رائحة الورد .. رسالة من بريد الجمعة


رائحة الورد وأنوف لا تشم‏..‏ قصة الراحل الأديب إحسان عبدالقدوس‏..‏ قرأتها في فترة زمنية ماضية ولكنني أعيش فصولها الآن ــ وحتي لا أطيل عليك أقول لك إنني منذ ثلاثين عاما كنت ابنة وحيدة وسط ثلاثة أشقاء ذكور لأب وأم من الأسر المتوسطة المكافحة‏,‏ وتميزت بين جميع من حولي بالجمال والذكاء وخفة الروح‏,‏ ثم التحقت بإحدي كليات القمة في جامعة إقليمية بمحافظة مجاورة لمدينتنا وأقمت في المدينة الجامعية‏,‏ فاغتربت لذلك لأول مرة عن أهلي وأكسبني ذلك صلابة وقوة شخصية‏,‏ ثم تعرفت على زميل لي في الكلية يفوقني في المستوي الاجتماعي والمادي وإن كنت أسبقه في المستوى العلمي‏,‏ وتحاببنا وقدمته لوالدي الذي رفضه أولا لصغر سنه‏,‏ ثم وافق عليه مضطرا أمام إلحاحي عليه وتمسكي به‏,‏ وأيضا لسمعة أسرته الطيبة وأخلاقه الحميدة‏,‏ وتمت الخطبة ونحن طالبان‏..‏ وكان ذلك حافزا لنا لمواصلة الدراسة بكفاح وجدية‏,‏ حتي ارتفع مستواه التحصيلي وصرنا معا من أوائل الخريجين‏,‏ وتم تعيينا معيدين في نفس الكلية‏,‏ وواصلت مشوار الكفاح حتي وصلنا للأستاذية معا وأصبح لدينا ابنة شابة جميلة وولدان في مراحل التعليم المختلفة‏,‏ وقد ورثت ابنتي عني الجمال والذكاء وخفة الروح‏,‏ وازدادت عني أناقتها ورشاقتها وإجادتها لكل أعمال الكمبيوتر‏,‏ وقد اتبعت نفس طريقي‏,‏ وتم تعيينها معيدة في نفس الكلية التي نعمل بها‏,‏ وبالرغم من أدبها وأخلاقها التي يشهد لها بها الجميع فإنه لم يتقدم لها أحد حتي الآن‏,‏ وقد بلغت السادسة والعشرين من عمرها‏..‏ ومازالت آنسة‏..‏ والكل يخشي أن يتقدم لها خشية الرفض‏,‏ نظرا لمستوانا الاجتماعي والمادي‏,‏ وبلدتنا التي نقيم بها صغيرة وهي أقرب إلى القرية منها إلي المدينة‏,‏ ومعظم شبابها بسطاء مكافحون‏..‏ مع أنني لا أضع شروطا مادية للشاب الذي أريده لابنتي‏,‏ ولكني فقط أطلب المستوي الثقافي والاجتماعي الذي تعيشه هي فيه‏..‏ فهل هذا كثير؟؟ وهل أنا مخطئة في ذلك؟
ماذا أفعل‏..‏ هل أعرضها للزواج واقلل من كبريائها وكرامتها عل أريق ماء وجهي‏,‏ أعرض هذه المشكلة علنا على اصدقائنا ومعارفنا‏..‏ إنني أرها هذه الأيام ذابلة منكسرة‏..‏ فقدت المرح المعهود فيها هي تري زميلاتها في الكلية يتزوجن الواحدة تلو الأخرى ..‏ لماذا لم تحظ ابنتي بالحب مثلي لقد كنت أود أن تلتقي بشاب يحبها ويغرم بها ويطلبها للزواج‏,‏ فالحب شئ جميل ولابد منه قبل الزواج‏,‏ وهو اكسير الحياة الذي يجعلنا نصبر علي مصاعبها‏..‏ فمن أين آتي لها بالحب حتى تشعر أنها مرغوبة محبوبة‏,‏ وتحس بانوثتها مثل زميلاتها‏..‏ إنني أتعذب من اجلها وأصلي ليل نهار ولا دعاء لي إلا أن يرزقها الله بشاب يغرم بها ويتقدم  لها طالبا ودها‏..‏ وماذا أفعل
في الأنوف التي لاتشم رائحة الورد هذه الفواحة؟

ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏
حتي الزهور الجميلة تحتاج لأن تكون ظاهرة للعيان لكي تكتشفها الأنوف الحساسة‏..‏ وتنجذب إلى رائحتها الفواحة‏.‏ لهذا فلا بأس أبدا يا سيدتي بأن يضع كل إنسان زهوره البديعة في شرفته لكي تنثر أريجها المعطر في المكان‏..‏ ولا بأس بأن تصطحب الأم ابنتها الشابة التي بلغت سن الزواج وترجو لها السعادة والأمان معها في زياراتها إلي بيوت الأهل والأصدقاء والمعارف في المناسبات المختلفة‏,‏ حيث توجد الأنوف المرشحة لتقدير مزاياها‏.‏ ولا لوم على الأم إن هي تطرقت في حديثها للأصدقاء والمعارف عرضا إلى رؤيتها الخاصة لزواج ابنتها‏,‏ وكيف أنها لا تضع الاعتبارات المادية في المقام الأول عند الاختيار‏,‏ وإنما ترجو لها فقط أن تسعد بالحب والوفاق والتفاهم مع من يتقارب معها في المستوي الثقافي والاجتماعي‏,‏ وليس ضروريا أن تتماثل ظروفه مع ظروفها‏,‏ لأن التقارب وحده يكفي في مثل هذه الحالة‏.‏ وليس في ذلك ما يسيء إلي الكرامة أو الكبرياء ولا ما يريق ماء الوجه كما تتصورين إذ انك لا تروجين لسلعة فاسدة تتحايلين علي التصرف فيها بأي طريق‏,‏ وإنما أنت فقط تتيحين للباحثين عمن تكون لها مثل مزايا ابنتك ومؤهلاتها فرصة العلم بوجود هذه الزهرة الجميلة في حديقتك الصغيرة‏.‏

أما الحب الذي ترجينه لابنتك لكي تستمتع به في حياتها  
العائلية كما أتيح لك حظ التمتع به فلسوف يجئ في موعده حين يعرف فارسها المقدور لها في علم الغيب طريقه إليها بمثل هذه الوسائل المساعدة‏..‏ أو حين تجمعه أقداره بها عن طريق الصدفة المسجلة في اللوح المسطور ولسوف تنهل هي بعمق من نبع الحب الصافي كما نهلت أنت منه‏..‏ ولسوف تصدق عليها عبارة الروائية الفرنسية جورج صاند التي تقول‏:‏ أي ينبوع متدفق من السعادة يملأ حياة الإنسان حين يطيع من يهواه‏..‏ فإذا أرادت المرأة أن تستمتع بشهر عسل لا ينتهي أبدا فإن عليها أن تحب زوجها حبا صادقا وقويا ومستمرا‏.‏
وإن غدا لناظره قريب بإذن الله‏.‏

* نشرت بتاريخ 24 مايو 2002

˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙

نقلها من أرشيف جريدة الأهرام 
Rofida Mohamed Ismail

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali



إقرأ المزيد Résuméabuiyad

الحزام المشدود .. رسالة من بريد الجمعة


أكتب إليك رسالتي هذه لأقص عليك مأساتي التي أعيشها أنا وأبنائي مع زوجي الذي يعمل أستاذا جامعيا وله من عمله دخل ممتاز إلي جانب دخله من المشروعات المتعددة التي تعود عليه بالربح الوفير‏.‏ فلقد تخرجت في كلية مرموقة بتقدير جيد لكني لم أعمل‏..‏ ولعلي لو كنت قد عملت عقب تخرجي لربما كانت معاناتي مع المشكلة التي أكتب لك بشأنها أخف وطأة‏.‏
أما سبب لجوئي إليك فهو أن زوجي شديد الإعجاب بك وبردودك على من يطلبون مشورتك للخروج بهم من الأزمات التي تواجههم‏,‏ ولأني على ثقة من أنه سوف يسمعك ويعمل بنصيحتك ويرحمنا من العذاب الذي نعانيه‏.‏
فزوجي بالرغم من سعة رزقه يبخل علينا بماله ولا يعطينا منه شيئا على الإطلاق ولكي تشعر بجدية مشكلتنا فسوف أحكي لك عن نظام حياتنا معه‏..‏ فنحن لدينا أبناء في مراحل التعليم المختلفة من الحضانة حتي المرحلة الاعدادية‏,‏ وزوجي يحرمهم جميعا من المصروف ولا يعطي أحدا منهم قرشا واحد كمصروف شخصي له بحجة أن إعطاءهم النقود 
سيؤثر سلبيا علي أخلاقهم ويعرضهم للإنحراف ومجاراة أصدقاء السوء‏!..‏ والنتيجة هي ان أبنائي يمدون أيديهم لزملائهم في المدرسة ليأخذوا منهم قطعة حلوى أو لبان أو شبسي لأنه لا وسيلة لهم لتذوق مثل هذه الأشياء التي يتطلع إليها الأطفال إلا بتسولها من زملائهم الذين يقولون لهم أنهم شحاذون‏..‏ ويرجع إلي أبنائي ليشكو لي من ذلك‏!‏
كما أن زوجي يحرمنا جميعا من شتي انواع الفاكهة بحجة أنها قد تم رشها بالكيماويات والمبيدات الخطيرة جدا علي صحة الإنسان‏,‏ ونظرا لأنه يخاف علينا من أضرارها فهو يحرمها علينا ولا يسمح بشرائها أو دخولها البيت مع أنني قد أكدت له مرارا وتكرارا أن نغسل الفاكهة جيدا بالماء النظيف يكفي لتجنب هذه الأضرار‏.‏
أما عن الطعام فنحن لا نعرف منه طوال أيام الاسبوع إلا الأنواع الشعبية الرخيصة كالفول والطعمية والكشري الأسكندراني وهي طعامنا كل أيام الأسبوع إلى أن يجيء يوم الجمعة‏..‏ وهو اليوم العالمي للتغذية في حياتنا فيقوم زوجي بشراء كيلو جرام من اللحم المجمد ويدخل به المطبخ ليطهوه بنفسه لكي ينفرد به ويظل يتسلي بالتهام معظمه خلال الطهي والابناء ينتظرون الغداء الشهي بفارغ الصبر‏,‏ وبعد ساعات من غياب زوجي بالمطبخ يخرج علينا وقد وضع لكل فرد منا قطعة صغيرة من اللحم على طبق الأرز ويبدأ يوم الغداء العالمي في بيتنا‏.‏
أما أنواع الحلوى من الجاتوه والشيكولاته والبونبون فكلها بلا استثناء من المحرمات علينا لأنها تهدد أسنان الأبناء بالتسوس وهو يريد لأبنائه ولي بالطبع أسنانا سليمة ناصعة البياض‏!‏ وذلك بالرغم من أنه حين يشهد معنا حفل زفاف أو  
قران لأحد الأقارب يلتهم كل مايقع تحت يده من التورتة والجاتوه بلا رحمة‏,‏ ويحث أبناءنا علي أن يلتهموا منها بقدر ما يستطيعون‏,‏ لكي تمدهم بالنشاط وتعينهم على السهر حتى نهاية الفرح كما يقول لهم‏!‏
فضلا عن أنه يمسك بمصروف البيت في يده ولا يعطيني مليما واحدا منه بدعوى أن السيدات لا يصلحن لإدارة الشئون المالية للأسرة ولأنهن قد خلقن كما يقول لرعاية الزوج والسهر علي راحته وراحة الأبناء ولهذا فان الزوجة المثالية كما يؤكد لي مرارا وتكرارا هي خادمة وعشيقة فقط ولا تصلح لأي شيء آخر‏!‏
والنتيجة يا سيدي هي أنه لولا مساعدة أبي المادية لي لما استطعت اجتياز كثير من مصاعب الحياة التي واجهتها وأوجهها كل يوم‏..‏ لكني أشعر بالحرج الشديد من مساعدة أبي لأنه أحق بما يعطيه لي وقد أدي رسالته نحوي ونحو أخوتي على أكمل وجه ولم يحرمنا من شيء‏..‏ فإذا بي أصبح عبئا عليه أنا وأبنائي وأنا أعيش في كنف رجل آخر كل همه هو الادخار والادخار فقط‏.‏
لقد تحدثت إلى زوجي مرارا وتكرارا ولجأت إلى أهلي وإلى أهله لكي ينصحوه بأن يرحمنا ويخفف عنا جفاف حياتنا‏..‏ فكان رده علي وعلى الجميع أن لديه مشروعات عديدة وطموحات كبيرة لابد له من أن يحققها أولا قبل أن يتخفف من هذا الجفاف‏.‏ حتى والده الرجل الطيب قال له‏:‏ إرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء‏..‏ فأجابه بنفس الرد وطلب منه أن يدعه يحيا حياته كما يريدها مؤكدا له انه لا يحرمنا من شيء‏!‏
وبعد فشل جميع المحاولات من جانب والدي ووالده قررت  
أن أطلب منه الطلاق لأتخلص من هذه الحياة المهينة القاسية الجافة‏..‏ لكني بعد أن قرأت رسالة الطفلة التي نشرتها بعنوان البيت الجميل والتي تشكو من حرمانها هي وشقيقتها من أمها بعد طلاقها من أبيها‏,‏ شعرت بالحزن والأسي‏..‏ واستشعرت خطورة كلمة الطلاق وخشيت علي أبنائي من مصير هذه الطفلة‏,‏ وحاولت بشتى الطرق إصلاح زوجي وتذكيره بنعمة الله الجليلة علينا وهي الأبناء وكيف أن علينا أن نرعاهم ونوفر لهم الحياة الكريمة فلم يسمع لي مع أنه كاد يبكي وهو يقرأ رسالة هذه الطفلة في بريد الجمعة‏!‏
أنني لن أخفي عليك أنني قد اضطررت مع استمرار حرمانه لنا أن أخذ من ماله مبلغا بسيطا لأشتري ملابس لأولادي ولي‏,‏ ولكي أري الفرحة في عيونهم بعد طول حرمان من الملابس الجديدة يرتدونها أمام الأقارب والأصدقاء‏,‏ والنتيجة معروفة مقدما‏..‏ فقد ثار علي زوجي ثورة عارمة واتهمني بأنني نشالة ولصة وعديمة الأخلاق والتربية ووجه لي شتائم وألفاظا لا أستطيع أن أخطها لك‏.‏ وتحملت كل ذلك من أجل أبنائي كما تحملت الكثير من قبله‏.‏
أنني أرجوك أن توجه إليه كلمة تنصحه فيها بأن يرحمنا‏.‏ وتقول له أن الأبناء نعمة من الله يجب عليه رعايتها وان لهم عليه حقا ولزوجته كذلك هذا الحق فلقد قال الله سبحانه وتعالى المال والبنون زينة الحياة الدنيا وهو لا يعترف بزينة الأبناء ويعترف فقط بزينة المال‏.‏ سيدي أنك الآن الأمل الوحيد الباقي لنا للخروج مما نحن فيه من حرمان وشقاء‏..‏ فهل تستجيب لرجائي ؟

ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏
وهل تظنين حقا ياسيدتي أن كلمة أوجهها إلى زوجك العزيز يمكن أن تعدل به حقا عن الخطة التي ارتضاها لحياته‏..‏ ورضي معها لنفسه وزوجته وأبنائه بهذه الحياة الجافة المحرومة‏..‏ حتي يتطلع أطفاله إلى ما في أيدي قرنائهم ويستجدوهم بعضها ؟
لقد تحدثت في رسالتك عن ضرورات الحياة كالطعام والكساء وإشباع رغبات الأطفال مما يتفكه به الصغار‏,‏ ولم تشيري الى ما لا يعد من كماليات الحياة بالنسبة للقادرين كالنزهات والرحلات والأندية وغير ذلك مما تستروح به الأسرة وتخفف به عنها عناء الأيام‏,‏ ولقد فشلت مع زوجك كل جهودك وجهود أهلك وأهله في اثنائه عن هذه الخطة الشأئنة وهو الأستاذ الجامعي وصاحب المشروعات والأعمال والطموحات‏,‏ فكيف تنجح اذن كلمة من ناصح مثلي فيما فشل فيه الأقربون‏..‏ وكيف تحرك في قلبه ومشاعره ما لم تحركه نظرات الحرمان في عيون الأبناء ؟
إن البخل آفة لا علاج لها للأسف‏..‏ ولا أمل كبيرا في الشفاء منها إلا في أندر الأحوال‏,‏ وتحت تأثير قوى قهرية ضاغطة لا يملك معها صاحبه إلا أن يتنازل كارها عن بعض شحه وتقتيره وليس عن كله تجنبا لأضرار أكثر عليه خطرا من تفريطه المحدود في المال كخطر انفراط عقد الأسرة بالطلاق مثلا ان لم يستجب لمطالب الزوجة بالانفاق عليها وعلي الأبناء بما يليق بمستواه الاجتماعي والمادي أو ما شابه ذلك من الضغوط‏.‏ أما عدا ذلك من المناشدات والرجاءات فلا تحرك ساكنا لدى من يرى في المال قيمة تعلو على كل أهداف الحياة وفي مقدمتها سعادة الأبناء والزوجة واستقرار الحياة الزوجية وهناؤها‏ 
لهذا فإن أفضل السبل لمواجهة هذا الحرمان الذي تكابدينه هو ان يكرر والده ووالدك ضغطهما عليه بشدة لتحديد مبلغ عادل يتناسب مع مطالب الأسرة واحتياجات الحياة للانفاق عليها شهريا سواء تمسك هو بإدارة موازنة الأسرة أو تخلى عنها لك‏,‏ ولو تطلب الأمر أن يتعهد والده بضمان انفاقه لهذا المبلغ أو تقديمه لك كل شهر‏,‏ مع التأكيد له بان ذلك لن يؤثر علي خططه للاثراء وتنفيذ الطموحات والمشروعات‏,‏ وان كنت مازلت أعجب ممن يحرم نفسه وأبناءه وزوجته من ضرورات اليوم لحساب رفاهية مؤجلة غير مضمونة في الغد‏..‏ وقد تجيء وقد لا تجيء وإذا جاءت فقد تجيء بعد ان تكون الصحة قد غابت وفقدت النفس قدرتها علي الاستمتاع بمباهج الحياة‏..‏ أو قد تجيء وقد تشبعت نفوس الأبناء بالمرارة تجاه الأب الذي حرمهم في طفولتهم وصباهم وربما شبابهم أيضا من بهجة الحياة‏,‏ فلما أصابوا الثراء في شيخوخته لم يحملهم ذلك علي تغيير نظرتهم إليه ولم يشفع له عندهم في اكتساب مودتهم ومشاعرهم التي أفسدتها مرارة الحرمان سنوات طوالا‏.‏
مع ان العقل يقول لنا ان الإنسان ليس مطالبا بان يحرم يومه مثل هذا الحرمان القاسي لحساب غده الذي قد يجيء وقد لا يجيء وأنه يستطيع مادام قادرا أن يحيا حياة كريمة معتدلة بغير أو يؤثر ذلك علي خططه للمستقبل اذا كان مقدرا له من الأصل أن يكون ذات يوم من أهل الثراء ولم يكن من الواهمين الحالمين والذين يجرون وراء سراب حلم الإثراء الواسع بغير قدرات ولا مؤهلات يرشحهم له‏.‏
والحق أنه تحيرني دائما قدرة الإنسان علي خداع النفس والغير وعلي استخدام المبررات النبيلة في تبرير الأفعال  
والتصرفات الشائنة وهي سمة ينفرد بها الإنسان دون بقية الكائنات التي لاتخفي رغباتها وغرائزها‏..‏ ولا تحاول تجميلها والباسها ثوب الفضائل والنبل فزوجك يا سيدتي يحرم أطفاله من المصروف ـ بخلا وشحا وتقتيرا عليهم ـ لكنه لا يعترف بذلك لنفسه ولا لك وإنما يبرره برغبة نبيلة وهدف تربوي سام وهو ان يحميهم من خطر الانحراف الأخلاقي‏!‏ ويغيب عنه في نفس الوقت ان من الوسائل التربوية أيضا التي تبني شخصية الطفل وتساعده علي استقلالية التفكير والتصرف أن يتعود منذ الصغر علي التعامل مع النقود وشراء احتياجاته بنفسه وحساب تكلفتها وموازنة دخله من المصروف مع انفاقه علي متطلباته الصغيرة‏!‏
وزوجك يحرم نفسه وزوجته وأطفاله من كل أنواع الفاكهة والحلوى فلا يعترف لكم بأنه إنما يفعل ذلك ــ شحا وتقتيرا ـ لكي تزداد مدخراته علي حساب حرمان أطفاله مما تهفو إليه نفوسهم‏,‏ وإنما يبرره بالحرص علي صحة أفراد أسرته وسلامة أسنانهم‏!‏
وهكذا يتواصل خداع النفس والغير إلي ما لا نهاية‏,‏ واذا كنت قد افتقدت في رسالتك تبريره النبيل لحرمان أسرته وهو الرجل القادر من أطايب الطعام طوال أيام الاسبوع إلي أن يجيء يوم الغذاء العالمي كل جمعة‏,‏ فلن يكون غريبا أن يبرر لكم ذلك أيضا بحرصه علي رشاقة أجسام أفراد الأسرة وحمايتها من أضرار السمنة‏!‏
والكارثة ليست فقط في أن يرضي هذا الأستاذ الجامعي وصاحب المشروعات والطموحات لأسرته بمثل هذا الحرمان الشائن من ضرورات الحياة‏,‏ لكنها أيضا في هذه  
الحمى التي تنتاب البعض للاثراء والرغبة في التحول بقدرة قادر إلي أصحاب ملايين ولو اضاعوا في سبيل ذلك اسرهم وأبناءهم وأهانوهم بالحياة الجافة المحرومة واهانوا أنفسهم في أعين أبنائهم وشركاء حياتهم والأهل الأقربين ولكل إنسان أن يضع نفسه حيث يراها جديرة بأن تكون‏.‏ وعطاء المرء القادر لأسرته وأبنائه وزوجته إنما يكون علي قدر اعتزازه بنفسه وإحساسه بجدارته وليس فقط علي قدر إعزازه لهم‏.‏
ولقد قيل قديما لرجل‏:‏ لنا عندك حويجة أي حاجة صغيرة فأجابهم الرجل من فوره‏:‏ إذن فأسألوا لها رجيلا تصغير رجل لأنه يري نفسه أحق بأن تطلب منه الحاجات الكبيرة وليس سفاسف الأمور الصغيرة‏!‏
ولن أقول بدوري لزوجك الأستاذ الجامعي أن لنا لديه حويجة هي أن يعطي أبناءه الصغار مصروفا معتدلا ويخصص لزوجته أو لأسرته مبلغا عادلا يلبي به مطالب حياتها بطريقة كريمة تشعر الزوجة والأبناء باعتزازه بهم ورعايته لهم وحدبه عليهم وإنما سأقول له إن لنا لديك حاجة لا تطلب إلا من الرجال وهي أن ترعي أسرتك وأبناءك وزوجتك بما يليق بك وبمركزك العلمي ووضعك الاجتماعي والمادي لأن مال الدينا كله لن يعوضك عن تحول مشاعر زوجتك وأبنائك عنك خاصة بعد ان يشبوا عن الطوق ويتفهموا حقائق الحياة ويتمردوا علي الأب الذي يحرمهم مما يتمتع به غيرهم في نفس ظروفهم الاجتماعية‏,‏ وفي هذه الحالة فلسوف تنفق المال الذي تضن به عليهم الآن كارها أو راغما لكنك ستنفقه تحت ضغط الأبناء بغير أن يكون لعطائك لهم مردود عطاء الأب للأبناء الذي يتألف قلوبهم‏..‏ ويجمعهم حوله ويزيدهم  
حباله‏.‏
فأختر لنفسك ما تشاء يا سيدي فلك ـ قبل كل أفراد أسرتك ـ ما سوف تختاره لنفسك من حب الزوجة والأبناء‏..‏ وعليك ما سوف تطلبه لها من تنكرهم لك في المستقبل المنظور وشكرا‏.‏

˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙

نقلها من أرشيف جريدة الأهرام 
Rofida Mohamed Ismail

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali




إقرأ المزيد Résuméabuiyad

المظهر الفخيم .. رسالة من بريد الجمعة



منذ سنوات كنت طالبة بكلية الزراعة .. فتعرفت على شاب من رجال الأعمال كان يتردد على الكلية لاستشارة بعض أساتذتها في شئون مزرعته للدواجن أو لشراء بعض المواد اللازمة لها من مزرعة الكلية .. فأعجب بي وراح يتردد على الكلية بكثرة ، كما أعجبت به وبمظهره الفخيم ومخايل العظمة التي تبدو عليه كأنه مسئول كبير أو وزير خطير .. وتقدم لأبي طالبًا منه يدي ، فوافقت عليه رغم تحذير أبي لي من أنه لا يحمل أية شهادة ومن أنه لا يرتاح للغة المال التي يتحدث بها والتي يؤكد بها دائمًا قدرته على الحصول على أي شيء وتنفيذ أي رغبة عن طريق المال لكني لم أتراجع عن قبوله بل وسعدت بخطبته لي وبالفخامة والثراء اللذين يحيطان به .. وبدأنا الإعداد للزواج فازداد ذهولي لما أراه من إنفاق للمال بسهولة لم أكن أتخيل وجودها في الحياة وأقيم حفل الزفاف في أكبر فنادق القاهرة وشهدته شخصيات لم نكن نحلم بأن نراها عن قرب أو نصافحها ، وغادرنا الحفل إلى الفيللا الصغيرة الجميلة التي يعيش فيها فتركني وحيدة بملابس الزفاف وانتقل إلى جناح بعيد ليستقبل بعض أصدقائه ! .. ودُهشت لذلك فتلصصت عليه لأعرف ماذا يبعد زوجًا عن عروسه في ليلة الزفاف، فإذا بي أكتشف أنه من أصحاب المزاج وأنه يجلس مع 3 أشخاص ويتعاطون المخدرات ويحتسون الخمر وظل هذا الوضع العجيب حتى الفجر فتأزمت نفسيًا منه ، وأصابتني عقدة الخوف من اقترابه مني واستمرت معي بعد ذلك حتى بدأ يضربني كلما أراد أن ينالني وتكشَّف المظهر الفخيم عن شخص فظ غليظ سوقي الألفاظ والتصرفات ويؤمن بأنه اشتراني بماله فهجرت البيت واحتميت بأبي وطلبت منه أن يطلقني منه لكني اكتشفت للأسف أني قد صرت حاملاً وبكيت من القهر حين عرفت هذه الحقيقة المرة وضغطت عليَّ أسرتي لكي أتنازل عن طلب الطلاق رفقًا بهذا الجنين الذي لم يولد بعد وأراد زوجي إرضائي فقبل أن أبقى في بيت أسرتي حتى الولادة وبقيت بالفعل بضعة شهور أغدق خلالها عليَّ وعلى الأسرة كلها بالهدايا ثم وضعت طفلتي فأقام حفلاً كبيرًا ابتهاجًا بالمناسبة ووزع الهدايا على كل سكان الشارع الذي تقيم فيه أسرتي حتى لهج الجميع بشكره والثناء على كرمه وأريحيته وتعجبوا من رفضي العودة إليه .. ولم أعرف كيف أجيبهم لكني لم أجد مبررًا لاستمرار بقائي فعدت حاملة طفلتي وكلي أمل في أن تتغير الأحوال ، فلم تمضِ أيام حتى عاد زوجي إلى سيرته الأولى مع المخدرات والخمر وأصدقاء السوء ، وزاد على ذلك أن حبسني في البيت فلا خروج ولا زيارات ولا شيء سوى الفظاظة والطبع الحاد السوقي والضرب والإهانة وسب أسرتي "أسرة الشحاتين" على حد قوله – سامحه الله – ولم أجد ما أفعله سوى الصبر وانتظار عدالة السماء .. ثم مات أبي رحمه الله فعدت إلى بيت أسرتي للعزاء ورفضت بإصرار العودة لبيت زوجي وأقمت دعوى لطلب الطلاق لاستحالة العشرة بيننا وخسرتها للأسف وزاد من أسفي وهمي أن عرفت أني حامل للمرة الثانية ثم جاء زوجي يبكي لأمي ويقسم لها بكل يمين أنه قد تغير وأنه لن يعود إلى سيرته الأولى ويطلب عودتي فعدت إلى البيت وأنجبت طفلتي الثانية وبعد قليل رحلت أمي عن الحياة فاستسلمت لليأس وقررت ألا أهجر بيتي مرة أخرى وأن أعيش حياتي خادمة للطفلتين وأترك أمر زوجي لخالقه ليحكم فيه بعدله ورزقت بالمولود الثالث وكان طفلاً جميلاً فاستبشرت بأن يكون مولده بداية لانصلاح أحوال زوجي وبعده عما يغضب ربه .. لكنه لم ينصلح بل تعقدت الحياة أكثر وأكثر .. فلقد صُدمت بعد مولد طفلي بشهور بحقيقة مفزعة هي أن زوجي ليس فقط شابًا مستهترًا يتعاطى المخدرات والخمور ويسئ عشرتي .. وإنما هو أيضًا تاجر لهذه السموم وأن ما نعيش فيه من ثراء ومظهر فخيم كله من مال حرام وليس من عمله أو أعماله في مزرعة الدواجن كما كنت أتصور بغفلتي .. فتولاني رعب شديد وأصبحت أعيش في خوف دائم فإذا دقَّ جرس الباب تصورت أن الشرطة سوف تقتحم المكان وتفزع أطفالي وإذا سمعت صوت سيارة تتوقف أمام البيت تجمد الدم في عروقي وعشت لحظات رهيبة قبل أن يعود إليَّ الاطمئنان .. ولم أستطع تحمل هذه المعاناة الجديدة فاصطحبت أطفالي ولجأت إلى شقيقي وصرحت له بكل شيء وجاء زوجي يبحث عني فواجهه شقيقي بكل صراحة وطالبه بإيجاد شقة منفصلة لي بجوار مسكن الأسرة لأعيش فيها مع أطفالي وأرعاهم بعيدًا عن الحياة الموبوءة والمحفوفة بالخطر التي يعيشها ، وطالبه بطلاقي فرفض بإصرار .. فقبل أخي أن أستمر زوجة له وأن يكون من حقه أن يرى أولاده كيفما شاء ولكن بشرط ألا يبيت في شقتي وألا تقوم أية علاقة زوجية بيني وبينه بناءً على رغبتي وألا يزوره خلال زيارته لأولاده أحد من عالمه الأسود أو من أصدقاء السوء ليكون مسكني بعيدًا تمامًا عن حياته المحرمة ورضخ زوجي لكل الشروط وقام بإيجاد شقة صغيرة قريبة من مسكن أسرتي واستقللت بحياتي عنه وعشت مع أطفالي أخدمهم وأقوم بكل شئون شقتي وأسرتي الصغيرة وأحسست بالراحة والأمان لأول مرة منذ تزوجته ومنذ عرفت الحياة في الفيللا الفخيمة ذات الخدم والحشم .. وبدأ زوجي يزور الشقة من حين إلى آخر ليرى أطفالنا فأقابله بتحفظ وأؤدي له واجب الضيافة كأي ضيف غريب وهو يكظم غيظه وينتظر الفرصة المناسبة لكي يفرض عليَّ سطوته كما كان من قبل لكن عدالة الله كانت أسبق من تدبيره فلقد انكشف أمره وسقط زوجي في يد الشرطة مع أفراد شبكة كبيرة لتجارة المخدرات وحكم عليه بالسجن 15 عامًا وطُلقت منه بحكم القانون وعشت لأولادي وعملت موظفة بأجر بسيط ويساعدني شقيقي ماليًا على مواجهة أعباء الحياة وبعد خمس سنوات من الوحدة ساق لي القدر رجلاً في الخمسين من عمره تُوفيت زوجته وله ابنتان وهو جار لنا ومشهود له بالتقوى والصلاح ويعمل مديرًا بإحدى شركات القطاع العام فطلب الزواج مني ورفضت أسرتي كلها لكني قبلت الزواج منه وتم الزواج وعرفت معه الحب والتفاهم والإخلاص والحياة الفاضلة الآمنة المطمئنة لأول مرة وأدينا معًا الحج والعمرة في العام الماضي وأعيش الآن معه سعيدة راضية بحياتي لكني أواجه مشكلة صعبة يا سيدي هي أطفالي ! فلقد ضمتهم أم مطلقي لها بمجرد زواجي وترفض أسرة مطلقي بإصرار السماح لي برؤيتهم ويهددونني إذا حاولت ضمهم أو رؤيتهم بإيذاء ابنتيْ زوجي وإثارة المتاعب له في عمله وحياته وهم قادرون على ذلك بالرغم من أنهم يعتبرون من تجار المخدرات حيث أن لهم معارف في كل جهة ولهم نفوذ وسلطان ! وقد قابلت أم مطلقي وتوسلت إليها أن تسمح لي بتربية الأطفال إلى أن يبلغوا السن القانونية ثم تضمهم إليها أو تأذن لي برؤيتهم من حين لآخر وقبلت قدمها باكية ليرق قلبها .. فلم يرق يا سيدي وتمسكت بألا تسمح لي بذلك إلا إذا طُلقت من زوجي وبشرط أن أقيم مع أسرة أبيهم حتى تنتهي فترة سجنه بعد تسع سنوات . وأنا الآن يا سيدي لا أنام ووجوه أولادي الثلاثة لا تفارق مخيلتي .. ولا أريد أن أتسبب في إثارة أية متاعب للرجل الوحيد الذي شعرت معه أني أنثى وسيدة محترمة وعرفت معه الحياة الطبيعية الفاضلة من متعة مشروعة لا يعقبها أي إحساس بالذنب ومن صلاة وصيام وتقوى وصلاح وإحساس بالسكينة والأمان لكني من ناحية أخرى لا أقوى على احتمال بعد أطفالي عني إلى الأبد ... فهل أستجيب لما تريد جدتهم أن تكرهني عليه وأطلب الطلاق من زوجي الطيب الفاضل وأعود لخدمة أطفالي وأنهي حياتي خادمة لهم مع العلم بأني مازلت في الخامسة والثلاثين من عمري ؟ أم ماذا أفعل ؟ لقد فاتحت زوجي بكل ما يثقل على صدري فكان كعهده دائمًا رجلاً متزنًا وعادلاً فلم يغضب بل قدَّر معاناتي واغتم لغمي وأشفق عليَّ ونصحني بأن أفكر طويلاً قبل أن أتخذ أي قرار وبأن أستشير في أمري وأستعين برأي غيري فيه لأنه صعب وقد اتفقنا بعد تفكير طويل على أن نستشيرك في ذلك وأن نؤكد لك أنه على هدي نصيحتك سوف نتوكل على الله الحي الذي لا يموت ونتخذ قرارنا في هذه المشكلة فأرجو أن تعيننا على الاختيار وأدعو الله أن يهيدك إلى الرشاد في أمرنا كما أدعوه أن تكون رحيمًا بي والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

·      ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
أقسى اختيار يواجهه الإنسان هو أن يختار بين أمرين كلاهما حق وعدل وله أسبابه المنطقية المشروعة وهذا للأسف هو ما تواجهينه الآن فأنتِ يا سيدتي إذا اخترتِ أطفالكِ وضحيتِ بزوجك وسعادتك وأمانك فإنما تختارين عدلاً بلا رحمة ، وأنت من ناحية أخرى إذا اخترت حقك المشروع كإنسانة في السعادة والحياة مع زوج تجدين معه كل ما حُرمت منه في تجربتك الأولى المريرة لم تتعدِّ الحق المشروع . ولا لوم عليك في كلا الاختيارين وإنما اللوم كل اللوم على من جعلوا من كل منهما بديلاً للآخر وما كان أسهل عليهم لو التزموا الحق والعدل أن يسلموا لك بحقك المشروع في الزواج وبحقك العادل في رؤية أطفالك ورعايتهم حتى وهم في كفالة أسرة زوجك إن عز عليهم أن يسلموا لك بحضانتهم حتى يبلغوا السن القانونية .

وحين يواجه الإنسان مثل هذا الاختيار المرير فإن أفضل ما يفعله هو أن يستعين بعقله وعقول الآخرين معه على أمره ولقد قيل ذات يوم لعمرو بن العاص : ما العقل ؟ فأجاب : الإصابة بالظن ومعرفة ما سيكون بما قد كان ! فإذا كان ذلك صحيحًا فدعينا نحاول استشراف ما سوف يكون اهتداءً بما قد كان من سيرة زوجك وتجربتك معه .

إنك يا سيدتي إن ضحيت بزواجك وعدت للإقامة مع أسرة زوجك السابق فقد يستقر جانبك بقربك من أطفالك ولكن إلى متى ؟ وبأي ثمن ؟ إن وجودك في محيط الأسرة سوف يجعلك هدفًا لضغط نفسي واجتماعي من جانبه للعودة إليه مرة أخرى فهل أنت على استعداد لذلك ! وهل تنبئ تجربتك الماضية معك ومع الحياة بأمل كبير في انصلاح أحواله في المستقبل وحتى إذا استطعتِ الصمود لمحاولات العودة وعشت لأطفالك فقط كما كان حالك قبل الطلاق فهل أنت قادرة على مواجهة الحياة وحيدة طوال العمر .. إنك وحدك من تقرر هل تستطيعين الاستغناء عن الزواج إلى النهاية أم لا لكن الزواج من ناحية أخرى فريضة وواجبًا على من يستطيعه ويرغبه بشدة ويخشى على نفسه من الزلل إن حرم منه لأن إعفاف النفس بالزواج أمر مشروع ومطلوب أيضًا وأغلب ظني أن تجربتك الفاشلة الأولى قد ضاعفت من حاجتك للزواج الصحيح الذي يطمئن به القلب وتسكن فيه النفس إلى من يشاركها رحلة الحياة .

ورغم شدة تحفظي على استسهال ترجيح السعادة الشخصية على مصلحة الأبناء فإني أتنازل عن هذا التحفظ في حالات استثنائية قليلة كألا تكون الزوجة هي التي سعت إلى تدمير حياتها العائلية جريًا وراء سعادتها بغير وضع مصلحة الأبناء في الاعتبار ، وكأن تكون قد اضطرت إلى الانفصال عن زوجها في ظروف خاصة كظروف زوجك ففي مثل هذه الحالات الخاصة لا يستطيع المرء أن يطالب أمًّا بأن تضحي بنفسها إلى الأبد ما لم تكن راغبة في ذلك عن اختيار تلقائي لا يطرح نفسه للمناقشة ومن حقك إذًا أن تختاري ألا تعيشي هدفًا لمحاولات زوجك السابق لاستئناف الحياة الزوجية معه وأنت لا ترغبين في ذلك وليس في ماضيه وحاضره ما يرشحه لآمال كبيرة في انصلاح أحواله ومن حقك أن تحاولي التوفيق بين حاجتك الإنسانية إلى أطفالك وحاجتك الإنسانية أيضًا إلى زوجك الذي لم تعرفي الأمان والسلام إلا معه كما أنه من حقك بكل تأكيد أن تتعلقي دائمًا بالأمل في أن تلين القلوب المتحجرة الآن أو غدًا أو بعد غد فتسمح لك برؤية أطفالك وباستمرار العلاقة الإنسانية المشروعة بينك وبينهم سواء أكنت زوجة لغير أبيهم أم لا ... فأنت أمهم في كل الأحوال وهؤلاء الأطفال الصغار سوف يشبون عن الطوق إن آجلاً أو عاجلاً وسوف يسعون إليك كما تسعين إليهم ... ولن تنجح مؤثرات الأسرة في منع التواصل الفطري الإنساني بينك وبينهم ولست أفضل أن تستعيني بالقانون على تمكينك من رؤية أطفالك حفاظًا على ما بقي من شعرة العلاقة الإنسانية بينك وبين أسرة زوجك السابق لكنك إن فعلت فلا لوم عليك .

لهذا كله فإني قد أستخير ربي وأنصحك ربما للمرة الأولى بألا تضحي بحياتك المستقرة مع زوجك وأنصحك بألا تكفي عن محاولاتك السلمية لرؤية أطفالك وبأن تكتبي إلى زوجك السابق لتستعيني به على أسرته لتسمح لك بذلك فلعل كروب الحياة وراء القضبان قد علمته ألا يظلم غيره عسى أن يفرج الله كربه ولا شك أن أسرته إنما تنفذ أوامره بحرمانك من أطفالك فإذا خاطبت قلبه كأب فمن يدري فلربما لان وكفَّر عما ارتكب في حقك وفي حق الحياة بألا يزيد من آثامه بهذا الظلم البين لك ولأطفاله معًا فهو لا يحرمك منهم فقط وإنما يحرمهم أيضًا منك وحاجتهم إليك تزيد على حاجتك إليهم فلماذا يعاقب أبناءه بما فعل هو بحياته ... ولماذا لا يتقرب إلى ربه بالتخلي عن هذه القسوة اللا إنسانية ؟


قد لا يكون الأمل كبيرًا في استجابته لنداء الرحمة والحق والدين وقد يكون الأمل واهيًا ... لكنه قائم دائمًا وسيظل قائمًا للأبد ذلك أن كل إنسان مهما كان طريقه في الحياة لا يخلو من جوانب إنسانية وجوانب رحمة كامنة في أعماق النفس فإذا عرفنا كيف نمس أوتارها فقد يفاجئنا بأكثر مما كنا نحلم به من عدل وشهامة . وما ضاع حق مشروع وراءه مطالب يتمسك بالأمل في عدالة السماء ... ورحمة البشر .

˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙

كتبها من مصدرها بكتاب رسائل محترقة
Rofida Mohamed Ismail

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali




إقرأ المزيد Résuméabuiyad

صديقي .. ما أعظمك !


كنا ثلاثة من الأصدقاء تجمعنا كلية واحدة وهواية الأدب وحسن الظن بأنفسنا  كعادة غيرنا في مثل هذه السن ، وكان من بين هواياتنا الاستماع إلى الموسيقى الكلاسيك في حفلات أوركسترا القاهرة السيمفوني صباح كل يوم جمعة ، وكان  أوركسترا القاهرة في شبابنا يقدم حفلات صباحية في دار الأوبرا كل أسبوع  للطلبة بأسعار رمزية فندخلها بقروش ونحلق في سماوات الخيال مع أنغام  الموسيقى ونظل طوال الأسبوع نتحدث عنها ونسترجعها ونستعيد صورة المايسترو  اليوجسلافي العظيم فرانز ليتشاور وحركاته وايماءاته وانحناءاته أمام  الجمهور ... وبعد عدة أسابيع من مواظبتنا على حضور هذه الحفلات اعتبرنا  أنفسنا خبراء بالموسيقى واستشعرنا نوعًا من الاستعلاء الثقافي المزيف  فأصبحنا نملأ أفواهنا بالحديث عن موزار وفاجنر وفيفالدي وباخ وهاندل  وبيتهوفن ، وندعي القدرة على تمييز موسيقى كل منهم ... ونجلس في قاعة الأوبرا  متحفزين لأي صوت يصدر من المستمعين لنسكته بأنفة ثقافية تليق بالمقام  ونتربص بعنف بمن يخطئون ويهمون بالتصفيق في فترات الصمت بين حركات  السيمفونية التي ينبغي ألا يتخللها أي تصفيق مع أننا وقعنا في نفس المطب  مرارًا في بداية حضورنا للحفلات فكان الحاضرون أكثر رفقًا بنا ... ولفتوا  أنظارنا برقة إلى ضرورة الانتظار حتى ينتهي عزف السيمفونية كلها ثم نبدأ في  التصفيق مع الآخرين وفي هذه الفترة من العمر كانت أغاني عبد الحليم حافظ العاطفية ترطب حياتنا ولم نكن نرى بأسًا فى مشاركة الآخرين اهتمامهم بها  رغم تميزنا الموسيقي ! فكنا نترنم بها ونتبادل الإعجاب بأصواتنا "الرقيقة" !
  ثم حدث أن نظمت كليتنا حفلها الغنائي السنوي ودعينا بما لنا من  "خبرة" فنية للاشتراك في ترتيب فقرات الحفل فتقبلنا المسئولية بتواضع  وانهمكنا في التنظيم وراء الكواليس ، وتوالت فقرات الحفل حتى جاء دور مطرب  شاب كان في بداية شهرته وقتها ، ووجدنا أنفسنا أمام أزمة طارئة فلقد جاء  المطرب الشاب ومعه 5 عازفين من فرقة شهيرة أراد أن يضمهم للفرقة الموسيقية  التي تقدم فقرات الحفل فاعتبر عازفوها ذلك إهانة لقدراتهم ورفضوا وانسحبوا  إلى الكواليس ... وسألنا المطرب الشاب باشفاق ماذا ستفعل يا أستاذ
فقال  باستهانة : لا يهمني سأغني بمصاحبة هؤلاء العازفين الخمسة فقط فأعجبنا  بشجاعته وشددنا أزره فإذا به يفاجئنا بطلب غريب هو أن نسانده بترديد مقاطع  أغانيه وراءه على المسرح !  وألجمتنا المفاجأة فلم نتكلم واعتبر هو الصمت  علامة الرضا ودخل المسرح وعزفت الفرقة المقدمة الموسيقية والتفت إلينا  يدعونا للدخول لكننا تسمرنا مكاننا بالكواليس عاجزين عن الحركة ...
  فأشار إلينا أن نردد وراءه من الكواليس وبدأ الغناء وانتظر أن نطلق  أصواتنا بالترديد وراءه فلم يسمع شيئًا فاقترب منا وشجعنا على الترديد  وأشار لعامل المسرح أن يقرب منا أحد الميكروفونات ثم عاد إلى مكانه وبدأ  يردد المقطع الثاني ... وانتهى منه ثم نظر إلينا مشجعًا فوجدنا في أنفسنا  الشجاعة هذه المرة لأن نغني فبدأنا نردد هامسين والمطرب ينظر إلينا باسمًا  ... ثم علت أصواتنا تدريجيًا فإذا بابتسامته تختفي ووجهه يكفهر ثم راح يغني  المقطع الثالث مكتئبًا فأشار لنا أن نسكت لكن هيهات أن نسكت بعد أن نجحنا  في التخلص من جمودنا وخجلنا بصعوبة ... فسكت على مضض حتى انتهى الترديد وهم  بمواصلة الغناء فإذا بأحدنا يخطئ بتكرار الترديد من جديد ... فلم ندعه في  محنته وحيدًا واندفعنا لنجدته بأصواتنا المميزة فإذا بالمطرب الشاب يفقد  أعصابه وقد أحس بالكارثة فتخلص من رقته العاطفية وصاح في عامل المسرح بجفاء  :
شيل الميكرفون يا جدع !

فجاء عامل المسرح مسرعًا يحمله من أمامنا ونحن  مستمرون في الغناء وكل من حولنا يضحكون حتى تنبهنا فجأة للمأزق فسكتنا ونحن  نتعثر في خجلنا وعارنا .. لكننا لم نستسلم للإحباط طويلاً فقد تأملنا  الموقف بنظرة فلسفية مناسبة ثم انفجرنا ضاحكين ونحن نواسي بعضنا البعض بأنه  لا مكان للأصوات الأوبرالية ولا الثقافة الموسيقية الرفيعة في هذا المكان !  .. ومن هذا اليوم البعيد تعلمت درسًا هامًا من دروس حياتي هو أن رأيي في  قدراتي ليس هو المعيار الصحيح للحكم عليها ... وأن الأهم هو رأي الآخرين  فيها !. فمن لا يسمع سوى صوته لا يستطيع أن يحكم بصدق عما إذا كان جميلاً  أو منفرًا ، ومن لا يسأل الآخرين عن رأيهم في إمكاناته ويستنير بآرائهم في  تقييمها لن ينجح غالبًا في معرفة حقيقتها وتوجيهها التوجيه السليم.
  وفيما بعد قرأت أن الإنسان يعتقد دائمًا خلال طفولته  وصباه أنه موهوب في أحد مجالات أربعة أو فيها كلها هي الغناء والرسم والأدب  وممارسة الرياضة ثم يكبر وتحدد له الأيام مجرى حياته فيكتشف غالبًا أنه  عاطل عن الموهبة في أي من هذه المجالات !.
  لهذا قال الحكيم الفرنسي لاروشفوكو  إن آراء أعدائنا فينا أقرب إلى الصواب من آرائنا في أنفسنا !.

وقالت العرب الحق ما شهدت به الأعداء - أي ما شهدت لنا به من فضل او عدل أو قدرات .
فاعرف قدراتك جيدًا يا صديقي وحاول أن توجهها إلى الطريق الذي تلمع فيه  وتنمو ، ولن يتحقق ذلك لك إلا إذا عرفت بدقة نقاط قوتك وتميزك الحقيقية  ونقاط ضعفك ، ليس من الضروري أن يكون كل الناس عباقرة ولا موهوبين وإنما من  الضروري فقط أن يختار كل إنسان لنفسه المجال الصحيح الذي يعبر فيه عن نفسه  وتنطلق فيه قدراته فأنت إنسان أولاً وأخيرًا والإنسان كما يقول شكسبير على  لسان هاملت هو أعجب مخلوقات هذا الكون ما أعظمه .. وما أغربه ..

فما أعظمك  يا صديقي إذا عرفت حدود قدراتك
وما أضعفك وما أغربك إذا عميت عنها وغرقت  في أوهامك إلى أن تصدمك صيحة منكرة كصيحة  شيل الميكرفون يا جدع !


˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙


كتبها من مصدرها بكتاب صديقي ما أعظمك

Rofida Mohamed Ismail

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali


إقرأ المزيد Résuméabuiyad

المنطقة المحرمة .. رسالة من بريد الجمعة


قرأت لك مرة كلمة لأحد الأدباء الفرنسيين كتب يقول فيها "بولادتي بدأ سوء حظي في الحياة" ، وأنا يا سيدي واحدة ممن تنطبق عليهم هذه العبارة . فقد ماتت أمي فور ولادتي فكرهني أبي لذلك وتشاءم مني ثم تزوج بعد فترة من أخرى وعهد بي لجدتي التركية فرعتني إلى أن بلغ عمري 13 سنة فبدأ أبي يطالب بي وجُن جنون جدتي وجنون أسرتها ذات النفوذ ، وأسفرت المنازعات والخلافات عن حل سعيد من وجهة نظرهم هو أن يسرعوا بزواجي وأنا في الرابعة عشرة من عمري خوفًا عليَّ ونظرًا لجمالي اللافت للنظر ، وهكذا أرغمني أبي على قطع دراستي .. ووجدت نفسي بعد قليل زوجة لرجل يكبرني بعشرين سنة فكرهته منذ اللحظة الأولى كما كرهت أبي الذي تسبب في توقفي عن الدراسة .. ولم يكن أمامي خيار آخر سوى أن أنضم إلى أسرة أبي وأصبح خادمة لزوجته فرضيت بالزواج كأهون الضررين ، لكني لم أسعد به وكان زوجي مهندسًا بإحدى الشركات لكنه كان بخيلاً كئيب المنظر ورغم بخله فقد أغدق على أهلي بالهدايا والنقود ليتزوجني . وبعد عام من زواجي كدت أكرر مأساة أمي وأنا أنجب ابني الأول ونجوت منها بمعجزة وبعدها بعامين أنجبت ابني الثاني وأصبحت أمًا لطفلين قبل أن أبلغ الثامنة عشرة من عمري ثم فجأة وجدت نفسي أضيق بكل شيء وأرغب في مواصلة دراستي لأعيش حياة فتاة في سني ورفض زوجي فتمردت عليه لأول مرة وثرت وطالبت بالطلاق وطرقت كل الأبواب للحصول عليه ورفض بإصرار أن يطلقني كما رفضت أسرتي وأبلغتني بصرامة أنه لا طلاق عندنا ولابد أن أعيش مع زوجي على أي وضع لأربي الطفلين .. فانفجرت البراكين داخلي وحرمت نفسي على زوجي نهائيًا بعد 3 سنوات من زواجنا وخيرته بين قبول ذلك أو الطلاق فأبى إلا أن يضايقني ومرت السنوات على هذا الحال وأنا منطقة محرمة بالنسبة له مهما فعل وكان قد ترقى مديرًا وانتقلنا إلى شقة فاخرة بالإسكندرية بغير أن يحدث أي تقدم في حياتنا ثم ماتت جدتي وورثت عنها بعض المال فحزمت أمري واشتريت شقة وأثثتها بأثاث فاخر وانتقلت إليها وأنا في الثانية والعشرين من عمري ومعي الطفلان ورفعت دعوى طلاق استمرت في قاعات المحاكم بلا نتيجة لمدة 3 سنوات ويئست من الحصول على الطلاق ويئس هو من استرجاعي فعشت مع الولدين وحدي واحتويتهما . وحاولت أن أشغل حياتي بالعمل بشهادتي وهي الإعدادية الإنجليزية فخرجت أبحث عن عمل مناسب فوجدت جمالي يفتح لي أبوابًا كثيرة لكني رفضت دخولها إذ كنت لا ألبث أن أكتشف أنهم لا يريدون عملي وإنما يريدون الصحبة ، فعدت إلى بيتي .. وعجزت عن احتمال تكاليف الطفلين اللذين لم ينفق عليهما أبوهما قرشًا واحدًا منذ انفصلت عنه فأعدتهما إليه وسافرت إلى لندن للعمل والإقامة ولم أتحمل الابتعاد عنهما أكثر من سنة عدت بعدها واسترددتهما وقررت أن أستكمل دراستي التي انقطعت بزواجي فالتحقت بمدرسة ليلية وأصبحت أستذكر دروس الدراسة الثانوية مع الولدين سنة بسنة .. وتقدمنا نحن الثلاثة إلى امتحان الثانوية العامة في نفس السنة وحصلنا عليها معًا وكانت فرحة لا توصف .. والتحق ابني الأكبر بكلية عملية والتحقت أنا كطالبة منتسبة مع ابني الأصغر بإحدى الكليات النظرية وواصلنا الكفاح وبعت خلال ذلك كل ما تبقى من ميراث جدتي ومجوهراتي وبعد طول انتظار تخرج ابني الأكبر من كليته العملية وعمل عملاً مناسبًا وتخرج ابني الأصغر وعمل بوظيفة مرموقة أما أنا فقد تعثرت في دراستي الجامعية بكل أسف بسبب مرض عصبي ألم بي فعجزت عن الحصول على الليسانس . وفرحت فرحة طاغية بانتهاء العبء وتخرج الولدين وعملهما .. وغبطتني كثيرات على أن مسئوليتي قد انتهت وأنا دون الأربعين وأستطيع أن أعيش حياتي إذا أردت لكني كنت قد كرست حياتي للولدين ويئست من الحصول على الطلاق وكففت عن المطالبة به ورضيت بحياتي هكذا حرصًا على مشاعر الولدين ، لكن فرحتي لم تطل بتخرجهما وعملهما يا سيدي فمنذ تخرجا واستقلا ماديًا عني حتى تغيرت معاملتهما لي وتباعدا عني بعد أن كنت الأم والصديقة الأولى والوحيدة لهما في الحياة فقد فوجئت بابني الأصغر يتزوج رغمًا عني من ابنة خياطتي ويمضي في المشروع غير حافل باعتراضي .. ويؤجر شقة مفروشة ويقيم بها معها ثم بعدها بقليل تعرف ابني الأكبر وهو الأكثر حنانًا والتصاقًا بي بطبيبة في مثل سنه ورغب في زواجها فزوجتها له بإرادتي . وهنا بدأت المشكلة فقد مات أبوهما وترك لي معاشًا كبيرًا لكنه حجب ميراثه الذي يبلغ حوالي ربع المليون جنيه عني وعن ولديه وأخفاه لدى أهله .. وقال أنه قد فعل ذلك عقابًا لي على كراهيتي له طوال 30 سنة بلا سبب . فكرهني ابناي لذلك وفوجئت بالأصغر يعد أوراقه فجأة للهجرة إلى أمريكا ثم يصطحب زوجته ويهاجر إليها دون أدنى التفات لاعتراضي على هجرته وابتعاده عني ، أما ابني الأكبر الذي تزوج وأنجب طفلاً وكان يزورني بانتظام والذي اعتبرت طفله هو تعويض الحياة لي عن وحدتي ، فقد عزَّ على البعض أن يحمل لي مشاعر الحب فحيكت المكائد بيننا ووقعت الكارثة منذ عام حين تهور عليَّ وأتلف الشقة وقاطعني وحرمني من طفله وانهرت ومرضت ببوادر ذبحة صدرية ونقلت إلى المستشفى فلم يفلح أحد في إقناعه بالسؤال عني في المستشفى .. وها أنا يا سيدي أعيش في شقتي في الثامنة والأربعين من عمري والوحدة تقتلني وقد مات الأهل وتنكر لي الابنان وابتعد عني أحدهما بالهجرة ! والآخر بالقطيعة - فماذا أفعل هل أقتل نفسي وأستريح أرجوك أشِر عليَّ بما أفعل .

·      ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
في رسالتك الكثير والكثير مما يستحق أن يتوقف عنده المرء ويعتبر به إبتداءً من درس الزواج المبكر غير المتكافئ .. إلى درس التمرد والمنطقة المحرمة التي استمرت ثلاثين عامًا ! إلى درس الانتقام بعد الرحيل وقد ينتقم الموتى أحيانًا من الأحياء .. إلى درس جحود الأبناء الذي هو أشق من عضة الحية الرقطاء على حد تعبير شكسبير إلى دروس أخرى كثيرة لا أريد أن أشير إليها حتى لا أنكأ جراحًا قديمة لكني لم أفهم بعد كيف يقتص الأب الراحل من ابنيه بحجب ميراثه عنهما إلا أن يكونا باعداه في حياته ولم يعوضاه حرمانه منك فآثر ألا يخلف لهما ولا لك ما تهنأون به في مغيبه ، إنه انتقام قاسٍ على أية حال ومهما كانت مبرراته .. ولا أفهم كيف كرهك ابناك بسببه فإذا كانا قد فعلا ذلك لاعتقادهما أن مجافاتك لأبيهما طول هذه السنين هي سر حرمانهما من ثروته فلماذا لم يحاولا التقريب بينكما بعد أن شبا عن الطوق وأصبحا شابين راشدين .. بل ولماذا لم يؤديا هما حق الأب عليهما فأشعراه بأبوته لهما وتوادا معه بغض النظر عن خلافكما فإذا كانا لم يفعلا وهو أغلب الظن فالمسئولية مشتركة بينكم جميعًا بغض النظر عن موضوع الميراث . ولا يحق لهما أن يكرهاك و يجافياك لهذا السبب بل ولا لغيره من الأسباب ، لأن حق الأم على الأبناء لا يرتبط بأسباب ومن واجبهم أداء حق الرعاية لها سواء قدمت الأسباب أو لم تفعل لأن الابن إنما يتعامل مع ربه في ذلك وليس مع أحد غيره . غير أني أخشى يا سيدتي أن يكون بعض ما تعانين منه مع ابنيك راجعًا إلى أزمة بعض الأمهات اللاتي يكرسن حياتهن لرعاية الأبناء بعد الانفصال عن الزوج فيحاولن أحيانًا تعويض النقص العاطفي في حياتهن بالتغلغل في حياة الأبناء والالتصاق الزائد بهم والرغبة غير الواعية في التسلط عليهم .. وعدم القبول النفسي لنزوعهم الطبيعي نحو الجنس الآخر .. ونحو تكوين أسرة صغيرة والاستقلال بحياتهم عن حياة الأم . وهي أزمة كثيرات يعشن ظروفك ويعجزن عن إدراك الخيط الرفيع بين نزوع الأبناء الطبيعي للاستقلال بحياتهم وبين ما يعتبرونه جحودًا وتنكرًا لتضحياتهن من أجلهم .. فإذا كان الأمر كذلك فلعله يفسر لك رفضك زواج ابنك الأصغر وانزعاجك الشديد من استمراره في مشروع زواجه غير حافل باعتراضك عليه .. ثم إحساسك بالمرارة لإقدامه على الهجرة بغير التوقف أمام رغبتك المشروعة في ألا يبتعد عنك .. لكن ذلك لا يعفيه أبدًا من تقصيره في محاولة استرضائك إلى أن ترضي عن زواجه .. وتقصيره في نيل موافقتك وقبولك بهجرته ليبني حياته كما يتصورها تقديرًا منك لظروفه وليس رغمًا عنك فإن كان لا يحرص أيضًا على الاتصال بك ومودتك من مهجره فإن جرمه يكون أشنع وحسابه عنه مع ربه أشد عسرًا أما الابن الأكبر فبغض النظر عن حقيقة ما جرى .. من المخطئ ومن المصيب فإن قطيعته لك لا يمكن تبريرها أو الدفاع عنها حتى ولو كنت المخطئة في النزاع فمن واجبه تجاه ربه قبل أن يكون تجاهك ألا يقطع ما بينك وبينه أبدًا وألا يباعدك وألا يجافيك .. مهما كانت المبررات .. وهجرته لك وهو على بعد خطوات منك وحرمانك من طفله أشد مرارة على القلب من هجرة من تفصلك عنه البحار والمحيطات ذلك أنه قد أصبح الشمعة الوحيدة التي كان ينبغي لها أن تضئ ظلام وحدتك فعسى أن يشفق على نفسه مما يفعل الآن قبل أن تدور الأيام دورتها ويرد إليه ابنه الجزاء من جنس العمل .. إذا كان لم يعرف بعد أن جحود الأبناء للآباء والأمهات هو الإثم الوحيد الذي يعجل الله العقاب لمرتكبه في الدنيا مع ما يدخره له من عقاب أشد في الآخرة .

فاصبري يا سيدتي .. واشغلي نفسك بنشاط اجتماعي مفيد .. وزوري واستزيري واشكِ لربك بُعد البعيد وجفوة القريب .

ورددي لابنك الغائب الحاضر مع الشاعر العربي :
وكنت أذم إليك الزمان
                 فأصبحت أذم منك الزمانا
وكنت أعدك للنائبات
                 فها أنا أطلب منك الأمانا

فعسى أن يعود إليك نادمًا .. ومستغفرًا .. ومتنازلاً عن أية مبررات لما فعل .. وشكرًا .

من رسائل سنة 1991

˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙

كتبها من مصدرها بكتاب رسائل محترقة
Rofida Mohamed Ismail

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali




إقرأ المزيد Résuméabuiyad

نشوة الهزيمة .. رسالة من بريد الجمعة


أنا سيدة في التاسعة والعشرين من عمري .. حين كنت في الثامنة
عشر من عمري,كان لأبي صديق يعمل بإحدى الشركات الأجنبية كان عمره وقتها 38 سنة وذكياً ولماحاً ووسيما وتتمناه أي فتاة..أما أنا فقد كنت طالبة بالثانوية العامة وبإيحاء من أمي سعى أبي لأن يزوجني منه ولم تكن هذه الفكرة قد خطرت لي من قبل فقد كنت لا أراه إلا في مناسبات قليلة .
لكن أبي وأمي اقتنعا بهذه الفكرة وسعيا لتنفيذها إعجابا بأخلاقه واطمئنانا له ووسط أبي قريبا له لإقناعه بالتقدم لخطبتي. . فلم يتحمس
صديق أبي وأبدى تحفظه على فارق السن بيننا . . لكن أبي وأمي ألحا عليه في أن هذا الفارق لا قيمة له وأن المهم هو التوافق والانسجام وبتأثير إلحاحهما عليه استجاب للفكرة وتمت خطبتنا . . وفرحت به وتعلمت منه كل شئ في الحياة . . الكلام ومعاملة الناس و التسامح والحب وخلال خطبتي تقدمت لامتحان الثانوية العامة واعتبر خطيبي نفسه مسئولا عني فتكفل بنفقات الدراسة كلها ثم توفى أبي فجأة قبل زواجنا فوقف خطيبي إلى جوارنا في هذه المحنة وعوضني إلى حد كبير عن فقد أبي..وكان كريما وعطوفا معنا جميعا.وكان أبي قبل وفاته قد اتفق معه على تقسيم تكاليف الزواج بينهما من حيث التأثيث وغيره..فبادر خطيبي وبغير أن يطالبه أحد بإلغاء هذا الاتفاق وتحمل هو كل نفقات الجهاز والزواج وكل شئ ابتداء من بنسة الشعر إلى قطن التنجيد,وتم الزفاف . . وبدأت حياتي معه سعيدة بكل شئ . . وبعد عام أنجبت ولدا جميلا . . وبعده بعام آخر أنجبت طفلة أجمل . . وكبر الطفلان وبلغا مرحلة الحضانة فادخلهما زوجي مدرسة أجنبية راقية توسط له لديها مديره الأجنبي وأحسست أني أعيش أجمل أيام حياتي . . وأني أملك الكثير أفضل زوج . . أجمل شقة . . وأحلى الأبناء لكن ماذا بعد؟.هذا هو السؤال يا سيدي . . فرغم كل شئ فلقد كنت خائفة من المستقبل لا أعرف لماذا . . وبسبب الخوف الغامض ربما وجدت أمي عندي استعدادا نفسيا لقبول نصيحتها حين نصحتني بأن أعمل حسابا للزمن .. وان أحاول أن أتحصن ضد غدره بضمانات كثيرة. وكانت نصيحة أمي لى هى أن ادخر من زوجي أكبر مبلغ استطيع ادخاره إلى جانب أكبر كمية ممكنة من الهدايا الذهبية التي تعتبر مالا مخزونا. وبدأت اطلب من زوجي وهو يستجيب كرما منه وحسن نية . . اطلب وهو يستجيب وقدم لي ذهبا وادخارا والشقة التمليك التي نقيم فيها والتي كتبها باسمي استجابة لرغبتي. ثم بدأت معاملته تتغير معي . . وبدا يرفض الاستجابة لطلباتي وتغيرت معاملتي له أنا الأخرى وقصرت في أداء واجباتي الزوجية تجاهه وتدخلت أمي بيننا فقال لها انه لا يحب أن يبتزه أحد وان ما يجري معه من جانبي هو عملية ابتزاز لا يقبلها على نفسه وحدثت مشاكل كثيرة وتدخل الأصدقاء بيننا . . وتدخلت الشرطة . . ورفض أهله التدخل بيننا وتحولت الحكاية من جانبي على الأقل إلى صراع بين إرادتي وإرادته من يغلب منا الآخر . . ومن ينهزم . . ومن ينتصر؟
وكلما تدخل بيننا الوسطاء رفضت أن أتراجع أو أتنازل . . وأصررت على أن يخضع ويستجيب لكل مطالبي . . وكلما ازداد الصراع بيننا تمسكت بالعناد والإصرار على أن أهزمه وانتصر عليه وفي قمة المعركة فوجئت به يسلم بالهزيمة فجأة وبدون مقدمات . . وفي صمت ترك كل شئ وذهب . . كل شئ . . كل شئ حتى ملابسه وأوراقه تركها وطلقني وذهب ,وأحسست بنشوة الانتصار . .وأصبحت أمي في قمة السعادة . .وأكدت لي ان ما حدث كان هو الحل الأمثل لأنه كان سيتركني يوما ما . . وان الأفضل أن أؤمن مستقبلي مادامت النهاية واحدة ..
وبدأت المحاكم والقضايا بيننا للحصول على نفقة شهرية لي
ولأولادي . . وكان قد تركني ومعي مدخرات لا بأس بها وذهب وشقة تمليك وأثاث فاخر وكل الأجهزة . . وتوقعت ان أراه في أول جلسة للمحكمة . . فلم يحضر وإنما جاء محام موكل عنه حاول أن يتدخل بيننا بالصلح فرفضنا الصلح معه فحاول محاميه أن نتوصل فيما بيننا إلى اتفاق ودي حول النفقة الشهرية بغير حاجة للمحاكم فرفضت أمي لأن المحامي الموكل منا أكد لها انه سوف يحصل لنا على حكم بمبلغ كبير بعد أن قدم مستندات تفيد حصوله من الشركة الأجنبية على راتب خيالي . وواصلت النزاع معه أمام المحكمة فإذا بالمحكمة تحكم بمبلغ مائة وعشرين جنيها فقط كل شهر كنفقة شهرية وهو ما يساوي المبلغ الذي كنت احصل عليه منه كمصروف شخصي لى كل شهر إلى جانب مصروف البيت والأولاد ورضيت بذلك مضطرة , وتفرغت لأولادي . . ورفضت الزواج ومضت سنوات . . ثم توفيت أمي فرأيت زوجي السابق لأول مرة منذ طلاقنا . . فقد جاء وقدم لى العزاء وحضر كل المراسم وشهد العزاء ليلا ثم ذهب بعدها . . ولم يعد مرة أخرى
ومضت الأيام ووجدت نفسي وحيدة بعد أن ماتت أمي . . وسبقها
أبي . . ومعى طفلان صغيران . . وابتعد عني أقارب أمي . .فتساءلت أين أبو أطفالي . .ولماذا لا يعود إلينا . . ونداوي الجراح معا وننسى ما فات بعد أن تعلمت انه لا مال يغني عن الزوج والأب وأملت خيرا في مجيئه للعزاء في أمي وحاولت الاتصال به بعدها . . فلم انجح وحاولت الاتصال بوالدته وإخوته وطلبت منهم أن يتدخلوا لإعادة المياه إلى مجاريها بيننا فاعتذروا عن عدم التدخل لأنها مسألة شخصية تخصه هو وهكذا انقطع كل ما كان يربطني به . . إلا نفقات المدرسة للطفلين التي يدفعها كل سنة بغير أن يراهما. وفي سن التاسعة والعشرين فوجئت باني مصابة بضيق في شرايين القلب وفي حاجة إلى جراحة لتغيير ثلاثة شرايين وفي حاجة أشد لمن يكون بجانبي. فأرسلت الطفلين إلى زوجي السابق فأعادهما وأرسل إلى مع زميل له شيكا بكل نفقات الجراحة . . وعرض أن يسهل لي إجراءها في الخارج عن طريق سفارة الدولة التي تتبعها شركته إذا أردت ذلك . . لكنه مع كل ذلك رفض أى شئ عن الماضي ورفض مجرد التفكير في العودة إلى وقالها صريحة انى قد مت في نظره وإن كل ما يفعله معي هو من اجل أولاده فقط . . وانه لو كانت لهم مربية
واحتاجت لجراحة لتكفل بنفقاتها كما فعل معي إنني أرجوك . . وأتوسل إليك أن توجه له رسالة عبر بابك فأنا في
حاجة إليه وطفلاه في حاجة إليه. . وشفائي في عودته

ولكاتبة هذه الرسالة أقول:

من بين سطور رسالتك العديدة توقفت طويلا أمام سطر واحد تصفين فيه إحساسك حين سلم زوجك بالهزيمة في صراع الإرادات الذي فرضته عليه فغادر بيته وطفليه تاركا وراءه كل شئ حتى أوراقه وملابسه , فكتبت تقولين عن هذه اللحظة : وأحسست بنشوة الانتصار . . ! وكان الأحرى ان تقولي: وأحسست ب "نشوة الهزيمة" . لأن الانتصار الذي يؤدي إلى حرمان طفليك من أبيهما ومن رعايته وحنانه. . وحرمانك أنت من هذا الزوج المحب العطوف الكريم الشهم الذي لم يكن يرفض لك طلبا حتى ضاق بعملية الابتزاز المنظمة التي يتعرض لها ليس انتصارا و إنما هزيمة لك أنت في الحقيقة ولطفليك من قبلك ولكل قيم الوفاء والعدل في الحياة. فأي انتصار هذا يا سيدتي؟ لقد ظلمت زوجك ظلما بيناً . . وظلمت طفليك . . بل وظلمت نفسك ودمرت سعادتك بمحاولتك البشعة ابتزاز زوجك وحلبه بدعوى تأمين مستقبلك . . وهى (صرعة) تنتاب أحيانا بعض الزوجات فيدمرن حياتهن ويشردن أطفالهن ويسلمن حياتهن للخراب ويجدن أنفسهن بعد حين وحيدات ومسئولات عن أطفال صغار يحتاجون إلى رعاية الأب ويبحثن عن الأمان الذي هدمن حياتهن من أجله فلا يجدنه . . ويعرفن وقتها أن الأمان الحقيقي هو في الأسرة المستقرة ومع الزوج المحب. . وفي رعاية حدود الله , والثقة به وفي ألا يظلمن غيرهن لكيلا يظلمهن أحد وعسى أن يأمن غدر الزمان , وهذه هى وثيقة التأمين الحقيقية التي يستطيع كل إنسان ان يؤمن بها مستقبله ثم يرجو الله بعدها أن يحميه من تقلبات الأيام . . وبغيرها لا يفيد مال ولا عقار . . وقصتك وقصص غيرك خير دليل على ذلك والآن يا سيدتي تريدين بعد ان انفضت الدنيا من حولك وافتقدت الأمان الذي بحثت عنه , وهوجمت من الداخل و من الخارج أن يعود إليك زوجك وان يقف إلى جانبك في محنتك كما كان يفعل دائما . . حسنا انه لو شاء أن يضيف إلى سجله النبيل معك فضلا جديدا فيصفح الصفح الجميل ويضم ابنيه إلى أحضانه فليفعل ولن يكون ذلك مستغربا عليه بل لعله اقرب إلى طبيعته السمحاء أما إذا عجز عن الصفح بعدما لقى منك من سوء الجزاء على كل ما قدم لك ولأسرتك فلا أحد يستطيع أن يلومه على ذلك. ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها وعسى أن تمسح الأيام على جراحه فيكون أكثر استعدادا للنسيان في المستقبل . . وعليك أنت أن تثبتي جدارتك بصفحه ونسيانه بالندم الصادق المبرأ من الغرض على ما جرى . .وبتعلم درس التجربة الذي لا نتعلمه غالبا إلا بعد فوات الأوان . . وبحسن رعاية طفليك وتكريس حياتك لهما . . وبالصبر على ما تريدين إلى أن يذيب الزمن مرارة النفوس وبالكفاح الطويل لاستعادته ببعض الإصرار والعناد اللذين "كافحت" بهما من قبل لتحقيق ذلك الانتصار الموهوم عليه أما تصور انه سوف يعود لك مجرد انك أبديت هذه الرغبة الآن فهو تصور بعيد عن الواقع وعليك ان توطني نفسك على قبول ذلك . .وإلا فاختاري لمستقبلك 
  ما ترينه ملائما

من رسائل سنة 1990
˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙

كتبها من مصدرها بكتاب أزواج وزوجات
Mohamed Ali Abd-Elrazek

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali






.




إقرأ المزيد Résuméabuiyad

 

سجل إميلك وتوصل بمواضيعنا :