الرهان الخاسر .. رسالة من بريد الجمعة

أنا قارئة لبابك منذ وقت طويل ‏..‏ والآن قد جاء الوقت لكي أروي لك قصتي وأستشيرك فيها‏,‏ فلقد تخرجت في كليتي العملية وعملت في مجال تخصصي بإحدى الشركات الخاصة الكبرى‏,‏ وبعد تعييني بها بحوالي العامين‏,‏ انضم إلينا زميل عمل معي بنفس القسم وتعرفت عليه فإذا به أحد أبناء دفعتي بالكلية لكن كلا منا لم يكن يعرف الآخر خلال الدراسة‏,‏ وخلفت زمالة العمل بيننا نوعا من الألفة والصداقة‏,‏ ولفت انتباهي إليه بشدة أنه يعامل الجميع بأدب واحترام فبدأت أفكر فيه وأتمنى الفوز به لنفسي إلي أن أصبح ذلك أمل حياتي وحلمها الأول‏..‏ ثم ذهبت إلي العمل ذات يوم ففوجئت به يوزع علينا قطع الحلوى من علبة كبيرة يحملها في يده‏,‏ وتساءل الزملاء عن المناسبة‏,‏ فإذا بها خطبته لزميلة لنا في نفس الشركة‏!..‏ وصدمت صدمة صامتة‏,‏ وجاهدت لكي أتحكم في مشاعري وأشارك الزملاء ابتهاجهم بالمناسبة وتهنئتهم له بها‏,‏ وانطويت على أفكاري وحدي إلى أن علمت بعد ذلك بفترة قصيرة بفسخ خطبته‏,‏ فاعتزمت هذه المرة أن يكون هذا الشاب من نصيبي‏ ..‏ وألا يفلت من بين يدي كما حدث في المرة السابقة‏,‏ واقتربت منه أكثر ونجحت بالفعل في السيطرة عليه حتى أوقعته في حبي واعترف لي بذلك‏,‏ فبدأت قصتي معه واستمر حبنا لمدة سنة كاملة‏,‏ وبدأنا نخطط للزواج‏,‏ وكان قد سجل للدكتوراه وهو في السابعة والعشرين من عمره فوعدني بالتقدم لخطبتي بمجرد مناقشته للرسالة خلال عامين وبعد أن يكون قد استعد ماديا للزواج‏,‏ ولم أجد أية مشكلة في ذلك ووافقته على خطته وتمنيت له النجاح في  دراسته وفي حياته العملية‏..‏ وخلال فترة الانتظار هذه تقدم لي شاب جامعي يعمل في شركة كبرى ووحيد أبويه وثري جدا ويملك سيارة فاخرة وكل الإمكانيات المادية التي تحلم بها فتاة مثلي‏,‏ فوجدت نفسي أقبل به دون تردد‏,‏ ولم يكن الحب هو أساس اختياري له‏,‏ وإنما العقل‏,‏ وبدأت الزيارات العائلية بين الأسرتين‏,‏ وبدأت أرتب مع خطيبي لإعلان الخطبة والاتفاق علي تفاصيل الزواج‏,‏ ثم ذهبت إلى عملي ذات يوم وفي نيتي أن أصارح زميلي بأنني قد ارتبطت بغيره‏,‏ وأنهي معه قصة الحب وانتهزت أول فرصة خلا فيها المكان علينا فصارحته بما حدث وتمنيت له السعادة في حياته‏,‏ فصدم صدمة مروعة‏,‏ لم أكن أتخيلها وفوجئت به يصفر وجهه‏,‏ ويسيل العرق منه بغزارة‏,‏ ويتلعثم في الكلام‏,‏ ثم يروح في إغماء قصير‏..‏ وانزعجت بشدة وحرت فيما أفعل معه‏,‏ وقبل أن أطلب النجدة من الزملاء كان قد استرد وعيه وراح يحاول جمع شتات نفسه‏,‏ ثم تكلم أخيرا ففوجئت به يقول لي‏:‏
ـ أنت إنسانة وقحة ولا تستحقين ذرة من حبي لك ‏!‏
وقبل أن أنطق بكلمة تدارك نفسه واعتذر عما قال‏,‏ ثم أسرع بالانصراف‏.‏ واعتبرت أنا أنني قد أنهيت قصتي معه على هذا النحو‏,‏ وتحللت من الارتباط به وأقبلت على تجربتي الجديدة‏..‏ وعشت كل فصولها من الخطبة إلي الشبكة إلي الزفاف‏,‏ وبدأت حياتي الزوجية بحماس ورغبة في السعادة والاستمتاع بالحياة وأملت في أن يجيء الحب بعد الزواج‏,‏ وبالرغم من ذلك فلقد ظل قلبي يخفق في صمت كلما تقابلت مع زميلي هذا بعد الزواج‏,‏ أو كلما سمعت اسمه يتردد عرضا علي ألسنة الزملاء‏!‏
أما هو فقد التزم في التعامل معي بالتحفظ والأدب‏,‏ وتباعد عني كلما وجد لذلك وسيلة‏,‏ ولم يقل في حقي كلمة سوء واحدة‏,‏ وانشغل بعمله وإعداد رسالته وخلال عامين كان قد حصل علي درجته الجامعية وبعد حصوله عليها تزوج من خريجة لنفس الكلية بالإمكانات المادية المتاحة له‏,‏ ومضت أربع سنوات أخرىي حقق خلالها تقدما سريعا في العمل فأصبح مديرا للقسم الذي أعمل به‏..‏  
وتحسنت ظروفه المادية بمعدلات سريعة أيضا فأصبحت له شقة فاخرة في حي راق‏,‏ واشترى سيارة من أحدث طراز‏,‏ وتفتحت أمامه أبواب الترقي والكسب الحلال‏,‏ وظفر باحترام الرؤساء في الشركة وإعجابهم بنشاطه وكفاءته‏.‏
وكلما سنحت فرصة لي للتعامل معه في العمل وجدته يعاملني باحترام وحياد في المشاعر‏,‏ ولا تبدو في عينيه أي تعبيرات خاصة كأنما لم يكن بيننا قصة حب ومشروع زواج من قبل‏,‏ حتى بدأت أتساءل فيما بيني وبين نفسي ترى هل شفي نهائيا من حبه لي وأصبحت مجرد زميلة له تعمل تحت رئاسته ؟‏ ..‏ ووجدت نفسي شيئا فشيئا أرجع للتفكير فيه من جديد وعلى نفس النحو الذي انشغلت به بأمره حين التحق بالعمل معنا قبل سبع سنوات‏,‏ ويوما بعد يوم بدأت أعترف لنفسي بأنني أحبه‏,‏ وأن هذا الحب سوف يهدم حياتي الزوجية التي لم أجد فيها الحب بعد الزواج كما أملت بالرغم من أنني لا أجد في زوجي ما يدعوني للشكوى منه‏,‏ واشتدت وطأة التفكير علي إلي أن حسمت أمري على الإقدام على خطوة جريئة في هذا الأمر‏,‏ فذهبت إلى العمل ذات صباح وأنا في أبهي صورة وجمالي الذي ينبهر به الجميع يتألق‏,‏ ودخلت إلى مديري أو زميلي القديم في مكتبه فرحب بي وطلب لي مشروبا كما يفعل مع كل من يدخل إليه‏,‏ وتوجه إلي باهتمامه متوقعا أن أحدثه في أمر من أمور العمل أو أستشيره في مسألة شخصية‏,‏ ففوجيء بي أقول له إنني مازلت أحبه‏,‏ وإنني أخطأت في التفريط فيه وأريد أن أصلح هذا الخطأ الآن لأنني أفتقد الحب في حياتي‏!‏
واستمع هو لحديثي في اهتمام شديد ودهشة‏..‏ ثم صمت لفترة ظننتها أطول من الدهر‏,‏ وأنا أترقب كلمته في أمري بأن يفتح لي باب السعادة أو يغلقه في وجهي‏,‏ واستحثثته على أن يتكلم ويبدي رأيه فيما صارحته به‏,‏ فتمالك نفسه بعد قليل من التفكير ثم قال لي أن كلا منا سعيد الحظ في حياته وينبغي له أن يشكر ربه على ما أعطاه‏,‏ فأنا زوجة لرجل محترم ومرموق اجتماعيا وماديا‏,‏ وهو زوج لسيدة فاضلة وجميلة ومخلصة وهو سعيد بها وبحياته معها‏,‏  
فإذا كانت قصتنا معا لم تكتمل فصولها فلأنني قد كسرت قلبه وأتحمل المسئولية الكاملة عن ذلك‏,‏ أما زوجته فلا ذنب لها في عدم صبري على ظروفه المادية بعض الوقت حين كان مرتبطا بي‏,‏ كما أنه لا يرى نفسه في وضع يسمح له بأن يهدم أسرته من أجل امرأة لم تتحمل الصبر على ظروف من كان يحبها ويرغبها ولا بأن يهدم أسرة رجل لم يقترف ذنبا سوى أن تقدم للزواج من فتاة رحبت به وشجعته على استكمال المشوار معها‏..‏ ثم أنهى حديثه المؤلم هذا معي بكلمة قاسية كالصفعة إذ اعتدل في مجلسه وراء مكتبه واسترد وجهه ملامحه الحيادية وقال لي في هدوء وحسم‏:‏ المقابلة انتهت‏..‏ شكرا لكى‏!‏
ثم فتح ملفا كان أمامه‏..‏ وتشاغل بالنظر فيه عني فوجدت نفسي في موقف لا أحسد عليه‏,‏ ونهضت من أمامه وأنا في قمة اليأس والضيق والارتباك‏.‏ ومنذ ذلك الحين وأنا أكره كل شيء في الوجود وأرى الدنيا سوداء أمامي‏,‏ ولا أشعر بقيمة أي شيء في حياتي بالرغم مما يتوافر لي من حياة راقية وبيت جميل وإمكانات مادية‏..‏ فبماذا تنصحني أن أفعل يا سيدي؟‏ ..‏ إنني أعرف جيدا أنك لن تتعاطف معي ‏..‏ لكني في حاجة بالرغم من ذلك إلىي حكمتك وصراحتك في مواجهة نفسي‏..‏ ولكي أتلمس الطريق الصحيح وأخرج من حالة الضيق التي أعيشها فماذا تقول لي؟

ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏

من أسوأ ما نفعله بأنفسنا في بعض الأحيان هو أن نستمريء خداع النفس‏,‏ ونستخدم من الكلمات ما لا يتفق مع معانيها الحقيقية لأننا نخجل من تسمية الأشياء بمسمياتها الصحيحة‏,‏ أو نرى في المسميات الزائفة لها ما يخفي عنا وعن الآخرين بعض بشاعتها‏!‏ وفي قصتك هذه الكثير والكثير من خداع النفس‏..‏ ومحاولة تجميل الكلمات بغير ما يتفق مع معانيها الحقيقية‏.‏ ولنبدأ من البداية معا‏..‏ انك تقولين الآن انك قد اعترفت لنفسك بأنك مازلت تحبين هذا الرجل‏,‏ وترغبين في تصحيح الخطأ الذي أدى إلى ضياع الحب  من بين يديك‏,‏ ولقد أعدت قراءة رسالتك عدة مرات فوجدتك تتحدثين في بدايتها عن أنه قد لفت نظرك إليه في بداية عمله معك بحسن معاملته للجميع واهتممت بأمره ثم فوجئت به وقد خطب زميلة لك‏,‏ وبعد فسخ خطبته لها اقتربت منه أكثر وأحكمت ـ بنص تعبيرك ـ سيطرتك عليه وإيقاعه في حبك‏,‏ ثم بدأت قصة الحب بينكما واستمرت لمدة سنة‏,‏ واعتزم أن يتقدم إليك بمجرد انتهائه من مناقشة الرسالة واستكمال إمكانات الزواج‏,‏ فإذا بك في فترة الانتظار يتقدم لك شاب ثري وقادر علي توفير كل متطلبات الزواج وتحقيق المستوى المادي المرتفع لك من الحياة‏,‏ فتقبلين به بلا تردد وتنهين بغير أن يهتز لك طرف ارتباطك بمن أوقعته في حبك‏..‏ فلا يتمالك الرجل نفسه وهو يستمع إلي حكم الإعدام على حبه وأمله في السعادة معك ويخر مغشيا عليه ‏!‏
ثم أقبلت على حياتك الجديدة بحماس‏,‏ وراهنت على أن الحب سوف يجيء بعد الزواج‏..‏ فإن لم يجيء ففي الحياة السهلة اللذيذة التي حققت لك تطلعاتك المادية ما يعوضك عن افتقاد العاطفة فيها‏,‏ فإذا بمن ضحيت به بلا رحمة من أجل هذه التطلعات الرخيصة يحقق لنفسه خلال بضع سنوات ما كنت تشفقين علي نفسك من ألا يستطيع تحقيقه لك إذا ارتبطت به‏,‏ وإذا بالحياة اليسيرة السهلة التي ضعفت أمام أول نداء لها لا تعوضك عن افتقاد العاطفة‏,‏ فتسعين كما تقولين إلي تصحيح الخطأ الذي ارتكبته وتصارحين الرجل بأنك مازلت تحبينه‏..‏ ويصفعك هو بالرفض‏!..‏ ومع كل ذلك فإنني أسألك يا سيدتي‏:‏ أي حب هذا الذي تتخلي عنه الفتاة بمثل هذه الخفة ولمجرد ظهور فارس جديد في أفقها يعدها بحياة راقية المستوى من الناحية المادية‏..‏ بلا انتظار وبلا عناء‏!‏ أولا تتطلب أمانة الكلمة هنا أن تعترفي لنفسك بأنك لم تحملي من البداية لمن أحكمت سيطرتك عليه من الحب ما يصح تسميته بكلمة الحب الثمينة وإلا لكان قد صمد في وجه كل الإغراءات والنداءات ولما ضحيت به بمثل هذه الرعونة من أجل هذه العوارض المادية الزائفة؟‏..‏ إنني أصدق أنك قد ارتبطت بزوجك بغير عاطفة وان اختيارك له لم  
يكن اختيار الحب‏,‏ لكني لا أصدق أنك قد ارتبطت بالحب الحقيقي بزميلك الذي غدرت به علي هذا النحو‏..‏ ولهذا فإني أقول لك انك لا تبكين على الحب الذي فرطت فيه‏..‏ وإنما تبكين علي رهانك الخاسر في أن تحقق لك الحياة المادية الراقية السعادة وطمأنينة القلب‏,‏ وعلي رهانك الآخر علي أن الحب سوف يولد بعد الزواج فلما لم تشتعل شرارته عرفت بعد فوات الأوان أن إمكانات الحياة المادية لا تكفي وحدها لتحقيق السعادة إن لم يصاحبها تآلف القلوب والأرواح‏,‏ كما لا تبكين كذلك على الحب الذي ضاع بتفريطك في زميلك القديم‏,‏ وإنما تبكين على رهانك الخاسر أيضا علي أن فرسه البطيئة لن تستطيع أن تفوز في سباق الحياة لضعف قدراتها وإمكاناتها بالمقارنة بقدرات الفارس الجديد‏,‏ فإذا به يحقق لنفسه وخلال فترة زمنية قصيرة ما يثبت لك خطأ كل حساباتك فتتحسرين على أن أضعت من يديك من كنت تحكمين السيطرة عليه‏,‏ وتبدله في حبك ويلقي من جانبك على الأقل القبول النفسي أو الارتياح العاطفي له‏,‏ ومن هنا نبتت بذرة الوهم الجديد الذي تخدعين به نفسك مرة أخرى الآن وهو انك مازلت تحبينه وترغبين في إصلاح الخطأ الذي أدى إلي ضياعه من بين يديك‏,‏ خاصة بعد أن أصبح رمزا مرموقا في مجال عملك وتفتحت أمامه أبواب الكسب والنجاح‏,‏ غير أنني أتصور انك لا تحبينه بقدر ما تحبين نجاحه العملي في الحياة والهالة التي تحيط بشخصيته الجذابة في موقع عملك والاحترام الذي يحظي به من رؤسائه ومرءوسيه‏..‏ وتقدمه السريع في العمل الذي بلغ به أن يصبح مديرك وهو الذي التحق به من بعدك بعامين‏.‏
إنها حسرة على نبتة راهنت علي عدم صمودها للرياح فإذا بها على خلاف توقعاتك تنمو وتزدهر وتتألق بزهر النجاح وحسرة على أن هذه النبتة كان يمكن أن تكون في أصيصك أنت لو كنت قد أحسنت التقدير وصبرت بعض الشيء علي صعوبات البداية‏,‏ فإذا بها تفوح بالعطر في بستان غيرك ممن أحسنت رعايتها وخدمتها والصبر عليها‏,‏ ولا غرابة في ذلك لأنه يجني العسل من يتحمل  
لذع الإبر‏..‏ وليس من ينتظر غيره لكي يتحمله عنه ويجمع الرحيق ثم ينقض عليه مطالبا باغتصابه لأنه الأحق به‏!..‏ والتحسر على الماضي ركض وراء الريح يا سيدتي كما تقول الحكمة الهندية القديمة‏,‏ والضمير المستريح هو أفضل منوم في العالم كما يقول المثل الفرنسي‏,‏ ولا أحسب أن من تسعي لتصحيح خطئها علي حساب غيرها من البشر الذين لم يرتكبوا جرما في حقها سوي أن طلب كل منهم السعادة لنفسه ولشريكه في الحياة بالطريق المشروع‏,‏ يمكن أن تستمتع بمثل هذا الضمير المستريح ذات يوم‏,‏ والشجاعة النفسية تتطلب في هذا الشأن أن تتحملي وحدك تبعات رهانك الخاسر وأخطائك في التقدير وتطلعاتك المادية الرخيصة‏,‏ وألا تطالبي الآخرين بدفع ثمن هذا التصحيح المزعوم‏,‏ اذ أي معني لمثل هذا التصحيح ـوعودة مرة أخري لأهمية دقة التعبيرات ـ سوي أمرين كلاهما أبشع من الآخر‏,‏ الأول هو أن تهدمي حياتك الزوجية علي رأس زوجك الذي لم يقصر في حقك لترتبطي بالفارس الذي هزم فرسه التوقعات المتشائمة وقطع شوطا ملحوظا في السباق من ناحية وعلي رأس زوجة هذا الفارس التي تحملت لذع الإبر وصعوبات البداية من ناحية أخري‏..‏ والثاني ـ وأرجو ألا يكون هذا هو ما فكرت فيه بالفعلـ هو أن تستعيدي سيطرتك علي مديرك الذي تحرر من أسر حبه لك وأصبح نجما مرموقا في مجال عملك‏..‏ وتستعيدي معه القصة العاطفية الموءودة‏,‏ مع استمرار كل منكما في حياته العائلية‏..‏ ولو إلي حين‏..‏ هل هناك معني ثالث لمثل هذا التصحيح الخادع سوي هذين الأمرين؟‏..‏ وهل يرضي ضميرك الأخلاقي بأيهما أو كليهما؟‏..‏ لقد لقنك هذا الرجل الذي يستحق كل الاحترام درسا بليغا أرجو أن تكوني قد استوعبتيه جيدا‏,‏ وفهمت مغزاه الأخلاقي‏..‏ وإذا كنت في ختام رسالتك قد سألتني ماذا أقول لك عن هذه القصة كلها‏..‏ فإني لن أقول لك أبلغ مما قاله لك هذا الرجل وهو أن المقابلة أي القصة قد انتهت عند هذا الحد بالفعل‏,‏ ولا داعي لمحاولة إطالتها أو بعث الحياة فيها من جديد‏,‏ وانه ينبغي لنا دائما أن نعرف متي ينبغي لنا أن نكف عن المحاولة غير المجدية التي لا يتحقق لنا من ورائها سوي المزيد من امتهان النفس والتمادي في الخطأ‏..‏ ومتى نسلم باليأس من رغباتنا وأهوائنا خاصة إذا لم تكن مشروعة ولا مقبولة‏..‏ ومتى يحسن بنا ـ احتفاظا بما بقي لنا من كرامة إنسانيةـ أن نسدل الستار ونقول وداعا لما كنا نحب أن نظفر به من الآمال‏,‏ ولم تسمح لنا به الحياة‏,‏ أو لن تسمح به الأعلى حساب سعادة الآخرين وأمانهم وكرامتهم‏..‏ فهل تعترفين لنفسك بهذه الحقيقة؟‏..‏ أم تفضلين كما فعلت طوال هذه القصة أن تواصلي خداع الغير والنفس وتسمية الأشياء بغير مسمياتها؟
 
نشرت بتاريخ 20 نوفمبر 1989


   

˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙


نقلها من أرشيف جريدة الأهرام
رفيدة محمد إسماعيل

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali



إقرأ المزيد Résuméabuiyad

ابتسامة الرضا .. رسالة من بريد الجمعة

قرأت رسالة ماكينة الخياطة التي تحكي قصة ذلك الشاب المناضل الذي وجد من يقيله من عثرته عندما ضاقت به الأحوال منذ نحو عشرين عاما‏,‏ عندما كان طالبا في كلية طب الأزهر‏,‏ ثم أرسل لكم راجيا مساعدته في العثور علي ذلك الصديق القديم في محاولة صادقة لرد الجميل والحقيقة أنني أعدت قراءة تلك القصة مرات ومرات مستمتعا بما تحمله من معان جميلة‏,‏ وجاء ردكم عليه في كلمات بليغة وعميقة ووافية بأن مسلسل العطاء والوفاء ليس بالضرورة أن يكون عبر من امتدت يدهم إلينا وقت الحاجة‏,‏ ولكن من الأفضل أن يمتد إلى آخرين ربما يكونون في نفس خندق الحاجة الذي كنا نقف فيه سالفا‏,‏ وبالتالي فهم أحق بالعطاء من غيرهم‏..‏ والحقيقة أن تلك الرسالة جاءت في وقت يعتقد فيه البعض أن الوفاء أصبح عملة نادرة فأعادت إلينا الثقة بالحاضر والمستقبل وأن الخير سيظل في أمتنا بإذن الله الي يوم الدين‏.‏

ولقد ذكرتني تلك القصة بواقعة لاتزال محفورة في ذاكرتي برغم مرور الأيام والسنين‏..‏ ففي عام‏1979‏ كنت أعمل مديرا لمكتب أحد أعضاء مجلس الإدارة في شركة كبرى للمقاولات في مصر‏,‏ وجاءني أحد المهندسين المعاقين وبرفقته شقيقه الأصغر يدفعه على عجلة طبية خاصة‏,‏ وهو يكاد يبكي لأن الادارة التخصصية المقرر تسلمه العمل بها في الشركة رفضت قبوله بسبب إعاقته الحركية  
برغم موافقة الادارة العليا على مبدأ التعيين‏,‏ وأن قرار تعيينه مهدد بالإلغاء بسبب ذلك ويومها هدأت من روعه وتسلمت أوراقه المبللة بدموع الإحساس بالقهر والظلم ودخلت بها إلى عضو مجلس الادارة الذي أعمل معه فأشر على الأوراق بتسلمه العمل فورا حتى ولو بقي علي قوة مكتبي مؤقتا إلى أن يتسلم عمله الرسمي في الادارة التخصصية التابع لها‏,‏ ولا أستطيع أن أصف لكم علامات الرضا والسعادة التي هللت وجه هذا المهندس الشاب في ذلك اليوم‏,‏ وكأنه لا يصدق نفسه‏,‏ وراح يتمتم بكلمات الدعاء والشكر لكل من ساعده في مهمته‏,‏ وتسلم الشاب عمله مع مديره الذي قبله على مضض‏,‏ ولكنه اكتشف مع مرور الأيام أنه أكثر كفاءة من بعض زملائه الأصحاء وتدرج في وظيفته حتى صار رئيسا للقسم الذي يعمل فيه متخطيا ـ عن استحقاق ـ العديد من زملائه‏,‏ ومرت الأيام وشاءت الأقدار أن يصاب هذا المدير بفيروس‏C‏ نشيط فأقعده عن العمل فكان أول من زاره في منزله هذا المهندس المعاق‏,‏ وبكى المدير عندما لمحه يدخل عليه وكاد يقبل يده الممدودة بالسلام قائلا سامحني لم أعلم أني ظلمتك إلا عندما أصبحنا في بحر الألم سواء وبكى المهندس الشاب قائلا‏:‏ مؤكد أنك لم تقصد ايذائي سامحك الله‏,‏ وبعد شهور قليلة توفي هذا المدير وهو نادم على فعلته‏..‏ ومرت سنوات وعصفت الظروف بالشركة وانقلبت الدنيا رأسا على عقب بسبب تصرفات بعض أعضاء مجلس الادارة والتي اعتبرتها الرقابة الادارية في ذلك الوقت تجاوزات يحاسب عليها القانون‏,‏ وتعقدت الأمور وكادت تلك الأزمة تطيح بعضو مجلس الادارة الذي كنت أعمل معه لأنه لم يكن لديه من الأوراق ما يبريء ساحته‏,‏ لأن أحدا لم يتخيل أن يجيء يوم كهذا فأسلم أمره للمولى عز وجل وقرر التنحي عن موقعه‏,‏ وفوجيء مسئول الرقابة الادارية بمهندس معاق يأتي بسيارة اسعاف على نفقته الخاصة من المستشفي الذي يرقد فيه منذ شهور برغم تحذير الأطباء له من خطورة الحركة علي حياته ـ للإدلاء بشهادته ولتقديم أوراق مهمة تبريء ساحة عضو مجلس الادارة وفاء لدين قديم معلق في رقبته على حد قوله‏,‏ وعندما علمت بذلك ذهبت الي المستشفي لأشكر له وفاءه واخلاصه‏,‏ فأبلغني أقرباؤه أن روحه فاضت إلى بارئها بعد عودته من الرقابة الادارية بساعات قليلة وعلى وجهه ابتسامة تنطق بالرضا والوفاء‏..‏ رحمه الله وطيب ثراه‏..‏ ومنذ عامين تقريبا وفي واقعة فريدة لا تحدث إلا في الأفلام وعقب وصولي الي مطار القاهرة في رحلة قادمة من كندا‏,‏ اكتشفت فقد جواز سفري المصري قبل منطقة الجوازات وكنت على وشك الإحالة الي جهاز أمن الدولة للتحقيق معي‏,‏ وفوجئت بأحد موظفي الجوازات يندفع نحوي بشدة ويكاد يحتضنني بشوق زائد برغم أني لا أعرفه‏,‏ وقام بجهد خارق لإنقاذي من ورطتي وقام بحملة تفتيش دقيقة كانت نتيجتها أن ظهر جواز السفر بعد أن فقدت فيه الأمل تماما‏..‏ وذهبت مندهشا إلى هذا الشاب النبيل لأشكره على جميل صنيعه ويا للمفاجأة فقد كان هو الشقيق الأصغر للمهندس الشاب الراحل والذي كان بصحبته يوم جاءني في مكتبي منذ نحو خمسة وعشرين عاما وعندما داعبته معلقا على قوة ذاكرته قال لا ينسي الإحسان والمعاملة الطيبة الا كل ناكر للجميل لقد كان أخي رحمه الله يدعو لكم صباحا ومساء‏.‏

ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏
لا عجب يا سيدي فيما ترويه فتجارب الحياة العديدة وخبرات الماضي وقصص التراث العربي قد علمتنا كلها ما سبق ان علمته للشاعر العربي حين قال‏:‏

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه
لا يذهب العرف بين الله والناس‏!‏
وهذا صحيح ـ ومعناه ان من يفعل الخير لابد ان يجزي خيرا ذات يوم ان لم يكن ممن قدم اليه الخير حين يملك ان يفعل ذلك‏,‏ فمن الله سبحانه وتعالي الذي يجزي كل انسان بما فعل ولا يضيع عنده العرف أي المعروف‏.‏
قرأت رسالة ماكينة الخياطة التي تحكي قصة ذلك الشاب المناضل الذي وجد من يقيله من عثرته عندما ضاقت به الأحوال منذ نحو عشرين عاما‏,‏ عندما كان طالبا في كلية طب الأزهر‏,‏ ثم أرسل لكم راجيا مساعدته في العثور علي ذلك الصديق القديم في محاولة صادقة لرد الجميل والحقيقة أنني أعدت قراءة تلك القصة مرات ومرات مستمتعا بما تحمله من معان جميلة‏,‏ وجاء ردكم عليه في كلمات بليغة وعميقة ووافية بأن مسلسل العطاء والوفاء ليس بالضرورة أن يكون عبر من امتدت يدهم إلينا وقت الحاجة‏,‏ ولكن من الأفضل أن يمتد إلى آخرين ربما يكونون في نفس خندق الحاجة الذي كنا نقف فيه سالفا‏,‏ وبالتالي فهم أحق بالعطاء من غيرهم‏..‏ والحقيقة أن تلك الرسالة جاءت في وقت يعتقد فيه البعض أن الوفاء أصبح عملة نادرة فأعادت إلينا الثقة بالحاضر والمستقبل وأن الخير سيظل في أمتنا بإذن الله الي يوم الدين‏.‏

ولقد ذكرتني تلك القصة بواقعة لاتزال محفورة في ذاكرتي برغم مرور الأيام والسنين‏..‏ ففي عام‏1979‏ كنت أعمل مديرا لمكتب أحد أعضاء مجلس الإدارة في شركة كبرى للمقاولات في مصر‏,‏ وجاءني أحد المهندسين المعاقين وبرفقته شقيقه الأصغر يدفعه على عجلة طبية خاصة‏,‏ وهو يكاد يبكي لأن الادارة التخصصية المقرر تسلمه العمل بها في الشركة رفضت قبوله بسبب إعاقته الحركية برغم موافقة الادارة العليا على مبدأ التعيين‏,‏ وأن قرار تعيينه مهدد بالإلغاء بسبب ذلك ويومها هدأت من روعه وتسلمت أوراقه المبللة بدموع الإحساس بالقهر والظلم ودخلت بها إلى عضو مجلس الادارة الذي أعمل معه فأشر على الأوراق بتسلمه العمل فورا حتى ولو بقي علي قوة مكتبي مؤقتا إلى أن يتسلم عمله الرسمي في الادارة التخصصية التابع لها‏,‏ ولا أستطيع أن أصف لكم علامات الرضا والسعادة التي هللت وجه هذا المهندس الشاب في ذلك اليوم‏,‏ وكأنه لا يصدق نفسه‏,‏ وراح يتمتم بكلمات الدعاء والشكر لكل من ساعده في مهمته‏,‏ وتسلم الشاب عمله مع مديره الذي قبله على مضض‏,‏ ولكنه اكتشف مع مرور الأيام أنه أكثر كفاءة من بعض زملائه الأصحاء وتدرج في وظيفته حتى صار رئيسا للقسم الذي يعمل فيه متخطيا ـ عن استحقاق ـ العديد من زملائه‏,‏ ومرت الأيام وشاءت الأقدار أن يصاب هذا المدير بفيروس‏
C‏ نشيط فأقعده عن العمل فكان أول من زاره في منزله هذا المهندس المعاق‏,‏ وبكى المدير عندما لمحه يدخل عليه وكاد يقبل يده الممدودة بالسلام قائلا سامحني لم أعلم أني ظلمتك إلا عندما أصبحنا في بحر الألم سواء وبكى المهندس الشاب قائلا‏:‏ مؤكد أنك لم تقصد ايذائي سامحك الله‏,‏ وبعد شهور قليلة توفي هذا المدير وهو نادم على فعلته‏..‏ ومرت سنوات وعصفت الظروف بالشركة وانقلبت الدنيا رأسا على عقب بسبب تصرفات بعض أعضاء مجلس الادارة والتي اعتبرتها الرقابة الادارية في ذلك الوقت تجاوزات يحاسب عليها القانون‏,‏ وتعقدت الأمور وكادت تلك الأزمة تطيح بعضو مجلس الادارة الذي كنت أعمل معه لأنه لم يكن لديه من الأوراق ما يبريء ساحته‏,‏ لأن أحدا لم يتخيل أن يجيء يوم كهذا فأسلم أمره للمولى عز وجل وقرر التنحي عن موقعه‏,‏ وفوجيء مسئول الرقابة الادارية بمهندس معاق يأتي بسيارة اسعاف على نفقته الخاصة من المستشفي الذي يرقد فيه منذ شهور برغم تحذير الأطباء له من خطورة الحركة علي حياته ـ للإدلاء بشهادته ولتقديم أوراق مهمة تبريء ساحة عضو مجلس الادارة وفاء لدين قديم معلق في رقبته على حد قوله‏,‏ وعندما علمت بذلك ذهبت الي المستشفي لأشكر له وفاءه واخلاصه‏,‏ فأبلغني أقرباؤه أن روحه فاضت إلى بارئها بعد عودته من الرقابة الادارية بساعات قليلة وعلى وجهه ابتسامة تنطق بالرضا والوفاء‏..‏ رحمه الله وطيب ثراه‏..‏ ومنذ عامين تقريبا وفي واقعة فريدة لا تحدث إلا في الأفلام وعقب وصولي الي مطار القاهرة في رحلة قادمة من كندا‏,‏ اكتشفت فقد جواز سفري المصري قبل منطقة الجوازات وكنت على وشك الإحالة الي جهاز أمن الدولة للتحقيق معي‏,‏ وفوجئت بأحد موظفي الجوازات يندفع نحوي بشدة ويكاد يحتضنني بشوق زائد برغم أني لا أعرفه‏,‏ وقام بجهد خارق لإنقاذي من ورطتي وقام بحملة تفتيش دقيقة كانت نتيجتها أن ظهر جواز السفر بعد أن فقدت فيه الأمل تماما‏..‏ وذهبت مندهشا إلى هذا الشاب النبيل لأشكره على جميل صنيعه ويا للمفاجأة فقد كان هو الشقيق الأصغر للمهندس الشاب الراحل والذي كان بصحبته يوم جاءني في مكتبي منذ نحو خمسة وعشرين عاما وعندما داعبته معلقا على قوة ذاكرته قال لا ينسي الإحسان والمعاملة الطيبة الا كل ناكر للجميل لقد كان أخي رحمه الله يدعو لكم صباحا ومساء‏.‏

ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏
لا عجب يا سيدي فيما ترويه فتجارب الحياة العديدة وخبرات الماضي وقصص التراث العربي قد علمتنا كلها ما سبق ان علمته للشاعر العربي حين قال‏:‏

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه
لا يذهب العرف بين الله والناس‏!‏
وهذا صحيح ـ ومعناه ان من يفعل الخير لابد ان يجزي خيرا ذات يوم ان لم يكن ممن قدم اليه الخير حين يملك ان يفعل ذلك‏,‏ فمن الله سبحانه وتعالي الذي يجزي كل انسان بما فعل ولا يضيع عنده العرف أي المعروف‏.‏

ولإدراكهم هذه الحقيقة فإن اهل الصلاح لا ينزعجون كثيرا إذا لمسوا إنكار بعض من قدموا لهم الخير لجميلهم أو جحودهم‏..‏ ولا يستسلمون لوساوس الشيطان فيكرهون العطاء بدعوى أن معظم البشر لا وفاء لهم‏..‏ وإنما يواصلون طريقهم اعتمادا علي ان ما يضيع عند الناس لا يضيع عند الله‏..‏ وعلي ان جوائز السماء خير وأبقي‏..‏ لأنها قد تكون خيرا ظاهرا وقد تكون خيرا مستترا يحجب شرا مستطيرا وهكذا‏.‏
فضلا عن ان بعض الناس كما يقول الشاعر الاديب جبران خليل جبران‏:‏يعطون بفرح ويكون فرحهم هذا هو جائزتهم علي ما قدموا من عطاء‏..‏ وشكرا لك لإطلاعنا علي هذه القصة الجميلة .

نشرت بتاريخ 5 مارس 2004
   

˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙

نقلها من أرشيف جريدة الأهرام
رفيدة محمد إسماعيل

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali


 
إقرأ المزيد Résuméabuiyad

بحر الكراهية .. رسالة من بريد الجمعة


كتبت إليك منذ ثماني سنوات ولم تجد رسالتي فرصة النشر‏,‏ والآن أعاود الكتابة مرة أخري‏.‏ فأنا سيدة في الخامسة والأربعين من عمري تزوجت منذ‏21‏ عاما من إنسان توسمت فيه أن أجد لديه كل ما تمنيته في الرجل‏.‏ فلقد كانت طفولتي تعيسة للغاية فقد رحلت أمي عن الحياة وأنا طفلة لا يزيد عمرها على عام ونصف العام‏,‏ وتقلبت بي الحياة بين أيدي ثماني زوجات أب كان لكل منهن أسلوبها معي ووجدت منهن ما جعلني أكره حياتي وأتطلع لمغادرة بيتي إلي بيت زوج يعوضني عما عانيته في حياتي من شقاء‏,‏ وتزوجت أول من طرق بابي‏,‏ واصطدمت بعد زواجي منه بشخصيته التي تختلف عن شخصيتي في كل شيء‏,‏ فهو من النوع العنيف الذي يعالج أموره بالضرب‏,‏ وكثيرا ما كان ضربا مبرحا يترك آثارا تستمر لعدة شهور على وجهي وجسدي‏,‏ وفي خلال عامين أنجبت منه طفلين وأنا كارهة ومن أجلهما احتملت الحياة مع رجل لم أعد أطيق عشرته وأصبح وجوده في البيت كابوسا ثقيلا وكرهته كل الكرة‏,‏ فلم يكن بيننا ذات يوم حوار إلا وانتهي بالضرب والشتم والسب‏,‏ ولقد أصبحت أكره ملامح وجهه لم أعد أنظر إليها منذ‏15‏ عاما ولقد اضطررت‏,‏ وليسامحني الله في ذلك ـ أن أنفصل عنه وأنام في حجرة أطفالي منذ سنوات بعيدة لكني بالرغم من ذلك لم أكن أرفضه إذا دعاني‏,‏ وكانت هذه هي أكثر أوقاتي عذابا ومعاناة‏.‏ومضت السنوات بخيرها وشرها فلم أستطع العودة إلى حجرة نومي أبدا‏,‏ ولقد حاول هو كثيرا إعادتي إليها وفشل‏,‏ فأسلوبه لم يتغير والحياة معه حرمان من كل شيء‏,‏ وكلما طلبنا منه شيئا ضروريا تكون الإجابة هي الضرب‏,‏ وكلما ضربني كرهته أكثر حتى أصبح كرهي له بلا حدود‏,‏ ولم يكن لي خيار في استمرار الحياة معه‏,‏ فلقد كان من المستحيل أن أعود إلي بيت زوجة الأب مرة أخرى‏,‏ وإمكاناتي لا تسمح لي بالعيش وتحمل مسئولية أبنائي‏,‏ ولقد كان من رحمة ربي بي أنه كان كثير السفر في عمله‏,‏ فصبرت على حياتي معه حتى كبر أبنائي والتحقوا بالجامعة منذ عامين‏,‏ والكارثة الآن هي أن زوجي قد ترك العمل وتفرغ للجلوس في البيت وأنا لم أعد أتحمل وجوده المستمر فيه لكرهي الشديد له‏,‏ ولا أعرف لماذا لم يطلقني وقد طلبت منه الطلاق مليون مرة‏.‏ونوبات الاكتئاب لم تفارقني منذ زواجي‏,‏ وقد مرض زوجي أخيرا بمرض معد عن طريق الدم وأكد لي الطبيب ذلك‏,‏ وزوجي دائم الشجار معي لهجري له وأنا زوجة لا تستطيع أن تكون زوجة لكرهها الشديد لزوجها‏..‏ فماذا أفعل في مشاعر الكراهية هذه وهي لا حيلة لي فيها لأنها حصاد رحلة العمر المريرة‏.‏إنني أتمني أن أعيش مع أولادي وحدي وأن يتركني ذلك الرجل ويبحث لنفسه عن زوجة أخرى‏,‏ فقد ضاع عمري معه في حياة خالية من كل معنى السعادة‏.‏الآن إلا في الانفصال عن زوجي لأنني لا أريد أن أراه أو أسمع صوته وأكره كل شيء فيه منذ‏15‏ عاما كاملة‏!‏وإنني أسألك يا سيدي‏:‏ أليس من حقي أن أحيا ما بقي لي من عمر بدون هذا الرجل فأتنفس الصعداء وأتخلص من الاكتئاب الذي يخيم علي حياتي؟‏!‏

‏‏ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏ :

لا حصاد لمثل هذه العشرة  السيئة إلا اختزان المرارة وترسبها في الأعماق وتحولها مع مر السنين إلي كراهية متأصلة لا يجدي معها نصح ولا حديث ‏!‏إذ ماذا ينتظر العشير الذي لا يتفاهم مع شريكة الحياة إلا بالضرب المبرح الذي يترك آثارا علي الجسد والوجه لعدة شهور‏,‏ سوي أن تنطوي له زوجته علي ما يشبه الحقد المكظوم الذي ينتظر تغير الظروف لكي ينفجر في وجهه معبرا عن نفسه بلا حرج ولا تجمل .
لقد قلت من قبل إن بعض الزوجات قد تضطرهن ظروف الحياة والحرص علي مصلحة الأبناء إلي احتمال عشرة شريك الحياة والصبر عليها إلي أن يشب الأبناء عن الطوق وتنتهي الحاجة المادية للزوج‏,‏ فتنفجر الكراهية المختزنة في أعماقهن طوال سنوات الصبر والاحتمال‏,‏ ويقوم حاجز نفسي منيع بين الزوجة وزوجها تفشل معه كل المحاولات فيعيش الزوجان تحت سقف واحد وقد تحولا إلي غريبين لا ينطوي أحدهما للآخر إلا علي أسوأ المشاعر‏,‏ أو تحتمي الزوجة ببيوت أبنائها رافضة اقتسام الحياة من جديد مع زوجها‏,‏ أو تصر الزوجة في بعض المضاعفات الشديدة علي الحصول علي الطلاق والانفراد بحياتها دون النظر لأي تبعات تترتب علي هذا الانفصال‏.‏ولا عجب في ذلك إذ ماذا ينتظر العشير ـ زوجا كان أو زوجة ـ من شريك الحياة إذا هو قهر إرادته بالحاجة ومصلحة الأبناء سنوات طوالا حين يتحرر الشريك من هذا القيد بنمو الأبناء ويسترد قدرته علي الاختيار‏.‏
لقد شرع الله سبحانه وتعالي الخلع للمرأة التي تعجز عن احتمال عشرة زوجها لكراهيتها الشديدة له حتى ولو لم تنكر عليه خلقا ولا دينا فرخص لها بأن ترد عليه ما سبق أن أدي إليها من مال وتختلع منه‏.‏ولقد روي لنا الأثر تلك القصة المعروفة عن امرأة ثابت بن قيس التي شكت إلي الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه أنها تكره زوجها كراهية شديدة وإن لم تكن تنكر عليه شيئا من خلقه أو دينه فأمرها أن ترد عليه ما أخذته منه وأمره بأن يطلقها كما روي لنا الأثر أيضا أن الرسول الكريم‏,‏ صلوات الله وسلامه عليه ـ قد رق قلبه لرجل انفصل عن زوجته وهو راغب فيها فذهب إليها الرسول يحدثها في عودتها إليه فسألته علي استحياء‏:‏ هل جاء شافعا أم آمرا؟ فأجابها بأنه إنما جاءها شافعا وليس آمرا‏,‏ فأجابته‏:‏ إذن فلا أعود‏!‏ فلم يرغمها الرسول الكريم على ما لا تريده ولم يتهمها في دينها ولا في طاعتها لربها ولرسوله‏.
‏لكن المشكلة لا تتمثل في حقك في أن تتنفسي الصعداء بعد سنوات الصبر والاحتمال وأن تعيشي مع أبنائك بغير زوجك‏,‏ وإنما المشكلة هي كيف يتحقق لك ذلك وأنت بلا مال ولا إمكانات لتوفير المأوي الكريم لك بعد الانفصال‏,‏ كما أن زوجك ليس قادرا فيما يبدو لي من أحواله علي أن يوفر لك ولأبنائك مسكنا مستقلا ويتزوج هو ممن ترضي بمشاركته الحياة في مسكن الزوجية‏,‏ فما العمل اذن‏!‏ هل نطالبه كما تحلم بذلك بعض الزوجات الكارهات بأن يتلطف الزوج المكروه بالاختفاء من حياة زوجته وأبنائه ويخلي لهم مأواه الوحيد ويبحث لنفسه عن غرفة في أي مكان ليعيش فيها وحيدا عليلا ما بقي له من عمر لأن زوجته تكرهه أشد الكراهية ومع استمراره في الإنفاق علي ساكني الجنة التي طرد منها بغفلته وقسوته وسوء عشرته لزوجته؟وهل يقبل زوجك بهذا الحلم الحسير الذي يراودك ويراود مثيلاتك من الزوجات الكارهات؟لقد أخطأ زوجك في حقك كثيرا وزرع بذور كرهك له في أعماقك علي مر السنين‏,‏ ولكن ألا تستطيعين ما دمت غير قادرة علي أي حل آخر أن تغالبي نفسك وتحاولي النظر إلي وجهه الذي كففت عن مجرد النظر إليه طوال السنوات الماضية بنظرة جديدة خالية من مرارات الماضي وذكرياته .
إن المرض المعدي الذي حدثتني عنه يقدم الأطباء بحقن الزوجة ومخالطي المريض بمصل يقيهم خطر العدوى منه‏.‏ وزوجات كثيرات يخالطن أزواجهن المرضي بهذا المرض بغير خوف من العدوى بعد المصل؟ فهل فكرت في التحصين ضده؟وألا تحاولين ما دمت عاجزة عن أي بديل آخر تحييد مشاعرك تجاه زوجك بما يخفف عنك بعض عناء الحياة ويعينك علي مواصلة أداء رسالتك مع أبنائك بغير أن تعرضيهم للمتاعب؟
إن الحب لا يشتري ولا يباع وإنما هو شعلة ذاتية الاشتعال تتطلب دائما رعايتها والحرص عليها لكي ينمو ويستمر لهبها عاليا ويصمد لرياح الحياة‏,‏ ولهذا فلست أطالبك ـ وأنت من تحملين لزوجك كل هذه الكراهية ـ بحبه أو الوقوع في غرامه بعد كل ما جرى منه لكني أطالبك فقط بمحاولة تحييد مشاعرك تجاهه‏..‏ ومحاولة نسيان مرارات الماضي‏,‏ رفقا بك أنت وبحالتك النفسية وجهازك العصبي قبل أي شيء آخر‏,‏ فهل تستطيعين ذلك لكي تخففي عنك ثقل الأيام؟



نشرت سنة 1999

   

˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙


نقلها من أرشيف جريدة الأهرام
رفيدة محمد إسماعيل

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali



إقرأ المزيد Résuméabuiyad

صوت الرعد .. رسالة من بريد الجمعة

أنا فتاة من أسرة مكونة من ستة أفراد‏..‏ أبي الموظف السابق وبالمعاش حاليا‏,‏ وأمي الموظفة بإحدي الجهات الحكومية وأخي الكبير الذي يعمل مهندسا ومتزوج حاليا‏..‏ وأختي التي تليني وهي الآن معارة إلى إحدى الدول العربية ولم تتزوج بعد‏,‏ وأخي الثالث الذي يعمل كمحاسب بإحدي الشركات الخاصة وأنا أصغرهم وأعمل منذ تخرجي كسكرتيرة بإحدى الشركات الخاصة‏..‏ هذه هي أسرتي التي نشأت فيها وأنا بعيدة كل البعد عنها بحساسيتي المفرطة ومشاعري المرهفة التي جعلتني أشبه بالمنعزلة عن أفرادها ولست أقصد بذلك أنني لا أتعامل معهم‏..‏ فأنا شديدة الارتباط بأخوتي فقد انشأتنا والدتي الحبيبة على الحب والارتباط ببعضنا البعض لكني بالرغم من ذلك أشعر أنني وحيدة وفي بيئة غريبة عني ولذلك فضلت العيش في عزلتي بسبب ما قاسيته من خلافات دائمة بين أبي وأمي سببها الأول والأخير هو المادة‏..‏ فأبي سامحه الله ومنذ أن كنا صغارا ونحن نلمس فيه عشقه للمال وحرصه الشديد عليه حتي صار حبه الأول والأخير‏,‏ فهو لا يفكر في شيء سواه ويبخل علينا بكثير مما هو ضروري لحياتنا ومتاح في الوقت نفسه لغيرنا ممن هم أقل منا ماديا‏,‏ يبخل ونحن نعلم جيدا أنه يملك من المال ما يجعلنا غير محتاجين إلى شيء فمعاشه الكبير يتيح لنا الحياة الكريمة‏,‏ لكن والدتي ـ أطال الله عمرها ـ هي التي دوما تكمل لنا ما ينقصنا حتى صرنا رجالا وفتيات يحسد الآخرون آبانا علينا في حين لا يشعر هو بتلك النعمة التي أعطاها  الله له‏,‏ فأخي الأكبر كان يعمل منذ أن كان طالبا بالكلية ليسدد مصاريفه التي رفض أبي بالطبع أن يسددها له منذ التحاقه بالكلية وظل حتى تخرج وهو يعتمد على نفسه في نفقاته لكي يعفي من نفسه من ذل سؤال أبينا‏..‏ اذ كان يثور علينا عندما نطلب منه شيئا جديدا نلبسه أو شيئا نحتاج إليه أو حتى مصروفنا اليومي لنذهب إلى المدرسة أو إلى الكلية ويسبنا بصوت كالرعد يصيبنا بالرعب ويجعلنا نتقهقر من أمامه ولا نسأله شيئا ثانية وكانت أمي بارك الله لنا فيها هي التي تحنو علينا وتلبي طلباتنا بما تملكه من راتبها الصغير الذي يكفيها بالكاد مع دروسنا الخصوصية فترة الدراسة وأقساط ملابسنا التي نرتديها بجانب مساعدتها في نفقات البيت‏.‏
فأمي رغم راتبها الصغير تحاول بقدر جهدها إكمال ما ينقصنا في بيتنا وتجعله يبدو بالمظهر اللائق قليلا حرصا على مشاعرنا وحتى لا نشعر بأننا أقل من غيرنا‏..‏ فليس هناك شيء يتلف في البيت ويوافق أبي على إصلاحه حتى جفت حلوقنا من ترديد الكلام وأصبحنا نفضل السكوت ونحاول الاشتراك مع والدتنا بما نقدر عليه في ترميم ما يتلف أو إحضار شيء جديد ضروري للبيت‏..‏ وهكذا فإنه لا يترك لنا فرصة حتى لأن نتكفل بأنفسنا فكيف نفعل ذلك وكل ما في أيدينا من أموال ننفقها في البيت إنه يبتز أموالنا بطريقة غير مباشرة في نفقات ليست لأنفسنا ولكن للبيت ولا أستطيع إحضار شيء لنفسي وكذلك أمي رغم أنها موظفة ومنذ سنوات عديدة من جراء هذا الابتزاز غير المباشر‏.‏
والآن فقد انتهيت من دراستي وتمت خطبتي لأحد زملائي الذي ارتبطت به عاطفيا خلال الجامعة وكان هذا أعظم انتصار لي والسعادة الوحيدة التي طرأت على حياتي منذ ولادتي ومنذ أن ارتبطت بهذا الشاب أشعر نحوه ومع كل قسوة والدي بحنان عجيب يجعلني أشعر أنه ليس لي في الدنيا سواه وأدعو الله أن يتم ارتباطي به على خير حتى أخرج من هذا الجحيم الذي أعيشه مع أب بخيل يعشق المال أكثر من أي شيء آخر ويفضله حتى على فلذات أكباده‏..‏ والحمد لله فقد وهب الله لأخي الأكبر حياة مستقرة  
بعد ان ذاق الذل واعتمد على نفسه وأختي المعارة إلى إحدى الدول العربية ومازالت بنتا لم تتزوج والحمد لله تكفلت بتكاليف زواجها وجهازها وليتك تشعر بإحساسها وهي ترى كل صديقاتها منعمات في بيوت آبائهم وهي قد كتبت عليها الظروف أن تسافر وهي بنت تعمل وتكدح من أجل أن تنفق على نفسها ولم يخش هو عليها قسوة الغربة وإنما شجعها لكي يخفف من أحماله‏!..‏ وأخي الثالث اعتمد على نفسه ولم يعد بحاجة إلى والدي‏,‏ أما أنا فلا أملك من الدنيا سوي وظيفتي التي انفق مرتبي القليل على احتفاظي بمظهر لائق أمام الناس وزملائي في العمل بقدر ما استطيع حتى أنني أصبحت لا أتناول وجبة واحدة في بيتنا وعندما أعود من عملي بعد يوم شاق أعمل فيه لمدة‏10‏ ساعات آرجع إلى البيت فلا أجد الاستقبال الذي يشجعني فأدخل إلى غرفتي وأنام بدون ان اتساءل عن أي شيء فقد أصبحت ساهمة أسير في الشوارع والطرقات أشعر بفقدان الوعي والاتزان والثقة في نفسي‏..‏ وأنا مقبلة على الزواج واحتاج إلى أن أشعر بمظهر لائق أمام أهل خطيبي الذين بالطبع لا يعلمون أن أبي يرفض أن ينفق مليما واحدا على جهازي وقد تكلمت مع أبي كثيرا وفي كل مرة لا أسمع منه إلا صوت الرعد يدوي في أذني بمزيج من السباب والشتائم تنهال على رأسي ورأس أمي المسكينة التي أنفقت كل ما معها علينا ولم يتبق لها شيء ولم تدخر رغم سنوات عمرها لنفسها جنيها واحدا لوقت ضيق أو حتى لتحقق أمنيتها بزيارة بيت الله الحرام‏,‏ لقد صارت المرارة التي أشعر بها في حلقي كالعلقم لا أستطيع تحملها أكثر من ذلك وأنا أرى كل بنات عائلتي تتزوجن وقام آباؤهن بمساعدتهن في زواجهن بما يشرفهن أمام أزواجهن وأشعر أنني وحيدة بلا أب حتى بت أكره نفسي وأكره حياتي ولا أسامح أبي أبدا وستظل هذه المرارة في قلبي ما حييت‏,‏ فما وجدته من أبي من قسوة جعلني أميل بمشاعري الطيبة كلها تجاه خطيبي الذي أصبح هو كل دنياي لو لم أكن قابلت هذا الشاب لكنت أصبحت مريضة نفسيا من أهوال حياتي‏.‏ أرجوك يا سيدي أن توجه إلى أبي كلمة قبل فوات الأوان‏..‏ فلقد تقدم به العمر وأخشى أن يموت وهو مخطئ في حقنا وحق أمي المريضة‏.‏ فلا يترك لنا أنا وأخوتي سوى ميراث الحقد والكره‏..‏ أرجو أن تطلب منه أن يحنو علينا إذ فماذا يريد من الدنيا بعد أن أنعم الله عليه بكل ما يتمني‏.‏ وأعطاه أبناء يحسد عليهم وحقق ما كان يريد ولديه مال يكنزه وأبناؤه يحتاجون إليه‏.‏

ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏
صوت الرعد وإن كان مفزعا إلا أنه في نفس الوقت يكون بشيرا عادة بهطول المطر‏..‏ فالسماء ترعد‏..‏ ثم تمطر في النهاية أما والدك سامحه الله فإنه يرعد ولا يمطر‏..‏ ورعوده كلها صوتية فقط لا ترطب الأرض الجافة ولا تروي العطاشي‏,‏ فبئس ما اختار لنفسه وحياته وبئس ما صنعه بأبنائه فدفعهم جميعا للاغتراب النفسي عنه والبحث عن مصادر الحنان خارج دائرته‏..‏
وكل ذلك من أجل متاع قليل لا يساوي في حد ذاته شروي نغير إن لك يكرسه المرء لإسعاد أبنائه وحفظ حرماتهم وكراماتهم وأعراضهم‏..‏ إنني أقول له ان الفرصة بالرغم من كل شيء لم تضع بعد ويستطيع إذا أراد ان يعين ابنته الشابة على أمرها ويحفظ عليها كرامتها أمام خطيبها وأصهارها‏..‏ فهل يرغب في ذلك حقا أم ترى أنه يصر إلى النهاية على أن يحصد ثمار ما غرسه من الحقد والمرارة في نفوس أقرب الناس إليه؟‏..‏ وأحقهم ببره ورعايته وعطفه ؟


نشرت بتاريخ 8 مارس 2002

   
˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙

نقلها من أرشيف جريدة الأهرام
رفيدة محمد إسماعيل

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali




إقرأ المزيد Résuméabuiyad

الذكرى الغالية .. رسالة من بريد الجمعة


أنا سيدة في السادسة والعشرين من عمري‏,‏ نشأت بإحدى مدن الأقاليم في أسرة متوسطة الحال‏,‏ بين أب وأم و‏4‏ أشقاء‏,‏ وكغيري من البنات حلمت مع مطلع الشباب بالفارس الذي سيغزو قلبي في الوقت المناسب‏..‏ وأتشبث به‏..‏ ونقيم معا عشنا الصغير‏.‏ وأنهيت دراستي‏..‏ فجاء الفارس‏..‏ ولم أكن قد رأيته قبل ذلك سوي بضع مرات في مناسبات متفرقة بالرغم من قرابته لي‏,‏ فلقد شق طريقه مع أسرته في مدينة أخري غير مدينتنا وعمل بالتجارة ونجحت تجارته‏,‏ ثم أراد أن يبحث عن نصفه الآخر فرجع إلي مدينته الأصلية‏,‏ وقاده النصيب المكتوب إلي‏.‏ وما أن تقدم إلي طالبا يدي‏..‏ حتي تغيرت نظرتي السابقة إليه من مجرد قريب اسمع عن نجاحه في الحياة العملية ونبوغه المبكر وأصبحت أراه بعين مختلفة ويخفق قلبي واضطرب حين يتحدث إلي‏..‏
ووسط فرحة الأهل علي الجانبين بارتباطنا‏..‏ تمت خطبتي إليه‏..‏ ولاحظت خلال مرحلة الخطبة سعادة أخوته الكبيرة بي ثم مضت الأمور في طريقها الطبيعي‏..‏ وتم إعداد عش الزوجية في سرعة قياسية وعلي أحسن مستوي‏..‏ وكلما تأخر إعداد شيئ من الجهاز‏..‏ ألح أهل زوجي بالإسراع بالانتهاء منه في أقرب وقت‏..‏ وسعدت بتعجلهم إتمام الزواج علي هذا النحو واعتبرته نوعا من الترحيب الحار بي‏,‏ وتم الزواج في حفل سعيد‏..‏ وانتقلت إلي بيت الزوجية الجديد في المدينة التي تقيم بها أسرة زوجي‏,‏ ومضت الفترة الأولي من الزواج سعيدة ومبهجة وواعدة بكل خير‏.‏ ولم تمض أسابيع  
حتى كانت ثمرة الحب قد تحركت في أحشائي‏..‏ وبدأت مرحلة جديدة من متاعب الحمل اللذيذة في حياتي وزاد من سعادتي ابتهاج أخوة زوجي الكبير بخبر حملي وحفاوتهم الزائدة به‏,‏ ولم يخفف من الفرحة بعض الشيء سوى تعرض زوجي لوعكة صحية طارئة تردد بسببها على الأطباء‏,‏ وانتظم في العلاج وتحسنت حالته ورجعت الأحوال إلى طبيعتها السابقة‏..‏ ثم جاء موعد ولادتي ووضعت طفلتي الجميلة‏..‏وبدأنا نستعد للاحتفال بيوم سبوعها‏..‏ واحتفلنا بالمولودة السعيدة احتفالا كبيرا‏..‏ وفي المساء عاودت الوعكة الصحية زوجي الشـاب‏,‏ وكانت شديدة بعض الشيء هذه المرة‏..‏ فتكدرت وشعرت بالحزن من أجله‏..‏ وفي صباح اليوم التالي غادر مع أخوته مدينتنا ليعرض نفسه على طبيب كبير في الإسكندرية‏,‏ ورجع من الرحلة منهكا ومهموما وسألت أشقاء زوجي عما قاله الطبيب‏.‏ فهونوا علي الأمر وقالوا إنها مجرد نزلة قولونية بسيطة وسوف يشفى بالأدوية بإذن الله‏..‏ فاطمأن قلبي وبذلت جهدي لرعاية زوجي وخدمته خلال هذه الوعكة‏..‏ لكن كثرة الأدوية التي يتناولها أثارت قلقي‏..‏ فأردت أن أطرد القلق والوساوس من ذهني‏..‏ وفتحت إحدى علب الأدوية لأقرأ النشرة الطبية الخاصة بها وأعرف المزيد عن حالته الصحية فإذا بي أجدها خالية منها‏..‏ ففتحت بقية العلب فإذا بها كلها خالية من هذه النشرات‏..‏
وتحسنت صحة زوجي بعض الشيء ورجع إلى عمله‏..‏ لكنه انتكس مرة أخري واضطر للسفر للقاهرة لطلب العلاج لدى أطبائها‏..‏ وبعد ذلك كثر تردده علي أطباء القاهرة وعودته من السفر مرهقا ومهموما‏..‏ وفي كل مرة لا يسمح لي بمصاحبته في السفر ويصطحب معه أحد أخوته دوني‏.‏
ومضت بنا الحياة وحالة زوجي الصحية تتحسن في بعض الأوقات فيرجع إلى عمله وتغرد عصافير السعادة في بيتنا الصغير‏..‏ وتسوء في أوقات أخرى فيخيم الحزن والهم والقلق علي حياتي‏..‏ إلى أن فوجئت بعد عامين من زواجي بدخوله المستشفي لإجراء  
جراحة تتطلبها حالته‏..‏ وأجريت له الجراحة ورجع إلى البيت بعد غياب أكثر من أسبوعين‏..‏ وبقي في البيت بعدها معظم الوقت يدير عمله التجاري بالتليفون‏..‏ ويستقبل المتعاملين معه في بعض الأحيان وهو في فراشه‏..‏ وأنا أقوم على خدمته والسهر على راحته‏..‏ وأتطلع لليوم القريب الذي سيسترد فيه عافيته‏..‏
لكن الآمال قد لا تتحقق لمن يتعلق بها في كثير من الأحيان‏,‏ فلقد ازداد ضعفه وتوالت الأزمات الشديدة عليه‏..‏ وإذا به بعد ستة أشهر من جراحته يلفظ أنفاسه الأخيرة‏..‏ ويودع الحياة تاركا وراءه أرملة في أوائل العشرينيات من عمرها وطفلة لم تكمل عامها الثالث‏!‏
وإذا بي اكتشف يوم رحيله عن الدنيا أنه كان مريضا بالمرض الخطير من قبل أن يتزوجني‏,‏ وأسمع من بين دموعي ونواحي خلال أيام العزاء والمواساة بعض أخوته يتحدثون عن نجاحهم في إخفاء حقيقة مرضه عن الجميع طوال السنوات الماضية‏..‏ بل وعن اعتزازهم بأنهم قد أفلحوا في أن تكون لهم منه ذكرى غالية هي طفلته‏!‏
وتساءلت في أعماقي ألم يكن من حقي أن أعرف حقيقة مرض زوجي قبل الارتباط به كي أختار لنفسي طريقي في الحياة علي بينة؟
وألم يكن من حقي ولو بعد أن تزوجت منه أن أعرف ماذا يواجهه زوجي ووالد طفلتي من متاعب صحية؟
لقد اسودت الدنيا في وجهي‏..‏ وفهمت لأول مرة لماذا كانت علب الأدوية كلها خالية من نشراتها‏..‏ وامتثلت لأقداري وآملت في أن تعوضني ابنتي عن السعادة التي وئدت في مهدها‏.‏ لكن أحوال الدنيا لم تسمح لي حتى بذلك العزاء‏,‏ فلقد بدأت متاعبي مع أخوة زوجي حول ميراثه‏,‏ وخاصة بعد أن استكتبني أحدهم توكيلا له لإدارة تجارة شقيقه ولم تفلح أي محاولة على المستوي العائلي لحل مشكلات نصيبي ونصيب ابنتي في ميراث زوجي الراحل‏,‏ وكان الحل المقترح من جانب أسرته هو أن يأخذوا طفلتي مني لكي تنشأ بينهم ويتكفلوا برعايتها‏..‏ ورفضت هذا الحل الظالم نهائيا‏..‏  
ورجعت بفستاني الأسود وطفلتي اليتيمة لأعيش في كنف أبي بالرغم من قلة رزقه‏,‏ وعرفت بعد عودتي الحسيرة أن أخوة زوجي قد اقتسموا شقة الزوجية بينهم وبدأوا في بيع أجزاء من تركة زوجي‏,‏ وامتنعوا عن سداد أقساط التأمينات بحجة وقف النشاط التجاري‏,‏ وذلك بهدف حرماني من معاش التأمينات المستحق لي عن زوجي‏,‏ حتى أضعف وأسلم باليأس وأسلمهم ابنتي‏.‏
إنني أكتب هذه الرسالة لتحذير أصحاب النية الحسنة من غدر الأحباب‏,‏ وأيضا عسى أن تقوم وزارة التأمينات بتسوية وضع زوجي الراحل ومنحي المعاش المستحق عنه لكي أرعي طفلتي به إلى جانب ما تسهم به أسرتي في ذلك‏,‏ فهل تستطيع مساعدتي في ذلك؟

ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏
لو كان أخوة زوجك الراحل يعتزون حقا بالذكرى الغالية التي خلفها وراءه شقيقهم‏,‏ لفرض عليهم هذا الاعتزاز أن يوفروا لها الظروف المثلي لنشأتها في أحضان أمها إلى أن يشتد عودها‏,‏ ولجنبوا أرملة أخيهم خوض المعارك لانتزاع حقها وحق طفلتها المشروع في ميراث أبيها‏..‏ ولاحاطوهما معا بالرعاية الكاملة ووفروا لهما الحياة الكريمة سواء في مدينتهم أو مدينتها‏..‏ بما يترتب لهما من حقوق الإرث في تركة أخيهم‏.‏
أما أن يحاولوا انتزاع الطفلة الصغيرة من أحضان أمها بدعوى تنشئتها ورعايتها في كفالتهم‏,‏ ويضغطوا على الأم بحرمانها وحرمان هذه الطفلة نفسها من حقوقهما المشروعة في الميراث‏,‏ فليس ذلك من الاعتزاز الحقيقي بذكرى شقيقهم الراحل‏,‏ ولا بامتداده في الحياة الذي تمثله الآن هذه الطفلة الحائرة في شيء‏.‏
ومن المؤسف حقا أننا في تسابقنا المحموم علي أعراض الدنيا كثيرا ما نخدش جلال المواقف الحزينة التي ينبغي أن تتوقف فيها الصراعات والأطماع حول تراثهم‏,‏ ثم نزعم بعد ذلك وفاءنا  
لذكري الأعزاء الراحلين‏..‏ ونحزن لفراقهم‏..‏ ونذرف الدمع في مناسبات تذكرهم‏!‏
وذلك بدلا من أن نتعلم من عبرة الموت ما يجعلنا أكثر عدلا مع الحياة‏,‏ إنني أؤيدك تماما في عدم خضوعك لهذا الضغط المادي عليك لكي تسلمي طفلتك لأخوة زوجك الراحل‏..‏ فحضانة الصغير في المرحلة الأولى من عمره حق للأم قبل غيرها ثم لمحارمه من النساء من بعدها‏,‏ ثم لمحارمه من الرجال من بعدهن‏.‏
ولقد حسم هذا الأمر بالهدي النبوي الحكيم حين جاءت امرأة إلى رسول الله صلوات الله وسلامه عليه فقالت‏:‏ يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء وحجري له حواء وثديي له سقاء‏,‏ وأن أباه طلقني ويزعم أنه ينتزعه مني‏.‏ فقال لها الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه‏..‏ أنت أحق به ما لم تتزوجي‏.‏
كما حكم الصديق أبو بكر رضي الله عنه بين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومطلقته الأنصارية في مسألة حضانة ابنها عاصم فقال له أبو بكر‏:‏ ريحها ومسها ومسحها وريقها خير له من الشهد عندك‏.‏
وقد كان عمر أباه‏,‏ فما بالك بالأعمام الذين يسعون لحرمان أرملة أخيهم من حقها المشروع في ميراث زوجها‏..‏ ويحجبون حق طفلته الصغيرة نفسها في إرثه لكيلا تستفيد بشئ منه أمها؟
إن الأم التي تتهلل للتخلي عن وليدها الصغير‏,‏ بمثل هذه السهولة إنما تكرر نموذج الضفادع التي تضع بيضها في المستنقع ثم تترك صغارها تكافح بمفردها للبقاء‏..‏ والنجاة من الأعداء الطبيعية لها‏.‏
وليس ذلك مما يشرف أي أم‏..‏ وما ينبغي له أن يكون من مؤهلات الرضا عنها لدي أهل الزوج أو من أسباب تساهلهم معها للحصول على بعض حقها المشروع لديهم في ميراث زوجها بل ينبغي له أن يكون من أسباب غضبهم عليها وسقوط اعتبارها في نظرهم‏.‏
فعلي أي شيئ إذن ينازعك هؤلاء الإخوة المعتزون بذكري أخيهم الغالية؟
وأي فخر في أن يتكتموا حقيقة الحالة الصحية لأخيهم وهم يتقدمون  
معه لخطبة فتاة صغيرة تحلم بحقها العادل في السعادة؟
وأي عدل في أن يحجبوا عنها هذه الحقيقة المؤلمة نفسها حتى وبعد أن شاركت أخاهم حياته وارتبط مصيرها بمصيره؟
وأي عزاء هذا الذي يقدمونه لها عن استدراجها للارتباط بشقيقهم بغير مكاشفتها بحقيقة حالته الصحية‏,‏ وترك حق الاختيار لها‏,‏ فلا يكون تكفيرهم عن هذا الجرم الأخلاقي تجاهها سوى محاولة انتزاع طفلتها منها أو حرمانها هي وطفلتها من كل حق لها في ميراث شقيقهم؟
إنني أطالبك بالتمسك بحضانتك لطفلتك‏..‏ وبحقها وحقك في ميراث أبيها‏,‏ واستخدام كل الوسائل القانونية الممكنة لانتزاع الحقوق ممن يرفض ردها‏,‏ أما طلبك بشأن معاش التأمينات الخاص بزوجك الراحل فإنني أضعه أمام السيد رئيس الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية‏..‏ وآمل في اهتمامه ببحث أمرك وتذليل الصعوبات التي تحول دون نيلك لحقك‏.‏

نشرت بتاريخ 17 مارس 2000
   
˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙

كتبها من مصدرها عيون ممطرة
Saly Yasser

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali



إقرأ المزيد Résuméabuiyad

الهواجس المؤلمة .. رسالة من بريد الجمعة


أنا رجل أبلغ من العمر45 عاما, وأعمل بوظيفة محترمة, وقد أكرمني ربي برضا أبي وأمي وبعلاقات طيبة مع الأهل والأصدقاء وكل من أتعامل معهم لأنني أحب البشر ولا أتواني عن مساعدتهم وأعامل الآخرين بكل احترام...
وقد تزوجت منذ اثني عشر عاما من فتاة أحببتها سنوات طويلة قبل الزواج دون أن أعلن ذلك لها أو لغيرها وتكتمت مشاعري تجاهها إلى أن يحين الوقت المناسب للتقدم لها, وحين سمحت لي الظروف بذلك تق
دمت إليها.. وخطبتها وتزوجتها برغم الكثير من الصعاب بسبب بعض الظروف المعاكسة وعشنا سنوات جميلة هادئة سعيدة إذ ما أجمل أن يتزوج الإنسان من فتاة يحبها وتكون هذه الفتاة عاقلة ورزينة ومتعلمة ومن أسرة كريمة...
ولقد أكرمني الله بالتوفيق في عملي فتوفر لي قدر من المال وفكرت في أن استغله فيما يسعد زوجتي ويكون إضافة لنا تفيد أبناءنا في المستقبل, فأنشأت مشروعا صغيرا تديره زوجتي لأنه يتفق مع مؤهلاتها الدراسية وسجلته باسمها ووقفت فيه إلى جانبها حتى نجح العمل نجاحا أسعدها وأسعدني معها وازدادت علاقة الحب بيننا عمقا.
وكانت زوجتي بحكم هذا المشروع تتعامل مع كثيرين من العملاء وتعرضت بطبيعة الحال في بعض الأحيان كامرأة للمضايقات من بعض العملاء, لكنها بقوة شخصيتها وذكائها وأديها كانت تتخطي دائما هذه المضايقات وتجبر الجميع علي احترامها.
ثم شاءت الأقدار ان يتردد علي مقر عملها أحد الشباب مندوبا عن شركته, فوجدت من زوجتي اهتماما غير عادي به وبالعرض الذي تقدم به ولم يتم الاتفاق مع شركته علي العمل المطلوب, ولكنه استمر بالرغم من ذلك في التردد علي مقر عمل زوجتي وهنا شعرت بالضيق وعدم الارتياح وأظهرت لزوجتي هذا الضيق, واعترضت صراحة علي تردده علي العمل دون مبرر, فقالت لي إنني استطيع إذا أردت أن أطلب منه عدم الحضور, لكني رفضت ذلك مؤكدا لها أنني إذا فعلت ما تقترحه فان معناه هو عدم الثقة فيها وان عليها أن تنهي هي تردده بأي شكل, لكنها لم تفعل متعللة بصعوبة إظهار الجفاء مع إنسان يتعامل معها بكل احترام, فضلا عن أنها لا تريد ان تغلق باب التعامل مع شركته.. ولا تريد أيضا أن تحرم من بعض الآراء والمقترحات التي يبديها ويمكن أن تفيد العمل.
وأمام كلماتها الهادئة الواثقة راجعت نفسي في احتمال أن أكون مخطئا في رأيي بسبب طبيعتي المحافظة, أو ربما بسبب شعوري بشيء من الغيرة التي يجب ألا استسلم لها حتى لا أكون عائقا أمام نجاح زوجتي... وأقنعت نفسي بأنه من الأفضل أن أوطد علاقتي به حتى يفهم من يلاحظ كثرة تردده علي العمل أنه صديقي, وبذلك أمنع الأقاويل عن زوجتي.. وقد كان ذلك.
وبعد فترة لا ادري طولها أصبحت زوجتي أكثر عصبية فالتمست لها العذر بإرهاق العمل وضغوطه, ثم بدأت تنفر مني في أحيان كثيرة... وإذا غضبت منها لشيء لا تبالي بغضبي وهي التي كانت اذا حدث بيننا شيء من سوء التفاهم تتودد إلي وتنهيه في نفس اليوم, ولم استطع تفسير ذلك برغم أنني كنت أشعر بحزن عميق بداخلي, وفي لحظات قربها مني كانت تستطيع أن تمحي الأثر السيئ بعصبيتها ونفورها, مع أن هذه اللحظات تباعدت بيننا كثيرا في حين ازدادت مساحة الخلافات حول أشياء تافهة لا أذكرها لأنها كانت فيما يبدو تعبيرا أصاب كلا منا من تغيير حتى أصبحت هذه الخلافات ظاهرة أمام أبنائنا على غير عادتنا.
واستمرت الحياة علي هذا النحو: أياما هادئة وأياما عصبية حتى حدث موقف أيقظني من غيبوبتي ذلك أنني فوجئت بها ذات مرة تخبرني أنها ذهبت مع هذا الشاب بسيارته لمتابعة عمل يخصها في مدينة قريبة من مدينتنا, ووجدتني في لحظة خاطفة استرجع كل الأحداث الماضية المتعلقة بعلاقة هذا الشخص بها, والتي توحي بأن اهتمامها به لم يكن عاديا وانه لم يكن مجرد صديق عمل مثل بقية الأصدقاء والمعارف ( إذا جاز استعمال لفظ الصداقة هنا) وأنه شخص تسعد به ولوجوده وتختلق الأسباب لكي يستمر تردده عليها في عملها سواء بالحديث عن مشروعات مشتركة لم تتم أو بطلب مشورته في بعض أمور عملها, وواجهتها بذلك وكان رد فعلها هو الإنكار التام بقوة وعصبية مع الإحساس بالاهانة, وحاولت إقناعي بأن الأمور أكثر بساطة مما أتصور وراحت تلومني على أنني لم أكن واضحا في طلب قطع علاقتها به في البداية, مع أنني قد أظهرت لها عدم ارتياحي وغضبي في بداية العلاقة, لكنه لثقتي فيها صدقت كلامها عن بساطة هذه العلاقة ولم آخذ موقفا كان يجب أن أتخذه ولكنها أصرت على أنه ليس في الأمر أي شيء مشين, وأنها تتفهم غضبي ولم اقتنع بحديثها تماما, ولكني حاولت خداع نفسي بتصديقه لان ذلك كان الأكثر راحة بالنسبة لي واعتبرت الأمر مجرد عدم اتزان في التصرف, وان رغبتها في النجاح كانت أقوي من الاعتبارات الأخرى وانتهي الموقف تاركا في نفسي جرحا غائرا, لكني لم أدع ذلك يؤثر علي علاقتي بها..
وامتنعت زوجتي عن الذهاب لعملها فترة حتى لا تقابل هذا الشخص وأصبحت تديره بالتليفون وأتولى أنا بعض الأمور... وحين وجدت أنا تساؤلا من ذلك الشاب عن سبب انقطاعها عن العمل أفهمته بتعبها ولكيلا أثير في نفسه أية تساؤلات حول وجود خلل في علاقتي بزوجتي بسببه, فقد استمررت في علاقتي به بشكل عادي حتى لا تتناثر الأقاويل والشائعات, إلى أن أنهت شركته العمل في مدينتنا وظل بعد ذلك يتصل بي كل فترة, واتصل به من حين لآخر وكأن شيئا لم يحدث, لكني كنت أتعمد أن يغلف البرود كلماتي واختفت عبارات المجاملة حتى انقطع الاتصال بيننا.
وبعد حوالي عامين من ذلك واثر اتصال تليفوني منه فوجئت بزوجتي تعرض علي فكرة التعاون مع هذا الشخص في أحد المشروعات التي كانت تنفذها, ووجدت نفسي أنفجر فيها هذه المرة رافضا ومتسائلا عما إذا كانت تريد إعادة العلاقة معه أم ماذا... وتكهرب الجو وأكدت لي أنها فكرت في هذا الاقتراح بحسن نية لان هدفها هو نجاح المشروع ولأنه ليس لديها شيء تتخفي به, ولم أقنع بذلك وأصبح ما يثور في داخلي كل فترة تساؤل أو مجموعة تساؤلات أظل أسيرا لها حتى اسأل زوجتي عنها وتتجدد الصدامات..
وخلال هذه الصدامات أفلتت منها بعض التعبيرات العفوية التي زادت شكوكي وتفاعلت هذه الشكوك داخلي حتى حاولت الانتحار ذات مرة ولكن الله سلم وأصبحت حياتنا بعد ذلك متوترة دائما وازداد البعد بيننا وغابت السعادة عن حياتنا, وبالرغم من أن الأمور هادئة الآن بيننا اقصد فاترة إلا أن التساؤلات تهاجمني يوميا حول ما حدث.. فكيف أصل للحقيقة؟
وهل من مصلحتي معرفتها؟ مع أني لا استطيع خداع نفسي وأؤمن بأن الحقيقة المرة أفضل من الحيرة والشكوك.
إن الأمر إذا كان نزوة وانتهت فكلنا نخطيء ويمكن التجاوز عن هذه السقطة بالحب وبإدراك أننا بشر وبأنني ساهمت ولو بأي قدر في عدم منع هذا الخطأ وإذا كان حبا قائما ( ولا أظنه كذلك) فيمكنني طلاقها وتنتهي القصة ونتحمل أنا وأطفالي إرادة القدر, كما انه يمكن استمرار وجودها معي شكليا من أجل الأولاد كأخت وأم وليس كزوجة وشريكة حياتي.. فماذا أفعل.. وكيف أحسم أمري؟!

ولكاتب هذه الرسالة أقول:
التساهل في البدايات يورث جحيم الشك في النهايات, هذه هي خلاصة المحنة التي تهدد حياتك العائلية وسلامك النفسي الآن.. لهذا فلقد كان الأحرى بك ألا تتردد في حسم هذه الصلة بين زوجتك وبين هذا الشاب في بدايتها المبكرة وبلا تحسس لما يمكن أن يثيره ذلك من تساؤلات لديها أو لدي الغير إذ انه يكفي أن يستشعر الزوج أو الزوجة القلق لصلة تجمع شريك الحياة بطرف آخر لا مبرر لوجوده أصلا في أفقه, لكي يكون ذلك وحده سببا عادلا ومقنعا لقطع هذه الصلة بل انه من واجب الشريك أن يتدخل لإبعاد المتطفلين عن شريكه بدافع الغيرة الايجابية المطلوبة لحمايته من الريب والظنون أو من الإساءة لنفسه بحسن نية.. وليس هناك ما يدعو لاستشعار الخجل من هذه الغيرة أو لإنكارها.. فهي إحساس إنساني طبيعي يحفظ إذا مورس باعتدال الطرف الآخر من التعرض للإغراء ومن الانزلاق إلى الشراك الخداعية المحيطة به, ولا يفيد أبدا انعدام الثقة في النفس أو الشك في إخلاص الطرف الآخر وأخلاقياته, وإنما يعني فقط القلق الصحي المعتدل بسبب الخوف من ضياع المحبوب.. او تعرضه للمهالك.
لهذا فانه لم يكن هناك أية ضرورة للتجمل في إظهار ضيقك بصلة زوجتك بهذا الشاب.. ولا لمحاولة اكتساب صداقته للإيهام بأن ما يربطه بكم هو علاقة عائلية واجتماعية وليس اهتماما شخصيا بالزوجة.
ومن واجب شريك الحياة أن يتفهم هذا القلق.. ويستجيب لما يتطلبه من تجنب كل ما يثير هواجس شريكه وظنونه حتى ولو لم يكن لها أي ظل من الحقيقة, ولو أنصف نفسه لسعد بهذا القلق واعتبره دليلا متجددا علي الحب والنخوة والرغبة الدائمة في الانفراد بجماع مشاعر شريك الحياة واهتمامه, ودون أي تعارض مع الثقة المفترضة في وفائه وأخلاقياته وقيمه.. لأن الأمر لا يتعلق هنا بالثقة وإنما بسد الذرائع.. والبعد عن الظنون.
والكاتب المسرحي الأمريكي تنيس وليامز يقول لنا إنه لا يوجد عذاب علي وجه الأرض يقارن بعذاب الرجل حين ينهشه الشك في وفاء امرأته له.. ولأن الأمر كذلك فلابد لك يا سيدي من أن تحسم كل التساؤلات التي تمور في أعماقك الآن وتخرج من بحر الحيرة إلى شاطيء أمين, لكي تستقيم لك حياتك وتعفي نفسك وزوجتك من هذا العذاب.
ولربما يعينك علي ذلك أن تسلم بأن الإنسان تاريخ وسياق عام من السلوكيات والأخلاقيات والقيم, وليس مجرد موقف طاريء من مواقف الحياة, وبالتالي فإن الحكم العادل عليه لابد أن يضع في الاعتبار تقييم هذا التاريخ كله.. ولا يكتفي بما ثار الجدل مؤخرا حوله..
وأيا كان الشاطئ الذي سوف ترسو فيه سفينتك فإن من واجبك أن ترفض بصرامة أية مقترحات أو أفكار لتجديد تلك الصلة التي أثارت كل هذه الزوبعة, مهما تكن مبرراتها أو أرباحها المادية المتوقعة.
إذ ماذا يفيد أن يجني الإنسان بعض الربح المادي ويخسر سعادته وأمانه وراحة قلبه وضميره.
وختاما فإني أجيب علي تساؤلك الحائر المحذوف من رسالتك, والذي يقض مضجعك الآن.. بالإشارة إلى حديث شريف رواه الشيخان وأبو داود والترمذي ويقول: إن الله قد تجاوز لأمتي عما حدثت به نفسها ما لم تتكلم أو تعمل به.
وأكتفي بهذا القدر.. معتمدا علي فطنتك.. والسلام..


نشرت سنة 2000



        ✿

                                       نقلها من أرشيف جريدة الأهرام
                            Ola Othman

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali

إقرأ المزيد Résuméabuiyad

 

سجل إميلك وتوصل بمواضيعنا :