعشت حياتي ألازمه في معظم أوقاته وأخرج معه أيام الأجازات والعطلات وأرافقه في الزيارات العائلية وراقبت أبي والعمر يتقدم به فوجدته كما كان وسيماً وسامة الرجولة ومحترماً من الجميع ومتديناً يؤدي فروض دينه ويحرص على مراقبة أدائي لها, وفي عام الثانوية العامة_وكان قد ترقى في عمله وانتقل منه إلى إحدى الهيئات الحكومية_ تفرغ أبي لرعايتي تفرغاً شبه كامل..وأعفاني من أعمال البيت والمطبخ وأصبح هو الذي يطهو لنا الطعام وينظف البيت ويرعى كل شئوني وتفرغت للمذاكرة وكلي حماس لأن أحقق أمله في وأرد له جميلة, ووفقني الله إلى النجاح بمجموع كبير وإن نسيت كل شئ في الحياة فلن أنسى يوم ظهور نتيجة الثانوية العامة وعودة أبي حاملاً البشرى والدموع في عينيه طوال الطريق من المدرسة إلى البيت حتى ظن بعض جيراننا الطيبين أنني قد رسبت!
والتحقت بإحدى كليات القمة النظرية وبدأ أبي يبحث لي عن عريس ويتحدث إلى أهله وأهل أمي في ذلك بلا حرج, ورشحوا لي أكثر من شاب استشارني أبي في أمرهم ووافق على أفضلهم وكان شاباً يكبرني بعشر سنوات ومن أسرة طيبه ويعمل عملاً حراً يحقق له دخلاً كافياً.
وخطبت له وأنا في السنة الثانية من دراستي الجامعية وتم عقد قراني عليه في العطلة الصيفية.وأردت أن أؤخر زواجي إلى ما بعد تخرجي لكن أبي عارضني في ذلك وشجعني على الزواج وإتمام الدراسة وأنا زوجة وأيده في ذلك بحماس خطيبي .. وتذكرت أن أبي قد بلغ السادسة والأربعين, ومن حقه أن يهتم بحياته الخاصة فوافقت على الزواج وانتقلت إلى بيت زوجي وافترقت عن أبي لأول مرة في حياتي, وبلغ أبي قمة سعادته في هذه الفترة وأحس أنه قد أدى واجبه كاملاً تجاهي .. فبدأ يستعد للزواج , وتزوج بعد شهور من زواجي بزميلة له في العمل أرملة ولديها ولد وبنت, ورأيتها فارتحت لها وأحببتها لما لمسته فيها من احترام لأبي وإن كنت لا أذكر إني أحسست ببعض الغيرة وأنا أرى نفسي أتراجع إلى هامش الدائرة في حياة أبي وغيري تتقدم إلى مركزها, ولاحظت أن أبي سعيد بزوجته وأنها تحسن عشرته وترعاه بحنان فاسترحت لذلك, وتفرغت لحياتي الجديدة وأنجبت طفلة ولم تمض فترة قصيرة حتى اكتشفت بعد قليل أن زوجي _رغم اقترابه من الثلاثين_ إنسان مدلل ولا يعتمد عليه في شئ, وإنما يعتمد على إخوته الكبار وهو أصغرهم, وهم ثلاثة يعمل أحدهم في الخارج ويعمل الآخران في وظيفتين محترمتين بمصر, وقد تركوا له ميراث أبيهم بعد تخرجه ليعول به نفسه وأمه وأخته, فأساء إرادته بكسله واستهتاره وتراخيه فتدهورت أحواله المادية بعد عامين فقط من زواجي منه, وأصبح يخرج من أزمة ليقع في أزمة جديدة , واضطر إخوته لإعالة أمهم وأختهم الطالبة بالمرحلة الثانوية ومساعدته هو نفسه على حياته, وأصبت بصدمة العمر حين اكتشفت ذلك, وافتقدت الإحساس بالأمان الذي كنت أتطلع إليه طوال عمري وعاودتني مخاوفي القديمة من المستقبل حين كنت أطالب أبي بأن "يقسم" لي من حين لآخر أنه "لن يموت" ويتركني وحدي في الحياة , وزاد من مصيبتي أنني أنجبت طفلة أخرى وأنني لم أعمل بعد تخرجي استجابة لطلب زوجي حين كانت أحواله جيدة, فتحولت تدريجيا إلى"رجل" الأسرة الذي يفكر في مستقبلها ومستقبل الطفلتين ويحمل همومها .أما زوجي فلا شئ يشغل تفكيره _وقاه الله شر التفكير والمسئولية_ سوى قضاء يومه والتأنق في ملابسه والنوم 12 ساعة أو أكثر يومياً..والطعام الجيد والخروج للنزهة وتأجيل أي عمل حتى لا يفوت موعده ويترك المشاكل تتفاقم إلى أن أفاجأ بإنذار قضائي بالحجز أو بإنذار بتقديم شيك بدون رصيد للنيابة فأفزع فزعاً شديداً..وأسأله عما سيفعل فلا أجد لديه أية خطة ولا تفكير في الحل .. وإنما أجده أمامي عاجزاً عديم الحيلة محرجاً مني وغير قادر علي تفسير أسباب ما حدث وبدلا من أن يهرع  للبحث عن حل وإنقاذ أسرته وعمله بأية طريقة يعتصم بالبيت رافضاً مغادرته ورافضاً مخاطبة أمه أو إخوته للتعاون معه لإيجاد حل لمشكلته التي صنعها باستهتاره وتاركاً المشكلة تتضاعف والحلقة تضيق حول عنقه مفضلاً أن يختنق بها على أن يتحمل موقف المواجهة مع أمه وإخوته أو حسابهم له علي استهتاره وسوء تصرفه..وأسأله وأنا أكاد أجن عما سيفعل فلا أجد لديه جواباً سوى الصمت .. والخجل..والعجز عن التصرف والتفكير .. وهكذا أجد نفسي من حيث لم أتخيل المسئولية عن إخراج زوجي الذي يكبرني بعشر سنوات من ورطته والتفكير له في حل لها.. وأهرول إلى أبي وإلى أمه..وإلي إخوته, وأخاطب شقيقه الذي يعمل بالخارج فيرفض إخوته الذين تحملوا عبثه طوال حياته في البداية تقديم عون جديد له بعد أن ضاقوا بكسله واستهتاره وأنانيته وعدم تحمله حتى لمسئولية نفسه..ويرثون لحالي ويطالبونني بأن أدعه لنفسه ليفكر مرة واحدة في حياته في تحمل مسئوليته عن نفسه وعمن يعول وإيجاد حل لما يواجهه من مشاكل لكني لا أستطيع أن أتركه لنفسه..وأرى الطفلتين أمامي وأراه أشد عجزاً منهما, فأهرول مرة أخرى إلي أبي ويذهب إلى أخوته مرة أخرى فيستجيبون أخيراً ويتدخلون لإنقاذه في اللحظة الأخيرة وهم يقسمون أنها المرة الأخيرة التي يفعلون فيها ذلك, فما أن تنتهي الأزمة بسلام وأتنفس الصعداء بضعة شهور حتى لا تتكرر نفس القصة بتفاصيل جديدة, وأجد صعوبة أكبر في إقناع إخوته بمساعدته لأن من سوء حظي ,وشقائي في الحياة أنه مع كل ما قدمه له إخوته, يشعرهم بجحوده لهم وعدم اعترافه بالجميل ولا بتقدير مواقفهم له, ولا يجاملهم حتى في مناسباتهم العائلية, وقد اعتاد الأخذ منهم طوال حياته ولم يتعود أن يعطيهم شيئاً وهذه هي مصيبتي في الدنيا فأنا أعيش في خوف دائم من المستقبل وكلما واجهت أزمة من هذا النوع أحسست بحرج أبي الشديد مني وإحساسه بأنه قد أساء الاختيار لي وتعجل زواجي لكي يتزوج ويعيش حياته التي حرم منها سنوات طويلة من أجلي..وفي إحدى أزماتي الشديدة بكيت من القهر أمامه وأفلت لساني بعتابي له على ذلك فبكي متأثراً..وترك لي حرية الاختيار بين تحمل حياتي من أجل الطفلتين الصغيرتين أو الانفصال عن زوجي إذا عجزت عن الاحتمال والعودة للحياة معه ولو أدى الأمر إلي طلاقه زوجته وتكريس ما بقى من حياته من جديد لي وللطفلتين, لكن هل من العدل يا سيدي أن أحكم على أبي بالوحدة حتى نهاية العمر وهو مازال في الخامسة والخمسين؟
إنني رغم كل ما أعانيه لا أكره زوجي أو لم أصل بعد إلى كراهيته لكني أحس بالغيظ منه في أحيان كثيرة وبخيبة الأمل فيه..لأني أملت أن أجد فيه ملاذي وحمايتي فأصبحت أنا ملاذه وحمايته, وفي بعض الأحيان أحس بالإشفاق عليه وبالحب له ..لكنه يبدد كل ذلك بضعف إرادته واستسلامه وعجزه عن الكفاح لحمايتي وحماية أسرته وطفلتيه التي تبلغ أكبرهما الثامنة من عمرها.
وقد فكرت جدياً ذات مرة في الانفصال عنه لكي يتحمل مسئولية حياته ونفسه فأصيب بهلع شديد وراح يستعطفني ألا أفعل , وكذلك فعلت أمه وأخته بإلحاح وطيبتا خاطري وطالبتاني بالصبر والاحتمال وهما تقدران ظروفي وتشيدان بي في كل مناسبة فعدلت عن الفكرة,لكنها عادت تراودني منذ أسابيع بعد أزمة أخرى أشد من أزماته المتوالية كنت قد حذرته من مقدماتها وهي في بدايتها وطالبته بالتحرك قبل أن تتفاقم وتتعقد فتكاسل كالعادة واستسلم للنوم والكسل حتى وقعت الواقعة ووقف أمامها وأمامي عاجزاً ينتظر مني أنا الحل!
يا سيدي لقد تعبت..وكلّ ساعدي مما تحملته طوال حياتي من يتم ووحدة وحرمان وخوف, والشيطان يوسوس لي الآن أن أحصل على الطلاق وأعود للحياة مع أبي مهما كانت النتائج إلى أن يختار الله لي حياة جديدة أو أقضي بقية عمري من أجل الطفلتين كما فعل أبي .. وشيئان فقط يؤرقانني ويجعلانني أتردد في الإقدام على هذا الأمر..الأول هو أن زوجي رغم كل عيوبه حنون ويحسن عشرتي ولا يسئ إلي بكلمة ويحب طفلتيه حباً جماً وهما تتعلقان به تعلقاً شديداً ولا أتصور كيف سيعيشان بعيداً عنه, والثاني هو أن زوجة أبي رغم حبها لي وحبي لها وطيبتها تقاوم فكرة طلاقي وعودتي للبيت بمبررات مستقبل الطفلتين وحقهما في أن ينشآ بين أبيهما وأمهما,لكني أحس وراء معارضتهما الشديدة بعدم رغبتها في عودتي للإقامة مع أبي وبأن عودتي ستكون سبباً للمشاكل بينها وبينه وقد ينتهي الأمر بينهما بالانفصال ,وأبي الطيب حريص على حياته مع زوجته التي عوضته عن حرمانه الطويل, لكنه كما عرفته وأعرفه جيداً مستعداً لأن يضحي بكل شئ من أجلي ولو براحته وسعادته الشخصية,وأنا حائرة وسط هذه الدوامة التي تدور بي دائماُ..فبماذا تنصحني؟

ولــــكـاتبة هـــذه الـرسالة أقـــول:

أنت في موقف عصيب حقاً يا سيدتي لكنه ليس ميئوساً منه بإذن الله, فزوجك شخصية اعتمادية اعتادت الاعتماد على الآخرين وانتظار أن يتدخلوا في الوقت الملائم لإنقاذه مما يمضي إليه مسلوب الإرادة مكبلاً بالعجز والكسل وافتقاد روح الكفاح كأنما يسير إلى ما ينتظره من هاوية سحيقة وهو منوم لا يدري من أمر نفسه شيئاً ومع ذلك فهو مؤمن دائماً بأن هناك من سوف يتدخلون للامساك بتلابيبه قبل أن يهوي إلي القاع السحيق..وينتظرهم أن يفعلوا ذلك دون دعوة منه..وبلا انتظار للشكر من جانبه على ما يفعلون لأن هذا هو "واجبهم" الأبدي تجاهه, وهذا هو "حقه" الخالد عليهم! .. إنها تركيبة نفسيه تتسم بالذاتية واعتياد الأخذ من الآخرين والعجز عن العطاء لهم. وما تقاعسه عن طلب نجدة إخوته وأمه له بتعفف أو خجل من جانبه لكثرة ما قدموا له وما أخذ,وإنما جبنا عن مواجهة حسابهم له عن تخاذله الذي أدي به وبهم إلى كل هذه الكوارث ,وإيهاماً لنفسه بأنه لم يطلب من أحد شيئاً وبالتالي فلا فضل لأحد عليه فيما قدم له.وهذا هو قمة الجحود ونكران الجميل والعجز عن العطاء حتى مجرد العطاء النفسي الذي يتمثل في العرفان والإقرار بالفضل ,ومشكلة زوجك الحقيقية أنه اعتاد منذ صغره أن يسحب من رصيد الحياة ولا يضيف إليه, وهو وأمثاله تنطبق عليهم عبارة الأديب الأيرلندي العظيم برناردشو:إن غضب الله سوف يحل بالذين لم يتركوا العالم أفضل مما وجدوه حين جاءوا إليه, وزوجك واحد ممن اختاروا لأنفسهم ألا يتركوا الدنيا أفضل مما وجدوها حين جاءوا إليها تقاعساً عن الكفاح وبذل العرق وتحمل المسئولية عن أنفسهم وعمن يعولون وركونا للعجز والكسل, مع أن دينه الحنيف يؤكد له أن "المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف..وفي كل خير" ويأمره علي لسان نبيه الكريم:" احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز".
والحرص كما جاء في شروح الأحاديث الشريفة يستلزم القوة والإرادة والكفاح والدرس والنظر فيما يحقق النفع المشروع والإيمان بقيمته والسعي لطلبه, ورغم كل ذلك فلست أرى لك أن تسلمي أنت بالعجز والفشل معه وتعودي للحياة مع أبيك لأسباب هامة أولها أنه حتى إذا سلمنا بفشلنا في تحقيق بعض أهدافنا في الحياة فمن واجبنا تجاه أنفسنا أن نقلل من خسائر هذا الفشل بقدر الإمكان ونضيق دائرته, وإذا كنت قد فشلت في التماس الأمان الذي كنت تتطلعين إليه في زواجك, فمن واجبك ألا تدفع طفلتان ثمن هذا الفشل باهظاً, وحرمانهما من أبيهما الذي يحبهما ويتعلقان به ضريبة قاسية رغم كل شئ لانهيار حلم الأمان في خيالك, بل وعلى العكس فإنه سيضاعف من مشاكلك وسيضيف إلى مخاوفك القديمة مخاوف جديدة بشأن مستقبل الطفلين ومعاناتهما النفسية من الحرمان من أبيهما حتى لو بدأت حياة جديدة من غيره.
وثاني هذه الأسباب هو أن انفصالك عن زوجك وعودتك للحياة مع أبيك لن يمثل حلا نهائياً لمشكلتك..وإنما سوف تترتب عليه مشاكل عديدة من نوع آخر وسوف ينتهي الأمر إلى زيارة معاناتك الشخصية ,وقد يؤدي إلى انفصال أبيك عن زوجته وعودته لحياة الوحدة من جديد, وهذه أيضاً ضريبة قاسية ليس من العدل أن تطالبي أباك بها بعد كل ما ضحي به من أجلك, ولا أن تقبليها منه حتى إذا أراد أن يقدمها متطوعاً أو استشعاراً بمسئوليته عن سوء اختيار شريكك في الحياة وثالثها أنك لا تكرهين زوجك رغم كل أخطائه وإنما تحبيه كما استشعرت ذلك من رسالتك لكنك تنقمين عليه تخاذله وضعفه وعجزه عن توفير الحماية النفسية لك على عكس ما كنت تأملين فيه بزواجك منه.وإن ننقم علي من نحب شيئاً لا يرضينا فيه..لا ينفي الحب وإنما يؤكد فقط تطلعنا لأن يكون أفضل مما هو عليه.
ولهذا كله فلن يكون الحل الملائم لك في الانفصال وإنما في تسليمك بأن هناك مواقف في الحياة تشبه موقف الإنسان في السفينة حين يفاجأ بأن قاعها مثقوب والمياه تتدفق إليها بقوة وتهددها بالغرق خلال وقت قصير وفي مثل هذه الظروف لا يبحث المرء عن شريكة فيها ليحاسبه عن إهماله الذي أدى إلى ثقب السفينة ويطالبه بأن يصلح ما أخطأه وحده وإنما يتحمل أقداره وينهض لبذل كل ما يستطيع لسد الخرق ويحث شريكه على أن يبذل بعض العرق معه لإنقاذ السفينة التي ستغرق بهما معاً ,ويرضى منه بما تسمح له طبيعته العاجزة ويعوض هو نقصه بما حباه به الله سبحانه وتعالى من قوة وحكمة وبصيرة.
وشركاء الحياة يا سيدتي يتكاملون ويسد بعضهم نقص البعض الآخر حماية لأطفالهم الذين لا ذنب لهم في سوء قيادة الربان العاجز..ولا في اختياره من الأصل لقيادة السفينة,فإذا كان الزوج لا يعتمد عليه وفاقداً لإرادة الكفاح وتحمل المسئولية نهضت الزوجة مرغمة أو راضية لاستخدام ملكاتها العقلية والذهنية في تعويض نقصه وجبر كسوره وسد ثغراته حرصاً علي أسرتها وأطفالها واستقرارهم قبل أي شئ آخر.
وما أكثر الأسر التي ينطبق عليها الوصف الشائع في المجتمعات الغربية الذي يصفها بأنها "أسرة الأب الواحد" بدلاً من أبوين وهذا الأب الواحد قد يكون الأم إذا كان الأب غائباً أو مستهتراً أو عاجزاً عن تحمل مسئولياته, وقد يكون الأب الطبيعي إذا كانت الأم غائبة أو غير مؤهلة لتحمل مسئولياتها بكفاءة مع زوجها.
وللأسف فإن أسرتك الصغيرة ستبقي لفترة على الأقل من هذا النوع من أس ر"الأب الواحد" وستكونين أنت هذا الأب المهموم بمستقبل أبنائه وأسرته وبتأمين حياتها وحمايتها من المجهول .. فاحملي أقدارك يا سيدتي على كتفك وامضي في طريقك صابرة ومحتسبة ,فلقد فات أوان تصحيح خطأ الاختيار بعد مجئ الطفلتين ولم يبق أمامك إلا تحديد الخسائر وتقليل الأضرار,وليس الأمل مستحيلاً رغم ذلك في أن يتغير  زوجك على المدى البعيد ويتخلص من عجزه وكسله وعيوبه النفسية ويشاركك أو يحمل عنك مسئولية أسرته رغم تسليمي بمشقة تغيير الطباع المستقرة وعنائه وما تحتاج إليه من صبر ووقت طويل.
والحق أن زوجك لم يخلق لتحمل مسئولية عمل خاص يتخذ فيه القرارات وينفذها بإرادته ويعرق ليجني ثمار كفاحه فيه,ولهذا فإن الأنسب له أن يعمل موظفاً بأي أجر وفي أي مكان وأن تعملي  أنت أيضاً أي عمل لتضمني لنفسك وأسرتك حداً أدني من الأمان المادي, فاستعيني بإخوته وبأبيك على إيجاد هذا العمل له ولك أنت أيضاً بعد أن تغيرت الظروف التي دعت زوجك لرفض عملك في بداية الزواج وكافحي معه لإكسابه القدرة علي العطاء النفسي للآخرين ولإقناعه بأن الدنيا أخذ وعطاء وليست أخذاً فقط ولتعويده على ألا يتقوقع داخله منتظراً من الحياة أجمل ما فيها وبلا أي جهد يرشحه لذلك. وألا ينتظر من إخوته أن يبادروا دائماً بحل مشاكله دون أن يطلب منهم ذلك ولا أن يشكو همهم عليه وبغير أن يعترف لهم بفضل أو جميل مع أنهم لو سحبوا دعائمهم التي تقيم حائطه المائل لانهار من أساسه إلى الأبد..فهذا هو الحد الأدنى البسيط الذي يملك أن يقدمه لهم ولك ولغيرهم..وهو العرفان.
بل إنه يقدمه لنفسه هو قبل أن يقدمه للآخرين لأنه يحفزهم بعرفانه لهم علي العطاء له وإعانته علي أمره كلما واجه مشكلة جديدة ومصيبة الجاحد هي أنه يغلق علي نفسه هو أبواب الرحمة في السماء والأرض بجحوده دون أن يدري ,فالنفس البشرية مهما كانت فضائلها لا تتحمس كثيراً لخدمة تعلم عن يقين أنه لن يقدر لها عطاءها أو يعترف لها به وكتمان الشكر كفر يا سيدتي كما جاء في مضمون الحديث الشريف.وجاء فيه أيضاً "لا تحقرن من المعروف شيئاً ,أي لا تستهن ولا تكتم الشكر علي كل جميل يقدم إليك مهما كان ضئيلاً,ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله" كما جاء في الأثر أيضاً,فواصلي الكفاح معه لإيقاد شعلة الإرادة..المنطفئة داخله..ولتخلصيه من عيوبه النفسية التي تزيد من معاناته ومعاناتكم معه أعانك الله عليها يبقي بعد ذلك شئ أخير أريد أن أهمس لك به هو أني أريدك أن تعفي أباك من هذا الإحساس المؤلم بأنه قد أساء الاختيار لك, فهو في الحقيقة أب مضح تفانى في حبك ورعايتك وعلى استعداد لأن يقدم لك المزيد من التضحيات ولو على حساب سعادته الشخصية وحرمانه,والحق أنه لا مبرر لإشعاره بهذا الحرج الإنساني الأليم, فلقد كانت الصورة أمامه حين وافق على ارتباطك بزوجك تبدو مشرقة ومبشرة فهو شاب من أسرة طيبة يملك أو يدير عملاً كان واعداً بالخير لو حافظ عليه ونماه ولم يتخاذل ويتقاعس عن المحافظة عليه وهو كما تشهدين له يحسن معاشرتك ولا يسئ إليك بكلمة ويحبك ويحب طفلتيه كثيراً,فإذا كانت عيوبه الأخرى قد خفيت على أبيك فلا لوم عليه في ذلك لأنها في الحقيقة من العيوب التي لا تكشفها إلا طول المعاشرة واختبارات الحياة المختلفة ونحن مهما أجهدنا أنفسنا ودققنا وتحرينا كل أسباب ومقومات حسن الاختيار فإن التوفيق في الزواج في النهاية من أمر الله وحده سبحانه وتعالي, ولسنا نملك في هذا الشأن إلا أن نتفادى العيوب الواضحة كالتفاوت الصارخ في السن والمستوي الاجتماعي والثقافي والتناقض الحاد بين الشخصيات وبذور المشاكل الحادة التي تنذر بالمعاناة في المستقبل عند اختيار شركاء الحياة..وبعد كل ذلك..فقد ينجح ويستمر زواج توافرت له بعض أسباب النجاح وليس كلها وقد يفشل وينهار زواج آخر توافرت له كل أسبابه كما تحريناها ودققنا فيها,لهذا فلا لوم على أبيك ولا عليك في شئ وإنما هي أقدار يتحملها الإنسان ويأمل دائماً في رحمة ربه ورعايته.وقديماً تزوج الشاعر الألماني الكبير جوته فهنأه أحد أصدقائه على الزواج فنظر إليه جوته عاتباً وقال له:هل يصح أن يهنئ المرء إنساناً على أنه قد اشترى ورقه يانصيب قد تربح وقد تخسر!
وهكذا الحال غالباً في أمور الزواج..فواصلي كفاحك مع زوجك إلي النهاية..والله معك.

 نشرت سنة 1993

   

˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙



كتبها من مصدرها بأرشيف جريدة الأهرام
Bosaa Aly

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali

إقرأ المزيد Résuméabuiyad

 

سجل إميلك وتوصل بمواضيعنا :