هاتف في الخريف .. رسالة من بريد الجمعة


ترددت كثيرا قبل أن اكتب إليك قصتي لأنه من الصعب علي من عايشها أن يعلنها في بريدك علي الملأ‏,‏ ذلك أن البعض قد يتعجب منها ويتندر‏..‏ وقد يصف صاحبها بما ليس فيه‏.‏
والقصة في اختصار هي إنني رجل مسن قاربت الثمانين ومتزوج من سيدة فاضلة تقاربني في السن وهي ربة بيت ممتازة‏,‏ ولي منها أبناء كلهم في وظائف مرموقة ولنا أحفاد بلغ بعضهم مرحلة الدراسة الجامعية‏..‏ وعندما وصلت أنا وزوجتي إلى مشارف السبعين تباعد كل منا عن الآخر حسيا‏..‏ وجاء هذا التباعد تلقائيا ودون أسباب وأصبح كل منا ينام في غرفة منفصلة ولا يفكر في المسألة الحسية مع وجود الألفة بيننا طوال الوقت واستمر الوضع بيننا علي هذا النحو حوالي عشرة أعوام‏..‏
وفي الصيف الماضي سافرت إلي المصيف وحدي نظرا لظروف طارئة أعاقت زوجتي لأول مرة عن مصاحبتي‏,‏ وأقمت في شقة المصيف وحدي‏,‏ وبعد أيام تعرفت في المصعد علي فتاة حاصلة علي شهادة جامعية ولا تعمل وعمرها ثلاثون عاما وتقيم مع والديها في نفس العمارة‏..‏ وقد عرفت هي أنني لا أجد من يخدمني فتطوعت لقضاء حاجياتي في الصباح كإحضار الجريدة الصباحية لي وشراء الخبز والجبن وما إلي ذلك‏,‏ وبدأت تمر علي في الصباح كل يوم تقريبا لإحضار ما يلزمني وفي بعض المرات دعوتها  
لتناول الشاي معي فلم تمانع ولاحظت أنها تكون سعيدة للغاية حين اطلب منها شراء شئ لي وأنها تسعد أكثر بالتسامر معي لبعض الوقت كلما قضت لي طلبا‏.‏
وتكررت المقابلات بيننا فإذا بي اشعر تجاهها بميل جنسي غريب لم أكشف لها عنه بطبيعة الحال‏,‏ كما لاحظت أيضا أنها قد أصبحت مولعة بي بدرجة واضحة إلى أن فوجئت بها في احدي المقابلات تصارحني بمنتهي الشجاعة بأنها قد أحبتني وتريد أن تتزوجني علي سنة الله ورسوله‏!‏
ودهشت لما سمعته منها ولفت نظرها إلى إنني في سن جدها تقريبا ومتزوج فأجابتني بأن فارق السن لم يكن في يوم من الأيام عقبة في طريق السعادة مادام الحب متبادلا‏,‏ كما أن زواجي لا يحول دون الزواج بها لأن الرجل من حقه أن يتزوج أكثر من زوجة‏,‏ وأما موقف أهلها من مثل هذا الزواج الذي لن يرحبوا به بطبيعة الحال فلقد أكدت لي أنها وحيدة والديها الميسورين وأنهما لن يردا لها طلبا‏,‏ وأنهت المناقشة بأن طلبت مني الذهاب إلى والدها الآن علي الفور لطلب يدها منه‏!‏
والحق أن حديثها معي كان يتصف بالشجاعة والاتزان والتعقل وإنني قد شعرت تجاهها بعد هذه المناقشة بحب جارف وميل جنسي كبير وبدأت أفكر هل استجيب لرغبتها علي الفور أم أعطي لنفسي فرصة أكبر للتروي في أمر هذا الزواج الذي لم يخطر لي ببال من قبل؟
وقررت أن أعطي نفسي مهلة قصيرة للتفكير لكنها راحت تلح علي بالاستجابة لرغبتها‏..‏ وأمام إلحاحها رأيت أن اقطع التصييف وأرجع للقاهرة زاعما لها أن زوجتي مريضة للغاية وفي حاجة إلي‏..‏ ورجعت للقاهرة بالفعل لكن الفتاة  
لاحقتني بالخطابات والاتصالات التليفونية تبثني شوقها وهيامها وتطلب مني سرعة العودة لمقابلة والدها لأنها مصممة علي الزواج مني‏.‏
وأملا في الخروج من هذا المأزق فقد عرضت الموضوع علي أحد أبنائي وهو يشغل منصبا قضائيا كبيرا‏..‏ ولم أشعر بالخجل منه وأنا أقول له بصريح العبارة إنني أحبها‏..‏ وأنها الوحيدة التي تبعث في جسدي الحرارة الحسية حين أراها‏,‏ فضحك ابني وقال لي إن هذا الزواج إذا تم فسوف تكون له أضرار بليغة بالأسرة كلها فأنا متزوج وزوجتي على قيد الحياة وتقوم بخدمتي وعلاقتي بها طيبة فما ذنبها لكي تصدم بمثل هذا الزواج؟ ثم إنني ـ كما قال ابني ـ لست صغير السن وإذا كانت صحتي الآن علي ما يرام فكيف سيكون الحال بعد عام أو عامين من هذا الزواج وكيف سيكون الحال إذا حملت زوجتي الجديدة وأنجبت طفلا أو طفلين‏..‏ ثم غادرت أنا الحياة تاركا ورائي هؤلاء الأطفال الصغار‏!‏ ومن الذي سيرعاهم‏..‏ فضلا عن مشاكل الميراث وخلافه‏!.‏
وأختتم ابني حديثه متسائلا عما إذا كنت قد فكرت في كل هذه الأمور جيدا أم لا‏,‏ فضقت بما قال واتهمته بأنه قد جعل منها قضية يقلبها علي جميع الوجوه كما يفعل فوق منصة القضاء وسألته عن رأيه الصريح في زواجي وهل يوافق عليه أم لا يوافق‏,‏ فأجابني إنني وحدي الذي أملك أن أقرر هذا الأمر وأنه لا يستطيع أن ينصح بشئ محدد بشأنه‏.‏
فتركني ابني بذلك دون أن يعطيني كلمة حاسمة في هذا الموضوع لهذا فإني أعرض عليك الأمر وأسألك هل أتزوجها أم أتغاضي عن المسألة نهائيا؟‏.‏

ولكاتب هذه الرسالة أقول
‏ ابنك يا سيدي قد قال لك كل ما يقال في هذه الظروف‏..‏ وكان حديثه إليك واضحا وأكثر تحديدا من اية كلمة حاسمة او مباشرة أخري في الموضوع‏..‏ فالرجل لم يشأ تأدبا معك وفهما من جانبه لدوافعك‏..‏ أن يواجهك بالرفض القاطع لما تفكر فيه‏..‏ وبادر بالتعامل مع المسألة وكأنها مشكلة قد يعرضها عليه صديق مقرب إليه ويقلبها معه علي كافة وجوهها ليصل في النهاية إلى استحالة تنفيذ الرغبة التي يراها هذا الصديق حلا ملائما لها‏..‏ وهو في ذلك قد صدع بأمر ربه الذي يأمره بإحسان صحبة أبيه والتأدب معه وعدم الخروج صراحة عليه ولو رأي منه ما ينكره كما أنه قد أشعرك بمناقشة الموضوع‏,‏ وانه لا يستنكر من ناحية المبدأ أن تشعر بمثل ما تشعر به في هذه المرحلة من العمر‏..‏ لكنه يشفق عليك فقط من تبعاته الجسام التي لا تستطيع تحملها ولا تستطيع أسرتك معك أن تتقبلها‏.‏ فكأنما قد أراد بذلك أن يلفت نظرك برفق إلى ما قد يتجاهله المرء أحيانا إذا اشتد عليه نداء العاطفة او نداء الغريزة بمعني اصح لأن الأمر كله في تقديري يدور من جانبك في نطاقها بغير إغفال لأهمية الاعتبارات العاطفية‏..‏ وبغير تجاهل أيضا للأثر المنشط البهيج الذي تبعثه في المرء رغبة أنثى فيه وهو في خريف العمر‏,‏ أو حتي في شتائه ولهذا فلقد دار حديث ابنك معك حول محور اساسي هو تبعات مثل هذه الرغبة العارضة لشيخ قارب الثمانين مثلك ويقف فوق قمة عمر مديد حافل بالتوفيق العائلي والمهني والاحترام الاجتماعي‏,‏ في الزواج من فتاة تصغره بنصف قرن من الزمان ولا يعلم احد سوي الله حقيقة دوافعها لمثل هذا الزواج‏.‏
وكان مغزى الحديث كله هو أن يذكرك بما يشير إليه بيت الشعر الأمريكي الذي يقول في اختصار حكيم ان‏:‏ متعة الحب لحظة‏,‏ شجن الحب يدوم للأبد‏!‏
فهذه الرغبة العارضة في الزواج من فتاة في الثلاثين من عمرها في مثل ظروفك قد تعدك بالفعل ببعض هذه المتعة وبتجديد الحياة‏..‏ وببعض الإشباع العاطفي والحسي‏,‏ ولكن السؤال الأهم هو‏:‏ إلام سوف يدوم كل ذلك؟ وما هو الثمن الغالي الذي سوف تتكبده عائليا وإنسانيا واجتماعيا وصحيا وماديا في مقابله‏!‏
أما شجن الحب الذي سيدوم بعد انطفاء شمعة المتعة قصيرة الأجل فليس أهونه ما سوف تخلفه من المرارة والإيلام لنفس شريكة عمرك التي أدت رسالتها معك ومع أبنائها كاملة‏,‏ وركنت إلى الراحة وتطلعت إلى جني ثمار الرحلة الطويلة من التكريم والإعزاز من جانب شريك حياتها وأبنائها‏,‏ كما أنه ليس أهونه أيضا ما سوف تشهده حياتك من اضطرابات عنيفة علي جبهة الأبناء والأحفاد وقد يكون من بينهم من لن يلزم نفسه بما التزم به نحوك ابنك القاضي فلا يتجمل ولا يتحسس ولا يخف استنكاره لما تفكر فيه ولا اتهامه للفتاة بالرغبة في استغلالك والاستفادة منك ماديا حتى ولو اقتصرت الغنيمة علي الفور بشقة المصيف دون بقية أفراد الأسرة‏..‏ ولن يغنيك في مثل هذه الحالة تعمد الإشارة في رسالتك إلى أن والديها ميسوران وأنها وحيدتهما لأن مفهوم اليسر هنا مفهوم نسبي والنفس كالبحر راغبة آبدا في ازدياد‏!‏
أما ما هو اخطر من كل ذلك فهو ثمرة مثل هذا الزواج قصير الأمد مهما طال بحكم الطبيعة التي لا حيلة لنا فيها من الأطفال‏,‏ فأمثال هؤلاء الأطفال الذين يثمرهم كل زواج  
مماثل إنما يرشحهم ذووهم لليتم من قبل الميلاد‏..‏ فكأنما قد حددوا لهم أقدارهم في الحياة من قبل أن يتخلقوا في بطون الأمهات‏,‏ أو كأنما يؤكدون بهم حكمة ما قالته العرب قديما في أمثالهم من أن أبناء المشيب أيتام بالضرورة‏.‏
وفي كل الأحوال فان ما تستشعره من حرارة جسدية طارئة بسبب ظهور هذه الفتاة في حياتك أمر مفهوم في مثل ظروفك والرجل معرض له في كل مرحلة من مراحل العمر من الشباب إلى الشيخوخة لأن الرجل لا يفقد رغبته في النساء مهما طال به العمر حتى ولو قصرت به القدرة عن التمني وقد يظل يستشعر رجولته ونداء غريزته حتى الرمق الأخير من عمره‏..‏ غير أن من الرجال من يدركون جيدا أنها انبعاثات وقتية يصبرون يعبرون عليها إلى ان تخمد العاصفة بعد حين وقد يستعينون عليها بالاحتماء بشريكات الحياة إذا وجدن فإن لم يوجدن فبالصلاة والإعلاء والمشي ومن الرجال كذلك من يخطئون تقديرها ويحسبونها استعادة سحرية لعافية الشباب وقدرته ويستجيبون لهاتفها المفاجئ في الخريف ويورطون أنفسهم في متاعب جسيمة كانوا في غني عنها لو أنهم كبحوا جماح أنفسهم واستعادوا السيطرة علي أهوائهم بقليل من مغالبة النفس ومجاهدتها‏,‏ ولهذا فقد نفاجأ في بعض الأحيان بتصرف طائش من بعض الرجال الذين عاشوا جل حياتهم في إطار الاحترام والالتزام الخلقي والديني فيصدم هذا التصرف بشدة أفكار الجميع الثابتة عن جلالهم وفضلهم‏..‏ ولا يلبثون أن يندموا عليه اشد الندم بعد حين‏!‏
ولأن الأمر كذلك فإن نصيحتي المخلصة لك يا سيدي هي أن تصرف النظر عن هذا الموضوع برمته‏,‏ وان تتفادى كل  
اتصال بينك وبين هذه الفتاة التي حتى وإن برأتها من شبهة الاستغلال والمادية ومن أي تهمة أخرى فقد لا تستطيع أن تبرئها من تهمة الطيش والخفة وعدم النضج العاطفي والنفسي كما أنصحك في النهاية أن تقترب من زوجتك وتحتمي بها‏..‏ فلا تسافر بعد ذلك إلى شقة المصيف إلا وهي في صحبتك‏..‏ وكفي الله المؤمنين شر القلاقل‏.‏ والعواصف والاضطرابات وهم في سن الراحة والهدوء والاحترام‏!‏

*نشرت بتاريخ 25 ديسمبر 1998

˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙

نقلها من أرشيف جريدة الأهرام 
Rofida Mohamed Ismail

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali



إقرأ المزيد Résuméabuiyad

عريس لأختي .. رسالة من بريد الجمعة


  كأني نكأت جرحاّ قديماّ في قلوب كثيرين حين نشرت منذ أسابيع رسالة الطبيب الشاب الذي يشكو رفض زميلاته له لمجرد انه مطلق أو صاحب سابقة واحدة في الزواج والطلاق, فقد انهالت رسائل قارئات وقراء كثيرين يروون تجارب مماثلة ورسائل أمهات وآباء يعرضون علي الطبيب الشاب التعرف عليه للتقدم لخطبة بناتهم المستعدات للقبول والترحيب به, ورسائل مطلقات يشاركنه عن بعد مشاعره ويقلن له إذا كان الرجال لا يستطيعون حل هذه المشكلة ويعانون منها فكيف تكون معاناتنا نحن معها, وأكثر من ذلك فقد تفضل بزيارتي آباء أفاضل يشغلون مراكز مرموقة يحبون التعرف على هذا الطبيب تمهيداّ للتقدم للزواج من بناتهم, وكعادتي في مثل هذه الظروف فإني أطلب ممن يتقدم بمثل هذا العرض أن يكتب اسمه وعنوانه لأضمه إلي ملف الرسائل التي تلقيتها تعليقاّ علي هذه القصة, وأستأذنه في أن أقدم عرضه مع غيره إلي صاحب الشأن على أن ينتهي دوري عند هذا الحد, وعلى أن يجري الاتصال مباشرة بين الطرفين دون تدخل مني فإذا وفقهما الله إلي الخير فلعلي أسمع به من بعيد.
     وأعود إلى قصة الطبيب الشاب فأقول إنني تلقيت رسائل عديدة تعليقاّ عليها آثار بعضها شجوني, وآثار بعضها ألمي لكن إحدى هذه الرسائل هزت وجداني بعمق لسبب هو أن كاتبها ليس أباّ أو أماّ لا يريان أية غضاضة في السعي الشريف لإيجاد زوج للابنة لكنه شقيق علي درجة عظيمة من الثقافة والتعليم والثراء, وشقيق أعزب لم يوفق للزواج حتى الآن لكنه غير مهموم بذلك وإنما مهموم أساساّ بإيجاد الزوج  لشقيقته قبل العثور علي الزوجة لنفسه, وهذا وحده يكفي لكي أحبه وأحترمه بلا سابق معرفة.
تقول كلمات رسالته:

     رغم مشاغلي العديدة كمهندس مدني أعمل وأمثل مصر خير تمثيل في مجال عملي, وسلوكي فقد رأيت أن أكتب لك معلقاّ علي رسالة الطبيب الشاب لأنها أثارت آلامي كثيراّ فأنا يا سيدي أعزب حتى الآن رغم نجاحي في حياتي, لكن ذلك لا يشغلني كثيراّ بقدر ما تشغلني مشكلة شقيقتي التي تغربت معي في السعودية لمدة 5 سنوات عملت خلالها مدرسة للغة الإنجليزية.
     والمشكلة إنها مازالت حتى الآن آنسة رغم تخرجها منذ عشر سنوات وبالرغم من أننا والحمد لله أسرة طيبة كافحت ليصل أفرادها إلي مراكز طيبة فإننا ثلاثة أطباء ومترجمة ومهندس والحمد لله فحالتنا المادية جيدة وشقيقتي هذه كريمة الخلق متدينة وسلوكها حميد بفضل الله لكن المشكلة هي ماذا يريد شباب مصر في الزوجة المطلوبة؟ إن شقيقتي هذه تتوافر فيها الصفات الأربع المشهور وهي جمال ومال وشباب وأخلاق فما الذي يريدونه أكثر من ذلك. قد لا تجد إجابة عن هذا السؤال لكني من ناحيتي أستطيع أن أجيب عنه ببساطة قائلاّ: لقد عميت الأبصار وكفي أن تجربتي في الحياة تسمح لي بأن أفهم الأمور, وأنا أعرف أن هناك أزمة زواج في العالم كله أو علي الأقل في العالم الثالث الذي لا أعرف غيره وقد سمعت انه في بعض الدول العربية يقوم الأب الذي لديه ابنه طال انتظارها للزوج بالإعلان عنها بنفسه في المسجد عقب الصلاة وقد لا يخرج منه إلا وفي يده شاب يعاني نفس المشكلة ولا يجد الأب في ذلك غضاضة فهو يسعي لستر ابنته بطريقة مشروعة.
     بل وكذلك فعلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين زينت جارية لها وقالت لعلنا نتصيد بها فتي من فتيان قريش, أي نتصيد لها زوجاّ كريماّ وها أنا أنفذ ما فعلته وأعرض علي هذا الطبيب الشاب أن نبدأ معاّ بداية قد تكون غريبة لكنها صحيحة وسليمة ومشروعة فأدعوه إلى أن يفعل كما فعل الصحابي بنصيحة رسول الله, فقد كان يتخبأ لها ليرى من عرض عليه زواجها عن بعد قبل أن يتقدم لها وهاأنذا أفعل الشئ نفسه, وأدعوه لأن يسأل عنا ليري إن كنا نتكافأ معه اجتماعيا أم لا؟ فإذا رأي ذلك فإني أدعوه لأن يتقدم لها ليراها عن بعد فإن وافقه شكلها فإني أرحب به عضواّ في أسرتنا المكافحة وهذا هو عنوان عملها في مصر فلقد رأينا أن تعود إلي مصر لكي تجد فرصتها في مجتمعها.

ولكاتب هذه الرسالة أقول:
     هذه هي الرسالة التي تلقيتها وأحببت كاتبها واحترمته كثيراّ والحق أني قد جازفت بنشرها غير متأكد إذا ما كان النشر سوف يثير ضيقه أم لا؟ وعذري انه لم يطلب مني صراحة عدم نشرها فرأيتها فرصة لكي أقدم للبعض صورة لما ينبغي أن تكون عليه العلاقة الصحيحة بين الأشقاء من الإيثار والاهتمام بحياة الآخر والتنازل قليلاّ عن بعض الاعتبارات في مقابل إسعاد الآخرين, إنني أحيي فيك يا صديقي كل هذه الفضائل وأحيي فيك اهتمامك بسعادة شقيقتك ومستقبلها لكني أهمس في أذنك همسة صغيرة عن تساؤلك عما يريد شباب مصر؟
     فأقول لك إن الشباب في بلادنا مثقل بالهموم والمشاكل وهو ككل شباب العالم يرغب في الزواج وفي الحياة الطبيعية, لكن يده قصيرة وآماله تتحطم غالباّ علي صخرة شقة الزواج ولو حلت هذه المشكلة ولو بعد عمر طويل لخفت أو لاختفت أزمة الزواج فلا تظلم شباب بلادك فهم ضحايا وليسوا جناة وألف لعنة علي أزمة المساكن التي لولاها ما بقيت فتاة ممتازة كشقيقتك دون زواج, ولما بقي شباب ممتازون آخرون بلا زواج ولا أمل فيه حتى الآن..      


*من رسائل سنة 1984
˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙
كتبها من مصدرها بكتاب فتاة من قاع المدينة 
ليليان علي

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali


إقرأ المزيد Résuméabuiyad

جبال من جليد .. رسالة من بريد الجمعة


أنا سيدة من أسرة طيبة بدأت حياتي العلمية عقب تخرجي في الجامعة في وظيفة مرموقة وكنت منذ بداية رحلتي في العمل ناجحة ومتفوقة وأنيقة واجتماعية فأعجب بي شاب رآني في العمل وتقدم لأسرتي يخطبني ورأت أسرتي -المحافظة -أنه شاب ممتاز من أسرة محترمة وجامعي فرحبت به ...

ووافقت أنا عليه وتمت الخطبة وبعد شهور تم الزواج وانتقلت إلى بيتي الجديد وكل مسامي مفتوحة لزوجي وحياتي الجديدة .. فلم تمض شهور حتى بدأت أكتشف فيه عيوبا عديدة أهمها انطوائيته وكراهيته للناس جميعا وكراهيته لأن يزور أحد أو أن يزورنا فضلا عن أنه بلا أصدقاء ومكروه في عمله مما أدى إلى تأخره فيه بسبب عصبيته الزائدة وسوء معاملته لزملائه ورؤسائه .

ولكن الأمل في المستقبل الأفضل لم ينقطع عندي فأقبلت على حياتي معه وحاولت التكيف مع طباعه لكنه لم يكتمل العام الأول على زواجي إلا ووجدت نفسي في عزلة تامة عن الناس وأعاني من عنفه وعصبيته ومن اعتدائه علي بالضرب المبرح الذي يترك آثارا في جسدي تستمر بالأسابيع إلى جانب إهاناته لي بأفظع الألفاظ وفي هذه الظروف العصيبة جاء وليدي الأول .. فكأنه قد جاء حكما علي بالاستمرار وتحمل الإهانة والضرب وضاعف من ضغط أسرتي علي لكي أتحمل وأواصل المشوار .. لأنه من العيب أن تطلق الفتاة في أسرتنا .. ولأن من واجبها أن تتحمل كل شيء من أجل أطفالها وهكذا عشت أجمل سنوات العمر من حياتي .. في حياة تعسة كئيبة .. تشهد كل أسابيع انفجارات مدوية أتعرض خلالها للضرب والإهانة فأغادر بيتي إلى بيت أسرتي .. لفترة تطول أو تقصر ويحاول فيها أبي أن يشجعني على الاحتمال ثم أعود إلى بيت زوجي راضية أو راغمة  ومضت الحياة بعسرها حتى أنجبت 3 أولاد وتضاعفت المشكلة حين كبر الأولاد وأصبحت خلافاتنا تجري أمامهم .. فيسمعون سباب أبيهم لأمهم بأفظع الكلمات

لكن الله عوضني بهم فالتصقوا بي وأصبحوا أصدقائي ولا يخفون عني شيئا من أفكارهم وهواجسهم ..وشب الأبناء فوصل اثنان منهم إلى الجامعة واستعد الثالث لدخولها وتقدمت أنا في عملي رغم تعاستي العائلية فوصلت إلى منصب المدير العام ..أصبحت أرأس عددا كبيرا من الموظفين والموظفات ويشهد لي الجميع بالعدل والحزم والكفاءة فبدأ صبري ينفد ولولا إيماني العميق بالله وحجي لبيته وحبي لأولادي لاستسلمت لنداء الانتحار .

وبعد أن بلغت السادسة والأربعين من العمر وأصبح أبنائي شبابا واعين لم أعد أحتمل الاهانة في بيتي وأنا المدير العام في عملي فأثرت العزلة عن زوجي نهائيا ولم يعد هناك حديث بيننا إلا حديث الحياة اليومية من مأكل ومشرب وانحصرت علاقاتي في أهلي وأقاربي فقط , أزورهم ولا يزورونني بسبب وجود زوجي الدائم في البيت .

ومشكلتي الآن يا سيدي هي أن قلبي يكن لزوجي كراهية تفوق الوصف .. ومنذ أول سنة من زواجي منه بحيث أصبحت الآن لا أطيق سماع صوته ولا رائحة أنفاسه ولا طريقة تناوله للطعام ولا طريقة ملبسه وأصبح كل شيء فيه ينفرني منه ويزيدني كراهة له , ومن ناحية أخرى فإن خوفي من الله عظيم , وقد علمت من قراءاتي في كتب الدين أن من أحاديث الرسول الشريفة ما معناه أنه لا تدخل الجنة زوجة إلا وزوجها راض عنها وأن الزوجة التي تبيت وزوجها غاضب عليها تلعنها الملائكة حتى تصبح فأثار ذلك حزني وخشيتي من أن أتعذب في الدنيا وفي الآخرة وأريد أن أسألك وأسأل رجال الدين معك ما هو حكم الزوجة كارهة زوجها والتي تعيش معه تحت سقف واحد وتتحمل معاشرته عن كراهية من أجل أولادها وبيتها والمجتمع ..وهل الزوج الذي قال الرسول ما معناه أنه لو كان ليأمر أحدا بأن يسجد لغير الله لأمر الزوجة بأن تسجد لزوجها هل هذا الزوج هو أي زوج مهما كان قاسيا وعنيفا ويؤذي مشاعرها وجسمها بالضرب والاهانة , أم أنه الزوج الذي يجعل من الزواج مودة ورحمة وسكنا .

وهل إذا صبرت هذه الزوجة على معاشرة زوجها مع كراهيتها له ..هل يكون لها أجرها على صبرها واحتمالها من أجل أبنائها أم أن كراهيتها له تضيع أجرها فتخسر دينها ودنياها ..
أرجو أن تخرجني من حيرتي لأني مهمومة جدا بهذه المسألة .. والتي اكتشفت أيضا أنها مشكلة عدد كبير جدا من الزوجات من صديقاتي ومن زميلاتي في العمل .

ولكاتبة هذه الرسالة أقول :

يا سيدتي الفاضلة ..كرهت زوجك منذ العام الأول لزواجك منه وربما من الأيام الأولى فلماذا واصلت معه
الرحلة حتى جاء الأبناء فحكمت عليه وعلى نفسك بهذا الجحيم المستعر منذ 25 عاما ؟

إن الزواج عند العقلاء إرادة واختيار ولا مبرر عندهم للإقدام عليه ولاستمراره سوى الحب والرغبة المشروعة في السعادة والاستقرار ..أما بعد أن يجيء الأبناء فإن كثيرين منهم يضعون مصلحتهم فوق كل اعتبار ويتنازلون عن كثير من أحلامهم وحقوقهم من أجلهم ..

والأبناء في رأيي هم أشرف دوافع استمرار الزواج في غيبة الحب والمودة والرحمة وللزوجة والزوج أجر عظيم على تضحيتهما بسعادتهما الشخصية لهذا الدافع النبيل .

لكنه يضيع من هذا الأجر في تقديري أن ينطوي أيهما على هذا القدر الهائل من الكره الذي تكنينه لزوجك لا لأنه لا يستحقه كزوج وإنما لأنه لا يستحقه بكل تأكيد كأب لأولادك مهما جرى بينكما من احن ومشاجرات قد لا تخلو منها حياة .

إن كل مشاجرة يا سيدتي تحتاج إلى شخصين لكي تقع لا إلى شخص واحد فقط , وليس من المنطقي ان يكون طرف واحد فقط هو المخطئ في كل الخلافات التي جرت على مدى 25 عاما بلا استثناء وبالتالي فلابد أن لك نصيبا من المسئولية عن هذه الخلافات والمشاجرات وأغلب ظني أن استشعار زوجك للإحساس المؤلم بأنك لا تحبينه منذ الشهور الأولى لزواجكما قد أخرج من شخصيته أسوأ ما فيها .. فتعاملت مع الجانب السيئ منها في أغلب الأحيان ..ولو غرس الله بعض الحب في قلبك تجاهه منذ البداية لما تفاقمت الأمور إلى هذا الحد المزري ..ولما وصلت بعد هذه السنوات الطوال إلى أن أصبحت لا ترين فيه سوى العيوب والنقائص من رائحة أنفاسه إلى طريقة ملبسه , فليس هناك إنسان خال تماما من العيوب وليس هناك أيضا إنسان عاطل تماما عن أي ميزة كأنما خلقه الله ليكون عبرة للآخرين !

فلكل إنسان مهما كان بشعا مزاياه وعيوبه .. قد ترجح هذه تلك وقد تتعادلان .. لكن لكل إنسان في النهاية جانب خير يمكن أن نتعامل معه من خلاله والوجوه مرايا القلوب يا سيدتي فنظرة كارهة من الزوجة لزوجها قد تفجر حمم براكينه في حين أن نظرة حانية بإخلاص له قد تذيب جليده فيتحول إلى ينبوع من الماء العذب ولست أطالبك بالوقوع في غرامه ..لأنه لا يأمر القلوب سوى خالقها جل شأنه ..لكن أطالبك فقط بأن تخففي من هذه المشاعر البغيضة التي تحملينها له وبأن تحاولي نسيان جرائمه في حقك ولو بمضي المدة وسقوط العقوبة ما دمت قد اخترت مواصلة الحياة معه إلى النهاية ..ولا شك ان نسيانك لما أصبح الآن في عداد الذكريات سوف يفتح بعض مسامك له فتتعاملين معه على الأقل بحياد في المشاعر يخفف عنك جحيم معاشرة من لا تطيقين رؤياه .

ونحن نتعامل في الحياة أو العمل أحيانا مع أشخاص قد لا نحبهم لكن طول المعاشرة يخلق بيننا نوعا من الألفة التي تسهل تقبلنا لهم فلماذا لا تعاملينه على هذا المستوى وهو في النهاية شريك حياتك وأب أبنائك ؟

ولماذا لا تذكرين له أنه رغم كل ما جرى لم يهدم أسرتك ولم يشرد أبنائك وارتضى لنفسه أن يعيش تحت سقف واحد مع من لا ترى فيه إلا كل شيء بغيض وهو لا شك عالم بذلك ومتألم له !

أما عن تساؤلاتك الدينية ..فلست من أهل الفتيا لكي أتصدى للإفتاء فيها وسأحيلها إلى من يقدرون على تحمل هذه الأمانة ..لكني سأقول لك فقط أن الله لا يحاسبنا عما تنطوي عليه صدورنا تجاه الآخرين ما لم تخرج من الصدور لتتحول إلى أفعال وتصرفات وقد يجزينا الله عنها حتى وهي داخل الصدور إن كانت مشاعر طيبة وإنسانية وإن الزوجة التي تلعنها الملائكة حتى تصبح هي الزوجة التي يدعوها زوجها إليه فتأبى وأنت اعتزلت زوجك باعترافك ..فضعي نفسك حيث اخترت .

وسأقول لك أيضا أن من واجب الزوج أن يحسن معاشرة زوجته وأن يرعى ربه فيها ولو لم يحبها ومن واجب الزوجة أن تحسن معاشرة زوجها وأن ترعى ربها فيه ولو لم تحبه ما دامت قد اختارت مشاركته الحياة إلى الأبد وقد أحل لها الطلاق إذا أرادت .

فراجعي نفسك يا سيدتي ..فربما تكتشفين أنك لست الضحية الوحيدة في القصة وأن المشكلة التي تقولين أنها مشكلة عدد كبير جدا من الزوجات قد يكون أحد أسبابها هو إحساس المرأة في مجتمعاتنا "بالمظلومية التاريخية " في قصص زواج لم يستشر فيها القلب قبل الإقدام عليها إلى جانب العقل فقادت غالبا إلى هذه المعاناة وهذه الآلام ...وهو إحساس سائد للأسف عند البعض ..لكنه في رأيي ليس مقصورا على المرأة وحدها ! 


*من رسائل سنة 1989

˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·

كتبها من مصدرها بكتاب العصافير الخرساء
 Somaia Elkilany
راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali


إقرأ المزيد Résuméabuiyad

رسالة من معيدة شابة .. رسالة من بريد الجمعة


    كأني أثرت أشجان كثيرين حين قلت في تعليقي علي رسالة فتاة قاع المدينة الأسبوع الماضي لها إنك لست وحدك وإنه ربما كان هناك من قاسي ويقاسي أشد مما قاسيت, فقد انهالت علي رسائل المعذبين في الأرض تروي لي قصص حياتهم وتحاول أن تخفف آلام كاتبة الرسالة بأن تروي لها طرفاّ من معاناتهم, لكن من بين هذه الرسائل العديدة التي تعاطفت مع كاتبة الرسالة وتمنت صداقتها توقفت طويلا أمام هذه الرسالة التي أرسلتها إلي قارئة عظيمة أدعوكم لقراءة رسالتها معي:

    استأذنك في البداية في أن تزيد عدد "أصدقائك علي الورق" كما تسميهم, صديقة جديدة هي أنا كما أستأذنك أيضا في أن أكون صديقة لكاتبة رسالة فتاة من قاع المدينة التي نشرت في الأسبوع الماضي, فأنا أيضا ظروفي تماثل ظروفها. لكني بحكم عملي لا ينطبق علي وصف قاع المدينة, وإن كنت أنتمي فعلا إلي سكان القاع خاصة بعد أن انقلبت أوضاع المدينة وأصبحت قمتها في قاعها.. وقاعها فوق القمة.. لكن هذه قصة أخري!
    والواقع أنك ستدهش قليلا أو كثيرا حين تعرف عملي فأنا يا سيدي معيدة بإحدى الكليات المرموقة وعمري 26 سنة.. وعلي الرغم من كفاحي العلمي وكفاح أبي وأمي في الحياة فمازلنا في قاع المدينة سكنا وواقعا, لكني أحمد الله أنه على الرغم من واقعي الذي يشبه واقع فتاة القاع مازالت عندي الرغبة في العمل والعطاء بلا حدود, كما أنني مازلت ممتلئة بالأمل والتفاؤل رغم كل شئ. وأسمح لي أن أوجه تحياتي مباشرة إلي كاتبة الرسالة فأقول لها مثلك عرفت الفقر منذ طفولتي وترعرعت في الوسط الذي يضئ بلمبة الجاز ويذاكر دروسه علي الطبليه حتي ينقصم ظهره "لكني علي عكسك كلما تذكرت هذه الطفولة شعرت بالسعادة لأنني تغلبت على آلامها ومشاكلها والحق أن أبي وأمي كانا دائما لي النور الذى اهتدي به, وعندما أنظر إلي الحياة التي ارتضياها لأنفسهما ليسعدا أبناءهما, أشعر أن كل الآلام قد ماتت وأحس بالرغبة في بذل المزيد من الجهد والكفاح, لأحقق نجاحا أكبر أسعدهما به.
    فأبي مثل أبيها عامل مكافح مازلت أقبل يديه كل يوم عرفانا لكل ما بذله من أجلي, حتي كان يحرم نفسه من كوب الشاي مع أصدقائه وزملائه في العمل, لكي يوفر لي نفقات التعليم, ولأني كنت أعرف ذلك وأنا طفلة صغيرة فقد حرمت على نفسي مجرد النظر إلى المصاصة في أيدي الأطفال في المدرسة, رغم كل ذلك مضت بنا الحياة ونحن نقاوم أنا وأمي وأبي وإخوتي الثلاثة الآخرون.
    فكرت كثيرا وأنا طفلة أن أترك الدراسة وأعمل بالخياطة, لكي أوفر المشاق علي أهلي وتخيلي أن تحملي طفلا صغيرا مسئولية التفكير في مستقبله ولو كنت اخترت مهنة الخياطة, لكنت الآن في قمة المدينة وليس في قاعها, ولكن ماذا كنت أفعل وقد كنت متفوقة رغم عني في الدراسة؟ هكذا ولدت ما إن أمسك كتابا وأقرأه حتى أعيه وأفهمه وأتفوق علي أقراني فيه, وأغراني هذا التفوق حتى وصلت إلي ما أنا فيه ولكني مازلت في قاع المدينة, لأن التفوق ليس من مبررات الصعود لقمة المدينة, ثم تطور بنا الحال من السكن بالغرفة المظلمة القديمة إلى السكن في بدروم عمارة, وأقول لك تطورت لأني أيامها كنت في الحادية عشرة من عمري, واعتبرت أن ذلك تطورا فرحت به, ومازلت لا أعترض على هذا المكان ولكن مرض والدي ووالدتي أعز الأعزاء علي قلبي بالروماتيزم, هو ما جعل قلبي يعترض, ثم ما لبث ان أعترض عقلي أيضا, وعندما قرأت رسالتك اعترض لساني.
    ففي هذا المكان الرطب الذى تتفتت حوائطه من الرطوبة سأفقد أحب ما لي في هذه الدنيا, وعندما تنسد ماسورة المجاري هل تعلمين كيف يصلحونها, إنهم يفتحون الماسورة من المنور الذي تطل عليه حجرتنا والمطبخ, وعندما تنفتح المواسير ينزل ما بها علي فراشنا وعلي طعامنا, وتبكي العزيزة الغالية أمي وهي ترمي بالطعام وترفع الأوساخ عن الفراش.
    إن ما يؤرقني هو كيف أسعد والدي وأن أرفعهما من هذا المكان إلي مكان آخر به شمس وهواء, حتى أريحهما من العذاب الذي يعانيانه. إن نظرات اللوم أراها كل يوم في عينيهما.. وماذا بعد أن أصبحت في هذا المركز أما آن لنا أن نستريح؟ وأريد أن أقول لها هناك فرق كبير بين العلم والمال. أنا أملك العلم وعندي طاقة كبيرة للعمل العلمي ولكن ليس هذا هو الطريق للمال, أي أنني مثلك يا فتاتي "مافيش فلوس راضية تيجي أبدا. كأنها تكرهنا"! وأقول لك الحق إنني لست حريصة عليها لنفسي ولكن من أجل أمي وأبي.
    منذ أيام كان عيد الأم ورجعت المنزل فوجدت أمي تبكي وتطلب من الله أن ينعم عليها بشقة بعد أن رأت أن حائط إحدى الغرف قد تهدم من الرطوبة, إنه يحتاج إلي إصلاح جديد, علي الرغم من أننا قمنا بإصلاحه من فترة قصيرة, ولم أملك إلا أن أمسح دموعها بيدي, فماذا قدمت لها بعد هذا الحرمان؟ وهل تكفي الجنيهات التي أقبضها في المساهمة في المعيشة الغالية وفي كتبي ومواصلاتي وملابسي ومساعدة أبي علي متطلبات الحياة؟ ماذا قدمت لهما حتى يشعرا بثمرة تعبهما؟ إن الحصول علي شقة لهما يحتاج إلي وقت طويل جدا ربما أكثر من عمري, فهل سيعيشان حتى أرد لهما جزءاّ ضئيلا من جميلهما, إن هذه الفكرة تعذبني وتبكيني كيف ومتى أحقق لهما حلمهما؟ إن أمامي طرقا كثيرة ملتوية لا أقول إني سأؤذي نفسي بالانحراف فقد تربيت علي الدين والفضيلة, ولكن أمامي أن أعطي دروسا خصوصية وهذا سوف يؤذي غيري ولكن نفسي تأبي إلا الحلال, وصدقيني يا صديقتي أنني لا أستطيع أن أسلك أي طريق غير طريق الحلال.
    هناك حل آخر ولكنه ليس بيدى, إنه بيد واهب الحياة والموت.. هذا الحل هو أن تقوم الجامعة بصرف مكافأة وفاتي, وذلك بعد أن أموت فيقوم والدي بدفع خلو لشقة من هذه المكافأة, ولكن هل يملك الإنسان لنفسه النهاية؟ هذا آخر ما فكرت فيه! إذاّ كيف أمسح دموع أمي يوم عيد الأم وأن أقدم لها هذا الطلب المستحيل؟.
    لقد انتهيت من الكلام مع صديقتنا فتاة قاع المدينة, والآن أشكرك علي الرد الذى رددته عليها, فأنا مثلها لا أريد أن أهدر رحلة كفاحي المريرة ورحلة كفاح أبي وأمي وإخوتي حتى ولو بتصرف أخجل أن أتفاخر به أو أذكره أمام الناس, نعم لست وحدي التي أعاني وربما هناك مآس أكثر مما أنا فيه, ولسوف أصبر مادام في الدنيا أناس شرفاء طيبون يقدمون يد المعونة إلي غيرهم, سواء بالقول أم العمل وأنا أؤيدك في أنه لابد أن ننظر للأمام دائما بوجه مبتسم, حتي ولو ظن بنا البعض البله. وعلي الرغم من إيماني بكل ما قلته وعلي الرغم من تصميمي علي العمل بما فيه, يبقي سؤال يلح في خاطري: كيف أسعد والدي ووالدتي قبل أن تحجبهما عني الدنيا أطال الله في عمرهما؟.
توقيع............

    ملحوظة: آسفة لأني لم أوقع باسمي الكامل لكني علي استعداد لكتابته إذا قبلت ضمي إلي قائمة أصدقائك علي الورق.

ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
    هذه هي الرسالة التي توقفت أمامها طويلا وأحسست باحترام شديد لكاتبتها, تري كم من الناس من نحس تجاههم بمثل هذا الاحترام؟ إنني أكاد أشعر من بين سطور هذه الرسالة أن كاتبتها طبيبة تعالج آلام البشر وتعود مرضي سكان العمارة والذين يلقون علي أهلها بالنفايات من نوافذ المطبخ, ومع ذلك فهي لا تتخلي عن واجبها في زيارة مرضاهم وعيادتهم, أليس هذا مبرراّ آخر للاحترام, ثم كيف لا أتوقف طويلا أمام هذه النفس الشفافة الخالية من المرارة ومن العقد تجاه الآخرين رغم الكفاح والآلام, أو أمام هذه النفس المحملة بالأمل والتفاؤل وبالرغبة في العطاء والعمل والكفاح رغم الظروف غير المواتية.
    وماذا يدعو للاحترام وللإعجاب والحب أكثر من أن تكون مشكلة هذه المعيدة أنها عاجزة عن رد الجميل لأبيها المكافح وأمها؟ لأن هناك فرقا بين العلم والمال ولأن تفوقها العلمي لا يحقق لها إمكانية الحصول علي شقة فوق سطح الأرض أي وفاء وأي عظمة؟ حسبت أنك تقولين لي إنك مشغولة بالحصول علي شقة لنفسك أو إنك مشغولة بالحصول علي فرصة ملائمة لزواج لائق, لكنك كنت أفضل كثيرا من أي توقع, تحسين بالقهر وبالعجز عن تحقيق أمنية الشقة لأمك وأبيك وتسألينني كيف تردين لهما ما قدماه فماذا أقول لك؟ هل أقول لك إن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها, وأنك تردين لهما الكثير بالتزامك الطريق السليم في حياتك, وبرفضك للخطأ ولكل مال غير حلال, أليس في كل ذلك ما يرد لهما صنيعهما؟ وألست أنت أكبر ثروة يمكن أن يحققها والداك في رحلة حياتهما؟ إنني مع ذلك لست متشائما فلعل في ظروفك ما يضعك علي أول الطريق الطويل للحصول علي شقة فوق الأرض, بخلو معقول أو في المساكن الشعبية بعد انتظار مهما طال فهو محقق للآمال في النهاية.
    يا آنستي إني أشكرك علي رسالتك وأرحب بصداقتك وأتشرف بمعرفتك.. وأشعر أني قد أزددت تعرفا علي الجانب الخير من الحياة بعد قراءة رسالتك القيمة هذه.
    أما فتاة القاع التي كتبت عنها في الأسبوع الماضي فقد تلقيت بشأنها استجابتين بشأن مشكلتي العمل والعلاج إحداهما من أستاذ جامعي صديق قديم لبريد الأهرام, لذلك فإني أدعوها للاتصال بي لحل مشكلتيها.. وإلي اللقاء.



* نشرت عام 1984

* توجد رسالة فتاة من قاع المدينة بالقسم الخاص بالكتاب بالمدونة او رابطها في اول تعليق منشور بصفحة الفيس بوك مع هذه الرسالة

˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙
كتبها من مصدرها بكتاب فتاة من قاع المدينة 
ليليان علي

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali


إقرأ المزيد Résuméabuiyad

الاتهام الصامت .. رسالة من بريد الجمعة


أنا سيدة فى الثلاثين من عمري .. تزوجت منذ سبعة أعوام .. وأنجبت بعد عام من زواجي طفلة جميلة كالملائكة .. وكنت أعمل فى مصنع
للغزل والنسيج .. فعشنا أنا وزوجي وطفلتي حياة سعيدة يرفرف علينا الحب والوئام والتفاهم, ونجتمع كل ليلة فى جلسة عائلية سعيدة فلا يكون بينى وبين زوجى حديث إلا عن طفلتنا الجميلة .. ماذا فعلت وماذا قالت وماذا أضحكها .. وماذا أبكاها .. ونروى عنها كلماتها كأنها من جوامع الكلم .. ونستعيد طرائفها ونضحك لها ومعها كثيراً, وبعد أربعة أعوام من زواجى بدأت أشكو أعراض برد سخيف وأسعل بشدة .. وتناولت أدوية البرد والكحة المعروفة فخفت الأعراض قليلا, لكن السعال استمر ولازمني بعد ذلك بصفه شبه دائمة .. ولم ألتفت إليه طويلا وواصلت حياتى بين عملى وبيتى وزوجى وطفلتى ثم جاء عيد ميلاد إبنتى .. فرتبت لها حفلا صغيراً لا يضم أحدا سواى وزوجى .. وصنعت لها تورتة صغيرة وإشتريت لها هدية بسيطة وإجتمعنا فى المساء حول التورتة .. وأطفأنا مع إبنتى شموع عمرها القليلة, وقدمت لها هديتها وقبلتها تهنئة بعيد ميلادها ومتمنية لها حياة سعيدة طويلة .. وبعد يومين من عيد ميلادها, بدأت إبنتى تسعل مثلى فأعطيتها دواء الكحة .. أما أنا فقد إشتدت وطأة السعال على فتراته وأرهقت صدري .. وذات يوم إنتابتنى نوبة سعال عنيفة .. وفزعت حين رأيت خيطا من الدم يخرج من فمى بعدها, ففزع زوجي معي وذهبنا إلى الطبيب ففحصني ثم صارحني بأن سعالي ليس مجرد عرض من أعراض البرد, لكنه درن أصاب رئتى فتجلدت .. والتزمت بتعليماته وتناولت العلاج والحقن التى وصفها لى بانتظام .. وبعد شهر بدأت أتماثل للشفاء, وبعد ثلاثة شهور من شفائى كنت مع زوجى وإبنتى جالسين أمام التليفزيون فانتابت طفلتي نوبة حادة من السعال .. راحت تكتمها بيدها .. فجذبت يديها لأرى ما بها فإذا بخيط من الدم اللعين يسيل على كفها الصغيرة .. فأسرعنا نحملها إلى الطبيب الذى صدمنا بأنها مريضة أيضا بالدرن .. وأنه قد بلغ منها درجة متأخرة جدا .. وأنها تحتاج إلى دخول المستشفى فأدخلناها المستشفى على الفور .. ورافقتها فيه ليل نهار لا يكاد يغمض لى جفن .. وأنا أتعجب كيف ومتى إنتقل إليها المرض .. وكيف أخفت عنا أن سعالها به دم .. وفى حيرتي وعذابي أسائل نفسي هل كانت قبلتى لها يوم عيد ميلادها هى قبلة العدوى التى نقلت إليها هذا الوحش .. ومضت الأيام فى المستشفى وهى بلا تحسن كبير .. وكنت أرقبها طوال الليل والنهار ولا أغفو إلا قبيل الفجر حين يغلبنى النوم على أمرى .. وبعد أسبوع صحوت من إغفاءة الفجر هذه فوجدتها ساكنه فى فراشها .. بلا سعال ولا أنين .. فاطمأننت عليها وفكرت فى العودة للنوم قبل أن تعاودها نوبة السعال التالية .. لكن هاجسا هجس فى صدرى أن أضع يدى على جبينها .. فإذا بها باردة كالثلج .. فهززتها لم تصح .. فصرخت من أعماقي .. صرخة جمعت حولي فى الغرفة كل من كان قريبا منا .. وجاء الطبيب وفحصها .. ثم طلب خروجي من الغرفة .. لقد رحلت إبنتى فى هدوء خلال إغفاءتى القصيرة..لقد غادر الملاك الصغير بيتنا ودنيانا .. لقد تركتني للحسرة والمعاناة .. والإحساس بالذنب .. هل قتلتها بقبلتي لها يوم عيد ميلادها .. هل قصرت فى إكتشاف المرض فى الوقت المناسب .. لقد كانت تخفى عنا أن سعالها به دم .. لكن أين ذهب حرصي .. ولماذا لم أكتشفه أنا إلا يوم التليفزيون؟ لقد رحلت عنا طفلتنا الصغيرة يا سيدى ورحلت معها السعادة والراحة والوئام من عشنا الصغير .. ولم يقتصر الأمر على آلام الفراق .. فمنذ رحيلها وزوجي صامت حزين .. ينظر إلى نظرات طويلة لائمة .. متهمة .. عاتبة .. ومنذ ذلك اليوم الأسود وهو لا يكلمني .. ولا يتبادل معى كلمة واحدة .. ويحملني باتهامه الصامت لى مسئولية رحيل طفلتنا أو مسئولية إنتقال المرض من صدرى إلى صدرها, لكن ماذا كنت أستطيع أن أفعل .. وقد كنت لا أعرف حقيقة مرضى وهل لو عرفته كنت رضيت بأن أقبلها وأنقل إليها هذا الوحش؟
وهل هو خطئى وحدى .. لقد أصبحت أنا وزوجى غريبين لا يعرف كل منهما الآخر ولا نتبادل كلمة واحدة .. وتحولت حياتى إلى جحيم .. فماذا أفعل .. وهل انتهت حياتي معه عند هذا الحد؟؟


ولكـــاتبـة هـــذه الــرسالة أقول:
أسوء ما يفعله المرء بنفسه .. هو أن يضيف إلى خسائره القدريه التى لا حيلة له فيها .. خسائر إضافية من صنع يده .. ولقد فعلتما ذلك بكل أسف أو فعل زوجك على الأصح بعد محنتكما .. إذ بدلا من أن يحاول أن يخفف عن نفسه ما يعتصره من آلام .. أضاف إلى معاناته معاناة جديدة بمعايشة هذا الإحساس المؤلم...وبمكابدة جفاف الحياة فى عش تحول فيه طائراه الأليفان إلى غريبين لا يعرف كل منهما الآخر.
إننا لسنا فى محاكمة جنائية يا سيدتى لكى نسأل وندقق ونحدد من المسئول عما جرى .. وهل أنت المسئولة عنه وحدك أم أنتما معاً لأنكما لم تكتشفا حقيقة مرض الملاك الراحل فى الوقت المناسب .. إذا ماذا يفيد تحديد المسئوليات وأنتما الخاسران معا .. وكلاهما مفجوع فى فقد وحيدته أياً كان المسئول وأياً كانت المسئولية .. لقد قدر الله وكما شاء فعل يا سيدتى .. وإذا كان زوجك فى غمرة آلامه قد نسى بعض حقائق الحياة, فليذكره مُذكر بأن عمر الإنسان مسجل عليه وهو جنين فى بطن أمه كما جاء فى الأحاديث القدسية .. تعددت الأسباب  .. والموعد المقدور واحد .. وليس هناك وقت يحتاج فيه الزوجان إلى عطف كل منهما على رفيق دربه ومساندته له كهذا الوقت العصيب الذى تمران به الآن..فلتنسيا معا حديث المسئولية .. فلا ذنب لأحدكما فيما جرى .. ولو إكتشفتما معا المرض فى بدايته لما تغير القدر المقدور شيئا .. ولما تأخر طرفة عين عن موعده .. فليضمد كل منكما جراح الآخر .. وليزيد اقترابا منه .. وتفتحا للحياة من جديد..وإستشيروا الطبيب فى كل خطوات حياتكما المقبلة .. فكم من أزواج وزوجات روعوا فى بداية حياتهم بفقد الأعزاء .. فتصبروا وتجلدوا .. ولم يتبادلوا الاتهامات .. فأنبت الله فى خمائلهم زهوراً جديدة مسحت على أحزانهم .. وعوضتهم عمن فقدوا خيراً كثيراً, فليفعل كل منكما إذا ما يفعله المتصبرون امام إختبارات الحياة القاسية ليكون له أجرهم .. ولتقرآ معى هذا الحديث القدسى عسى أن يخفف عنكما بعض أحزانكما .. وعسى أن يلهمكما الصواب والرشاد فى محنتكما.
قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: ( إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته :قبضتم ولد عبدى؟ فيقولون:نعم فيقولون: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون نعم فيقول: ماذا قال عبدى؟ فيقولون: حمدك وإسترجعك_أى حمد الله على ما كان رغم شقائه به وقال إنا لله وإنا إليه راجعون_ فيقول: إبنوا لعبدى بيتا فى الجنة .. وسموه بيت الحمد ).
أجزل الله لكما أجر المتصبرين .. وأعاد السعادة والوئام إلى عشكما..والسلام.




* نشرت في 5 يناير1990

˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙
كتبها من مصدرها بكتاب العيون الحمراء 
Bossa Aly

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali


إقرأ المزيد Résuméabuiyad

انكسار القشرة .. رسالة من بريد الجمعة


أنا فتاة في السادسة والعشرين من العمر‏، تصورت في وقت من الأوقات أنه قد اكتملت لي كل أسباب السعادة‏,‏ فأنا جامعية وجميلة واجتماعية ومتدينة ولي عائلة رائعة مكونة من عدد كبير من الأبناء والأحفاد‏,‏ وكل الأهل والأقارب والجيران يحسدون هذه العائلة على ترابطها والحب الذي يجمع بين أفرادها‏.‏ والجميع يشيدون بأمي وهي السيدة الفاضلة التي ترعي ربها في زوجها وأولادها وأحفادها وكل من تعرفه‏,‏ والكل يحبونها لطيبتها المتناهية وصفاتها الحميدة‏.‏
أما والدي فهو رجل فاضل يستشيره أهالي الحي في جميع أمور حياتهم ويستعينون به في قضاء حوائجهم ومصالحهم‏.‏ وقد جمع الحب بينه وبين والدتي لسنوات قبل الزواج إلى أن توج بالارتباط‏.‏ وقد مر زواجهما في البداية بصعوبات الحياة المادية إلي أن استطاعت سفينتهما اجتيازها والمضي بثبات في بحر الحياة‏.‏

باختصار كانت الحياة رائعة وسعيدة إلي أن استيقظنا ذات  
يوم علي مفاجأة ليست في الحسبان‏,‏ فلقد وجدنا أبي يجمع حقائبه استعدادا لمغادرة المنزل بعدما يقرب من‏40‏ عاما من الزواج وليس للسفر إلى مكان جديد للعمل فيه‏,‏ وإنما لكي يتزوج من سيدة أخري ويبدأ حياته من جديد‏.‏ أما الزوجة الجديدة فهي جارة لنا وتربطها بنا صلة قرابة وكانت أمي توصينا جميعا بها خيرا وتعطف عليها لأنها وحيدة ولا أحد يسأل عنها لأنها لا تحسن عشرة جيرانها‏.‏ فأحسست أن الدنيا قد زلزلت تحت أقدامي وأني فقدت سندي ومعيني في الحياة‏,‏ ومهما حاولت فلن أستطيع أن أصف لك شعوري حيال هذا الموقف الذي لم أتصوره ذات يوم‏,‏ كما لا أستطيع أن أصف لك أيضا حالي عندما أري أمي وهي تبكي ليل نهار علي العشرة والتضحية التي ذهبت أدراج الرياح والبيت السعيد الذي تحول لأطلال بعد ما يقرب من‏40‏ عاما ‏!‏ فقد كنت أحترق وأنا أري أمي لا تنام وتستعين علي مصيبتها بالصلاة وقراءة القرآن‏.‏ فإذا استيقظت في الليل وجدتها تقرأ القرآن وتبكي ثم تسأل نفسها وتناجي ربها ماذا فعلت لكي تكون هذه هي النهاية بعد هذا العمر‏.‏ إذ في الوقت الذي كانت تنتظر فيه المودة والرحمة فوجئت بعكس ذلك وعندما كنت أراها هكذا أحتضنها وأهديء من روعها‏,‏ ثم أجد نفسي أبكي معها إلي أن يؤذن الفجر فنصلي معا‏.‏ أما عن حال بقية الأسرة فليس أفضل من حال أمي خاصة أن الزوجة الجديدة لا تبالي بمشاعر أحد ولا يقف في طريقها شيء ولولا رعايتي للمشاعر لذكرت لك ما فعلته وتفعله هذه السيدة لقد استطاعت الأسرة أن تتماسك من جديد وبدأ أفرادها يستعيدون أنفسهم شيئا فشيئا وبالفعل عادت الحياة إلي بيتنا من جديد بفضل الله تعالي وبفضل تآزرنا معا في مواجهة المحنة‏.‏
واستطاعت الأسرة إعادة ترتيب حياتها من جديد ولكن بدون الأب هذه المرة‏.‏

واقتنعت أمي بأن هذا قضاء الله وقدره واختبار وامتحان من الله ويجب أن نصبر جميعا علي هذا البلاء ولن يضيع الله أجر الصابرين‏.‏ أما ما دفعني للكتابة إليك فهما أمران أولهما اني أريد أن أتزود منك بما يعينني علي تجاوز ما مر بي‏,‏ وأن تفسر لي كيف يترك الإنسان زوجته وأولاده وأحفاده من أجل شخص لا يستحق أو من أجل نزوة عابرة‏.‏ أما الأمر الثاني فقد حاول اخوتي إقناعي بأن أبدأ حياتي الخاصة وأتزوج وتكون لي أسرتي الصغيرة بجانب أسرتي الكبيرة‏.‏ ولكني أشعر بخوف رهيب بعد هذا الزلزال العنيف‏.‏
‏..‏ نعم أريد أن أكون زوجة صالحة مطيعة وأن أحفظ زوجي في وجوده وغيابه وتكون لي حياة هادئة سعيدة‏,‏ ولكني أشعر بخوف شديد أحيانا من الزواج‏.‏ وإذا تزوجت فإني أدعو الله سبحانه وتعالي أن أتزوج من يعاملني بإحسان‏..‏ وإن زهدني ذات يوم سرحني بمعروف‏.‏

‏ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏
أسوأ ما في مثل هذا الزلزال العنيف الذي يجئ بلا مقدمات بعد‏40‏ عاما من الزواج والاستقرار والحياة العائلية الموفقة في أنظار الجميع‏,‏ هو أنه يهز بعنف معنويات الأبناء ومثلهم العليا ورؤيتهم للحياة وأفكارهم عن الأب‏..‏ والزواج والوفاء‏..‏ والإخلاص‏..‏ ناهيك عما يمثله من طعنة دامية في قلب شريكة العمر وكرامتها‏,‏ قد تمضي السنون قبل أن تبرأ من بعض آثارها وإيلامها‏.‏
غير أننا لابد أن نعترف بأن بعض البشر قد تضعف مقاومتهم للإغراءات مع العمر‏..‏ وفي الوقت الذي يظن فيه الجميع أنهم بعيدون تماما عن الاستسلام لمثل هذا الضعف البشري‏..‏ كما أن الإنسان قد يلتزم معظم سنوات عمره بالجدية والبعد عن العبث والأهواء والنزوات ثم تنكسر قشرة مقاومته فجأة في لحظة من العمر‏,‏ فيقدم علي سلوك أو تصرف لا يتسق أبدا مع شخصيته الجادة فيبدو أمام الآخرين وكأنه شخصية أخري لم يتعاملوا معها من قبل وقد تسهم بعض الظروف الطارئة أو العوامل المحيطة في ظهور هذه الشخصية وانكسار القشرة التي تغلفها‏..‏ كأن يستشعر في نفسه مثلا بقية من قوة الرغبة في الاستمتاع بالحياة‏..‏ ويشكو من استغراق شريكة عمره في دور الأم والجدة‏,‏ علي حساب دورها الخالد الذي لا ينقضي أبدا من وجهة نظره ودور الزوجة والأنثي وقد تساوره بعض أحلام الرغبة في تجديد الحياة وإثبات القدرة علي ممارسة مشاعر الحب وإحساس المغامرة بعد سنوات طويلة من الالتزام أو التحفظ‏..‏ يتعرض لإغراء مركز يستغل احتياجاته التي يشعر هو بعدم إشباعها أو تطلعاته التي تراوده في أحلام اليقظة لخوض مغامرة عاطفية والنهل من متع الحياة فيستسلم له‏,‏ ويبرر استسلامه لنفسه بأنه قد أدي واجبه كاملا تجاه الزوجة والأبناء علي مدي العمر‏,‏ ومن حقه الآن أن يلبي رغباته الشخصية ويحقق سعادته الخاصة أينما يجدها مادامت تتحقق بالطريق المشروع‏..‏ فيبدأ في التفكير في أمره بمنطق فردي بحت لا يضع في الحسبان كل الاعتبارات التي التزم بها طوال رحلة العمر كمشاعر شريكة الحياة ومشاعر الأبناء والتحسب لحرجهم العائلي والاجتماعي أمام الأصهار‏,‏ فكأنما يطيح في 
لحظة واحدة بكل ما التزم به خلال رحلة عمر من غيرية وحرص علي مصالح الأبناء والاعتبارات العائلية والاجتماعية‏,‏ ويحل محلها الذاتية في التصرف‏..‏ والفردية‏..‏ والاعتبارات الخاصة دون غيرها‏.‏

ومن هنا تكون المفاجأة الصادمة لأفكار الجميع عنه‏,‏ ويكون الزلزال العنيف الذي تتحدثين عنه ولأنه لا حد لغرائب النفس البشرية فلسوف تستمر مثل هذه المفاجآت الإنسانية إلى ما لا نهاية‏..‏ وستظل تدهشنا وتثير تأملاتنا أيضا‏,‏ لكنها ومهما تعددت لن تحجب عنا الحقيقة الأهم‏,‏ وهي أنها في النهاية خروج علي مألوف الحياة‏..‏ واستثناء من القاعدة‏..‏ وسيظل الفضلاء يرفضونها ويستنكرونها علي الدوام‏.‏ لهذا فإن ما حدث لا ينبغي له يا آنستي أن يؤثر سلبا علي رؤيتك للحياة‏,‏ وألا يخصم من استعدادك للسعادة وألا يورثك سوء الظن بالرجال والوفاء والإخلاص وكل المعاني الجميلة‏..‏ فكما تشهد الحياة مثل هذه الصور الشاذة للجحود وخيانة عهد الوفاء‏..‏ فإنها تشهد أيضا كل يوم صور الوفاء والإخلاص والالتزام‏.‏ وإعلاء الواجب العائلي والإنساني علي كل الاعتبارات‏,‏ أما والدتك فلعلها تكون قد استعادت بعض تماسكها بعد انقضاء فترة الذهول أمام المفاجأة القاسية‏,‏ ووجدت في قلوب أبنائها وأحفادها واحترام الجميع ومحبتهم الصادقة لها بعض ما يعوضها عما تستشعره من مرارة الخذلان‏.‏

* نشرت بتاريخ 15 فبراير 2002

˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙

نقلها من أرشيف جريدة الأهرام 
Rofida Mohamed Ismail

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali



إقرأ المزيد Résuméabuiyad

رائحة الورد .. رسالة من بريد الجمعة


رائحة الورد وأنوف لا تشم‏..‏ قصة الراحل الأديب إحسان عبدالقدوس‏..‏ قرأتها في فترة زمنية ماضية ولكنني أعيش فصولها الآن ــ وحتي لا أطيل عليك أقول لك إنني منذ ثلاثين عاما كنت ابنة وحيدة وسط ثلاثة أشقاء ذكور لأب وأم من الأسر المتوسطة المكافحة‏,‏ وتميزت بين جميع من حولي بالجمال والذكاء وخفة الروح‏,‏ ثم التحقت بإحدي كليات القمة في جامعة إقليمية بمحافظة مجاورة لمدينتنا وأقمت في المدينة الجامعية‏,‏ فاغتربت لذلك لأول مرة عن أهلي وأكسبني ذلك صلابة وقوة شخصية‏,‏ ثم تعرفت على زميل لي في الكلية يفوقني في المستوي الاجتماعي والمادي وإن كنت أسبقه في المستوى العلمي‏,‏ وتحاببنا وقدمته لوالدي الذي رفضه أولا لصغر سنه‏,‏ ثم وافق عليه مضطرا أمام إلحاحي عليه وتمسكي به‏,‏ وأيضا لسمعة أسرته الطيبة وأخلاقه الحميدة‏,‏ وتمت الخطبة ونحن طالبان‏..‏ وكان ذلك حافزا لنا لمواصلة الدراسة بكفاح وجدية‏,‏ حتي ارتفع مستواه التحصيلي وصرنا معا من أوائل الخريجين‏,‏ وتم تعيينا معيدين في نفس الكلية‏,‏ وواصلت مشوار الكفاح حتي وصلنا للأستاذية معا وأصبح لدينا ابنة شابة جميلة وولدان في مراحل التعليم المختلفة‏,‏ وقد ورثت ابنتي عني الجمال والذكاء وخفة الروح‏,‏ وازدادت عني أناقتها ورشاقتها وإجادتها لكل أعمال الكمبيوتر‏,‏ وقد اتبعت نفس طريقي‏,‏ وتم تعيينها معيدة في نفس الكلية التي نعمل بها‏,‏ وبالرغم من أدبها وأخلاقها التي يشهد لها بها الجميع فإنه لم يتقدم لها أحد حتي الآن‏,‏ وقد بلغت السادسة والعشرين من عمرها‏..‏ ومازالت آنسة‏..‏ والكل يخشي أن يتقدم لها خشية الرفض‏,‏ نظرا لمستوانا الاجتماعي والمادي‏,‏ وبلدتنا التي نقيم بها صغيرة وهي أقرب إلى القرية منها إلي المدينة‏,‏ ومعظم شبابها بسطاء مكافحون‏..‏ مع أنني لا أضع شروطا مادية للشاب الذي أريده لابنتي‏,‏ ولكني فقط أطلب المستوي الثقافي والاجتماعي الذي تعيشه هي فيه‏..‏ فهل هذا كثير؟؟ وهل أنا مخطئة في ذلك؟
ماذا أفعل‏..‏ هل أعرضها للزواج واقلل من كبريائها وكرامتها عل أريق ماء وجهي‏,‏ أعرض هذه المشكلة علنا على اصدقائنا ومعارفنا‏..‏ إنني أرها هذه الأيام ذابلة منكسرة‏..‏ فقدت المرح المعهود فيها هي تري زميلاتها في الكلية يتزوجن الواحدة تلو الأخرى ..‏ لماذا لم تحظ ابنتي بالحب مثلي لقد كنت أود أن تلتقي بشاب يحبها ويغرم بها ويطلبها للزواج‏,‏ فالحب شئ جميل ولابد منه قبل الزواج‏,‏ وهو اكسير الحياة الذي يجعلنا نصبر علي مصاعبها‏..‏ فمن أين آتي لها بالحب حتى تشعر أنها مرغوبة محبوبة‏,‏ وتحس بانوثتها مثل زميلاتها‏..‏ إنني أتعذب من اجلها وأصلي ليل نهار ولا دعاء لي إلا أن يرزقها الله بشاب يغرم بها ويتقدم  لها طالبا ودها‏..‏ وماذا أفعل
في الأنوف التي لاتشم رائحة الورد هذه الفواحة؟

ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏
حتي الزهور الجميلة تحتاج لأن تكون ظاهرة للعيان لكي تكتشفها الأنوف الحساسة‏..‏ وتنجذب إلى رائحتها الفواحة‏.‏ لهذا فلا بأس أبدا يا سيدتي بأن يضع كل إنسان زهوره البديعة في شرفته لكي تنثر أريجها المعطر في المكان‏..‏ ولا بأس بأن تصطحب الأم ابنتها الشابة التي بلغت سن الزواج وترجو لها السعادة والأمان معها في زياراتها إلي بيوت الأهل والأصدقاء والمعارف في المناسبات المختلفة‏,‏ حيث توجد الأنوف المرشحة لتقدير مزاياها‏.‏ ولا لوم على الأم إن هي تطرقت في حديثها للأصدقاء والمعارف عرضا إلى رؤيتها الخاصة لزواج ابنتها‏,‏ وكيف أنها لا تضع الاعتبارات المادية في المقام الأول عند الاختيار‏,‏ وإنما ترجو لها فقط أن تسعد بالحب والوفاق والتفاهم مع من يتقارب معها في المستوي الثقافي والاجتماعي‏,‏ وليس ضروريا أن تتماثل ظروفه مع ظروفها‏,‏ لأن التقارب وحده يكفي في مثل هذه الحالة‏.‏ وليس في ذلك ما يسيء إلي الكرامة أو الكبرياء ولا ما يريق ماء الوجه كما تتصورين إذ انك لا تروجين لسلعة فاسدة تتحايلين علي التصرف فيها بأي طريق‏,‏ وإنما أنت فقط تتيحين للباحثين عمن تكون لها مثل مزايا ابنتك ومؤهلاتها فرصة العلم بوجود هذه الزهرة الجميلة في حديقتك الصغيرة‏.‏

أما الحب الذي ترجينه لابنتك لكي تستمتع به في حياتها  
العائلية كما أتيح لك حظ التمتع به فلسوف يجئ في موعده حين يعرف فارسها المقدور لها في علم الغيب طريقه إليها بمثل هذه الوسائل المساعدة‏..‏ أو حين تجمعه أقداره بها عن طريق الصدفة المسجلة في اللوح المسطور ولسوف تنهل هي بعمق من نبع الحب الصافي كما نهلت أنت منه‏..‏ ولسوف تصدق عليها عبارة الروائية الفرنسية جورج صاند التي تقول‏:‏ أي ينبوع متدفق من السعادة يملأ حياة الإنسان حين يطيع من يهواه‏..‏ فإذا أرادت المرأة أن تستمتع بشهر عسل لا ينتهي أبدا فإن عليها أن تحب زوجها حبا صادقا وقويا ومستمرا‏.‏
وإن غدا لناظره قريب بإذن الله‏.‏

* نشرت بتاريخ 24 مايو 2002

˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙

نقلها من أرشيف جريدة الأهرام 
Rofida Mohamed Ismail

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali



إقرأ المزيد Résuméabuiyad

 

سجل إميلك وتوصل بمواضيعنا :