فتاة من قاع المدينة .. رسالة من بريد الجمعة


أعتذر في البداية عن أية لمحة ألم قد تسببها قراءة هذه الرسالة اللاذعة للبعض , وأعترف أنني حاولت أن أخفف قليلا من الصورة القاتمة التي ترسمها للحياة فى قاع المدينة.. فنجحت في بعض فصولها وفشلت في فصول أخرى.

تقول كلمات الرسالة : أنا فتاة عمرها 18 عاما , أقول لك فى البداية إنني لا أكتب إليك هذه الرسالة لأستعطفك أو لأثير عطف أحد قرائك , فالحق أنني لا أقبل العطف من أحد ولو كان من أقرب الناس.. وأكره نظرة الشفقة في عين أحد ولو كان قريبا مني. لكني أكتب إليك هذه الرسالة لأروي لك قصة حياة لناس قد لا يعرف بعض قرائك الكثير عن حياتهم , وقد لا تلتقون بهم كثيرا وسأروي لك كل شئ بصراحة مهما كانت جارحة أو مثيرة للقرف.. وأرجوك ألا تحس بالغثيان وأنت تقرأ بعض تفاصيل حياتي .
لقد عرفت الفقر منذ طفولتي.. وعاشرت المرض منذ تفتحت عيناي للحياة فقد ولدت فى غرفة مظلمة لا تري النور ولا تعرف الماء.. وترعرعت كما يقولون فى وسط محروم من كل شئ  يضئ بلمبة الجاز ويشرب من ماء الطلومبة ومضت طفولتي بطيئة.. لكن عن أي طفولة أتكلم.. إن أمثالي لا يعرفون الطفولة التى يتحدث عنها الآخرون.. لذلك فسأروى لك بعض لمحات من هذه الفترة التى أسميها طفولتي !
لم أعرف في طفولتي كلها سوي قماش الدمور الرخيص رداء خارجيا وداخليا فى نفس الوقت.. لم ألبس طوال طفولتي فستانا مما تلبسه الصغيرات لا جديداّ ولا مستعملاّ مما تخلعه بعض الأسر على أطفال الفقراء , لم آخذ فى حياتي قرشا أو نصف قرش في يدي عند الذهاب إلي المدرسة كما يفعل الأطفال ..

وستسأل : وهل دخلت المدرسة فأقول لك نعم دخلتها رغم كل هذه الظروف , فأبي المكافح العامل في إحدى المصانع قد حرص علي تعليمي أنا وإخواني الأربعة.. أملا أن يجنبنا مصيره هو.. وفى المدرسة كنت أرى الأطفال يشترون المصاصة ويمصونها فيتحلب ريقي عليها ولا أستطيع شرائها.
.
ورغم كل ذلك مضت بنا الحياة ونحن نقاوم أبي وأمي وأنا وإخوتي, ثم تدهورت بنا الأحوال, وفقدنا غرفتنا المظلمة في انهيار المنزل , واضطررنا للسكنى في بدروم عمارة تمليك مكونة من 10 شقق بلا أجر ندفعه مقابل خدمة سكان العمارة كلهم , والقيام بأعمال بواب العمارة , وتصورنا أن متاعبنا قد انتهت لأن البدروم أوسع من الغرفة. . لكن ما لقبناه ومازلنا نلاقيه كان أشد وأقسى .. خمسة أولاد ثلاث بنات وولدان أنا أكبرهم في المدارس جميعا, مطلوب منهم النجاح واجتياز عقبات المجموع للاستمرار في التعليم المجاني , لكن كيف يذاكرون دروسهم وهم جميعا في خدمة سكان العمارة في أي وقت , من الليل أو النهار.. روحي هاتى عيش , أكنسي السلم , أغسلي العربية , هاتى المكواة وصدقني إن هذا ما يحدث طوال النهار بلا مبالغة.. فكيف نذاكر دروسنا وكيف نجيب المجموع المطلوب ؟
 ورغم كل هذا العذاب فقد واصلت دراستي وحصلت على دبلوم التجارة لكن أختي رسبت.. وأخي على وشك الرسوب هذا العام لنفس السبب وحين أفكر فيما يحدث لنا أسأل نفسي وماذا يستطيع أبى وأمي أن يفعلا ؟
إنهما يغالبان الفقر والمرض والظروف القاسية بلا هوادة.. إنني أتعذب حين أرى أبي عاريا نازلا في بالوعة المجارى لكي يسلكها في عز الليل , والناس نائمون والدنيا تمطر.. لأننا عاجزون عن النوم لأن مياه المجاري طافحة وبللت المراتب التي ننام عليها.. لقد زارتنا كل أمراض الدنيا.. بسبب الحياة مع المجارى في بدروم واحد.. وتلطمنا بين العيادات الخارجية للمستشفيات المجانية.. والمستوصفات الخيرية نتعالج بالمزيج والحديد والزرنيخ.. وقاومنا الأمراض.. فنجونا من بعضها.. واستقر فينا بعضها الآخر.. وأنا شخصيا بقي عندي من الأمراض مرضان جليلان هما المرارة.. والتبول اللاإرادي أثناء الليل آسفة لأن أقول ذلك بلا خجل لكن هذه هي حياتنا.. ورغم كل ذلك لانعدم من يؤذي مشاعرنا بجهل أو بحماقة.. فأنا مثلا قد أسمع وأنا ماشية في الطريق واحدا معندوش دم يقول لي أهلا يا بوابة ! وأخي وأختي رغم صغر سنهما حاولا الانتحار بسبب كلام زملائهما لهما في المدرسة, بسبب فقرهما وعملهما في خدمة السكان , وكل ذلك بسبب البدروم اللعين صحيح أن راتب أبي الآن كويس لكن من أين يأتي بخلو رجل لغرفتين في أي مكان.. أما أنا فقد حصلت على الدبلوم وجلست في البدروم بلا عمل ومفيش فلوس راضية تيجى أبدا, كأن بيننا وبينها عداء مستحكماّ ونحن جميعا إخوتي وأنا نمضي النهار بطوله دون أن نمسك عشرة قروش نستطيع أن نشترى بها شيئا خاصا لنا وسأكون صريحة معك, على الرغم من أنني لا أعرفك. كلما ضاقت بي الدنيا فكرت في الطريق الخاطئ لأية فتاة لأنقذ نفسي من هذه الحياة لكني أراجع نفسي وأقول لها إن الشرف هو أغلي ما أملكه فكيف أضحي به ؟
وفى النهاية أقول لك إنني أقرأ في بابك رسائل لفتيات يشكين هموما تبدو بالنسبة لي ثانوية .. أو دلعا لا يستحق الوقوف عنده , وأحس أحيانا عندما أقرأ رسالة من هذا النوع أني أريد أن أمسك بشعر كاتبة هذه الرسالة وأن أجرها إلي بدرومنا لتري الهموم الحقيقية التي يعانيها البشر.
لعلها ترضي عن حياتها وتترك لنا نحن أن نكتب لك.. نفضفض معك بلا أي أمل في الحل عن بعض همومنا والسلام عليكم؟

ولكاتبة هذه الرسالة أقول:

وأجد نفسي أقول لها بلا وعي وأنفاسي مبهورة من ملاحقة عباراتها التلقائية اللاذعة بل السلام عليكم , أنت يا صديقتي فأنت التي تستحقين الإعجاب لصمودك وقوة احتمالك, وقبل كل شئ لرفضك الانسياق وراء وساوسك .
ولقد أدركت جوهر المسألة حين عرفت أنك إذا أقدمت علي ما فكرت فيه فإنك بذلك تكونين قد أهدرت رحلة كفاحك المريرة هذه ورحلة كفاح أبيك البطل في تربيتك وتعليمك رغم الأهوال ... أنت من هذه الناحية تستحقين كل الإعجاب وتستحقين أن تفخر بصداقتك أي فتاة كريمة... يبقي بعد ذلك... أن أقول لك رغم كل المرارة والألم لست وحدك فيما قاسيت في طفولتك وفيما تقاسين الآن.. ولربما كان هناك من قاسي الأهوال أكثر مما قاسيت, وأنت رغم كل ذلك مازلت في بداية حياتك ولابد أن تأملي في أن تكون الفصول التالية أكثر إشراقا , وأقل معاناة , فنحن لا نستطيع يا صديقتي مهما بدا الطريق أمامنا صعبا أن نكف عن الأمل أو أن نتوقف عن محاولة اختراق السدود وقفز الحواجز.. فلابد أن نأمل دائما في غد أفضل وإلا أصابنا الجنون , واستسلمنا لليأس والإحباط.
لابد أن نأمل دائما في المستقبل مهما بدا الحاضر عقيما وغير مبشر بالآمال ..

 إنني لا أخدرك بالأمل.. لكني أدفع عنك اليأس والإحباط وهما بوابة الشيطان إلى عقل وقلب الإنسان لابد أن ننظر إلي الأمام دائما بوجه مبتسم حتى ولو ظن بنا البعض البله , فالأمل هنا دفاع عن النفس ضد الجنون وضد شرور عديدة.. وليس استغراقا في الوهم والأحلام وتذكري دائما أن أكثر لحظات الليل سوادا هي اللحظات التي تسبق مباشرة ظهور أول ضوء في الفجر, لذلك فإنه لابد أن يحين فجر يوما ما وسوف يحين بكل تأكيد, في يوم قريب ربما كان أقرب كثيرا مما تتصورين.


˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙
كتبها من مصدرها بكتاب فتاة من قاع المدينة
ليليان علي

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali



إقرأ المزيد Résuméabuiyad

الانتقام من الماضي .. رسالة من بريد الجمعة


أنا شاب في الثلاثين من عمري شاء لي القدر أن أفقد أبي وأنا طفل صغير‏,‏ وأن أفقد أمي وأنا في سن المراهقة‏ ..‏ فنشأت بين أخوتي وتدرجت في التعليم حتى بلغت عامي الثاني بإحدى جامعات الأقاليم‏ ..‏ وفي الإجازة توجهت إلي القاهرة للعمل في الصيف‏,‏ وتعرفت في دائرة السكن بفتاة تبادلت معها الإعجاب والحب وارتبطت بها وصارحت أخوتي بنيتي الارتباط بها‏,‏ وبعد فترة أخري خطبتها‏ ..‏ وأنهيت خلال عامين من الخطبة كل التزاماتي من حيث توفير المسكن والأثاث إلخ‏..‏ وذات يوم خرجت من عملي بالقاهرة إلي بيت خطيبتي فلم أجدها فيه وانتظرتها حتى التاسعة مساء فإذا بها تعود وهي تضع الماكياج الثقيل الذي لم أرها به من قبل‏..‏ وسألتها عما أخرها‏,‏ ففوجئت بها تصيح في وجهي بأنها قد أنهت كل ما بيني وبينها‏ ..‏ وتطلب مني أن أدعها وشأنها‏..‏ وصعقت حين سمعت ذلك‏,‏ وحاولت معاتبتها فلم أجد لديها أي استعداد لتقبل عتابي‏ ..‏ وانصرفت حزينا‏ ..‏ ووسطت بعض أهلها لديها في أن تعدل عن موقفها المفاجئ ففشلت كل المساعي‏..‏ وتم فسخ الخطبة بالفعل‏..‏ وساءت حالتي المعنوية والصحية‏..‏ وعشت ستة أشهر كاملة وأنا شبه مريض‏,‏ وانتهي الأمر بدخولي المستشفي بالفعل وإجراء جراحة لي‏..‏ وغادرت المستشفي وقد فقدت الثقة في نفسي وفي الحب وفي كل الفتيات‏,‏ وبعد عامين آخرين تزوجت من فتاة طيبة من مدينتي الصغيرة وأنجبت منها طفلا وعشت معها حياة هادئة وبلا مشاكل‏,‏ ونظمت حياتي بحيث أقضي أيام الأسبوع بالقاهرة‏,‏ حيث أعمل وأرجع إلي مدينتي القريبة لأمضي يومين مع زوجتي وطفلي‏..‏ وبعد ثماني سنوات من فسخ خطبتي لفتاتي القديمة التقيت بها بالمصادفة قبل أسابيع وعرفت منها أنها قد تزوجت وأنجبت طفلا ثم طلقت ورجعت للإقامة مع أسرتها‏..‏ وبدأ مسلسل إحياء الحب القديم وغير ذلك من سيناريو هذا الفيلم الهندي المألوف‏.‏ وقد وجدت نفسي بعد قليل أسعي إلي خطيئتي‏..‏ أو خطيبتي الأولي وأتحدث معها عن الزواج ليس لأنني مازلت أحبها‏..‏ وإنما لكي أنتقم منها بسبب ما فعلته بي في الماضي‏..‏ وبسبب جحودها وتحطيمها لقلبي بلا رحمة من قبل‏.‏ وكلما استمعت إلي صوت العقل‏..‏ وصرفت النظر عن التفكير فيها وجدتني في شوق لأن أشفي غليلي منها وأن أحطم قلبها كما حطمت قلبي‏,‏ وأذاقتني مرارة الحرمان من الحب‏..‏ ومرارة جحودها وتنكرها لي‏..‏ إنني حائر ولم أستقر بعد علي رأي‏..‏ وزوجتي الطيبة تلوح لي أحيانا في مخيلتي فيخيل إلي أنها تعاتبني وتلومني علي ما أفكر فيه فماذا أفعل؟

ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏
الانتقام الحقيقي من الفتاة التي حطمت قلبك وتنكرت لك من قبل ــ إن كان ثمة ضرورة للانتقام من الأصل ــ هو أن تسعد بحياتك مع زوجتك الطيبة وطفلك الصغير‏..‏ وتشعر تلك الفتاة بأنها قد خرجت من حياتك إلي الأبد‏..‏ فتعرف أنها قد خسرت السعادة والأمان معك حين ضحت بك علي مذبح تقلب أهوائها وتطلعها للارتباط بغيرك‏,‏ ولا عجب في ذلك فخير انتقام ممن أساءوا إلينا هو ألا نصبح مثلهم قادرين علي الإساءة للغير‏..‏ وأن نسقطهم من تفكيرنا نهائيا فلا نسمح لهم بأن يشغلوا من فكرنا ما لا يستحقونه من مساحة حتى ولو كانت مساحة الرغبة في الانتقام منهم أو التشفي فيهم‏..‏ فالتشفي في الآخرين طرف من العجز كما قال أحد الأعراب ذات يوم ناصحا الخليفة العباس المنصور‏,‏ وزعمك لنفسك أنك ترغب في الزواج من فتاتك القديمة لا لشئ إلا لكي تنتقم من إساءتها السابقة لك وتحطيمها لقلبك نوع من خداع النفس لا يقبل به الفضلاء لأنفسهم‏,‏ إذ كيف يكون الانتقام منها بإيلام زوجتك الطيبة التي لم تسئ إليك من قبل وأعادت إليك ثقتك المفقودة في النفس وفي الجنس الآخر؟
وكيف يكون الانتقام ممن تنكرت لك قبل سنوات‏,‏ بتعريض طفلك الصغير للتمزق بين أبويه إذا ساءت الأحوال بينك وبين زوجتك بعد ارتباطك بالأخرى وانتهي الأمر بالانفصال بينكما؟
بل كيف يكون هذا الانتقام بأن تكسب فتاتك الغادرة زوجا يحدب عليها مهما زعم لنفسه التشفي فيها وتخسر زوجتك المخلصة التي ضمدت جراح قلبك زوجا كانت سعيدة به وراضية عن حياتها معه؟ وأية حياة هذه ستقوم بينك وبين هذه السيدة لو تزوجتها بنية الانتقام والإساءة فتمضي أيامك 
معها متوترا متحفزا بالرغبة في الإيذاء‏,‏ أو تزوجتها بنية استعادة الحب القديم فتمضي حياتك معها‏..‏ ممرورا بذكريات الخيانة القديمة والشك في إخلاصها لك؟ يا صديقي اصرف النظر نهائيا عن الارتباط بهذه السيدة ودعها لحياتها وأقدارها كما طلبت منك ذات يوم قبل ثماني سنوات‏,‏ ولا تفتعل الأسباب والمبررات للاقتراب منها‏,‏ فلقد لفظتك وهي في عنفوان قوتها‏..‏ وليس مما يشرفك أن تقبل الآن بك وهي في ضعفها‏.‏ وشكرا‏.

* نشرت بتاريخ 9 يونيو 2000


˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙
نقلها من مصدرها بأرشيف جريدة الأهرام
Rofida Mohamed Ismail

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali


إقرأ المزيد Résuméabuiyad

الانقلاب المفاجئ .. رسالة من بريد الجمعة


أنا رجل أبلغ من العمر‏58‏ عاما مسيحي الديانة أعمل في مدينة تبعد عن الإسكندرية بـ‏55‏ كيلو مترا‏,‏ فقد عملت طبيبا بالمستشفي وفتحت عيادة بالمدينة منذ‏38‏ عاما‏,‏ وعشت في بداية حياتي عشر سنوات بغير زواج لأنني لم ألتق بشريكة الحياة المناسبة إلي أن بلغ عمري‏30‏ عاما‏,‏ فتزوجت من طبيبة قريبة لي وجدت فيها مطلبي ورزقنا الله بابنتين وولد وأنعم الله علينا بالرزق والسعادة وكان شرطي الوحيد عليها قبل الخطبة والزواج وطول مرحلة الزواج هو أنني العبد المأمور لكل مطالبك إلا أن تقيمي بالإسكندرية وأبقي أنا وحيدا بتلك المدينة‏ ..‏ وقبلت الشرط وعشنا حياتنا في سلامة‏.‏ وتخرجت الابنتان وتزوجتا ورزقهما الله بأحفاد لنا ـ والتحق الابن بكلية عملية وقمت بواجبي بها كاملا تجاه أسرتي وكنا نعيش كأسرة متحابة متآلفة تعد قدوة تقتدي بها كل الأسر في المدينة وذات يوم منذ عامين قالت لي زوجتي‏:‏ باكر سأذهب إلى الإسكندرية ولا أعود إلى هذه المدينة مرة أخري‏ ..‏ ولم أصدق وعيدها في البداية‏,‏ لكني فوجئت بها تذهب بالفعل إلى الإسكندرية وتنفذ كل ما قالته بالحرف ـ فسحبت الأموال من البنوك وعرضت العقارات باسمها للبيع وسممت أفكار الأبناء عني وقاطعوني كلهم الأم والأبناء‏ ..‏ تركوني وحدي في المدينة التي أقيم بها‏.‏ عرضت أن أقيم معهم بالإسكندرية في البيت الذي بنيته للأسرة‏,‏ فرفضت ذلك وإذا طلبتها في التليفون وضعت السماعة في صمت وحشدت كل الأقارب والأصدقاء والمعارف ضدي‏,‏ وطالبت بمقاطعتهم لي ونقلت عملها بالإسكندرية دون أن أدري أين تعمل ولا أين تذهب طوال عامين ـ تدخل جميع رجال الدين من مسيحيين ومسلمين وتدخل نائب البابا وتدخل العديد من الشيوخ الأفاضل من أصدقائي فرفضت رفضا باتا‏,‏ إنها تصغرني بأربعة أعوام لكنها تبدو في سن الـ‏34‏ عاما شابة جميلة أكثر مما كانت قبل الزواج ماذا أفعل وماذا حدث لا  أدري كيف أتصرف بعد أن صرنا حديث الإسكندرية المدينة الصغيرة؟‏!‏

إنني لم أبت ليلة غاضبا عنها وكانت هي كل شيء في حياتي وهي المتصرفة في كل شيء وقد كونت ثروة طائلة كتبت معظمها باسمها وفي زواج البنات تقدم لهن كثيرون فكانت ترفض الكل وكنت أقبل وهذا هو السبب الوحيد الذي أحدث خلافا بيني وبينها حوله حيث كنت خائفا علي مستقبل البنات وهي مغرورة ببناتها فماذا حدث بعد ذلك‏ ..‏ ولماذا هذا الانقلاب المفاجئ لا أدري إنني الآن وحيد شريد طريد بعد كل هذا العمر وإحساسي بالظلم والجحود رهيب وقد تقدمت إلى البطريركية شاكيا وحاول آباؤها ولم يقدروا علي شيء‏..‏ فهي ترفض لقاء أي لجنة‏..‏ تقدمت للقضاء وحددوا جلسة وفعلت هذا لإرهابها من الطلاق ولكن لا اهتمام أو اكتراث من جانبها ولو طلقت زوجتي سوف أعيش أيامي في بؤس أكثر لأني الآن أعيش علي أمل أن تعود لي بتدخل من الله القوي العزيز علي أمل أن يتدخل رب السماء والأرض ويحول قلبها إلي مرة أخري‏..‏ حيث كانت حياتي معها ملؤها الحب‏,‏ وأنا في حالة هيام بها للآن برغم كل ما فعلته بي وهي قلبها حجر صوان ـ أعيش الآن علي أمل تدخل الله ولكن طالت المدة وأغلق الله دوني المنافذ‏..‏ ماذا أفعل وأنا أعاني معاناة لم يعانيها أيوب عليه السلام فأنا إنسان ملتزم في كل جوانب الحياة وعشت حياة الطهارة والعفاف والعمل والنجاح ــ كانت تراني طوال عمرها علي أني لا أقارن بإنسان آخر وكنت أشعر بأنها كانت تحبني حبا كثيرا ومازلت أحبها بالرغم من كراهيتها الشديدة إياي الآن ـ لماذا لا أعرف وأريد أن أعرف إذ لابد ان هناك فصلا خفيا لا أعرفه وأريد أن اعرفه لكني عاجز عن فهم أي شيء وكذلك كل من حولي فهل من تفسير ؟

‏*‏ ولكاتب هذه الرسالة أقول‏
الانقلابات المفاجئة في المشاعر والأحاسيس تبدأ عادة بتحولات بطيئة تستغرق وقتا طويلا من الزمن وتتراكم خلاله ذرات الجليد بين الطرفين حتى تتحول مع مرور الأيام إلي كتلة صلدة يصعب تحطيمها فإذا كان هناك وجود لعنصر المفاجأة في أية قصة شبيهة ‏..‏ فهو فقط لحظة الاصطدام برأس جبل الجليد الذي يبدو صغيرا فوق الماء‏..‏ فإذا اصطدمت بها السفينة اكتشفت لذهول قبطانها أن تحتها جبلا هائلا تحت الماء كفيل  
بتحطيم أية باخرة‏.‏
وهذا هو ما يحدث للأسف في بعض الزيجات‏,‏ حيث تتجمع المرارات ببطء في نفس أحد الطرفين أو كليهما علي مدي الرحلة‏..‏ وبدلا من إذابتها أولا بأول بالمناقشة والحوار والرغبة الصادقة في الاستمرار وتجاوز العقبات‏..‏ قد يفضل أحد الطرفين تأجيل المشاكل والانتظار إلى أن يأتي الوقت الملائم من وجهة نظره‏,‏ ثم يطلق مفاجأته ويفجر القنبلة الموقوتة التي اختزنها طوال السنين‏.‏

وأحسب أن هذا هو ما حدث للأسف في حياتك العائلية‏..‏ بالرغم من هدوئها الظاهري ورايات السعادة التي خلت أنها ترفرف عليها وأيا كانت الظروف والأحوال فلاشك في أن زوجتك مطالبة أمامك وأمام أبنائها والأهل بأن تفسر لك علي الأقل أسباب هجرها المفاجئ لك وأسباب رفضها لكل محاولات الإصلاح بينكما‏,‏ وإعادة جمع شمل الأسرة الأبناء لأنه حتي المحكوم عليه بالإعدام تشرح له حيثيات الحكم أسباب القضاء عليه بالموت أما أن تصدر زوجتك حكمها القاسي عليك بالإعدام المعنوي‏,‏ وتجيش الأبناء والأهل ضدك وتطالب الجميع بمقاطعتك دون سماع دفاعك عن نفسك‏..‏ ودون مواجهتك بجريمتك إذا كانت هناك جريمة فليس ذلك من العدل ولا من الرحمة ولا من الوفاء لعشرة السنين الطويلة في شيء‏.‏ ان أقصر الطرق للتفاهم هو الطريق المباشر‏..‏ فكيف عجزت خلال عامين عن الالتقاء بزوجتك مرة واحدة لتسألها عن أسباب تحولها عنك وهجرها لك‏..‏ وكيف عجزت عن إبلاغها فإنك مازلت تهيم بها حبا كما تقول حتى ولو كانت هي قد تحولت إلي كراهيتك واستعداء الآخرين عليك‏.‏
وهل تكفي الرغبة في مغادرة المدينة الصغيرة التي كانت تعيش بها والانتقال للإقامة بالإسكندرية لهدم حياة زوجية كانت مستقرة ولو ظاهريا ؟

ولماذا لم تقنعك بأن أسباب الاغتراب في هذه المدينة والكفاح لبناء الحياة وضع الثروة قد انقضت الآن ولم يعد هناك ما يبرر الاستمرار بها‏..‏ وأنه من الأفضل لك ولها وللأسرة أن تستمتعوا جميعا بجني ثمار الكفاح الطويل‏..‏ والحياة حيث تطيب لكم الحياة ؟ ولماذا لم تستجب أنت من البداية لهذا المطلب مادام قد اصبح ضروريا وملحا بالنسبة لها الي  
هذا الحد ؟
وهل يستحق شيء في الحياة أن يفقد الإنسان من أجله سعادته واستقرار حياته وهناء أسرته
لاشك أنها محنة مؤلمة ان يفقد المرء زوجته وأبناءه وأن يجد نفسه وحيدا ممرورا في هذه المرحلة من العمر بدلا من أن يستمتع بثمار كفاحه بين أسرته وأبنائه‏.‏

لكن ماذا نفعل يا سيدي في تحولات القلوب‏..‏ وما سمي القلب ـ كما يقول بعض الصوفية ـ إلا لتقلبه‏..‏ وما سمي الإنسان إنسانا إلا لنسيه ؟
إنني أرجو أن تجد حلا كريما لهذه المشكلة المستعصية وان يعود الأمان والاستقرار لحياتك من جديد ولو تطلب الأمر منك ومن زوجتك أن يتنازل كل منكما عن بعض تعنته ومطالبه‏..‏ فهل يتحقق ذلك حقا ؟


* نشرت بتاريخ 3 نوفمبر 2000


˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙
نقلها من مصدرها بأرشيف جريدة الأهرام
Rofida Mohamed Ismail

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali



إقرأ المزيد Résuméabuiyad

دموع الصمت .. رسالة من بريد الجمعة


أكتب إليك يا سيدى لأسألك هل صحيح أنه لا يليق بالرجل إذا كبر وتزوج وأنجب ورأس موظفين وموظفات أن يبكى كلما غلبته مشاعره؟ولكى أعينك على أن تفتيني بالرأي السليم سأشرح لك ظروفي.
فأقول لك أنني تفتحت للحياة فوجدت نفسى يتيم الأب أعيش مع أمى وأختين فى إحدى المدن الصغيرة, يرعانا خالي الذى يقيم فى البيت المجاور لنا وأخ أكبر يعمل موظفا فى القاهرة ولا يزورنا إلا فى الأجازات الصيفية.ورغم غيابه عنا فلقد كان نجم العائلة الذى لا تُرد كلمته فى شأن من الشئون, والمثل الأعلى لى ولشقيقتى الإثنتين.أما عند خالى فقد كان "الأستاذ" الذى أنهى تعليمه واغترب وتوظف واستحق احترام الآخرين.ولم يكن لأخي الأكبر دور يذكر فى المسئولية المادية عنا فلقد كنا نعيش على معاش أبى وريع قطعة أرض صغيرة. ولم يقلل ذلك من حبنا واحترامنا له لأننا نشأنا على احترام الكبير مهما كان وضعه بيننا, وكانت ظروف حيانا تضطرنا إلى التقشف الشديد وتحرمني من كثير مما أحتاجه, فكنت أتحمل ظروفي بصبر .. وكنت أقضى العام الدراسي كله ببنطلون واحد وقميص واحد, وأقضى الشتاء ببلوفر أثرى قديم, وحين بلغت المرحلة الثانوية ونما جسمي أصبحت أرتدى ملابس أخى القديمة مهما كان حجمها, وأتحمل سخرية السفهاء من زملائي حين يرون الجاكته التى أرتديها تتدلى تحت ركبتي.وهكذا عشت حياتي حتى حصلت على الثانوية العامة, وآن الآوان للإلحاق بالجامعة فى العاصمة, وكان أخي عازبا لم يتزوج وقد تحسنت ظروفه المالية وأصبح يركب سيارة صغيرة, فبت أحلم باليوم الذى سأنتقل فيه للإقامة معه فى شقته وأعيش حياته الراقية, ففوجئت بمجلس العائلة يجتمع ويبلغني بأني علىّ أن أبحث لنفسي عن سكن بجوار الكلية التى سألتحق بها لأن شقة أخي لن تتسع لى بحجة إنها بعيدة عن الكلية.وفهمت أن أخى لا يريدني أن أقيم معه لأسباب قدرها هو,ولم أعترض لكنى أحسست بشئ من المرارة.وشددت الرحال إلى المدينة الواسعة وطفت بشوارعها بحثا عن سكن حتى عثرت على حجره فى بيت خراب بلا مياه ولا كهرباء واتفقت مع اثنين من زملائي على الإقامة فيه واقتسام إيجارها وتكاليف المعيشة فيها, وبدأت حياتي الجامعية وكلى أمل وتفاؤل وواجهت حياة الغربة وحيداً فى المدينة الكبيرة.
وبعد أسبوع توجهت لزيارة شقيقي فى مسكنه الراقي لأقضى يوم الجمعة وأتمتع بدخول الحمام وتناول وجبه طعام شهية, فاستقبلني بفتور وطلب منى عدم زيارته لأن أصدقاءه يزورونه باستمرار وهو لا يريدني أن أختلط بهم حتى لا أنصرف عن دراستي !
وفهمت أنى غير مرغوب فى ظهوري فى عالمه الخاص,وتألمت داخلي ومع ذلك لم أفقد حبي أو احترامي له.
وعدت إلى الشقة مهموماً, وسألني شريكاي عما فعلت مع أخي وماذا أكلت عنده, فرويت لهما قصة خيالية عن فرحته بى حين رآني وكيف عانقني وكيف تغدينا طعاماً شهياً وكيف قدمني لأصدقائه من كبار الموظفين, لكن القصة لم تنطل على أقربهما منى فانتهز فرصة غياب شريكنا الثالث فى المطبخ وسألني عما بى .. فلم أستطع أن أمنع دموعي وأنا أروى له القصة الحقيقية .. ومنذ ذلك اليوم لم أزر شقيقي فى مسكنه حتى تخرجت, وكان هو خلال سنوات الدراسة يزورني مرة كل شهرين فيأتي بسيارته ويتركها فى أول الحارة .. ثم يدخل متأففا من رائحة المجارى التى تنبعث من البيت والشقة, ويرفض شرب الشاي ويمضى معنا عدة دقائق يسألنا خلالها عن دراستنا كأنه ناظر يفتش فصلا ويسأل تلاميذه عن دروسهم .. ثم ينصرف مودعا منا بالإجلال والإكبار. وعلى هذا الحال مضت حياتي حتى تخرجت وبيعت قطعة الأرض الصغيرة لإتمام زواج شقيقتي .. واحتفظ خالى بما تبقى من ثمنها ليوزعه بالعدل بيني وبين شقيقي عند زواجنا وبدأت أبحث عن عمل.
وبعد شهور جاءني خطاب القوى العاملة وعملت بإحدى المؤسسات, وعمل زميلاي فى الشقة المتواضعة, فقررنا أن نبحث عن شقة أفضل نسبياً, وتمكنا بعد شهور من الانتقال إلى شقة بها ماء وكهرباء وخرجنا إلى سطح الأرض من الحجر الذى عشنا فيه 6 سنوات.
وكنت فى عامي الأخير بالكلية قد ارتبطت بزميلة لى ظللت عاميين طويلين أنظر إليها فى صمت وأرجوها لنفسي بغير أن أجرؤ على مفاتحتها بمشاعري, إلى أن بادرتنى هى فى العام الثالث وشجعتني على مصارحتها وتعاهدنا على الزواج وتركزت أحلامي حولها, فخففت عنى كثيراً من متاعب حياتي. وبعد أن عملت بدأت تطالبني بالتقدم لخطبتها ونظرت فوجدت نفسي شاباً فى الرابعة والعشرين وأعمل .. فلماذا لا أتجرأ على مفاتحة أهلي فى أمر زواجي الذى لن يتم قبل أن أعوام وحدثت أمى وخالى وشقيقتى فرحبوا جميعاً.
ثم جاءت المهمة الصعبة وهى نيل موافقة أخى الكبير الذى لن تتم خطوة بغيرة, فكتبت له رسالة طويلة وطلبت منه فى نهايتها مباركته لمشروع زواجي , وكان حرجى الوحيد فى الأمر هو أنه كان قد بلغ الثامنة والثلاثين ولم يتزوج, لأنه يؤمن بأن الإنسان لا يصح له أن يتزوج إلا بعد أن "يكوٌن" نفسه ويقيم بنيانه كاملا, وتركت الرسالة له فى صندوق بريده وانتظرت أياما فى قلق بالغ أن يفاجئني بزيارته ويحاسبني حساب الملكين قبل أن يعلن موافقته لكن الأيام مضت ولم يزرني.
ثم فوجئت به يدعونني لمقابلته فى شقته فذهبت إليه وجلست مترقباً ما سيقول فإذا به يفاتحني بأنه قد قرر أن يتزوج لأن العمر قد تأخر به, وأنه سوف يحتاج إلى كل ما بقى من ثمن الأرض لأنه سيتزوج فتاة من أسرة كبيرة ويطلب "رأيى" فى ذلك .. فأحسست بغصة فى حلقي وكتمت مشاعري ولم أستطع إلى أن أقول له: ألف مبروك, وفهمت الإشارة بغير حاجه لشرح طويل .. أنه يقول لى إصرف نظراً عن موضوع الزواج وسأتزوج أنا بدلا منك ولن تنال شيئاً من النقود قبل 5 أو 6 سنوات وإن شئت فلن أعطيك منها شيئاً لأني أستحق نصيبك بما ساعدت به الأسرة خلال فترة تعليمك.
وعدت إلى مسكني مهزوماً .. واتصلت بى فتاتى تتعجلني فأبلغتها عجزي وأحللتها من عهدها معى .. فتركتنى ساخطة وتزوج أخى سيدة مطلقة ولها بنت ومن أسرة ثرية .. وبالغ فى الإنفاق على الزواج ليظهر فى مستوى لائق بأسرتها, ولم أشكِ أنا لأحد وواصلت حياتي البسيطة .. وبعد عامين تزوج شريكا السكن وغادرا الشقة وبقيت فيها أعانى متاعب الوحدة وحياة الغربة, وأنجب أخى طفلة وطفلا وسافر عدة سنوات ثم عاد, وبلغت أنا الثانية والثلاثين وثقلت على حياة الوحدة .. وشكوت لأمي متاعبى وطالبتها بأن تبحث لى عن فتاة مناسبة ترضى بإمكاناتي المحدودة وشقتي المتواضعة. كنت فى حالة يأس من كل شئ فأردت أن أتزوج من أى إنسانة تقبل بى وفى حدود مدخراتي الصغيرة وشجع أخي هذا الاتجاه وطالبني بأن أتزوج فتاة من أسرة بسيطة لكى تقتنع بالحياة معى, لأن زوجته الثرية قد استنزفت ماله بإنفاقها وإسرافها مع حرصها الشديد على ألا تنفق قرشاً من مالها بحجة أن ابنتها أحق به...!
وتزوجت بلا حب من فتاة من معارف الأسرة , وبدأت حياتي معها من الدنيا وعرفت الاستقرار لأول مرة بعد 14 عاماً من الوحدة والاغتراب.
وبدأ أخى يزورني فى شقتي المتواضعة كثيراً ويمضى معى الأمسيات ويرحب بدعوتى له للعشاء, وبدأ يصارحني بمتاعبه مع زوجته وأنانيتها وكبريائها وثوراتها العصبية المستمرة, وقال لى ذات مرة أنه لا يحس بالراحة الحقيقية إلا فى بيتى البسيط هذا, وإنه كان يتمنى لو تزوج من أول فتاة أحبها وعاش معها حياة سعيدة بسيطة كحياتى .. ووجدت الدموع تنهمر من عينى وهو يرقبنى بدهشة.
فشقيقى يشكو لى من زوجته الثرية التى لم يسعد معها, والتى حرمنى بسببها من الإرتباط بمن أحببتها, وحكم على بأن أتزوج ممن لم أحبها .. ولم أستطيع أن أحبها لجفاء طبعها وجمودها وفتورها, وإن كنت أتحمل حياتى معها راضياً .. وبدلا من أن أنقم عليه وجدت نفسى تفيض عطفا وإشفاقا عليه, وهو الذى لم يشعرني يوماً بأي عطف علىّ, وأصبحت أكثر من السؤال عنه ومن دعوته لزيارتي وأزوره للإطمئنان عليه وأتحمل كبرياء زوجته وأنفتها من أجله, بل ولا أشكو من ذلك لأي أحد حتى لزوجتي, وسافرت فى مهمة عمل إلى الخارج فحرصت على أن أعود محملاً بالهدايا له ولزوجته ولإبنتها بالرغم من أنه قضى فى الخارج 4 سنوات ولم يفكر فى إهدائي شيئاً .. ولم أنقطع عن زيارته حتى بعد أن أهانت زوجته ذات مرة زوجتي بلا سبب, وخاصمت كل منهما الأخرى للأبد .. ثم جاءت فرصة للعمل فى الخارج فشجعني أخي قبولها وسافرت لمده أعوام عدت بعدها وقد جمعت مدخرات بسيطة, لكن الله بارك فيها فزادت ونمت , وقد عرض علىّ أبناء خالي أن أشترى بيتهم المتهدم بعد أن هجروه لأنهم فى حاجه إلى ثمنه للزواج, فلم تمضى سنوات حتى تضاعفت قيمته وجاءني من اشتراه بعشرة أمثال سعره....
واستقرت أحوالي المادية والحمد لله وكبر أبنائي وترقيت فى عملي, وإن كانت زوجتي قد بقيت على فتور مشاعرها وجمودها وخصامها لى بسبب وبغير سبب, وإنتظارها منى دائما أن أبدأ أنا بالصلح بحجة أننى الرجل .. وأن الرجل هو الذى لابد أن يبدأ. ثم فوجئت ذات يوم بفتاتي الأولى تزورني فى مكتبي وقد إزدادت جمالا على جمالها القديم, وشكت لى من أن زوجها قد هاجر منذ 6 سنوات إلى أمريكا, ويرفض اصطحابها معه .. ولا يزورها إلا لمدة 3 أسابيع كل سنه, وإنها تتحمل وحدها مسئولية تربية ولدها وطفلتها , فتدفق الينبوع القديم فى داخلي لكنى أوقفته عند حده, ولم أستجب لها حين دعتنى بعد ذلك إلى أحياء حبنا القديم, وقلت لنفسى أن زمن المغامرات قد انقضى,وما أنا بقادر على أن أتخلى عن إلتزاماتى تجاه أولادى وأتزوجها, ولا انا أستطيع أن أتقبل الخيانة .. أو أحرض زوجة عليها مهما كنت راغبا فيها, فصمدت لمشاعرى القديمة ورفضت مجاراتها فى رغبتها أن تحصل على الطلاق للهجر وتتزوجني وتحملت أنا هذه العاصفة الداخلية وحدي, ولم أصارح أحداً بها حتى الآن فإنعكست على سلوكي وإكتئابي.
ثم زرت أخى ذات يوم بغير موعد سابق ففوجئت بأصوات عالية صادرة من شقته فدخلت منزعجاً, فإذا بزوجته فى إحدى ثوراتها تنهال على أخى بكلمات قارصة مهينة أمامى .. وعزٌ على أن أرى مثلى الأعلى يتعرض للإقامة فهتفت بها أن تحافظ على كرامته أمام أخيه الأصغر .. فإذا بها تواصل إنفجاراتها لاعنة الأكبر والأصغر على السواء فصفعها أخى .. وإزدادت هى هياجاً وكانت فضيحة رقدت بعدها يومين مريضاً بسبب إنفعالى , وغبت عن العمل وامتنعت بعدها عن زيارته ولم أبح لزوجتى بما حدث وكتمته فى صدري.
ويبدو يا سيدى أن المصائب لا تأتى فرادى كما يقول المثل العربى فبعدها بأيام افتعلت زوجتي أزمة جديدة بلا أى سبب وهجرت البيت إلى بيت أبيها .. فتحملت وحدى رعاية الولدين لمدة أسبوعين حتى طاوعتنى نفسى على الذهاب إليها وأعدتها .. فعادت, وعدت وأنا أحس أننا نتقدم معاً فى طريق مسدود ! ورغم ذلك لا أشكو منها ولم أشك منها أبداً حتى لأحد من أهلى أو أصدقائى .. وبعد هذه الأزمة بأيام أصبت بإغماء فى العمل واستدعوا لى الطبيب فأكتشف إصابتي بمرض السكر .. ولم أنزعج لذلك كثيراً لأنى مؤمن بالله وبدأت العلاج والالتزام بنظام غذائي معين, وبعد عدة أسابيع أجرى لى فحوصا عديدة وانتهى إلى أنه قد طاف بى طائف آخر من مرض جديد يتطلب نظاماً غذائياً أكثر قسوة ويحرمني من معظم أنواع الأطعمة ومن أشياء أخرى كثيرة, فتقبلت قضائي أيضا صابراً وراضيا, ولم أصارح أحدا بمرضى الجديد .. وأصبح طعامي الآن أقل رفاهية حتى من طعامي أيام التقشف والحرمان .. فكأنى بالحرمان بدأت .. وإلى الحرمان الأشد أعود, مع الحرص الشديد على عدم إجهاد نفسى رعاية للمرض الحديث الذى أرجو ألا تشير إليه .. والحمد لله من قبل ومن بعد.
وأنا الآن يا سيدى لا أشكو لك مرضى ولا حرمانى ولا إفتقادى للدفء العاطفي فى حياتي الزوجية, لكنى أشكو لك شيئا آخر هو أنى قد أصبحت كثير البكاء رغم أنى بلغت الخامسة والأربعين من العمر وزوج وأب ورئيس عمل لا أفتقد الحزم وحسن الإدارة فى عملى.
فإذا ما زارني أخي الأكبر ذات مساء ولاحظت عليه سهومه وإكتئابه وشكا لى من حياته, سالت دموعي لفترة طويلة حتى أصبح هو يتجنب أن يحكي عن متاعبه.
وإذا زارتني شقيقتاى أو زرتهما قابلتهما بالدموع تسح منى كأنى طفل صغير, وإذا شكت لى إحداهما من زوجها جاوبتها دموعي قبل أن يجيبها عقلى وحكمتى, وإذا علمت أن أمى مريضة بكيت طويلا أمام ولدى الصغيرين.
وإذا شاهدت موقفا فى تمثيلية تليفزيونية يقسو فيه أخ على أخيه أو يختصمان ثم يصطلحان أبكى بغزارة, حتى أصبحت أتجنب رؤية معظم التمثيليات. وفى معظم الليالي أجلس وحيدا فى شرفتي وأتذكر بعض مشاهد حياتى فأجد الدموع تنساب منى بلا وعى .. وزاد من المشكلة أن زوجتي لا تحترم دموعي .. فهى إما أن تسخر منى فأحس بالخجل والضيق .. وإما أن تثور علىّ وتتهمي بأنى غير راضى عن حياتي معها وأحب غيرها وأريد التخلص منها .. وقد تؤلمنى بعبارة أو أخرى من نوع "ما تروح تتجوز وتريحنى" فأقول لنفسى صامتاً أين المفر .. من هذا الكرب داخلي وحولي ؟
أننى أسألك هل بكائى هذا حالة طبيعية أم إنه عرض لمرض نفسى علىّ أن أبدأ بعلاجه .. وهل هو عيب حقاً أن يبكى الرجل كما تقول لى زوجتى .. وماذا أفعل لكى أعيش فى سلام .. وأنا أحترم الجميع وأحب الجميع وأتحمل حتى الإساءة من أقرب الناس إلى بلا شكوى .. ودائما أحرص على مجاملة أهلي وأقاربي وأصدقائي حتى وإن لم يجاملوني ! هل عندك تفسير لحالتى هذه ؟.


ولــكاتــب هــذه الـرسـالـة أقــول:

ليس أقسى على الإنسان من فجعيته فى نفسه وفى أحلامه, وأنت يا صديقى قد سُلبت منك أحلامك ولم تكافح جدياً للدفاع عنها, وأحسست دائماً أنك لا تنال من الآخرين بقدر ما تعطيهم.
ولأنك من أصحاب المثل العليا الذى يلتزمون بالسلوك القويم فى حياتهم وينفرون من الخطأ والإثم والرذيلة ويتوقون دائما إلى النقاء والبراءة والحق والخير, فأنت لا تستطيع إلا أن تمضى فى طريقك كما أنت, ولا تستطيع أن تفكر فى سعادتك الخاصة على حساب تعاسة ولديك وزوجتك, ولا تستطيع أن تعامل من قسا عليك بمثل ما كنت تتمنى أن تعامله به.
ومشكلة أمثالك هى أنهم بقدر حرصهم على ألا يحرجوا مشاعر الآخرين, فإنهم يتألمون لأية إساءة تنالهم منهم, ويتوقعون دائما أن يحرص عليهم الآخرون كما يحرصون هم عليهم, لهذا تتأذى نفوسهم من أى لفتة عابرة قد تؤذى غيرهم, ويميلون عادة إلى كتمان إنفعلاتهم ومشاعرهم كما تفعل أنت, فيحاول أن يتخلص منها بإسقاطها إلى دائرة اللاوعي .. فتستقر فيه حينا, ثم تعود للظهور فى أشكال مختلفة كنوبة بكاء بلا سبب مباشر يستحق البكاء .. أو فى إحساس بالإكتئاب والضيق بلا سبب مفهوم .. أو فى مرض عضوي له أسباب واضحة أو غيرها من الأشكال.
وفى ظنى أن إستشعارك لقسوة أخيك القديمة عليك ووقوفة فى طريق تحقيق حلم زواجك ممن أحببتها, مازال عاملاً مؤثراً فى شخصيتك وفى علاقتك به حتى الآن. ذلك أنك حين أصبحت قادراً على أن تحمى نفسك من ظلمه لك وعلى معاملته معاملة الند للند ,فوجئت بهذا الصرح الكبير فى خيالك يتحول إلى شخص لا يتسحق إلا رثاءك له. وتحولت رغبتك الداخلية فى الإنتصاف لنفسك منه إلى إشفاق عليه وإلى ضغط آخر يضاف إلى ضغوطك الأخرى,فكأنما كان عبثا نفسيا عليك فى سطوته وبطشه وعبثا مماثلا فى ضعفه وتعاسته, فحاول أن تصفح عما فعل بك صفحا حقيقيا كما صفحت دائما عن كل من آذوك .. لأنك فى حقيقة الأمر لم تغفر له فى اعماقك قسوته الماضية عليك .. ولست ألومك فى ذلك , لكنى أطالبك فقط بألا تسمح للمرارة منه بأن تعيش داخلك للأبد .. ولعل فى حالتك هذه ما يدعو الآخرين إلى أن يرحموا ضعفاءهم من مثل هذه القسوة التى تحفر آثارها فى شخصية الإنسان إلى آخر العمر.
فالقسوة ليست فقط هى القسوة الجسدية وإنما هناك نوع أشد ضراوة هو القسوة العقلية أو الذهنية التى يؤلم فيها الإنسان الآخرين بتصرفاته معهم وبأنانيته بغير أن يمد إليهم يدا بالإيذاء أو يكويهم بالنار. والمحاكم الأمريكية على سبيل المثال تعتبر القسوة العقلية مبررا كافيا للطلاق وتحكم بمقتضاها...فلماذا تعذب الآخرين وفى أيدينا إذا إحتكمنا إلى العدل والضمائر أن ندعهم يعيشون حياتهم سعداء وأن نحيا نحن أيضا إلى جوارهم سعداء؟
إن نصيحتى الوحيدة لك بعد ذلك هى ألا تكتم مشاعرك داخلك وحدك.
فالنفس إناء إذا ضاق بما فيه انفجر, وأنت اعتدت إن تختزن آلامك وتضيف إليها آلام غيرك,فتعلم أن تشرك الآخرين معك فى آلامك وأن تشكو لمن تصطفيهم منهم مما يثقل على صدرك .. وتعلم أن تشكو لأخيك أيضا كما يشكو لك هو, بل ولا مانع من أن تعاتبه عما بدر منه تجاهك فى الزمان الأول لتصفو نفسك تماما من المرارة وتخلص مشاعرك له تماما, فأيسر على النفس أن تبدى رأيك فيما لا تقبله من أن تتكتمه ثم تخلو إلى نفسك فتجتره وحيداً وتزداد وطأته عليك.
أما دموعك فلا عيب فيها...فهى تنفيس عن كل آلامك ومعاناتك ,وهى دموع الصمت التى تعبر عما لا ينطق به لسانك.
وأنت يا صديقى لديك مخزون من الذكريات المؤلمة والإحباطات تساعد حساسيتك المفرطة على إسترجاعها فى كل حين., فلا تخجل من دموعك .. فإنما يبكى أصحاب النفوس الشفيفة التى لم تحجرها ضغوط الحياة ومازلت تهفو لعالم لا يتألم فيه الإنسان..ولا يقسو فيه أحد على أحد ... فإبكى إذا أردت حتى تشفى..و انهر زوجتك إذا سخرت منك, وأدع لها الله أن يمنحها بعض رقتك وحساسيتك وشمائلك الطيبة الخيرة, وطمئنها إلى أن مثلك لا يختار سعادته على حساب سعادة غيره, لأن نفسه قد طُبعت على التضحية لإسعاد الآخرين...حتى ولو شقى بهم...أما عن مرضك الآخر...فهو ليس مستعصى الشفاء, وهو فى رأيى ليس أخطر أدوائك, فكتمانك لمشاعرك وآلامك دائما قد يعرضٌك إذا أستمر لما هو أقسى منه لا قدر الله...فإنج بنفسك يا سيدى من شبح الإكتئاب وتلفت حولك تجد فى ولديك وفى بعض وجوه حياتك الأخرى ما يمسح عنك آلامك واسعد بما أتيح لك من أسباب ,فليس أحق بالسعادة ممن عرف الشقاء...وليس أحق براحة القلب والنفس ممن لا يتمنى للآخرين إلا كل هناء مثلك...مع تمنياتى لك بالصحة وسعادة القلب والروح معا بإذن الله.



˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙
كتبها من مصدرها بكتاب العيون الحمراء
Bosaa Aly

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali




إقرأ المزيد Résuméabuiyad

أغنية عيد الميلاد .. رسالة من بريد الجمعة


أنا شاب في العقد الرابع من العمر أعمل بوظيفة ذات طابع نظامي ويراها الناس من الوظائف المرموقة‏..‏ تزوجت منذ‏14‏ عاما من فتاة أحلامي التي أحببتها وتمنيتها لنفسي‏,‏ ووجدت فيها بعد الزواج كل ما تمنيته فيمن تشاركني حياتي‏,‏ من جمال ونظافة وطاعة للزوج وتدين وحرص علي أداء الفرائض وصفات أخري عديدة وجميلة‏,‏ وعشنا حياتنا معا في سعادة ووئام‏,‏ وأنجبنا بنتين توءما عمرهما الآن تسع سنوات‏,‏ ومضت بنا الأيام علي الدرب السعيد أصحو من نومي في الصباح فأجد زوجتي بوجهها الصبوح الجميل قد أعدت لي الحمام‏..‏ والإفطار‏..‏ وملابس الخروج‏..‏ وراحت تشرف علي راحتي في كل خطوة‏..‏ وتحثني علي تناول الطعام‏,‏ وتقدم لي الشاي بيدها الجميلة‏,‏ وتساعدني في ارتداء ملابسي وتقدم لي الجورب والحذاء اللامع الذي لا تغفل حتى عن الاهتمام بنظافته‏,‏ ثم تودعني وأغادر الشقة وأنا أشعر بالرضا عن نفسي وعن حياتي وكل شيء‏,‏ وأنزل لأركب السيارة فأراها واقفة في الشرفة مع الطفلتين تودعني بالنظرات‏,‏ إلي أن أغيب بعيدا عنها وأذهب إلي عملي ممتلئا بإحساس الحياة والسعادة‏,‏ وأرجع إلي البيت بعد الظهيرة فأراها في الشرفة تترقب موعد وصولي‏,‏ وتتكرر لفتات الحب والإعزاز في بقية تفاصيل الحياة بيننا‏,‏ ومضت الأيام علي هذا النحو إلي أن جاء اليوم الموعود منذ عامين تقريبا‏,‏ وكان يوم عيد ميلاد الطفلتين السابع‏,‏ وكانت زوجتي الجميلة قد طلبت مني قبلها بعدة أيام أن يكون احتفالنا به هذه المرة محدودا ومقتصرا علينا فقط داخل شقتنا علي خلاف عادتنا في المرات السابقة‏,‏ ورفضت الفكرة في البداية وتساءلت ولماذا لا ندعو الأهل والأصدقاء ونفرح معهم بهذه المناسبة كما فعلنا في الأعوام السابقة‏,‏ لكنها ألحت علي في ذلك واستجبت لرغبتها وجئنا بالتورتة والشمع وارتدت الطفلتان ملابس العيد‏..‏ وصففت زوجتي شعرهما‏,‏ وربطت في رأس كل منهما فيونكة جميلة‏..‏ وأطفأنا الشمع معهما‏..‏ وغنينا لهما أغنية عيد الميلاد وضحكنا كثيرا‏..‏ وتناولنا العشاء ثم خلدت  الطفلتان للنوم ودخلنا أنا وزوجتي غرفة النوم‏..‏ واستسلمنا لنوم مطمئن استعدادا لقضاء اليوم التالي وهو يوم الجمعة معا طوال النهار‏,‏ واستغرقت في النوم فصحوت في الثالثة صباحا علي يد زوجتي تطلب مني مساعدتها في النهوض من الفراش للذهاب للحمام‏,‏ وساعدتها وتوجهت إلي الحمام فتطهرت وتوضأت ورجعت إلي الفراش واستلقت عليه وهي تردد دعاء جميلا راحت تكرره بصوت خافت خاشع‏..‏ ولفترة طويلة وأنا أرقبها صامتا‏..‏ ثم رأيتها تشير بيدها ناحية اليمين وناحية الشمال فشعرت برغبة غامضة في ضمها إلي صدري واحتضنتها بشدة فراحت تنظر إلي في صمت‏..‏ ثم تغمض عينيها وتسلم الروح إلي بارئها في هدوء‏,‏ وكأنما لم تكن منذ قليل شابة جميلة تتفجر بالحياة ولا يتجاوز عمرها الخامسة والثلاثين‏,‏ وصرخت صرخة مزلزلة ولم أدر إلا والطفلتان تصرخان حولي وتتساءلان عما حدث‏..‏ وأنا أجيبهما مولولا بأن ماما قد ذهبت إلي السماء ولن تعود مرة أخري‏.‏ وفزعت الطفلتان وبكيتا بشدة وتنبهت بعد فوات الأوان إلي وجودهما في هذا المشهد الرهيب‏,‏ ونهضت لإخراجهما من الغرفة‏,‏ وتوجهت بهما إلي خارج الشقة عسي أن أجد من الجيران من يستضيفهما لديه في هذه الليلة الحزينة‏,‏ فما أن فتحت الباب حتى وجدت الجيران قد جاءوا علي صرخاتي وأدركوا الموقف وأسرعت احدي السيدات باحتضان الطفلتين والعودة بهما إلي مسكنها‏..‏ وتوالت المشاهد الحزينة بعد ذلك ورافقت زوجتي الراحلة في رحلة الوداع الأخيرة في بلدتنا بالأقاليم‏,‏ ورجعت منها إلي مسكني فاسترددت الطفلتين شاكرا لجيراني الفضلاء رعايتهم لهما خلال غيابي‏,‏ وخلا المسكن علي مع الطفلتين فإذا بأول ما أسمعه منهما هو رجاء يوجع القلب منهما معا بألا أفرط فيهما وألا أدعهما لغيري‏..‏ وهما مستعدتان لأن تتعلما الطهي والكنس والغسل وتقوما لي بكل ما كانت ماما تقوم به لكي نظل معا علي الدوام‏,‏ وانهرت حين سمعت هذه الكلمات المؤلمة منهما وبكيت بشدة‏,‏ وتعجبت كيف خطرت لهما هذه الفكرة وهما في هذه السن الصغيرة‏..‏ وأقسمت لهما باكيا أنني لن أفرط فيهما أبدا وأنني سوف أكرس نفسي وحياتي لرعايتهما حتى النهاية‏.‏
وواجهت الحياة بعد رحيل زوجتي متجهما وحزينا‏,‏ ومضي عامان علي الرحيل ومازالت ملابسها ومصوغاتها في دولابها تفوح منها حتى الآن رائحتها‏,‏ وأتشمم فيها عبير الأيام السعيدة التي انقضت إلي غير رجعة‏.‏
ولقد تعلمت أنا كل شئون البيت والطهي وغسل الملابس ورعاية الأطفال  
وقمت بها للطفلتين‏,‏ فزوجتي الراحلة كانت ابنة وحيدة لأبويها المسنين‏,‏ وأنا تربيت يتيما منذ نشأتي وكل إخوتي إناث متزوجات في بلدتي بالأقاليم ولا أحد من الأهل يعيش في الجوار‏,‏ فأما الوعد البريء من الطفلتين بأن تقوما علي رعايتي وخدمتي في صدمة الأيام الأولي‏,‏ فمازالتا لا تقويان علي تنفيذه وهما تحتاجان إلي من يرعاهما‏,‏ ووظيفتي وظيفة نظامية لا ترحم والجو من حولي معتم ومظلم‏,‏ ولو رأيتنا ونحن نتناول طعامنا أنا والطفلتان لحزنت لمرآنا‏,‏ فماذا أفعل يا سيدي هل أستمر علي ما أنا فيه الآن تلبية لرغبة الطفلتين بالرغم مما نقاسيه جميعا‏..‏ أم هل أفكر في الزواج مرة أخري‏,‏ مع ما في ذلك من حنث بالوعد الذي وعدته للطفلتين في الأيام الأولي بعد رحيل أمهما‏..‏ ولو كان الزواج هو الحل فهل أجد حقا من ترعي الله في هاتين الطفلتين البريئتين وتضع يدها في يدي لرعايتهما‏..‏ وتجفف دموعهما وتعوضهما عما فقدتاه من حنان الأم وعطفها ورعايتها؟

ولكاتب هذه الرسالة أقول
تذكرت وأنا أقرأ رسالتك الحزينة هذه كلمة الروائي البريطاني جراهام جرين في كتابه تجربتي مع الرواية من أنه ليس من السهل أن يفقد الرجل امرأة طيبة وجميلة حتى ليكاد ينصح من يرغب في الزواج بأن يتزوج امرأة سيئة لكيلا يحزن عليها حتى الموت إذا فقدها‏!‏
ومع أن السخرية لاذعة في الجزء الأخير من هذه الكلمة إلا أنها تعمق المعني الذي يقصده الكاتب وهو أنه ليس بالأمر الهين حقا أن يفقد الرجل امرأة طيبة وجميلة ومحبة‏,‏ أو تفقد المرأة رجلا طيبا ومحبا وعطوفا‏,‏ لكن ماذا يملك المرء إزاء تصاريف القدر سوي أن يمتثل لها ويتقبل الواقع الجديد الذي يترتب عليها ويتواءم معه‏.‏
ان أيام السعادة قصيرة مهما طالت يا صديقي‏,‏ غير أنه مما يخفف عن المحزونين بعض أحزانهم هو أن صلتهم بالأعزاء الراحلين لا تنقطع بمجرد رحيلهم عن الحياة‏,‏ وأنهم يتواصلون معهم علي البعد ببارق التذكار علي حد تعبير الشاعر الأندلسي ابن الزمرك‏,‏ الذي يقول‏:‏
ولولا تألق بارقة التذكار                       ماصاب وأكف دمعي المدرار
أي لما انهمر غزير الدمع المدرار‏..‏
وفي كل الظروف والأحوال‏,‏ فإن من واجب الإنسان تجاه نفسه أن يعينها علي اجتياز مايعترض حياته من محن وأحزان‏,‏ وألا يستسلم للقتامة  
وظلام الوحدة والاكتئاب إلي ما لانهاية‏,‏ ولقد استوفيت نصيبك كاملا من الحزن لفقد زوجتك الطيبة‏,‏ ومن حقك أن تتطلع الآن للخروج من دائرة الأحزان‏,‏ والأمل في التعويض‏,‏ وليس من العدل أن تحكم علي نفسك بالوحدة والترهب بقية العمر وفاء لوعد عاطفي قطعته علي نفسك لطفلتيك في صدمة الحزن الأولي لرحيل أمهما عن الحياة‏,‏ فظروف المأساة لم تكن تسمح لك وقتها إلا بمثل هذا الوعد‏,‏ ولو سمع أي أب آخر في مثل هذه الظروف المؤلمة مثل هذه الكلمات الموجعة للقلب حقا من طفلتيه اليتيمتين بعد أيام قليلة من رحيل أمهما‏,‏ لما أجابهما صادقا إلا بمثل هذا الوعد‏,‏ غير أن واقع الحياة كثيرا ما يرغمنا علي التعامل معه من المنظور العملي وليس العاطفي‏.‏ ولسوف يشجعك علي التعامل مع ظروفك الآن بواقعية أنك لا تخالف في ذلك سنة الحياة‏,‏ ولا الطبيعة البشرية‏,‏ بل لعلك تخالفهما وتعاندهما بالفعل إذا تمسكت للنهاية بهذا الوعد العاطفي المؤلم‏,‏ فللحياة ضغوطها التي لا قبل للإنسان باحتمالها إلي ما لانهاية‏,‏ ومن الرحمة بنفسك وبطفلتيك أيضا أن تتطلع لحياة جديدة تشاركك فيها أم بديلة‏,‏ عطوف‏,‏ الاهتمام بأمر هاتين الطفلتين المحرومتين‏,‏ وكثيرات هن من يجدن في مشاركة أب مثلك حياته ورعاية طفلتيه ما يسعدن به ويتقربن معه إلي الله ويأملن من ورائه في حسن المآل‏..‏ والمهم دائما هو أن تترفق بك الأيام فتضع في طريقك من غرس الله في قلبها الرحمة وروح العدل فتحنو معك علي هاتين الطفلتين البريئتين‏,‏ وتعدهما لاستقبال الحياة والتعامل معها‏,‏ وليكن اختيارك لمن سوف ترتبط بها في قادم الأيام‏,‏ مرهونا في جانب أساسي منه بتقبل طفلتيك لها وتجاوبهما معها‏..‏ وحبذا لو كانت في مثل ظروفك فيظل كل منكما أطفال الآخر بظله ورعايته‏,‏ وتصبح المصلحة مشتركة والاحتياج النفسي أشد واحتمالات النجاح والاستمرار أكبر وأرجح‏,‏ ولسوف يعينك علي ذلك أن تسلم من البداية بأن البشر لا يتماثلون مهما تشابهوا‏,‏ وانه لابد دائما من ثمة اختلاف بين كل امرأة وأخري في بعض السمات والعادات والطباع‏,‏ فلا تحكم علي من سوف تشاركك الحياة بمثال الزوجة الذي يتراءى لك من وراء ضباب الذكريات‏,‏ ولا تظلم إنسانة وتعجز عن التوافق معها لأنها تختلف عمن تحتفظ لها بأجمل الذكري في بعض أمورها وعطائها وشخصيتها‏,‏ لأن هذا الاختلاف نفسه من قوانين الحياة التي يصبح من العجز النفسي ألا نسلم بها ونتقبلها‏..‏ ومن يدري فلربما جمعت الحياة بينك وبين من تثبت لك بالتجربة العملية أن نبع الحنان  والعطف والحب لم يجف من حياتك للأبد برحيل زوجتك الطيبة‏,‏ ومن تصبح لطفلتيك أما رءوما تشكران لك فيما بعد حنثك بوعدك السابق لهما‏..‏ وارتباطك بها‏,‏ ووجودها الرحيم والمضيء في حياتهما‏.‏


* نشرت بتاريخ 9 أكتوبر 1998

˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙
نقلها من أرشيف جريدة الأهرام 
Rofida Mohamed Ismail

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali


إقرأ المزيد Résuméabuiyad

الوجه البرئ .. رسالة من بريد الجمعة


" نهر الحياة سريع ، ويجرف في طريقه كثيرًا من الآلام والأحزان التي تجمَّدنا أمامها في بعض الأحيان وتخيَّلنا أنها كالجنادل التي لا يزحزحها التيار ".

لست أدري من أين أبدأ قصتي .. هل أبدؤها من حيث بدأت، أم من حيث انتهت ؛ على أية حال فإني سأعود بك للوراء قليلاً لتدرك كل الظروف المحيطة بمشكلتي .. فأنا شاب جامعي قاربت السابعة والعشرين من العمر، نشأت بين أبوين طيبين وأخ يصغرني بأربع سنوات، ومضت حياتنا في هدوء وسلام، وتقدَّمت في دراستي بلا مشاكل، وسعد أبواي بتفوقي ونجاحي، لكن أخي الأصغر لم تسمح له قدراته – للأسف – بتكرار تفوقي الدراسي، فلم يُثِر أبي – المؤمن بأن لكل إنسان نصيبه في الحياة – مشكلة بسبب ذلك، وإنما واجه الأمر بواقعية وساعد أخي في الالتحاق بمعهد تدريب صناعي، وأكَّد له أن الإنسان يستطيع أن يكون ناجحًا ومحترمًا أيضًا إذا مارس أي عمل يجيده ويتفوَّق فيه .

وتجاوزنا هذا الموضوع بلا منغصات، وسعد أخي بمعهده الجديد ودراسته العملية التي تناسب طبيعته، وتقدَّم فيه، وبلغت أنا السنة النهائية في كليتي العملية وبدأت أستعد لأداء الامتحان، وفجأة تزلزلت حياة أسرتي الآمنة الوادعة بكارثة لم تخطر لأحد على بال واختطف مترو الأنفاق حياة شقيقي الوحيد وهو في السابعة عشرة من عمره في حادث بشع لا أريد استعادة ذكراه، وأصيبت أمي المسكينة بحالة من الذهول والتوهان لازمتها لفترة بعد الحادث المؤلم حتى كانت تطلب مني بعد رحيل شقيقي – رحمه الله – ألا أغلق باب الشقة في المساء بالمفتاح، لأن أخي سيرجع للبيت بعد قليل من عند أصدقائه، وحين طلبت مني ذلك لأول مرة طفرت الدموع من عيني ونظرت إليها حائرًا ومشفقًا لا أدري بماذا أجيبها، فأنقذني أبي المؤمن بقضاء ربه وأشار لي أن أفعل ما تطالبني به أمي دون كلمة أو إشارة ، فتعوَّدت بعد ذلك كلما "نبَّهتني" إلى عدم إغلاق الباب بالمفتاح أن أستجيب لطلبها وأن أدعو الله في قلبي أن يترفَّق بها .. وقد وقعت الكارثة قبل امتحاني بشهرين، فكدت أحجم عن دخوله، لكني تمالكت نفسي ، وأشفقت على أبي وأمي من مضاعفة آلامهما، وسلَّمت بإرادة الله – سبحانه وتعالى – وتأقلمت مع الظروف المؤلمة .. بل وشعرت أيضًا بأنني مسئول عن محاولة إدخال البهجة إلى قلبيّ الأم والأب الحزينين، فضاعفت جهدي في الاستذكار وحرصت على إرضاء أمي وتلبية كل رغباتها .. واستجبت لطلبها المؤلم الآخر أن أرتدي ملابس المرحوم أخي وبنطلونه وقميصه المفضلين، لكي تراني في صورته، وارتديت هذه الملابس رغم ضيقها الشديد عليَّ لكي أسعد قلبها الحزين بأية لمسة سعادة ، وذهبت لأداء الامتحان مرتديًا ملابس أخي الضيقة لأنها طلبت مني ذلك صباح أول أيامه .. وإلى أن بدأت أمي – أعانها الله – تستسلم لقضاء الله وقدره ، وتُسلِّم بأن أخي – رحمه الله – لن يعود في المساء ، ولن يرجع في صورتي مهما ارتديت من ملابسه ، فكفَّت عن ذلك ، وسلَّمت بالواقع المؤلم .

ثم ظهرت نتيجة البكالوريوس، فإذا بي قد نجحت بتقدير جيد جدًا وبترتيب متقدم ساعدني على الالتحاق بوظيفة حكومية على الفور، وكان نجاحي وعملي هو أول بارقة بهجة تدخل حياة أسرتي المظلمة بعد الرحيل، وكنت أنا قد تغيرت كثيرًا بعد حادث أخي ، والتزمت دينيًا وواظبت على أداء فروض ديني ، وراعيت تعاليمه في حياتي الخاصة دون تفريط ولا إفراط أو غلو ، وقد بدأ هذا التغيير في شخصيتي منذ شاركت في كل المراسم الحزينة لوداع أخي .. ومنذ نزلت معه إلى مثواه الأخير ورأيت ضيق هذا المثوى الذي سيحتوينا جميعًا ذات يوم .. كُلاً في موعده المحتوم .

ورضيت أمي عن التزامي الديني وراحت تحثني على الزواج لكي تسعد برؤية وليد لي يعوضها عن أخي الراحل ، وشاءت الظروف بعد ذلك بشهور أن أرتبط بزميلة لي في العمل ، وحدث توافق روحي عجيب بيننا ، حتى شعرت بأن كلاً منا قد خُلق للآخر وحده ، واستشرت أبي وأمي بشأنها ، فرحَّبا بذلك وسعدا بسعادتي ، وحددت مع فتاتي موعدًا لزيارة أهلها .. وتوجهت إلى بيتها في الموعد المحدد وأنا سعيد ومبتهج ، فإذا بوالدها يقابلني بجفاء شديد ولا يرحب بي ، وانتهت المقابلة بأنه سيبلغني برده بعد يومين . ولم يتأخر رده ، وكان الرفض القاطع لضعف إمكانياتي .. فتألمت لذلك ، وأردت أن يكون ردي على ذلك عمليًا ، وكنت قد ادخرت من حصيلة عملي في الإجازات الصيفية لعدة سنوات ، ومن مرتبي من عملي الحكومي خلال عام ، ومن مساعدات أبي مبلغًا لا بأس به ، فاشتريت شقة جيدة بأحد أحياء القاهرة ، ورجعت إلى والد فتاتي وأبلغته بما فعلت وعرضت عليه أن أقدم شبكة مناسبة بعد بضعة شهور لأني قد استهلكت كل مدخراتي في الشقة ، فرفض ذلك أيضًا وبشدة ، ومنع ابنته من العمل حتى لا تقابلني وأجبرها على الاستقالة ، واحترنا ماذا نفعل .. وتواصل الوسطاء بيننا .. ورفضت أية فكرة لأن أرتبط بها على غير إرادة أبيها ، أو أعرِّضها لغضب أسرتها عليها .. ورجعت للأب مرة ثالثة مناشدًا إياه الرحمة بنا والاستجابة لرغبتنا ، فرفض بإصرار واتهمني بأنني أجريت لابنته غسيل مخ لإقناعها بي ، وأنه لن يوافق على زواجها مني مهما فعلت ؛ لأنني غير جاهز وغير قادر على مطالب الزواج .

وبعد المرة الثالثة هذه وجدت أنني تحملت من إهانة الرفض الجارح ومن الجفاء الشديد في المعاملة ما يكفيني ، فاستسلمت لليأس .. وازددت يأسًا حين علمت أن عريسًا شابًا جاهزًا قد تقدَّم لفتاتي وأنه عائد من الغربة ومستعد بكل الإمكانيات ، وأنه قوبل بالترحيب من اللحظة الأولى .. وعُقدت مقارنة ظالمة بينه وبيني في بيت أسرة فتاتي ، فوجدت الأسرة أنه لا وجه للمقارنة بين هذا الشاب الجاهز الكامل وبين ذلك الشاب "الحالم" الذي ما زال يبدأ أولى خطوات الرحلة الطويلة ، وراحت الأسرة تضغط على فتاتي لقبول الشاب الآخر اللائق والذي لا يمكن رفضه ، وبدأ نداء العقل يفعل فعله فيها .

وفي هذه الظروف جاءتني فرصة للعمل بإحدى الدول العربية عن طريق قريب لي يعمل هناك .. فقررت السفر بغير أن أُلزِم فتاتي بالانتظار ، لأن غربتي ستطول 3 سنوات على الأقل قبل أن أستطيع الجلوس على مائدة المفاوضات مع أية أسرة "لشراء" فتاة بمثل هذه الشروط المادية ، وسافرت رغم قسوة ذلك على أبي وأمي اللذين لم يعارضاني في السفر بعد أن اعتصر الألم قلبيهما وهما يرياني أذوي صحيًا وأفقد وزني وأرجع كل مرة من بيت فتاتي مهانًا جريحًا كسير النفس . وبدأت عملي في الغربة ، وراجعت نفسي في وحدتي ، فرأيت أنه من الظلم لفتاتي أن أفرِّق بينها وبين أهلها الذين يعترضون على شخصي وظروفي ، فأرسلت إليها رسالة أطالبها فيها بالامتثال لما أرادته لنا إرادة الله ، ودعوت لها بالسعادة في حياتها ، ورجوت الله أن يعوضني عنها خيرًا .

وحاولت أن أشغل نفسي بعملي ، وبظروف حياتي في الغربة ، وتزايد التزامي الديني فلم يمضِ زمن قليل حتى عرضت عليَّ إحدى قريباتي المقيمات في نفس البلد عروسًا قريبة لزوجها ، وهي فتاة جميلة هادئة وذات وجه برئ وملتزمة دينيًا ، ووافقت على الفكرة ، ورحبت الفتاة ، والتقيت بها مرة واحدة ، وبعدها تمت قراءة الفاتحة .. واتفقنا على ألا نتقابل بعد ذلك إلا في خلال الإجازة السنوية . وأراك الآن تبحث عن المشكلة في كل ذلك ، فأقول لك إنني بعد أن أتممت هذا الاتفاق ما زلت أتذكر فتاتي الأولى في مصر في كل لحظة من يومي وليلي .. وقد كثر شرودي وسرحاني حتى كدت أتعرض لحادث تصادم في الشارع لولا لطف الله بي ..

وسؤالي لك يا سيدي هو : هل ما أنا فيه مجرد ذكريات لحب حقيقي سوف ينتهي مع ارتباطي بالخطيبة الجديدة ، أو أنه سوف يظل يطاردني ويفسد حياتي ، فأكون بذلك قد ظلمت نفسي وظلمت من ارتبطت بها ؟ .. وكيف يستطيع الإنسان أن يتخلص من ذكرى إنسان آخر يشعر أنه يسري في دمه ؟ .. إن والد فتاتي في مصر لن يزوجها لي ولو أصبحت مليونيرًا ، ومع ذلك فذكراها لا تفارقني .. وخطيبتي صاحبة الوجه البرئ الجميل تتوافر فيها كل مواصفات الزوجة المثالية ، وبها كل المميزات العائلية والدينية والجمالية والخلقية .. لكني أخشى الفشل .. وأخشى أن أظلمها معي .. فبماذا تنصحني يا سيدي ؟

* ولكاتب هذه الرسالة أقول :
ما كل ما يتمنى المرء يدركه يا صديقي، ومع ذلك فالحياة تمضي بالجميع ، سعداء وتعساء .. ونهر الحياة سريع الجريان ، يجرف في طريقه كثيرًا من الآلام والأحزان التي تجمدنا في بعض الأحيان أمامها وتخيلنا في غمرة معاناتنا لها أنها كالجنادل التي لا يزحزحها التيار ، ومثلما صمدت لمحنة فراق الشقيق المؤلمة ، سوف تصمد أيضًا لإخفاق الحب وانهيار أول الأحلام .. وما أكثر مواقف الحياة التي بكينا أمامها ثم لم تلبث أن تكشفت لنا بعد حين عن خير عميم ادخرته لنا الأقدار .

وأنت في النهاية شاب قاربت السابعة والعشرين ولم تبلغها بعد .. وقصتك مع زميلتك في العمل مما يقاس بالشهور وليس بالسنوات .. ومشاعرك تجاهها في النهاية ليست أبدية .. ولن تتحدى قانون النسيان الذي لولاه ما طابت لأحد حياة .. بل لعلها لم تتعمق إلى هذا الحد إلا بتأثير الرفض والمقاومة من جانب أسرة فتاتك لارتباطك بها ، كشأننا في بعض الأحيان حين لا يزيدنا الرفض إلا تمسكًا بالمفقود ، ولعلنا لو نلناه بلا عناء لهان علينا بعض شأنه هوان اليسير والموجود على النفس البشرية التي تتعلق دائمًا بالصعب أو المفقود . وسواء كان هذا الأمر أو ذاك ، فليس نهاية الحياة أن يُصدم الإنسان في أولى تجاربه مع العاطفة .. أو أن يتعذر عليه أن يمضي بها إلى النهاية المأمولة ، وإذا كنتُ قد اهتممت بمشكلتك هذه على غير عادتي في الاهتمام بهذه النوعية من المشاكل ، فإنما قد فعلتُ ذلك تقديرًا للظروف المأساوية التي سبقتها في حياتك وحياة أسرتك ، وتقديرًا أيضًا للإحساس المؤلم الذي شعرت به وأنت تواجه الرفض والإنكار ثلاث مرات من والد فتاتك ، وتستشعر العجز والمهانة وجرح الكرامة الإنسانية فيك ، فليس أمرّ من أن يشعر الإنسان بالدونية والحرمان مما يراه حقه العادل في السعادة ، لسبب لا حيلة له فيه هو قلة إمكانياته المادية .. غير أن تجربة العمر سوف تعلمك الكثير والكثير يا صديقي .. ولسوف تعرف أن كثيرين ممن ترفقت بهم الحياة ونعموا بالسعادة في حياتهم الخاصة قد حُرموا هم أيضًا في شبابهم ممن تصوروا أنهم لا حياة لهم بغيرهم ، وأنهم يسرون في عروقهم مسرى الدم منهم كما تشعر أنت الآن تجاه فتاتك ، ثم لم تلبث الأيام أن داوت جراحهم ، وجمعتهم بمن سعدوا بهم ، واستشعروا السعادة الحقيقية معهم .. وهيهات أن يستطيع أحد أن يجزم بأنهم كانوا سيسعدون بحياتهم نفس السعادة وسيحققون لأنفسهم ما حققوه من آمال ، لو كانوا قد ارتبطوا بمن حالت ظروف الحياة دونهم ودون الارتباط بهم في سنوات الشباب الأولى .

ونحن لا نعرف البشر في النهاية بغير أن نعاشرهم ونختبرهم بمحن الأيام ويختبرونا ، وإذا كان الأديب العظيم مصطفى صادق الرافعي يقول : أغضب المرأة تعرفها أي تعرف شخصيتها الحقيقية التي تتخفى غالبًا على عين المحب ، فنفس الكلمة تنطبق أيضًا على الرجل بنفس القدر ، وتظل شراكة الحياة وتقلباتها واختباراتها هي محك التجربة الأوحد ، وهي التي نستطيع أن نحكم بها على البشر بأنهم قد خُلقوا لنا أو لم يخلقوا فلا تخشَ من ذكريات تجربتك السابقة على ارتباطك الجديد بصاحبة الوجه البرئ ، فإنها إنما تلح عليك الآن لأن حياتك خاوية وليس في الساحة من يشغلك عنها بالرغم من ارتباطك الشكلي بالفتاة الجديدة ، ولسوف يتغير الأمر كثيرًا حين يتخذ ارتباطكما شكله الرسمي في إجازة الصيف .. ويتاح لكل منكما أن يكتشف الآخر ويتعرف عليه ، فامنح صاحبة الوجه البرئ فرصتها العادلة في أن تعرفها حق معرفتها وتعرفك .. ومهدا معًا أرضكما المشتركة لاستقبال بذور الحب وإنباتها ، فإن أثمرت هذه البذور زهورها ، فلقد عرفت بالتجربة أن نداء الموجود أبقى وأقوى من نداء المفقود ، وإن ضمرت البذور ، أو لم تنبت إلا الحسك والشوك ، فمن عرف من لا يصلحون له فلقد عرف بطريقة خفية الصالح المنشود ، وحق له أن يبحث عنه كما يقول أديبنا العظيم نجيب محفوظ ، والبرهان دليل العقل يا صديقي كما يقول أهل المنطق ، فامنح تجربتك الجديدة فرصتها العادلة من الزمن والاهتمام والرغبة الصادقة في إنجاحها .. ثم احكم عليها بعد ذلك بما تستحقه من حكم عادل بالاستمرار ، أو التوقف .. مع تمنياتي لك بالسعادة وتحقيق الآمال .


˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙˙˙˙·٠•● Ƹ̵̡Ӝ̵̨̄Ʒ ●•٠·˙
كتبها من مصدرها بكتاب قالت الأيام
Rofida Mohamed Ismail

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali




إقرأ المزيد Résuméabuiyad

 

سجل إميلك وتوصل بمواضيعنا :