الحب فوق البلاط


إلى متى تظلين تهربين من العمل بنفس الحجج السخيفة ثم تعودين خائبة من كل عمل تلحقين به بعد أيام؟

لست أتهرب من العمل .. ولكن من "أشياء أخرى" تعرفينها جيداً .. وليس ذنبي أنني لا أصادف من أصحاب الأعمال إلا من يطلبون "هذه الأشياء"

وماذا تفعل كل البنات اللاتي يعملن فى كل مكان .. هل كلهن غير شريفات؟

لا شأن لي بغيري فلا تزيدي من كربي أرجوك يا أمي.


قالت الجملة الأخيرة ثم غادرتها فى مجلسها التقليدي فوق الكنبة البلدية التى تتصدر صالة الشقة الكالحة, ودخلت إلى غرفة مجاورة لباب المطرح وصوت أمها يتمتم فى ضيق:


عجائب!


وضعت حقيبة يدها "الأثرية" فوق مائدة خشبية صغيرة وخلعت فستان الخروج القديم ووضعته فى الدولاب.وارتدت ثوبا منزليا أكثر قدما, وجلست فى فراشها قانطة لا تدرى ماذا تصنع بنفسها.


ومن الصالة جاءها صوت أمها فى محاولة مألوفة "للصلح" بعد كل نزاع مماثل:


وفاء .. ألن تأتى لتشربي الشاي معي؟


فترددت فى أن تُجيب نداءها بعض الوقت, ثم آثرت السلامة وقالت من فراشها:


سآتي بعد قليل يا أمي !


دارت بعينيها فى غرفتها التى ينطق كل شئ بالحرمان .. وتشاركها فيها أخت تدرس بالمرحلة الإعدادية تقاسمها الفراش الوحيد .. وأخت ثالثة بالمرحلة الابتدائية تنام عند قدمي الأختين بعرض الفراش .. وتساءلت فى اكتئاب .. إلى متى يستمر هذا العناء يا ربى؟


كلما ظنت أن الحياة قد رقت لها أخيراً واستقرت فى عمل جديد تأمل أن تخفف بجزء من مرتبها عنه من جفاف حياة أسرتها, وتسهم بالجزء الأكبر فى نفقات جهازها الذى لم تشتر منه خيطا واحداً .. بدأ صاحب العمل يتودد إليها .. فتتجاهل غرضه إلى أن يصل معها إلى النقطة الحرجة .. فتترك العمل باكية على دخلها منه, و تواجه نفس المحنه مع أمها من جديد...


عكست مرآة الدولاب العتيق وجهها الجميل وجسمها الملفوف .. فتأملتها ساهمة وتولتها فجأة نوبة سخط عارمة فكادت أفكارها تتحول إلى كلمات مسموعة .. نعم جميلة ومغرية وحتى شقيقتاي لم تحظيا بنصف جمالي, وأعرف ذلك منذ طفولتي ومنذ كانت أمي تنظر إلىُ بإعجاب وتقول بحسرة:

جميلة ورب الكعبة كأنك من بنات العز .. فليكن حظك فى الحياة بمثل هذا الجمال!

لكن الجمال لم يفتح لى الأبواب كما تمنت لى أمى, وإنما أغلقها فى وجهي أكثر من مرة, فلقد صادف هذا الجمال السخي روحا جادة تنفر من العبث .. وقلبا لا يعرف إلا الإخلاص لمن يحب أما فتى القلب البائس فقد ارتبطت به منذ سنوات وفضلته على الجميع وصمدت لكل المغريات .. وحين أنهت دراستها تقدم لها خاطبا, فرفضته أمها بإصرار قائلة لها إن "جمالها" يستحق من هو أفضل منه, لأن أباها موظف صغير لا يملك شيئا, ولن يستطيع أن يسهم فى جهازها بمليم. والفتى فقير مثلها ولن يقدر على توفير متطلبات الزواج فتمسكت بفتاها حتى النهاية .. وأيدها أبوها ضد رغبة أمها فسلمت بما أرادت, وهى تخلى"مسئوليتها" عن هذه البنت"الفقرية" التى لا تعرف قدر نفسها, وتمت خطبتها لعصام وقدم لها شبكة ذهبية متواضعة, ونجح بمساعدة أبيه الموظف بالمعاش فى أن يقدم لها بعد عام من الخطبة "مهرا" لا بأس به لمن هو فى مثل ظروفه, لكن قسوة الحياة استهلكت مهر الابنة خلال فترة الانتظار, وبجرأة غريبة راحت الأم تنفق من مهر البنت على مطالب أخواتها الضرورية .. وتطلب من الفتى بصراحة عجيبة أن يعتمد هو وخطيبته على نفسيهما فى إعداد الجهاز, لأن الأسرة لا تستطيع أن تقدم منه شيئاً.


وتقبل الفتى الأمر الواقع بلا سخط وكبح كل محاولة من أبيه وأمه للاعتراض, وبدأت وفاء تخرج للبحث عن عمل وتتقدم لمسابقات الوظائف, فكان جمالها يفتح لها أبواب الاختيار بسهولة فى البداية ثم لا يضمن لها الاستمرار طويلا.


فبعد أسابيع وربما بعد شهور تتغير معاملة صاحب العمل لها وتبدأ الدعوات للخروج .. والاستمتاع .. فى البداية كانت تجفل من كل لمحة معاملة خاصة يبديها نحوها صاحب العمل فتسرع بمغادرة المكان, وتحاسبها أمها على ترك العمل بغير أسباب جدية, ويتجدد الخلاف بينهما إلى أن يحسمه الأب لصالح أبنته الجميلة, ثم علمتها الأيام أن تطيل حبال الصبر على أصحاب المكاتب التى تلتحق بها وتتجاهل لفتاتهم وإشاراتهم لتطيل فترة عملها لديهم إلى أقصى حد ممكن حتى إذا حانت لحظة الاختيار .. اختارت نفسها وحبها ورجعت باكية إلى البيت لتجد نظرات أمها الانتقادية فى الانتظار.


ويوما سألتها الأم فى تعجب:


ولماذا تتصورين أن كل الرجال يطاردونك .. هل أنت السفيرة عزيزة ؟


فأجابت عنها أفكارها بغير كلام .. ليس الجمال وحده هو الذى يغوى بى أصحاب العمل يا أمى .. لكنها رائحة الفقر التى تصاحب هذا الجمال وتهيئ لهم أن "مثلى" لا تصمد طويلاً لإغراءات الحياة, وهذا هو ما يؤلمني أكثر من أي شئ آخر!


إنك لا تعرفين مرارة الإحساس بأن ما يغرى الآخرين بك ليس جمالك وحده, وإنما أيضا ضعفك وحاجتك وفقرك .. فهل تفهمين ؟


ويوم قال لى صاحب معرض السيارات الذى عملت معه ثلاثة شهور :قولى نعم وسوف تستبدلين هذا الفستان القديم البالي بدولاب كامل من الفساتين .. وسوف .. وسوف.


فكانت إجابتي عليه أن طلبت أجرى عن الأيام التى عملت فيها معه من الشهر, و انصرفت من مكتبه مودعة بسخريته اللاذعة, وبكيت حتى احمرت عيناي وأنا أدافع عن نفسي أمامك بأني لا أتوهم أشياء غير حقيقية ولست معقدة من الرجال كما تتصورين, ولولا إدراكي لقسوة الظروف لاتهمتك بأنك تدفعيني دفعا إلى طريق التساهل بحسابك العسير لى فى كل مرة حين أترك العمل.


أما صاحب مكتب الاستيراد الذى عملت معه أربعة شهور, فلقد كدت أفقدك يا أمى نهائياً بسببه لولا حنان أبى وطيبته. فلقد طال عملي معه لأنه يعاملني باحترام وأبوه فى البداية .. لكنه بعد شهرين بدأ يسألني عن أسرتي وحياتا الخاصة وخطيبي .. وينصحني بالتخلص منه, وبأن يبحث كل منا عن حظه مع طرف آخر ظروفه أفضل, لأننا إذا استمرينا فى مشروع زواجنا مع ظروف كل منا فلن نتزوج قبل "قرن" من الزمان, وقدرت نصيحته وشكرته عليها, لكنى تمسكت بحبي حتى النهاية, فإذا بى أفاجأ به جالسا بين يديك فى صالة شقتنا المتواضعة, وأنت لا تسعك الفرحة به وبهدية "التعارف" التى قدمها لك وجبل "الجاتوه" الذى جاء به, ثم تزفين لى "البشرى" بأنه قد جاء يخطبني منك, وسوف ينتشل أسرتنا كلها من الحاجة .. ويوفر لى كل ما تحلم به فتاة جميلة مثلى .. وسأبقى وسط أهلي كما كنت, ولن يتغير فى حياتي شئ سوى أنه سوف "ينقلنا" جميعا إلى شقة حديثة تكون لى فيها غرفة خاصة مستقلة هى عش زواجي به .. لأنه زوج وأب لأبناء فى المدارس والجامعات ولا يريد لهم أن يعرفوا أنه قد تزوج بشابة جميلة, وبقدر دهشتي للعرض


كانت دهشتي لفرحتك به ومحاولتك إقناعي بقبوله حتى ذكرتك بأن قراني معقود على شاب آخر منذ عامين وأنني أحبه ولن أتزوج غيره .. ولو تزوجت سواه فلن أكون زوجة ثانية وسرية لرجل متزوج وأب لأبناء .. وغضبت منك يا أمي كما لم أغضب من قبل, وهجرت بيتي إلى بيت عمى القريب واعتصمت به وتوقفت عن الذهاب إلى العمل, إلى أن جاءني أبى وتعهد بألا تفاتحيني فى هذا الأمر مرة أخرى .. فلماذا تقسين علىٌ يا أمي من جديد وتحاسبيني على تركي للعمل الأخير لنفس الظروف ؟


لاحقها صوت أمها مرة أخرى فأيقظها من أفكارها الكئيبة .. خرجت إلى الصالة المتداعية, وجلست إلى جوار أمها وتناولت كوب الشاي فى صمت, فرمقتها أمها بظل ابتسامة, ثم قالت لها لتنهى الموقف بعد أن علمتها الظروف أن "تخشى" غضبها ومقاطعتها الصامتة الطويلة لها:


اشربي الشاي يا بنت الأكابر ولا تحزني .. فسوف يفرجها ربك من باب آخر!


راحت تحتسى الشاي فى صمت فرن جرس الباب بعد قليل, ونهضت لتفتحه وابتسمت للمرة الأولى منذ رجعت للبيت. دخل شاب أسمر اللون طويل القامة تشي ملامحه بالطيبة والوسامة .. وعادت به إلى مجلس أمها وهو يقول لها:
كيف حالك يا "حماتى" ؟


فأجابته بابتسامة معبرة وهى تشير برأسها إلى ابنتها:


أنا بخير....لكن هناك "أناسا" آخرين يحملون هموم الدنيا فوق رؤوسهم !


فالتفت الشاب إلى فتاته وسألها ببراءة:


ماذا جرى ؟


فنهضت وهى تقول:


لا شئ


ثم دخلت غرفتها لترتدي ملابسها.


عاد بنظره إلى الأم فقالت له باقتضاب:نفس القصة القديمة .. تركت العمل ولن ترجع إليه.


فأحنى رأسه صامته فسمعها تسأله: وأنت .. ألم يأذن الله بالفرج بعد ؟


فأجابها محرجاً من إثارة "الموضوع":


ليس بعد يا حماتى.


والتزم الصمت حتى عادت فتاته مرتدية فستان الخروج واستأذنت من أمها وخرجت معه.


فى الطريق سألته بإشفاق :لماذا تبدو واجماً .. هل سألتك أمي عن نفس الموضوع مرة أخرى؟


فأجابها بإشفاق نعم .. لكنها لم تزد على السؤال فلا تضيفي إلى أسباب كدرك سبباً جديداً .


أدركت على الفور أن أمها روت له عن تركها للعمل فتأبطت ذراعه .. وجذبتها إليها حتى استشعرت مس كوعه لصدرها, كأنها تحتمي به من الضعف والذئاب وقسوة الظروف, فاستشعرت الراحة للمرة الأولى منذ عادت للبيت.


كانت نزهتهما لا تتجاوز فى أحيان كثيرة المشي فى الشوارع المحيطة بالبيت أو زيارة أبوية فى بيتهما القريب. وفى المناسبات البعيدة كانا يذهبان إلى السينما أو إلى كازينو مطل على النيل, وشعر عصام بأن "الموقف" يحتاج اليوم إلى شئ من الترويح, فعرض عليها دعوتها للذهاب للسينما, لكنها لم تتحمس للاقتراح ومالت به إلى مقهى بلدي لم يكن مألوفا جلوس الفتيات به, وطلبت منه أن يستريحا فيه لتتحدث إليه فى أمر جاد رافضة بالذهاب إلى كازينو النيل, انتحيا طرفا من الرصيف, وجلسا وسط دهشة بعض الرواد ثم غرقت فى صمتها فترة ورفعت رأسها إليه وقالت له فجأة:عصام لنتزوج بأسرع وقت .. غدا .. أو اليوم إذا استطعنا.


فأجابها مندهشاً:


تمزحين .. أليس كذلك ؟


لكن تساؤله تراجع أمام جديتها الصارمة وهى تقول له:


أنا جادة كل الجد .. فأنت وأنا لا أمل لنا فى المساعدة من أسرتي أو أسرتك .. ولقد وعدك أبواك بأن يخليا لك شقتهما ويعودا للحياة فى بلدتهما بالأقاليم فى أى وقت نتزوج فيه .. ونحن لن ننجح فى شراء إبرة من الجهاز المطلوب قبل سنوات طويلة .. إذن فلنتزوج الآن .. وليرحل أبواك مشكورين إلى بلدتهما .. ولنبدأ معاً من الصفر ونبنى عشنا ونشترى مستلزمات الزواج قطعة قطعة .. وبالتقسيط .. والآن بلا تردد فهذه فرصتنا الوحيدة بعد 6 سنوات من الحب والخطبة والارتباط.


ابتهج باطنه بالاقتراح السعيد الذى يترجم حبها وتمسكها له رغم سوء الأحوال, لكنه أشفق عليها من صعوبة الحياة بلا أيه إمكانات, وذكرها بأن أبويه حين يرحلان عن الشقة الصغيرة المكونة من غرفتين بالدور الأرضي, فسوف يأخذان معهما أثاثهما العتيق وحتى أدوات المطبخ أيضا ليؤثثا بها غرفتي السطح فى بيت أسرة أبيه القديم, وبذلك ستكون شقة الزوجية التى سيبدآن فيها حياتهما "على البلاط" حين يتزوجان, فكيف تستطيع احتمال الحياة هكذا, وحتى الأغطية لن يجداها فى ليل الشتاء لأنهما لا يستطيعان شراء شئ الآن بمرتبه الذى لا يتجاوز مائة وسبعين جنيها ً .. حدثها بكل ذلك ثم استطرد:


فهل تدركين معنى الزواج فوق البلاط !


نعم أدركه... ولا تنس أننى لست بنت عز وإنما خبرت جفاف الحياة والحرمان مثلك طوال حياتي .. سوف ننام على البلاط حتى نشترى فراشاً وأدوات للمطبخ وأدوات منزلية, وسوف أعمل وأساعدك وسنشترى كل شئ بالتقسيط خلال خمس سنوات بإذن الله.


نظر إليها بعمق يرقب وجهها الجميل الذى تألق جماله بفورة الحماس التى انتابتها, وقال لها بعطف وحب يجلان عن الكلام:


هل ترضين لهذا "الجمال" الذى أستكثره فى أحيان كثيرة على نفسى بأن ينام فوق البلاط ويعيش على السندوتشات, وقد كان قى مقدوره أن يتمرغ فوق الحرير؟


شاع الرضا فى وجهها وطربت للثناء لكنها قالت له وعيناها تلمعان بالرغبة فى مداعبته:


اطلب لى فنجاناً من القهوة ولا تذكرني بما أسمعه من أمى .. ومن "الذئاب" .. وإلا غيرت رأيى فى الزواج منك !


دعا الجرسون وطلب منه فنجانين من القهوة .. والتفت إليها فرآها تنظر فى عطف رق له قلبه, فتولاه فجأة الإحساس المؤلم بالعجز عن إسعادها وقال لها فيما يشبه الأنين والولولة:


لماذا ربطت نفسك بشاب فقير مثلى .. ولماذا لا تقبلي عرض "الرجل" الغنى صاحب مكتب الاستيراد .. ولماذا كنت مثلى ضحية لمثل هذا الفقر الأزلى؟ .. إننا فقيران للغاية يا وفاء, وهذا أمر محزن فى حد ذاته, لكنه يؤلمني الآن بأكثر من أى وقت مضى لأنك ستبدئين حياتك الجديدة ونحن لا نملك شيئاً .. أي شئ...


استمعت إلى أنينه بقلب لم ينبض بالحب إلا له, وقالت بهدوء أرادت أن تعيد به الثقة إلى نفسه:


نحن نملك كل شئ .. نملك الحب .. والإخلاص والصفاء والشباب والصحة .. والشهادات .. وسنكافح معا لبناء حياتنا قطعة قطعة فلماذا "تولول" هكذا كالضعفاء ؟.


هم بأن يجادلها فى الأمر مرة أخرى .. لكنها رفعت إصبعها فى وجهه محذرة قالت له : لا تفسد علىُ إستمتاعي بقهوتي .. وأبلغ أبويك أن يستعدا للرحيل بسلام خلال يومين لأننا سنتزوج يوم الخميس القادم بإذن الله.


فلم يملك إلا أن يتنازل عن أية معارضة .. وراح يرقبها وهى تحسو القهوة بتلذذ واطمئنان عجيبين فجاش صدره من جديد بحب طاغ لها .. وتمنى لو كان ربه قد وهبه مال قارون لينثره كله فوق رأسها فى هذه اللحظة نفسها .. وهى جالسة فوق هذا المقعد الخشبي القديم .. فى هذا المقهى البلدي المتواضع !


˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙
كتبها من مصدرها بكتاب الحب فوق البلاط
Bosaa Aly

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali






إقرأ المزيد Résuméabuiyad

عقول الأمة .. رسالة من بريد الجمعة


ليس عندي قصة مؤثرة أحكيها لك .. ولا تجربة إنسانية فريدة تثير التأمل ... لكن عندي "حالة" لا تخصني وحدي وإنما تخص كثيرين غيري .

فأنا أستاذ جامعي في كلية نظرية عمري 45 سنة ومتزوج وعندي ثلاثة أبناء, وقد أمضيت 25 عاما حتى الآن مشتغلا بالتعليم, وأعيش براتبي فقط وهو 450 جنيها . وأقيم في شقة ضيقة من غرفتين بحي شعبي أدفع مائة جنيه كل شهر إيجارا لها, وليست لدي أية مدخرات .. ولا أملك سيارة وألتزم بالشرف والأمانة في تربية أبنائي الطلاب بالكلية وتعليمهم لكني أصبحت عاجزا عن دفع مصروفات أبنائي الثلاثة في المدارس, لأن " الجمعيات " التي ندفع أقساطها والتي لجأنا إليها لدفع مصروفات العام الماضي ما زالت تثقل كاهلنا فلا نستطيع أن نشترك في "جمعيات" جديدة , وأنا بالطبع لا أطلب مساعدة وأبحث حاليا عن عمل يساعدني على تحمل نفقات المعيشة , لكني أتأمل حالنا نحن عقول الأمة الذين نفكر في مشاكلها وأرى أن المشاكل اليومية الصغيرة تستغرقنا فأحزن ...إذ متى نجد وقتا للتفكير في مشاكل بلادنا وللانجاز من أجلها أليست هذه مؤامرة لتخريب عقول الأمة بشغلها على العلم والإبداع والانجاز بالبحث عن رغيف العيش وزجاجة الزيت .

إنني أرفض السفر والإعارة لأن ما خرب التعليم عندنا هو عدم وجود خطة تفصيلية في أقسام الكلية المختلفة بسبب سفر من يقومون بتنفيذ هذه الخطط .. وكم من أقسام بأكملها تم تخريبها بسبب الهجرة وسفر الأساتذة , كما أن لدي ظروفا صحية صعبة تمنعني من التفكير في السفر .. وأنا أصرخ فيك أن تسمع صراخنا .. إذ لا يمكن أن تتخيل المهانة والخوف اللذين أحس بهما وأنا أحمل أوراق امتحان  الطلاب معي في الأتوبيس أو التاكسي إلى مسكني الضيق لأصححها فيه , وأنا أعاني من الخوف كل لحظة من أن يتهور طالب فيخطف مني هذه الأوراق في الطريق ويضيع مستقبلي العلمي .. وكم أتمنى أن تجبر الجامعة أساتذتها على تصحيح هذه الأوراق في الكليات حيث تتوفر لها أيام الامتحانات الحراسة ...فنشعر على الأقل بالحد الأدنى من الأمان ونحن نصححها أما في الأيام العادية فليس لي كرسي في الكلية أجلس عليه ولا مكتب وليست هناك مكتبات تساعدنا وقد نشتري الكتاب الأجنبي الواحد بـ150 جنيها واسأل مكتبات الأهرام عن أسعار هذه الكتب الأجنبية ..

إنني أقرأ لجيل الرواد طه حسين والعقاد وزكي نجيب محمود فأترحم على جيلنا الضائع في تفاصيل حياته الصعبة .. إذ لا تدري كيف يمر الشهر الطويل علينا , ومعي للدهشة معيدون بالقسم لم يمض على عملهم سوى سنوات معدودة ومع ذلك فقد اشتروا السيارات والشقق من الدروس الخصوصية ويبدو أن القاعدة الآن هي أن تتساءل عن أسباب فقر هذا .. لكن لا تسل كيف أثرى ذلك ... لكني خرجت على هذه القاعدة فسألت أحد المعيدين عن كيفية تحقيقه "لمعجزته " الاقتصادية في سنوات معدودة , فأجابني بمنطقه بأن مفهوم الشرف قد تغير الآن يا أستاذ !

إنني لست ضد أحد .. لكني في لحظات الضيق والحصار لا أفهم شيئا ويكاد يخيل إلي أن "الرسالة " التي يريد أن يوصلها إلينا المعنيون بأمرنا هي أن على كل واحد منا أن "يدبر أمره" بالطريقة التي تناسبه .. فهل هذا هو المطلوب فعلا .. وهل تستقيم الأوضاع هكذا .  إننا لا بد أن نتوقف مع النفس لنعرف .. هل ما يبقى منا بعدها ينفع الناس ؟ وأي نفع .

إن لي أملا فيك أن تكتب عن هذه الفئة المظلومة من أساتذة الكليات النظرية الذين لم يسافروا للخارج ويؤمنوا بدورهم في بناء بلادهم فهل تفعل ؟

ولكاتب هذه الرسالة أقول :

إنها ليست مشكلة عقول الأمة وحدهم يا سيدي .. لكنها مشكلة جسمها كله في الأغلب الأعم إلا من نجا من المعاناة بسبب أو بآخر وهي أشد قسوة لدى بعض فئاته الأخرى وإنما تتحول إلى "محنة" تثير التأمل حين تضغط على "العقول" فتصرفها عن التفكير في العام إلى التفكير في الخاص وعن الاهتمام بأمر مجتمعهم إلى الاهتمام بأمر أنفسهم ومن الطموح إلى الإبداع والانجاز وتحقيق الانتصارات العلمية ... إلى الكفاح لتحقيق الانتصارات الصغيرة في معركة البقاء والاستمرار وتلبية مطالب الحياة الضرورية .

ولا أحد يستطيع أن يصور خطورة ذلك بأبلغ مما فعل الإمام الشافعي حين قال : لا تشاور من ليس في بيته دقيق ...فإنه موله العقل ! وهذا صحيح تماما لأن المهموم بأمر معاشه لا يستطيع مهما صدقت نيته أن ينزع نفسه من مشاكله الأساسية ويخلص بها للتفكير في أمر الآخرين .

ولقد تنبهت دول العالم الثرية لهذه الحقيقة منذ زمن طويل فكفت علماءها ومفكريها ومعلميها ومسئوليها التنفيذيين وغيرهم مئونة التفكير في أمر معاشهم ليخلصوا بأنفسهم وعقولهم للإبداع والانجاز الذي يؤتي ثماره الطيبة لفئات الشعب كله , فازدادوا ثراء وتقدما وازددنا فقرا وتخلفا ... وما زال هذا هو الحال في معظم دول العالم الثالث ...التي تعاني من نفس ظروفنا .

يا سيدي رسالتك خطيرة وليس عندي ما أضيفه إليها سوى أن أضعها تحت أنظار من يهمهم الأمر بما تعكسه من حقائق وأحاسيس "ونذر" لا عن العقول وحدهم وإنما عن كل الأعضاء .. وأرجو ألا تبدد صرختك هذه في ذرات الأثير ..وشكرا



˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙
كتبها من مصدرها بكتاب العصافير الخرساء
Somaya Elkilany

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali




إقرأ المزيد Résuméabuiyad

العبـــارة الصامتــة .. رسالة من بريد الجمعة


أكتب لك عقب قراءتي لرسالة البيت الخشبي.. فقد دفعتني قصة كفاح كاتبها وصراعه مع الحياة بلا سند حتى أصبح من الأثرياء, لأن أروي لك أنا أيضا قصة حياتي وكفاحي وهي مشابهة لقصة البيت الخشبي لكنها تختلف عنها في نهايتها .. ذلك أنني لم أمرض مرضا شديدا كما حدث لصاحب البيت الخشبي وإنما دفعت ثمن النجاح في اتجاه آخر من حياتي وسعادتي..
فلقد نشأت في بيت تبدو عليه آثار العز القديم, لكن واقع الحال يدرج أهله في عداد البسطاء .. فأنا أقيم مع أبي وأمي وأختين سواي في بيت صغير ملك لأبي وأخوته, أي أعمامي, وبابه من الخشب الثمين المحفور وفوقه تمثال صغير من الرخام لنسر أو صقر, وحين تفتحت للحياة أدركت أن أبي كان رجلا طيبا ومتدينا يعمل بالأجر في مصنع صغير لإنتاج إحدى السلع الشعبية, يملكه أخوه أي عمي الأصغر من أبي.

وحين تساءلت بعقلية الطفل, لماذا يملك عمي مصنعا ولا يملك أبي مثله؟ قيل لي إن عمي هذا ليس أخا شقيقا لأبي وأن أمه الزوجة الثانية لجدي قد ورثت عن أبيها بضعة أفدنة فباعت جزءا منها ومولت ابنها الذي عمل بالتجارة ثم أشترى هذا المصنع, واستقرت أحواله المادية في حين استمر أبي يكسب رزقه من شراء بعض البضائع من تجار الجملة وتوزيعها بالتريسكل على التجار الصغار والمحال, وحين ساءت صحته وعجز في بعض الأحيان عن قيادة التريسكل طلب منه عمي أن يعمل معه رئيسا للعمال وخصص له مرتبا عادلا يكفي للإنفاق على أسرته في حدود الحياة البسيطة التي نعيشها.

وطوال طفولتي لم أسمع من أبي إلا الثناء على أخيه الأصغر هذا والإشادة بكرمه معه وشهامته, فاحتل بذلك مكانة عالية في نفوسنا نحن الأبناء .. وبالفعل فلقد كان كثيرا ما يهدينا بعض الملابس في بداية الشتاء أو عند دخول المدارس أو في الأعياد, وكان حلم أبي بالنسبة لي أن أواصل تعليمي حتى أحصل علي شهادة الهندسة ثم أعمل كمهندس يشرف علي ماكينات المصنع الصغير, وبالفعل فلقد اجتهدت لتحقيق هذا الحلم وواصلت التعليم بلا عثرات حتى بلغت الثانوية العامة, فإذا بأبي يمرض مرضا شديدا ثم يرحل عن الحياة مودعا منا بالحسرة والدمع السخين, وأثر في موت أبي تأثيرا بالغا فتعثرت في امتحان الشهادة الثانوية.. وأردت أن أتقدم للإعادة في السنة التالية, لكن أمي انتحت بي جانبا وحدثتني عن ظروفنا وكيف أننا قد عشنا الشهور التي تلت وفاة أبي على مساعدة شهرية محدودة خصصها لنا عمي, وليس من المعقول أن نظل نعتمد على هذه المساعدة إلى ما لا نهاية, وحملنا ثقيل ولدينا فتاتان ستصلان ذات يوم إلى سن الزواج, وبالتالي فلابد لي من أن أتقدم لحمل مسئولية الأسرة والعمل لكي أكسب رزق أمي وأخوتي, ورأيت أحلامي تنهار أمام عيني .. لكني لم أستسلم للحزن والإحباط, وإنما قلت لأمي أنني سأحمل المسئولية كاملة بإذن الله .. وتوجهت إلى عمي وفاتحته فيما جئت من أجله, فأثني على رجولتي وقرر تعييني عاملا على إحدى الماكينات بعد تدريبي لفترة قصيرة, لكني استأذنته في مخالفته في الرأي, وصرحت له بأنني لا أريد أن أعمل عاملا ميكانيكيا وإنما أريد أن أعمل مندوبا للمبيعات, أوزع منتجات المصنع علي التجار وأحصل علي مرتب صغير وعمولة بسيطة علي المبيعات, خاصة أن التريسكل القديم الذي كان يعمل عليه أبي مازال صالحا للاستخدام .. ووافق عمي علي ذلك, وبدأت عملي معه وأنا متحفز للنجاح فيه ومعرفة كل أسراره .. وأصبحت أبدأ يومي في الصباح الباكر بملء صندوق التريسكل بالبضائع ثم أتوجه إلى المنطقة التي حددها لي عمي, وأطوف على التجار فأبيع لهذا التاجر بضائع بعشرين جنيها, ولهذا بثلاثين أو أربعين وهكذا, وأتناول غدائي وأنا أقود التريسكل وهو دائما سندوتش فول وآخر طعمية .. وأرجع عند الغروب فأورد لعمي حصيلة البيع وأسلم البضائع التي لم يتم تصريفها, وكان من النادر أن أرجع ببعضها, وأتسلم عمولتي وأرجع إلي البيت فأعطي أمي مصروف اليوم وأدخر جزءا من العمولة للمستقبل.

وبعد فترة ليست طويلة كنت قد أنشأت علاقات وثيقة مع عدد كبير من أصحاب المحال الصغيرة والتجار الذين أتردد عليهم .. وكنت أيضا قد أصبحت أكبر موزع فرد لإنتاج المصنع, وأرضيت أمي والأختين ولبيت لهن كل مطالبهن, وكانت دائما متواضعة كما كنت أيضا قد ادخرت مبلغا لا بأس به من المال يصلح لأن يكون نواة لتجارة صغيرة خاصة بي.. والحق أن ما فكرت فيه لم يغب عن تفكير عمي فلقد دأب على أن يقول من حين لآخر إنني تاجر شاطر لكني أمين أمانة مطلقة وأكره الحرام كراهية شديدة, ولسوف يجيء اليوم الذي أنفصل فيه عنه وأعمل منفردا, لكني لم أرد تعجل الأمور واتجهت إلي هدفي بخطوات متأنية, فسألت عمي ذات يوم وأنا أحاسبه في المساء عما إذا كان يضيره لو اشتريت خلال توزيعي لإنتاجه صنفا من البضائع لا ينتجه المصنع من تاجر جملة ووزعته لحسابي الخاص مع إنتاج مصنعه, فنظر إلى عمي طويلا وتردد في الإجابة, ثم قال لي في النهاية إنه لا يمانع في ذلك, بشرط ألا يؤثر على عملي الأساسي, فشكرته كثيرا على ذلك, وانطلقت إلى تنفيذ خطتي وأصبحت أوزع إلى جانب إنتاج عمي بضع سلع أخرى لحسابي الخاص .. واشتريت حقيبة جلدية أخرى لأضع فيها أثمان بضائعي الخاصة لكيلا تختلط بأثمان بضائع عمي, ونجحت التجربة نجاحا كبيرا, وباركت أمي نشاطي الخاص ودعت لي كثيرا بالفلاح والنجاح .. وحرصت في نفس الوقت على تأكيد ألا أغضب عمي هذا في أي يوم من الأيام لأن له علينا فضلا لا ينسي, وأيدتها في ذلك بحماس..

وكبرت تجارتي الخاصة ولم يعد التريسكل يكفي لاستيعابها فاستأجرت مخزنا صغيرا بالقرب من بيتي وبدأت أخزن فيه البضائع التي اشتريتها من المصانع وتجار الجملة وأسحب منها حسب الطلب .. وأمضي وقتي كل مساء أمام باب المخزن أشرب الشاي واستقبل بعض الزبائن وأسلمهم مشترياتهم.
ثم اخترت بعين خبرت الحياة ومعادن الرجال شابا يتيما فقيرا كان يعرض على من حين لآخر خدماته في حمل البضائع وإدخالها المخزن, وطلبت منه أن يعمل معي, وافتتحت عمله معي بأن حدثته طويلا عن الأمانة والقرش الحلال الذي يبارك الله فيه, والقرش الحرام الذي يلتهم ما قبله وما بعده, فأخرج من جيبه مصحفا صغيرا وأقسم عليه ألا يخونني في مليم واحد, ولو أتيحت له كل كنوز الدنيا, وقرأنا الفاتحة على ذلك, وبدأ العمل معي واشتريت له تريسكلا آخر وكلفته بالمرور على عدد من التجار خلال انشغالي بتوزيع إنتاج عمي وإنتاجي, وكررت معه تجربتي مع عمي فخصصت له مرتبا صغيرا ونسبة من العمولة سعد بها كثيرا وتحسنت صحته وأحواله. 

وبعد قليل احتجت إلى مساعد ثالث فجاءني مساعدي بابن عمه ووجدته مثله خلقا وأمانة, فاشتريت له تريسكلا ثالثا, وبدأ هو أيضا يطوف علي عدد آخر من التجار في مناطق لم نكن نذهب إليها من قبل.
وكبرت تجارتي وأصبح عملي مع عمي عائقا لي عن التفرغ لتجارتي, لكني لم أجرؤ على الانسحاب من العمل معه بالرغم مما يمثله لي من خسارة, وشعر عمي بذكائه الذي رشحه للنجاح أنني أواصل العمل معه حياء منه وليس عن رغبة, فداعبني ذات يوم بأنني قد أصبحت شاهبندر تجار ملء الدنيا ولم يعد يليق بي أن أسرح كل يوم بالتريسكل10 ساعات متواصلة, ولهذا فهو يعفيني من العمل معه ابتداء من الغد فلم أشعر بنفسي إلا وأنا أنحني علي يده مقبلا وشاكرا وتفرغت لعملي الخاص .. واشتريت مكتبا وعدة مقاعد وضعتها في مدخل المخزن وأدخلت إليه تليفونا فوريا وأصبحت أمضي يومي كله فيه أستقبل العملاء وأتابع التوزيع وسداد الأثمان, وقد بارك الله سبحانه وتعالى في عملي بدعاء أمي والأختين لي. فزدت من عدد الموزعين, وتوسعت في تجارتي, وطمأنت أمي إلي أنني بحمد الله سأكون قادرا على ستر الأختين وتزويجهما حين يجيء إليهما نصيبهما إن شاء الله .. وحرصت على مودة عمي وزيارته من حين لآخر وطمأنته على أحوالي المالية كلما سألني .. وفاء مني له وعرفانا بجميله.. 

ووجدت نفسي في السابعة والعشرين من عمري أدير تجارة ناجحة ويعمل معي5 أشخاص مخلصين اختبرتهم جميعا ووثقت فيهم, وقد أضفت إلي المخزن الذي بدأت به تجارتي مخزنا آخر في الجوار القريب وأملك سيارة نصف نقل كثيرا ما قدتها بنفسي لقضاء بعض أعمالي, وسيارة سوزوكي صغيرة, إلي جانب3 تريسكلات, وقد صححت أوضاعي من الناحية الرسمية فاستخرجت سجلا تجاريا, واشتركت في التأمينات الاجتماعية لي وللعاملين معي .. ولم يبق أمامي ما أتطلع إليه إلا الزواج وتكوين أسرة صغيرة, لكن كيف أتزوج وشقيقتاي قد بلغتا سن الشباب وتوقفتا باختيارهما عن التعليم بعد الثانوية العامة ولم تتزوجا بعد؟ وهكذا بدأت أتحدث مع أمي وأحثها على السعي لتزويجهما ولم يخيب الله سبحانه وتعالي ظني, فلم يمض عامان حتى كانت الأختان قد استقرتا في بيتي زوجيهما وسعدنا بهما كل السعادة .. وقد أعانني الله سبحانه وتعالي علي تجهيزهما وإرضائهما حتى جهرتا بالدعاء بأن يبارك الله لي في مالي وصحتي وعمري.
وتحدثت مع أمي في أمر زواجي وقد بلغت التاسعة والعشرين, فإذا بها تحسم الأمر بغير تردد وتقول لي إننا لن نحتاج إلي البحث عن عروس لأنها موجودة بالفعل, وهي صغرى بنات عمي التي توقفت عن الدراسة هذا العام بعد رسوبها عامين متتاليين في الثانوية العامة, وأن عمي لابد أنه يتوقع مني أن أتقدم إليها. 

وفكرت في الأمر طويلا لقد شغلتني معركة الحياة فلم التفت إلى شئون العاطفة ولم أعرف فتاة ولم أقترف حراما وليس لي مأرب معين فيمن أتزوجها, فلماذا لا تكون ابنة عمي هذه وهي مقبولة الشكل وبادية الطيبة هي من أتزوجها؟
شيء واحد خشيته هو أن يظن عمي أنني أتقدم إليها طامعا في ثروته, ومع ذلك فلقد تقدمت إليه بطلبي وفوجئت بالترحاب الحار وكأنما كان ينتظر بالفعل هذه الخطوة من جانبي منذ زمن طويل.. 

وتزوجت ابنة عمي.. وأعدت إعداد البيت القديم وتجديده ليليق بالعروس الشابة.
وكشفت لي الأيام أكثر وأكثر عن طيبة زوجتي هذه ووداعتها وحسن معاملتها لأمي وشقيقتي حين تزورانني, حتى ملكت قلوبهن جميعا وأنجبت منها ولدا وبنتا, وكانت بالنسبة لي فعلا قدم خير كما يقولون, فلقد تزوجتها وأنا مستور ماديا, فأصبحت بعد ارتباطي بها من الأثرياء, وتوسعت أعمالي حتى اشتريت منشأة صناعية صغيرة كانت معروضة للبيع في المزاد بسبب متأخرات الضرائب, وأدرتها بنشاطي المعهود وحماسي وأعدت تنظيمها وحللت كل مشاكلها فدارت عجلاتها بنجاح .. وتدفق الخير علي .. فاشتريت لنفسي أول سيارة خاصة بعد أن لامني الجميع لعدم امتلاكي سيارة لائقة..

وانتقلت بزوجتي والولدين وأمي من البيت القديم إلى شقة فاخرة في حي راق, وسعيت إلي تحسين مظهري فاشتريت دستة بدل فاخرة و20 قميصا و5 أحذية و30 كرافت.
وحتى هذه اللحظة كانت صداقاتي محدودة ولا تتجاوز العاملين معي وبعض أبناء الحي القديم وبعض التجار .. فوجدت وجوها جديدة من أصحاب المناصب التي كنت أتهيبها في الشرطة والنيابة والحكومة والبنوك يسعدون بالتعرف علي .. وبدأت أدعي إلى أماكن لم أدخلها في حياتي من قبل وأظهر في مجتمعات لم أعهدها .. واعترف لك بأنني اهتززت لذلك بعض الشيء وسايرت الجو الجديد .. وقلت إن من حقي أن أكون كهؤلاء اللامعين, وشعرت باللوم لزوجتي لأنها لم تتغير مع تغير أحوالنا المادية ودخولنا عالم الأثرياء, فهي مازالت بلدية الطابع وملابسها تفصيل خياطة والدتها وكلما اشتريت لها فستانا غاليا دقت علي صدرها مستنكرة أن ترتدي مثل هذه الملابس الفاضحة ! مع أنها ليست كذلك وكل ما جد عليها هو اتساع مساحة الذهب في ذراعيها فبعد أن كانت تضع في كل ذراع أسورتين أصبحتا4 ثم8 ثم12 أسورة كاملة يئن بها ذراعاها وتسمع لها شخللة مميزة, مع إكثارها من الصلاة وقراءة القرآن والتصدق على المساكين من مالها هي وليس من مالي, وكلما ازدادت علاقتي بمجتمع الأثرياء واللامعين, ازداد لومي الداخلي لزوجتي لإصرارها على ألا تتطور مع تغير الأحوال .. وبدأت أحدثها في ذلك.

ثم بدأت أشكو منها لأمها وأبيها وأهلها, ثم بدأت أشكو منها لأصدقائي المقربين, بالرغم من تفانيها في خدمتي وخدمة أولادها ورعاية أمي العجوز, وقد انحصرت شكواي في أنها لا تتطور ومازالت بيتية الطابع ولا تصلح للظهور معي في المجتمعات, حتى ذكرتني أمي بفضل أبيها علينا وبطيبتها وحسن معاشرتها لي..
لكن لعن الله الشيطان فلقد كبرت المسألة في رأسي .. وأصبحت شغلي الشاغل .. حتى قلت لنفسي ذات يوم ولماذا لا أتزوج من فتاة أو سيدة جميلة من الطبقة الراقية, تعرف كيف تتكلم وكيف ترتدي ملابسها وكيف تتعامل مع المجتمعات اللامعة؟

ومع أني لم أكن لأقدم علي هذه الخطوة أبدا تجنبا لإيلام زوجتي وعمي فلقد بدأت ألمح إليها في حديثي مع زوجتي لكي تتحفز لإصلاح نفسها, فما أن أشرت إلي هذا الموضوع أول مرة حتى انفجرت في البكاء واستمرت تبكي حتى تشنجت وخشيت عليها .. وتأسفت لها وأكدت أنني لا يمكن أن أفعل ذلك أبدا.
والتزمت بالصمت بعد ذلك فلم أشر إلى هذا الموضوع ثانية, وهدأت خواطري بشأن الزوجة اللائقة بعض الشيء وإن لم تختف كلية من ذهني.

وانشغلت بعملي وتوسعاتي الجديدة في العمل وصداقاتي اللامعة, إلى أن عدت إلي البيت ذات مساء فوجدت أمي وابني وابنتي يبكون وفي حالة هلع شديدة, وسألت منزعجا عما حدث فأشاروا إلي غرفة نومي وهرولت إليها فوجدت زوجتي وحول فراشها طبيبان منهمكان في حقنها بالحقن وأنبوبة أكسوجين فوقها, وهي تشهق شهقات متلاحقة وتنظر إلي مستغيثة فانفجرت في البكاء واندفعت إليها لأحتضنها والطبيبان يحاولان إخراجي بالقوة من الغرفة .. وأنا أقاومهما بشراسة حتى استسلمت وانضممت إلي أمي وولدي, فلم يمض وقت طويل حتى خرج الطبيبان وعلي وجهيهما نتيجة مساعيهما لإنقاذها..
واسودت الدنيا في وجهي .. زوجتي التي أخلصت لي الود وأحسنت عشرتي وكانت نبعا للحنان يفيض علي الجميع .. ينقضي أجلها هكذا بلا مقدمات وهي دون الأربعين من عمرها .. يا ربي .. وماذا أفعل من بعدها .. ومن يعوض هذين الصبيين عن حنانها وعطفها ورعايتها لهما.

وعشت أياما كالحة السواد .. وبكيت كالطفل الصغير طويلا, حتى خيل إلي أنني ألمح في عيون بعض الأهل والأصدقاء عبارة صامتة تقول: أليست هذه التي تبكيها الآن بحرارة هي من كنت تنتقدها وتعيب عليها عدم تفرنجها وعدم مسايرتها لأوضاعك الجديدة!
ومضى عامان علي رحيل زوجتي أصبت خلالهما بنوبة قلبية من الإجهاد والحزن وعدم الترويح عن النفس.

ومع بداية العام الثالث بدأ الأهل يتحدثون عن ضرورة زواجي مرة أخري لإخراجي من حالة الكآبة التي أعيشها .. ولأنني لن أستغني عن وجود امرأة في حياتي وأنا مازلت دون الخمسين وأكره الحرام ولن أصبر على نفسي .. وبعد قليل من الاستنكار والرفض من جانبي فوضتهم في البحث لي عن عروس..
وبعد فترة دعيت لرؤية عروس رأى الأصدقاء الذين رشحوها لي أنها تحقق لي كل مطالبي في الزوجة الجميلة الراقية التي تصلح للظهور معي في المجتمعات.

ورأيتها فانبهرت بجمالها وأناقتها ومظهرها الراقي ولباقتها في الحديث, وعلمت أنها مطلقة لديها ولد في سن العاشرة وسينتقل للإقامة مع أبيه بعد انتهاء فترة حضانته, وأنها من أسرة كبيرة مستورة لكنها ليست ثرية بمعني الكلمة.
ووافقت عليها بلا تردد, وبدأنا الحديث في الإجراءات مع عمها وخالها وأمها وعمتها, والأول لواء متقاعد في الجيش والثاني لواء متقاعد في الشرطة, وفوجئت بالأرقام الفلكية التي يطلبونها, وتحركت في وساوس التاجر القديم الذي يحرص علي ألا يستدرجه أحد إلى ما يضره, وأردت أن أحسم الأمر من بدايته حتى ولو تخليت عن الفكرة كلها, فقلت للحاضرين إنني لا أقدر ابنتهم بمال, لكن كل شيء بالأصول .. ولسوف أدفع كذا مهرا وكذا شبكة وكذا مؤخرا, وكان ذلك يمثل بالضبط ثلث ما طلبوه من مبالغ, فإن قبلتم بذلك فسأكون سعيدا .. وإن رفضتم فكل شيء نصيب وسكت عازفا عن أي مساومة, وفوجئت بهم يقبلون ويرحبون بعد مشاورات قصيرة بينهم واشتريت شقة جديدة للعروس بالقرب من مسكني وتركت ابني وابنتي في رعاية أمي, وتركت هي ابنها لأبيه وتزوجنا !

واكتشفت أن للزواج مباهج لم تكن تخطر لي علي بال .. ومتعا كنت أحسبها من ضرب الخيال .. حتى لقد قلت لنفسي ولأصدقائي أنني لم أتزوج من قبل وإنما تزوجت وعرفت الزواج الحقيقي الآن, وانشغلت بزوجتي الجديدة ومطالبها ونزهاتها وسهراتها حتى قلت ساعات وجودي في عملي عن ذي قبل .. فهي تصحو من نومها في الظهر وتستغرق ساعتين ما بين الحمام وماكياجها واختيار ملابسها, ثم تطلب مني الخروج لتناول طعام الغداء في الخارج والاستمتاع بجلسة هادئة في مكان مفتوح وترجع إلي البيت فتعود للنوم ساعتين أو ثلاثا ثم تنهض وتستغرق ساعة في ماكياجها وتسريح شعرها, ثم تطلب مني النزول في منتصف الليل إلي أي مكان يسهر حتى الثالثة أو الرابعة صباحا, كل يوم, وهكذا ولقد بهرت بهذه الحياة في البداية, لكني لم ألبث أن شعرت بالضياع وبأنني غائب على الدوام عن عملي .. كما أنني مللت طعام المطاعم والأندية .. فسألتها لماذا لا تعد لي وجبة الإفطار في الصباح وتكتفي فقط بشرب عصير البرتقال وتطلب مني أن أفعل مثلها,.ففوجئت بها تطلب مني تعيين سفرجي ليقدم لي الإفطار في الصباح لأنها لا تستطيع أن تفعل أي شيء بعد الاستيقاظ من النوم, وسألتها وماذا عن الطعام البيتي الذي أشتهيه ؟! فإذا بها تستنكر مجرد تفكيري في أنها يمكن أن تقف في المطبخ ساعتين أو ثلاثا لكي تعد لنا وجبة طعام .. ذلك أن هذه هي مهمة الخدم وليست مهمة الزوجات الراقيات مثلها..

وتذكرت زوجتي الراحلة الوديعة التي ظلت16 عاما تطهو لي طعامي وتتفنن فيه وترفض أن تساعدها شغالة في أعمال البيت والمطبخ لكي تقوم بكل شيء بنفسها.
باختصار وجدت نفسي أعيش في فندق وليس في بيت, وإذا أردت الاستمرار فعلي الخضوع لكل ما تطلبه أو الانفصال عنها, ولأنني كما قلت لك لا أصبر علي نفسي وأكره الحرام فلقد اضطررت للسكوت أملا في تحسن الأحوال مع الزمن.

لكن الأحوال لم تتحسن بل ازدادت سوءا, فلقد كنت أعطي زوجتي الراحلة مبلغا شهريا للإنفاق علي البيت فكان يكفيها ويفيض منه, ولما تزوجت ثانية أعطيت زوجتي نفس المبلغ مع مراعاة أننا شخصان فقط ولسنا خمسة كما كان الحال في الماضي فإذا بها تستنكره بشدة وتطلب خمسة أضعافه لأن هذا هو الحد الأدنى لمستوي الحياة الذي تقبل به.
وأعطيتها نصف ما طلبت ورجوتها أن تجرب فقط, ولسوف أدفع ما تريد إذا احتاجت إلي مال لاستكمال الشهر, وقبلت وبعد قليل طلبت مني أن اشتري لها سيارة فاشتريت لها باسمها سيارة متوسطة الثمن, قبلتها دون كلمة شكر واحدة لأنها لا تليق بها .. ثم اتخذت الأمور مجرى آخر فلقد طلبت أن نشتري شاليها أو فيللا في أحد مصايف الساحل الشمالي لنقضي فيها الصيف, ووافقت واشتريت شاليها جميلا, وأبلغتها بالخبر وأنا أتوقع أن تتهلل فرحا, فإذا بها تثور علي ثورة هائلة لأنه شاليه وليس فيللا وهي ليست أقل من ابنة خالتها التي اشتري زوجها فيللا في أفخم المصايف وكتبها باسمها!

واشتبكت معها في نقاش عنيف تطاولت خلاله علي ثم هجرت البيت إلى بيت أمها وسعي العم والخال للتوفيق بيننا, فإذا بهما يحملان لي هذه الشروط العجيبة:
أولا: تسجيل شقة الزوجية والشاليه باسمها.
وثانيا: أن اشتري لها وباسمها أيضا سيارة بي إم دبليو مع ترك السيارة الأولي لها لتتصرف فيها كيف تشاء, وأن أعين لها سائقا لقضاء مشاويرها الخاصة.

ثالثا: أن أقدم لها هدية صلح من الألماس لا تقل عن50 ألف جنيه.
ومرة أخري تذكرت زوجتي الراحلة الطيبة التي كانت تستكثر علي نفسها أن أشتري لها أسورتين من الذهب كلما فتح الله علي برزق جديد, وتسألني وهي تتردد بين الرضا والاستنكار حاوديهم فين دول وذراعي مليان من خيرك!

وطلبت من العم والخال أن يرتبا لي جلسة معها لأسمع منها هذه الشروط مباشرة, وعقدت الجلسة في بيت أمها وفي حضور العم والخال وبعض الأقارب, وسألتها عما تريد متوقعا أن تخجل من تكرار هذه المطالب المادية الكريهة, فإذا بها تكررها بإصرار وحين سألتها عما يدفعني للاستجابة لهذه المطالب وما هو المقابل العظيم الذي سأحصل عليه لقاء ذلك؟!, أجابت في كبرياء: إن المقابل هو أن تقبل بالاستمرار معي كزوجة وهذا في حد ذاته أكبر مقابل!
ولست أعرف كيف تمكنت من ضبط أعصابي وعدم الانفجار فيها..

وانصرفت واعدا بالتفكير في الأمر, وهي تشعر بالنصر ـ وبأن المسألة ليست سوي مسألة أيام ثم أرضخ لكي ارجع للنهل من ينبوع جمالها وفنونها الأنثوية التي كانت تجهلها زوجتي الراحلة رحمها الله .. لكني تذكرت التريسكل يا سيدي وطوافي به من الساعة الثامنة صباحا حتى السادسة أو السابعة مساء, وعودتي إلى المصنع مجهد الساقين والجسم لأحاسب عمي وأحصل علي عمولتي فلا تزيد على جنيهين أو ثلاثة في أحسن الأحوال, وتساءلت: هل من العدل أن أعطي ثمرة شقائي وكفاحي لامرأة لا تعرف من الزواج إلا علاقة الرجل بالمرأة .. وأين هو السكن معها وأين راحة القلب والأمان مع زوجة لا تخفي نيتها المكشوفة في استغلالي؟!.
وقررت أن أنشغل عنها بعملي وأمي وولدي الذين شغلت عنهم بالفعل خلال الفترة الماضية وواصلت عملي وحياتي وكل يوم يمضي يضعف تأثير هذه السيدة علي أكثر من ذي قبل, ومضي شهران وشعر أهلها بالقلق فجاءتني منهم إشارات عن الاستعداد للتنازل عن بعض المطالب وليس عنها كلها .. فلم أرد بأكثر من أنني مازلت أفكر.

ولقد حمدت الله الآن على ما كرهته في البداية .. فلقد كنت راغبا في الإنجاب منها لكنها رفضت ذلك بإصرار بدعوى أنها لم تعد تطيق رعاية الأطفال الصغار, كما أن الحمل والإنجاب يفسدان قوامها ولهذا فهي لم تنجب سوى مرة واحدة؟
فبماذا تنصحني يا أخي .. هل ترى لي أن أعود إليها ببعض شروطها وليس بكلها؟
أم ترى لي أن أصمد على موقفي حتى ترضخ هي لأول مرة وترجع إلي بلا شروط؟



ولكاتب هذه الرسالة أقول:

لا أرى لك هذا ولا ذاك, وإنما أرى لك أن تكتفي من التجربة أو من المغامرة, بمعنى أصح بما مضى منها, وأن تطوي صفحتها نهائيا.. وترجع إلى حياتك ونفسك وعملك وجذورك العائلية التي باركت نجاحك العملي وتوفيقك في الحياة..
فأنت لم تتزوج ثانية بعد رحيل زوجتك الطيبة الوديعة يرحمها الله على عكس ما ظننت أنت في فورة انبهارك بمباهج الزواج الثاني في البداية, وإنما خضت مغامرة محفوفة بالمخاطر لاكتشاف العالم الراقي الذي تمنيت أن تعرفه وان تعيش تجربته, وعتبت على زوجتك الراحلة عجزها عن مسايرتك في اقتحام هذا العالم..

ولا عجب في ذلك لأن الزواج ليس عشقا لمفاتن الأنثى ولا هو مجرد إطفاء لنار الرغبة لدي الرجل والمرأة .. أو انبهار مؤقت ببعض الفنون الأنثوية, وإنما هو وكما يقول لنا الشيخ محمد الغزالي رحمه الله إقامة بيت علي السكينة والآداب الاجتماعية في إطار من الإيمان بالله والعيش وفقا لتعاليمه وهدايته.
فأين ذلك من حياتك مع زوجتك الثانية؟
لقد قيل للرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه: أي حال نتخذ؟
فقال: لسانا ذاكرا وقلبا خاشعا وزوجة صالحة تعين أحدكم على دينه.
فهل أعانتك زوجتك هذه علي دينك, وحققت لك السكن والمودة والرحمة, فانطلقت تواصل رسالتك في الحياة مزودا بهذا الزاد العاطفي والإنساني العظيم؟

إنك تعيش, حالة ابتزاز مادي متصلة منذ زواجك منها وانبهارك بجمالها ورقيها وفنونها الأنثوية, وسواء رجعت إليك بنصف الـشروط أو بغير أية شروط, فلن تعرف حياتك معها السكينة ولا الهدوء ولا الأمان أبدا.. وإنما ستظل تدبر وتخطط لاستنزافك ماديا بوسيلة أو بأخرى حتى تحقق أهدافها لديك, وهي تحقيق أكبر قدر ممكن من المنافع المادية من ورائك.. وقبل أن تهدأ فورة انبهارك الحسي بها.. وحتى لو رجعت إليك دون شروط وخسرت معركة فإنها لن تخسر الحرب وسيكون لديها المزيد والمزيد من فنون الأغراء والضغط والإغواء والهجر والحرمان, من نبعها إلى أن تضعف وتستسلم وتستجيب.. وبالتالي فلسوف تظل حياتك معها تتأرجح دائما بين المتعة اللاذعة والألم القاتل, والعقلاء من البشر لا يقبلون مثل هذه الحياة الزوجية المتراوحة دائما بين المتعة والألم.. ويقولون إن مثل هذه الحياة ومهما تكن مغرياتها تستنفد الطاقة النفسية والعصبية للرجل وتورده موارد التهلكة على طول المدى لأنها من سمات العشق المضطرب, وليست من سمات الزواج الذي هو المودة والسكينة والرحمة ولقد كان الأديب الايرلندي العظيم برنارد شو يقول:

ـ تعرف انك عاشق حين تبدأ في التصرف ضد مصلحتك!

وأنت منذ تزوجت هذه السيدة وأنت تتصرف ضد مصلحتك ولصالحها على طول الخط.. لكن ذلك لا يعني أبدا أنك لا تستطيع الاستغناء عنها والنجاة من هذه المغامرة قبل أن يتفاقم الخطر, وتغير هي إستراتيجيتها وترجع إليك بنية الحمل والإنجاب منك لكي تحكم سيطرتها عليك إلى الأبد.
فنية الاستغلال واضحة وعلنية لديها منذ البداية, وهي تنظر إليك, وعفوا لهذا التعبير, نظرة دونية وترى أن مجرد استمتاعك بجمالها تنازل عظيم منها لابد أن تدفع ثمنه غاليا وراضخا.

وليس هذا من الزواج الذي شرعه الله لنا في شيء, وإنما هو أمر آخر لا داعي للإشارة إليه رعاية للحرمات, فلعلك الآن تتذكر العبارة الصامتة التي خيل إليك انك رأيتها في عيون بعض المقربين عند رحيل الزوجة الطيبة المتدينة ولعلك قد لمحت الآن في عيونك أنت عبارة أخرى مماثلة تسألك: أعرفت الآن أي نوع من الزوجات الفضليات كانت زوجتك الأولى ؟


فإذا سألتني الرأي بعد كل ذلك, قلت لك إنك مازلت حتى الآن, وبالرغم من بعض الخسائر المالية.. تقف على شاطئ الأمان, وتستطيع أن تتخلص من هذه التجربة كلها ومن المخاطر التي تتهددك بالعودة إلى جذورك العائلية ووسطك الأسري والاجتماعي الذي نشأت فيه وتشربت منه قيم الكفاح والأمانة والعمل والمسئولية الأسرية وبر الوالدين والإخوة, وتبحث عن نصفك الآخر في هذا الوسط الذي تنتمي إليه ويعتز بك, وتعتبر تجربة زواجك الثاني هذه إبحارا مؤقتا في بحر متلاطم الأمواج, لم تلبث أن عدت منه سالما إلى شاطئ الاستقرار والحياة الطبيعية, وقديما قال بعض الحكماء: نهاية مؤلمة أفضل كثيرا من ألم بلا نهاية


نشرت بتاريخ 17 أكتوبر 2003

˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙
نقلها من أرشيف جريدة الأهرام
Somaya Elkilany

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali




إقرأ المزيد Résuméabuiyad

النظرات الخفية .. رسالة من بريد الجمعة

    أكتب لك لأني فى حاجة ماسه للتعرف على رأيك والحلول المقترحة والممكنة لعلى أجد فيها مخرجا من المأزق الذى وقعت فيه مؤخرا. أما أنا فطبيبة حصلت عقب تخرجي على دبلومتين فى مجال تخصصي وعلى درجة الماجستير من بريطانيا مع درجة الزمالة منها أيضا, وأوشك الآن على الانتهاء من مناقشة رسالة الدكتوراه تحت إشراف إحدى كليات الطب التابعة لجامعة بنسلفانيا الأمريكية, وقد تزوجت منذ عشر سنوات وعينت بالكلية التى تخرجت فيها ووقف زوجي إلى جواري وساندني كثيرا بالتشجيع المادي والمعنوي حتى حققت النجاح الذى أردته لنفسي وحصلت على الماجستير والزمالة وبدأت الإعداد للدكتوراه, وحقق زوجي أيضا نجاحه وحصل على وظيفة مرموقة وبدأ التحضير للدراسات العليا فى مجال دراسته النظرية ودرس الكمبيوتر وراح يحلم بالهجرة لأمريكا التى سبقت أختي الوحيدة بالهجرة إليها وراحت تحثنا على اللحاق بها, لكن والدى اعترض على هجرتنا وراح يطالبها هى بالعودة بعد أن لم يبق له من أسرتنا سواى وسواها, وفى هذه الظروف تلقيت موافقة كلية طب عربية على عملي فيها, وتحمست للسفر وخوض التجربة واعترض زوجي فى البداية بشدة لعدم اقتناعه بألا يكون له عمل فى تلك الدولة العربية سوى مرافقتي كمحرم لى كما تقضى نظمها, لكنى استطعت بعد جهد كبير إقناعه بأننا نحتاج لهذا السفر لما سيكون له من أثر إيجابي على مستقبلنا .. ولأنه سوف يساعدنا على الهجرة لأمريكا فيما بعد, فقبل ذلك بعد عناء, أما أبى فلقد سكت وهو غير راض عن فراق من بقوا له من أحباب فى الحياة على حد قوله, وأسرها فى نفسه ضدى غفر الله لى, ولم يخفف من حزنه سوى تأكيدى له إننى سأدعوه من حين إلى آخر لأداء العمرة والحج, وهكذا غادرنا القاهرة منذ خمس سنوات وبدأنا حياة جديدة.
    ولم أحس بالغربة كثيرا فى وجود زوجى الحبيب معى والطفلين الصغيرين وخططنا لحياتنا فى الغربة بحيث تكون عملا ودراسة فى النهار وإستمتاعا وإستقرارا عائليا فى المساء, فى سعادة وإنسجام "وأفراح" أسرية أسبوعية نحييها بأنفسنا خاصة ونحن أسرة تتذوق الفن وتقدره, فزوجي رسام موهوب وأنا أعشق الموسيقى والغناء وأجيدهما, كما أجيد العزف على العود والأورج, وقد أحضرت معى من مصر العود وإشترينا "أورج" جديدا من حيث نقيم, وأهتممنا بفرش عشنا بأثاث جميل ووفرنا به كل ما نحتاج إليه .. وأشترينا سيارة لأول مرة فأصبحت حياتنا سهلة وميسورة "وأفراحنا" وليالينا وأمسياتنا رائعة سعيدة, وفى كل أجازة نعود إلى مصر .. ونضيف إلى خطواتنا على طريق تحقيق أحلامنا المشتركة خطوة جديدة, فأشترينا شقة للعيادة التى أعتزم افتتاحها فى القاهرة بعد العودة, وأخرى فى نفس العمارة للمكتب الذى سيفتتحه زوجي لممارسة عمله الخاص أيضا, بعد العودة, واشترينا سيارة فى مصر, ثم ركزت فى الفترة الأخيرة على إنهاء رسالة الدكتوراه .. وبدت لى ولزوجي الحياة بهيجة وسعيدة وواعدة بكل جميل, فزوجي هو أخي وحبيبي وصديقي وشريك أحلامي, وقد وافقته فى ارتداء الخمار بمجرد عملنا فى هذه الدولة العربية تجنبا للمشاكل رغم أنى كنت محجبة من سن عشر سنوات وأعلم جيدا أن الشرع لا يفرض الخمار وتغطيه الوجه, فإذا بكل شئ ينهار فجأة وإذا بى أفقد زوجي الحبيب ووالد أطفالي الذين أصبحوا ثلاثة بسبب صبى طائش كان يقود سيارة والده وتمت الإجراءات الكئيبة ودفعت أسرة الجاني الطائش الدية, وإن كانت أموال الدنيا لا تعوضني عن خسارتي فى زوجي, ووجدت نفسي فجأة أرملة وأنا فى السادسة والثلاثين من عمري, وقضيت أجازتي السنوية بعد الحادث المؤلم وأنا لا أكاد أعي ما حدث أو أستوعبه ثم تمالكت نفسي ونظرت إلى مستقبلي ومستقبل أطفالي وأعدت ترتيب أوراقي وقررت الاستمرار فى العمل بالدولة العربية لعام دراسي آخر أركز فيه على إنهاء رسالة الدكتوراه ويحصل خلاله إبنى على الابتدائية ثم أرجع لمصر, خاصة أن وضعي المالي ممتاز ولا أحتاج للاستمرار فى الغربة أكثر من ذلك.
    وبدأ العام الدراسي, وأقبلت على عملي ودراستي بهمة وصبر, فإذا بجهة عملي تطالبني بتحديد موقفي بعد رحيل زوجي عن الحياة فإما أن أجد لنفسي محرما بديلا وإما إنهاء عقدي وترحيلي, وقد جاء هذا التحرك المفاجئ بعد طول صبر على بناء على "فتنة" من زميلة بالكلية اكتشفت فيما بعد أن زوجها كان يداعبها ويقول لها أنه يتمنى أن يتزوجني ليكون محرما لى ويحل مشكلتي ومشكلته, فتخوفت الزميلة هذه من أن تنقلب الدعابة جداّ وتنبهت الكلية إلى أنى مازلت بلا محرم, وتلقيت منها هذه المطالبة وتداولت الأمر مع طبيبة غير مصرية وزوجها وتناقشنا فيه طويلا, فانتهينا إلى انه لا حل هناك للموقف إلا البحث عن رجل شهم وكريم يقبل أن يعقد قرانه على لمجرد الحصول على وثيقة الزواج وتقديمها لجهة عملي دون علاقة زوجية فعلية, لكن أين أجد مثل هذا الرجل المضمون .. ولم تطل حيرتي كثيرا, فقد سمع صديق لزوج زميلتي بقصتي وأبدى استعداده لتقديم هذه "الخدمة" لى على غير معرفة بى تأثرا بظروفي, وعلمت انه يشغل مركزا مرموقا فى مؤسسة كبرى ويعمل بمشروع يبعد عن المدينة التى أعمل بها ب 80 كيلو مترا ويقيم فى سكن خاص بالمشروع فى نفس الموقع, ويعيش وحيدا طوال العام إلى أن يأتي الصيف فتجئ إليه زوجته وأولاده من مصر, وتحريت عنه فجاءتني المعلومات عنه مطمئنة للغاية, والتقينا فى بيت الزميلة غير المصرية دون أن أرفع الخمار عن وجهي وعلمت منه أنه مرتبط جدا بزوجته وحريص عليها خاصة أنها رفيقة دربه ومريضة بمرض لا يؤثر على علاقتها الخاصة به, كما أنه يحب أولاده جدا ويحرص على مصلحتهم ولولا رغبته فى مساعدة مصرية من بلاده لما قبل الإقدام على هذه المخاطرة التى قد تسبب له مشاكل كثيرة إذا علمت بأمرها زوجته وطلب منى فى النهاية أن يظل هذا الأمر سريا بيننا وشكرته على ذلك وطلبت منه أن تنتهي هذه العلاقة الصورية بيننا بمجرد استعدادي للعودة النهائية لمصر, وأن تبقى علاقتنا طوال الشهور الباقية على الصيف فى حدود علاقة الخطيب بخطيبته, ولكن دون أعباء مالية عليه من هدايا ومجاملات وخلافه, وتكرر اللقاء مرة أخرى فى بيت الزميلة الطبيبة وزوجها وشعرت بارتياح داخلي كبير لشخصية هذا الرجل الذى لم يطلب حتى ولو على سبيل التعارف مع من ستحمل اسمه أن أرفع الخمار السميك عن وجهي ليستطيع تمييزي إذا رآني صدفة فى مكان آخر, وأحسست أنه يريد مخلصا أن يساعدني دون أن يفرض نفسه على ووجدته رجلا وقورا هادئا دمث الأخلاق مهيبا يبدو أكبر من سنه, وتم عقد القران فى القنصلية وتوثيق العقد وقدمت الوثيقة لجهة عملي ورفعت عن صدري حجرا ثقيلا, وانتظمت حياتي مرة أخرى وتفرغت لأطفالي ودراستي للدكتوراه, وشعرت بالأمان لاستظلالي بظل رجل حتى ولو كان فى زواج صوري, فإذا بشكوى أخرى إلى جهة عملي وللجوازات بأن زوجي لا يقيم معى فى عش الزوجية ولا يعيش فى نفس المدينة التى أقيم بها مما يخل بشرط المحرم وتناقشت مع زوجي "المؤقت" ومع زميلتي وزوجها فى ذلك, فعرض الرجل مشكورا أن يؤجر شقة صغيرة بجوارنا فى نفس المدينة ليزورنا على فترات متقاربة وكان عرضا كريما منه ومكلفا له من الناحية المادية, لكن كيف أبرر زيارته لى أمام أطفالي وجيراني ومعارفي؟ لقد فكرنا فى الأمر طويلا وانتهينا إلى انه لا يصح فى النهاية إلا الصحيح وبالتالي فلابد من خطوة "شجاعة" هى إعلان زواجنا فى حفل صغير .. فى بيتي لا يحضره أبنائي وأقدم فيه "زوجي" لزملائي وزميلاتي على أن أمهد الأمر لأولادي الذين رتب لهم زوج زميلتي رحلة خارج المدينة مع أولاده فأقدم لهم زوجي بعد عودتهم كقريب وصديق قديم لأبيهم وسوف يرعانا ويهتم بأمرنا إلى أن نعود لبلادنا فى الصيف, وفى هذا الحفل الصغير رفعت الخمار عن وجهي لكي يراني زوجي لأول مرة فما إن رآني حتى اضطرب اضطرابا واضحا وراح يختلس النظرات الخفية لى ويدارى اضطرابه ويتحكم فى انفعاله بجمالي الذى لم يتوقعه, وشعرت بكل ما أحس به وبأنه قد تولدت لديه مشاعر جديدة تجاهي وارتحت لأثر جمالي عليه بل وسعدت بذلك وتوقعته وعند منتصف الليل انتهى الحفل وبدأ الحاضرون ينصرفون وهم زوجي بالانصراف معهم حسب الاتفاق السابق.
    لكننى وبكل "شجاعة" رفضت أن يغادر مسكني ودعوته بإصرار للبقاء وتمضية الليل معى لأني أصبحت من حقه أمام الله والناس ويجب أن يمارس حقوقه المشروعة على حتى يكون الزواج كاملا, واقتنع الرجل بعد قليل من الحرج وتمت الخلوة الشرعية بيننا وأمضى الليل فى بيتي خاصة فإذا بكل شئ ينقلب رأسا على عقب بعد هذه الليلة ونشأت مشكلتي الحالية التى أكتب لك عنها الآن, فقد شعرت بإقترابي الصاروخي من هذا الرجل الذى بدأت علاقتي معه كمجرد وسيط فقط لحل مشكلة المحرم وبدأ هو يأتي إلينا عصر كل يوم أربعاء ويغادرنا صباح السبت إلى عمله فإذا بى أجد نفسي غارقة حتى أذنى فى الارتباط به ورافضة الاستغناء عنه أو اعتباره حتى مجرد حل مؤقت لمشكلتي فى العمل, كما كانت الفكرة فى البداية فلقد أحببته .. نعم أحببته يا سيدي وأحبه أولادي أيضا الذين اجتذبهم إليه بسرعة كبيرة لما يتمتع به من حنان جارف وأستطاع الرجل خلال وقت قصير أن ينسينا مأساتنا بفقد زوجي ووالد أطفالي, وأصبحت الفترة التى يقضيها معنا كل أسبوع فترة سعيدة كلها "مودة وانشراح" لى ولأولادي فنخرج معا للنزهة والتسوق وشراء الهدايا ويرفض قبول ثمن ما يشتريه لنا رغم اتفاقنا السابق على ألا أكلفه أية أعباء مادية وأعادني الرجل للحياة وأعاد الحياة إلى فرجعت صبية مراهقة تحب ابن الجيران وأنجزت خلال شهرين فقط ما تبقى لى من رسالة الدكتوراه وبدأت فى المراجعة وقد تعلق بى هو أيضا وأحبني ويريد أن يستمر فى ارتباطه بى مع احتفاظه بزوجته ويريد أن يجمع بيننا لأنه يراني كما يقول "جوهرة" لا يجوز التفريط فيها خاصة انه لن يتحمل بسببي أية أعباء مادية بل ربما شاركته فى أعماله إذا رجعنا لمصر عودة نهائية ذات يوم وهو يقول: إن الجمع بين زوجتين يحبهما أمر سهل عليه رغم أن الحب لا يتجزأ لأنه يعطى كل حبه للزوجة "الحاضرة" معه فى هذه اللحظة وبذلك لا يتجزأ الحب ولا تناقض مع حبه لكل منا!
    هذا هو تفسير حب الأم أو الأب لكل الأبناء فى وقت واحد فى رأيه لكن المشكلة تتمثل فى صعوبة إقناع زوجته الطيبة المريضة بقبول هذا الوضع .. بل أنه لا يستطيع حتى مجرد إبلاغها به لأنه يعرفها جيدا ويعرف عصبيتها رغم طيبتها ويعرف أنها قد تدمر حياتها بلا مبالاة بأي شئ لأن عزة نفسها فوق كل اعتبار والآن فقد اقترب موعد عودتي لمصر فى الصيف, كما اقترب موعد حضور زوجته أيضا وأولاده قبل رجوعي.
    ولم نجد حلا بعد للمشكلة وأريد منك ومن كل صاحب رأى أن يبدى رأيه فى مشكلتى ويجيبني عن تساؤلي لماذا ترفض الزوجة المصرية رفضا قاطعا أية فكرة لزواج زوجها من زوجة أخرى, إذا كان الله قد أباح للرجل أن يتزوج بأكثر من واحدة لحكمة رآها.. وإذا كان ذلك قانونا إلهيا وليس من صنع البشر ولم يجئ عبثا؟ ولماذا يترك معظم الناس كل ذلك ويتمسكون فقط بقاعدة "ولن تعدلوا" ناسين أن فى الرجال كثيرين يخشون ربهم فى تصرفاتهم وهم رجال محترمون راشدون عادلون؟
    إن المرأة المؤمنة الكيسة .. الفطنة يجب ألا يحزنها هذا الأمر على الإطلاق نعم.. قد تسألني هل تقبلين أن يتزوج زوجك الحالي من ثالثة إذا رأى انه غير مكتف بك وبزوجته الأولى.. وهل سترحبين بذلك وتقبلينه بنفس طيبة؟ وقبل أن أجيبك عن هذا السؤال أريد أولا أن أناشد الناس من حولنا أن يقلدوا الأوروبيين فى الإيجابى فقط من سلوكهم, ألا وهو الثقة فى بعضهم البعض وأعنى بذلك أن زوجى لو رأى انه يحتاج إلى امرأة أخرى وفى ظروف إنسانية ليتزوجها, فلابد أن ذلك مفيد لها مادام لم يقصد بذلك لذة أو شهوة عابرة ولم يقصد غير وجه الله مادام لم يؤذى زوجاته الأخريات فلن أمانع فالزوج "كما أمر الله" ليس حكرا على واحدة كما علمنا الأوروبيون والملحدون والأنانيون وضعفاء الإيمان منا, إننى أبحث عن قاض عادل ينصفنى فهل تكون أنت؟

ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
    نحن لا نقلد الأوروبيين يا سيدتى فى نظرتهم لتعدد الزوجات المشروع وإنما نراه البديل الأخلاقي لتعدد الخليلات الشائع عندهم ونسلم بحكمته عند الضرورة الشرعية وبشرط عدم الغدر والخداع وعدم التخفي به عن الزوجة الأولى لكيلا يهدر أحد حقها فى قبول الأمر الواقع أو رفضه والحصول على الطلاق, على أننا لا نعتبره كذلك "أمرا إلهيا" كما تقولين أنت وإنما أمر مباح وليس مفضلا ولا مندوبا إليه إلا للضرورات المحددة فى الشرع فضلا عن أنه يتوقف على حاجة الرجل إليه وقدرته عليه, ومشروط بما هو أصعب من كل ذلك وهو العدل!
    فإذا أردت أن تعرفى من الذى نقلده فى ذلك .. حقا.. فهو الرسول الكريم"صلى الله عليه وسلم" الذى تزوج السيدة خديجة واكتفى بها كزوجة منفردة وهو فى عنفوان شبابه ما يزيد على العشرين عاما رغم انتشار تعدد الزوجات بلا قيود ولا حدود فى عصره قبل أن ينظمه الإسلام ويقيده وهو الذى كره أيضا لابنته فاطمة أن يتزوج عليها على ابن أبى طالب من جويرية بنت عمرو بن هشام حين ذهبت إليه فاطمة الزهراء باكية تقول له:
   "يقولون إنك لا تغضب لبناتك فأقبل على المسجد مغضبا وصعد على المنبر وقال للحاضرين: إن بنى هشام بن المغيرة قد أستأذنوه فى أن يزوجوا ابنتهم عليا ثم صاح "ألا وإنى لا آذن.. ثم لا آذن.. ثم لا آذن.. إنما فاطمة بضعة منى يريبنى ما رابها ويؤذينى ما آذاها وإنى أتخوف أن تفتن فى دينها" فإذا كان عليه السلام قد تزوج بعد وفاة السيدة خديجة, فقد تزوج سودة لترعى أبناءه وأختارها كبيرة فى السن ثم تزوج بعد ذلك توثيقا لروابطه مع قومه وعشيرته وترضيه لنفوس بعض أصحابه ولإبطال حكم التبنى ولخدمة أهداف الدعوة زيجات قد لا يقبل بعضها غيره ولا تدفع إليها شهوة.. ولا رغبة.
    ولأنه بشر سوى فلم يخفق قلبه لأحد من نسائه بعد السيدة خديجة إلا للسيدة عائشة وحدها, فكان يعدل بين زوجاته فى العطاء والمبيت ويستغفر ربه فيما لا حيلة له فيه من عدم العدل فى مشاعره بينهن ويقول: "اللهم هذا جهدى فيما أملك, ولا طاقة لى فيما تملك ولا أملك" أى فى قلبه وعاطفته ومشاعره.
    هذا هو "الإنسان" العظيم الذى نقلده يا سيدتى والذى تتمثل فيه الطبيعة الإنسانية السوية من وحدانية المشاعر العاطفية وعدم قابليتها للتجزئة أو الشراكة, بل أن حجة الإسلام الإمام أبا حامد الغزالى قد فسر الآية الكريمة التى أشرت إليها "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم" بأنها تعنى ولن تعدلوا فى شهوة القلب وميل النفس ويتبع ذلك بالضرورة التفاوت فى الواقع!
    فإذا كان زوجك قد خرج علينا بنظرية جديدة فى قدرة الإنسان على أن يحب إمرأتين بنفس القدر فى وقت واحد لأنه يكون منصرفا بكل "حبه" إلى الزوجة "الحاضرة" معه فهذا فتح جديد فى أسرار النفس البشرية أدعوه إلى تسجيله فى الشهر العقاري بإسمه مع تغيير طفيف فى الكلمات بحيث يقول: إن الرجل يستطيع أن ينصرف بكل "رغبته" إلى الزوجة الحاضرة معه وليس بكل حبه لأن غاية ما يستطيع الرجل فى هذه الحالة هو أن يحب امرأة.. "ولا يكره أخرى" ولأن الحب لا يعرف إلا الوحدانية إذ لم يخلق الله جل شأنه لأحد من قلبين فى جوفه كما علمنا القرآن الكريم على لسان الصادق مع نفسه ومع العالمين "صلى الله عليه وسلم".
    وعلى أية حال فلن أطيل الحديث فى هذا الأمر الذى ناقشته مرارا من قبل كما أنى لن أسألك السؤال الذى تتوقعينه منى لكنى سأسألك سؤالا آخر هو هل لو كان زوجك الراحل لا يزال على قيد الحياة وتعيشين معه فى وئام وسلام فى أسرة صغيرة متحابة ثم عرضت لإحدى زميلاتك مشكلة مشابهة لمشكلتك.. هل كنت تقبلين أن يقدم زوجك ووالد أطفالك هذه "المساعدة" الإنسانية التى قدمها لك زوجك الحالي؟ وهل كنت ترحبين بنفس راضية بأن يستمر زواجه للأخرى بعد أن أكتشف كل منهما حبه للآخر ورغبته فى الاستمرار معه إلى ما لا نهاية لأن زواجهما لم تدفع إليه "شهوة عابرة" وإنما ظروف إنسانية فيها "فائدة" للزوجة الأخرى؟
    أريد جوابا صادقا منك.. فهل تقدرين عليه ؟!
إنك تعرفين الجواب الصادق يا سيدتى.. وتعرفين أيضا بما لك من ثقافة وعلم وهو أن مأساتنا كبشر هى أن مواقفنا من "العدل" و "الحق" قد تتغير أحيانا باختلاف مواقعنا منهما وباختلاف ما يصيبنا من ضرر أو نفع منهما فإذا كنا المتضررين بهما فهما "الظلم" و "الغدر" و "الأنانية", لامراء فى ذلك. وإذا كنا المستفيدين بهما فهما الحق والعدل اللذان يتعامى عنهما "مقلدو الأوروبيين" و"الأنانيون" و "ضعاف الإيمان" ولا عجب فى ذلك فقديما قال الأديب الفرنسى أندريه موروا "كل ما يتفق مع ميولنا ورغباتنا يبدو فى نظرنا حكيما ومعقولا, أما ما يناقض رغباتنا وأهوائنا فهو مجاف للحكمة والعدل ويثير غضبنا".
    وخداع النفس آفة أخرى من آفات البشر, "ومن الناس, كما يقول الروائى اليابانى كنزابورو- من يقفز من خدعة إلى خدعة طوال العمر كما تفعل الضفدعة".
    ولو أنصفت لما خدعت نفسك ولما نعيت على المرأة "المصرية" رفضها القاطع لأية فكرة لأن يتزوج زوجها عليها كأنك لم تكوني لتفعلي نفس الشئ وربما بضراوة أشد لو كان زوجك الراحل قد تزوج عليك أو فكر فى ذلك.
    أن تحديد الخطأ هو أول خطوة على طريق العلاج فإذا أردت حلا لمشكلتك فلابد أن تسلمى بأنك قد ورطت نفسك فى مشكلة عاطفية وعائلية واجتماعية معقدة لأنك لم تتصرفي التصرف الوحيد السليم, الذى كان منتظرا منك بعد رحيل زوجك عن الحياة مادامت نظم المجتمع الذى تعيشين فيه لا تسمح لك بالبقاء فيه دون زوج أو محرم وهو العودة إلى بلدك وبدء حياة جديدة فيه ثم الإرتباط إذا أردت بعد ذلك بمن لا زوجة له أو أبناء.
    لقد كان هذا هو الاختيار الوحيد السليم فى مثل ظروفك هذه بدلا من التحايل على القانون للاستمرار حيث أنت والتورط فى هذه المشكلة.
    وأرجو ألا تقولي أنك كنت "مرغمة" على البقاء من أجل رسالة الدكتوراه وحصول ابنك على الشهادة الإبتدائية, كأنما كان يتعذر عليك ذلك لو كنت قد سلمت بأقدارك واكتفيت بما حققت فى غربتك خلال السنوات الخمس الأخيرة وهو كثير ويضمن لك حياة كريمة فى بلدك, لكنك لم تفعلى ذلك للأسف وبسبب هذه "الاستماتة" فى البقاء فى الغربة بلا مبرر ولا دوافع ضرورية ملحة, فلقد تورطت فى خطأ الزواج الصوري تحايلا على تقاليد المجتمع الذى تعيشين فيه, ثم تورطت فيما هو أشد وأنكى وهو تحول الزواج الشكلي إلى زواج حقيقي والوقوع فى حب رجل متزوج وله أسرة لا تقبل ولن تقبل شراكتك لها فيه, وها أنت قد نسيت الآن حتى مبررات زواجك الصوري هذا وهما "الدكتوراه" و "الإبتدائية" ورحت تخططين للاستمرار فى الغربة إلى ما لا نهاية بعد أن حللت مشكلة المحلل, وللاستمرار فى زواجك الحالي بعد أن وقعت فى حب زوجك كما تقولين, ولا اعتراض لأحد على استمرارك فى الغربة كما تشائين فمن حق كل إنسان أن يعيش حيث تطيب له الحياة مادام ذلك متاح له ومشروعا.. لكن ما لا حق لأحد ولا لك فيه هو أن تعرضي أسرة هذا الرجل للاضطراب والقلاقل وزوجته الطيبة المريضة لما سوف يدفعها إلى حافة الجنون ويحكم على زواجها وأسرتها بالانهيار وتعرضي أبناءه للتمزق بين أبويهم والتعاسة والشقاء.
    أنك تطلبين فى النهاية رأيا عادلا فى مشكلتك.. ورأيى الذى لن ينال رضاك هو أن ترجعي إلى نقطة البداية فى خطتك التى وضعتها للبقاء فى الغربة عاما آخر بعد رحيل زوجك وتلتزمي بها بأمانة وشرف وتنسحبي من حياة هذا الرجل الذى قدم لك خدمته "الجليلة" وأتاح لك هذا الاستمرار, وترجعي إلى بلدك مكرمة معززة "ومكتفية" بما حققت من "رحلة الغربة".. وبما عشت من أيام سعيدة ودافئة مع هذا الرجل, ثم تبدئين حياة جديدة فى بلدك.. ولن يطول بك الوقت إلا وستجدين من "يعيد إليك الحياة ويعيدك للحياة" بلا اعتداء على حق أحد فيه, ولا مشاكل مع زوجته وأبنائه, تماما كما وجدت زوجك الحالى الذى "أعادك للحياة" بعد شهور قليلة من وفاة زوجك الأول, هذا هو رأيى الذى لن تسعدي به لكنه الرأى الوحيد الذى أراه لك للأسف إذا كنت راغبة حقا فى أن تكافئي هذا الرجل على عطائه لك.. فلقد قدم ما كنت فى أشد الحاجة إليه.. وأحسن عشرتك وأسعد أيامك عاما دراسيا كاملا وليس من العدل أن تكافئيه على ذلك بتهديد استقرار حياته, مع زوجته وأبنائه الذين لن يتخلى عنهم أبدا ولا بتعريضه لهذه المحنة التى ستؤثر سلبيا على حياته ومستقبله وأوضاعه العائلية والاجتماعية.
    والحب الحقيقي عطاء وتضحية لمن نحب يا سيدتى وليس أخذا فقط وأنانية, وأنت تعيبين على الأخريات "أنانيتهن" فأحرى بك أنت أيضا ألا تكوني واحدة منهن, وألا تنظري للأمور من ثقب الابرة الضيق الذى لا ترين منه إلا رغباتك وأهواءك.. ولن أقول "ومصلحتك" أيضا فى الإستمرار فى الغربة ومواصلة جنى الثمار بلا حاجة ماسة ولا ضرورة ملحة.
    لقد كنت على وشك أن أنصح زوجك بأن يواجه زوجته بالأمر الواقع ويتحمل تبعات ذلك فإما أن تقبل به وتستمر معه.. وإما أن تنفصل عنه.. ويتمزق الأبناء بينهما لكنى راجعت نفسى فى ذلك وسألتها ولمصلحة من تنهدم هذه الأسرة المستقرة ويشقى أبناؤها.. وتتعرض هذه الزوجة الطيبة المريضة لجزاء سنمار وطعنة الغدر, ولا شئ يربط بينه وبينك فى النهاية سوى وثيقة زواج صوري بدأ سريا ويمكن أن تنفصم عراه فى أية لحظة وبلا خسائر كبيرة على الجانبين, بل وحتى لو كانت الخسائر كبيرة فهى خسائر شخصية فى النهاية ولا تنسحب إلا عليك وعليه وحدكما, ولا تمتد إلى أبناء أبرياء أو زوجة لا ذنب لها فى أقدارك كما هو الحال لو تمزقت أسرة هذا الرجل..
    إذن فكلاكما قادر على التضحية بإعتباراته الشخصية حرصا على إستمرار هذه الأسرة المهددة وكلاكما قادر على النسيان أيضا بلا عناء كبير بدليل "عودتك للحياة" سريعا بعد رحيل زوجك الأول بشهور قليلة بدليل نظرية زوجك العجيبة عن "الزوجة الحاضرة" و "الحب الذى لا يتجزأ"..
    والحب الحقيقى يا سيدتى إنما يمتحن بالتضحيات.. فهل تحبين هذا الرجل حقا؟ وهل أنت قادرة على أن تقدمى له هذه التضحية العادلة بالإنسحاب من حياته دون أن تكبديه وتكبدى زوجته وأبناءه الآلام والمعاناة؟
    أم أننا لا نحب الحديث عن التضحية إلا إذا كانت مطلوبة فقط من غيرنا؟



˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙
كتبها من مصدرها بكتاب أقنعة الحب السبعة
ليليان علي

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali



إقرأ المزيد Résuméabuiyad

 

سجل إميلك وتوصل بمواضيعنا :