في إشارة المرور .. رسالة من بريد الجمعة


اسمح لي في البداية بأن أعرفك بنفسي: فأنا يا سيدي طبيبة وأستاذة جامعية ناجحة في عملي وفي حياتي الاجتماعية, محبوبة والحمد لله من كل من أتعامل معه في مجال عملي, أو علاقاتي الاجتماعية. وزوجي أستاذ وطبيب ناجح جداّ ونابغة في مجاله كما انه شخصية اجتماعية ناجحة ممتازة ومحبوبة جدا من كل من يتعامل معه. وقد تزوجنا بعد قصة حب عنيفة خلال دراستنا في كلية الطب, واختار كلانا الآخر عن حب واقتناع, وبدأنا طريق الكفاح لنبدأ حياتنا معاّ ولنستكمل دراستنا العليا.. فبنينا عشا جميلا وأنجبنا ولدين, وسافرنا في بعثة إلي الخارج, للحصول علي الدكتوراه.. وعدنا معا إلي مصر, فتسلم كل منا عمله المرموق وبدأ هو يبني مكانته وشهرته, وبدأ بتجهيز عيادة أشرفت على كل ورقة في تأثيثها لكي يتفرغ لمشاغله العديدة. وبدأ حياته العملية ووصل خلال سنوات معدودة إلي نجاح كبير..
     ومن حقك أن تسألني بعد ذلك وأين هي المشكلة في كل ما تقولين, فأقول لك أن زوجي المحبوب رجل له فلسفة خاصة في الحياة وهي أن الزواج نظام اجتماعي فاشل, وأن الأبناء مسئولية لا مبرر لها.. وأن من حق الرجل أن يعيش مرة واحدة لا مرتين وبالتالي فقد أعفى نفسه من كل مسئولية تجاه زوجته وابنيه ماعدا وجها واحدا من وجوهها هو المسئولية المادية فقط.
     والحقيقة أن القصة لها جذور عميقة .. فقد اكتشفت بعد زواجي بثلاثة أعوام أن زوجي رجل "فراشة", يحب أن يطير من زهرة إلى زهرة ليرشف رحيقها ولا يري في ذلك عيبا أو إخلالا بمسئوليته تجاه زوجته, وقد اكتشفت أولى نزواته بعد ثلاث سنوات من الزواج واستمرت عاما كاملا عاد إلي بعدها تائبا ونادما. ولكن أي ندم وأي توبة؟ فبعدها سافرنا للخارج وهناك تكررت نزواته طوال سنوات البعثة. وصبرت متصورة أنه كما يقولون طيش شباب سيفيق منه بعد حين. لكن المشكلة استمرت بعد ذلك إلى ما لا نهاية فهو يخرج من نزوة إلى نزوة.. وخلال كل نزواته يبتعد عني تماما إلي تنتهي فيعود لكننا لم ننفصل خلال هذه المرحلة كلها, فقد كان يكتفي بأن يتجنبني إلى أن تزول الغمة.. فأفرح بعودته إليّ وأغفر له كل ما صنع وأتوقع أن يعوضني الله خيراّ عما فات إلى أن كانت النزوة الأخيرة فقد عرف زوجي - سامحه الله وغفر له- زميلة له في مجال العمل تقف بينه وبينها حوائل عديدة لا داعي, للإشارة إليها. واستغرق في قصته معها إلى آخر مدى, واحترم الرجل "تقاليده" معي في مثل هذه الحالة فابتعد عني تماماّ, فصبرت عسى أن يفيق من غيه.. لكنه على العكس من ذلك أقدم علي خطوة لم يقدم عليها من قبل وهي ترك البيت نهائياّ, واستأجر شقة بعيدة وبدأ في تأثيثها ليحيا فيها منفرداّ, ليتفرغ لحياته الجديدة.. فأصبحت بذلك لا أراه إلا مصادفة حين تجمعنا إشارة المرور هو في سيارته وأنا في سيارتي وكلانا في طريقه إلى عمله.. وبالرغم من كل ما صنع بي فإني في كل مرة أجدني البادئة بتحيته, فيرد التحية بإقتضاب, ثم ينطلق بسيارته في الزحام.. وأمّا أنا فأقود سيارتي والدموع تنساب من عيني.. وأدخل المدرج لأدرس لطلبتي وأنا في أسوأ حال.
     حاولت مناقشته فرفض مبدأ المناقشة قائلا لي قد انتهينا ولا مبرر لإطالة الحديث في هذا الموضوع.. طلبت منه أن يحاسبني عن أخطائي إذا كنت قد أخطأت في حقه فرفض, طلبت منه أن نصبح أصدقاء نتلاقى في المناسبات الاجتماعية من أجل الأبناء فرفض!
    سألته عن مصيري معه فقال لي لك الحرية في أن تتزوجي في هذه الشقة.. ولك الحرية في أن تحتفظي بالأولاد.. أو تدعيهما لي إذا حال وجودهما معك دون زواجك!
     وبالرغم من انه قد مضي الآن حوالي عام على هذا الحديث فإني لم أطلب منه الطلاق حتى الآن. لكن حديثه هذا آلمني وجرح كبريائي إلى حد أني لم أجد ملاذا لنفسي سوى إنهاء إجراءات العمرة خلال أيام والسفر لأدائها.. وهناك – وربما لن تصدقني- دعوت له بأن يهديه الله.. ودعوت للأخرى بأن يهديها وأن تعود إلي حياتها الأولي بعيداّ عنه.
     والغريب أنني بعد هذا الحديث ورغم السلوى والعزاء في العمرة بدأت أشعر وأنا الأستاذة الجامعية أنني فقدت تماما ثقتي في نفسي وبدأت أتساءل.. ماذا لديها وليس لدي!.. ماذا تعطيه ولا أعطيه له إنني من أسرة كريمة متمسكة بالتقاليد والقيم, وأنا كما يقولون لي جميلة لم أفقد رغم الأهوال التي عشتها جمالي الذي بهره في يوم من الأيام.. وأنا أنيقة يشهد لي زملائي وزميلاتي بسلامة ذوقي في اختيار ملابسي, وأنا محبوبة يقول عني تلامذتي وزملائي إني طيبة القلب وحلوة الحديث, ولا أتوانى عن مساعدة أي إنسان يطلب معاونتي, وأخيراّ – واعذرني لهذا التعبير فأنا طبيبة أولاّ وأخيراّ- "سليمة" التكوين الجسماني والنفسي كزوجة.. فماذا يعيبني إذن.. ولماذا يحبني الناس جميعاّ ماعدا الإنسان الوحيد الذي أحبه وأريده أن يحبني؟ لقد عرفته وعمري 17 عاما, ولم أعرف الرجل إلا فيه, ولم تر عيناي غيره منذ عرفته حتى الآن, إنك قد تتصورني "نكدية" أتشاجر معه في الأماكن العامة كلما أحسست بالغيرة عليه أو أحاسبه حسابا عسيراّ كلما تسربت إلي أنباء مغامرة جديدة له. لكن ذلك غير صحيح والله فخلال عشرين سنه عاشرته فيها حتى الآن لم يرتفع خلالها صوتي مرة واحدة عليه وكل مناقشتي معه كانت هادئة.. ولم أكن أحتمل أن أسمع منه كلمة "آسف" حتى أنسي كل شئ وأعود إليه بكل كياني.
     والآن وصلت يا سيدي إلي مفترق الطريق وأريد مشورتك فيه. إن الواضح أن النزوة الأخيرة ليست ككل النزوات! وواضح انه لن يفيق ويعود إلي بيته وقبل سنوات طويلة ولا يريدني.. ولكنه لا يريد أن يبدأ هو بطلاقي منتظراّ "كجنتلمان" أن تأتي الرغبة مني أولاّ.. وأبنائي من جهة أخرى لا يريان غضاضة كبيرة في انفصالي عن أبيهما وزواجي من آخر, فقد نصحني ابني الشاب في ذلك بعد أن لمس معاناتي ووحدتي. لكني أفكر وأرجوك أن تفكر معي.. هل لو انفصلت عنه بالطلاق تكون صدمة الطلاق أو هذا الطلاق سببا كافيا لكي يرجع إلى عقله ولو بعد حين فيعود إليّ وإلى ابنيه؟ وهل لو حدث الانفصال سأجد من يقبلني بوضعي الحالي سيدة على شفا الأربعين معها ولد وبنت في سن المراهقة أم هل تري تنصحني بأن أصبر إلي أن يعود إلي بعد أي عدد من السنين بعد أن تهدأ العواصف ويثوب إلي رشده.. وإذا حدث ذلك كم من العمر؟ سيتبقي لي لكي أعيش معه وماذا سأجد عنده حين يعود في أواخر العمر وهل تعتقد أني سأجد في نفسي القدرة علي العطاء له مرة أخري بعد أن جفت أوراقي في انتظاره؟

ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
     وماذا تنتظرين يا سيدتي بعد كل ذلك لتختاري بين حياتك وبين ضياعك اللانهائي. وأي طلاق هذا الذي تقفين أمامه مترددة: إنك "مطلقة" بالفعل وإن لم تتخذي بعد إجراءات الطلاق!.. لقد هجرك زوجك واستقل بحياته عنك وإن كان يلتزم بمسئولياته المادية عن ابنيه وهو متفرغ لحياته وتطبيقاته العملية للفلسفة الأبيقورية التي يعتنقها فيما يبدو فهو رجل "تلذذي" يتعامل مع الحياة بطرف لسانه يذوقها.. ويحكم عليها بحاسة الذوق فقط أما الاعتبارات الأخرى فلا قيمة لها عنده! وهذا شأنه, وحسابه مع ربه وليس معك.. ثم هو يسهل عليك الأمر لكي تنصرفي عنه إلى زواج آخر.. وابناك متقبلان فكرة زواجك, والجميع يعرفون كم عانيت وكم صبرت.. وكم انتظرت فماذا تنتظرين؟ إنني أعرف كم هو صعب عليك أن يحرم الإنسان بلا ذنب له ممن يحب.. وأتصور انه محفور داخلك وصعب عليك انتزاعه بسهولة من أعماقك.. لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه, ثم ماذا يفعل الإنسان حين يصطدم بحائط صلب يسد الطريق أمامه؟ هل من المنطق أن يواصل الدق عليه برأسه ويديه لكي يزحزحه من مكانه؟ أم من الأفضل أن يستدير عنه إلي طريق آخر.. وإلي حياة جديدة!
     ابدئي يا سيدتي حياة جديدة.. قبل أن تنهار مقاومتك وتعرضي نفسك للضياع مع احترامي الكامل لك ولا تأسي كثيراّ على ما راح, فما وقع لا يسئ إليك بقدر ما يسئ إلي من لم يقدر حبك وعطائك وإخلاصك له. ولا يسئ المرء ألا يجد تقديره لدي أحد معين من الناس.. فالجوهرة الحقيقية لا تقل قيمتها حين تقع في يد من لا يكتشف أصالتها.. وإنما تبقي الجوهرة جوهرة إلي أن تقع في يد من يقدرها حق قدرها, ومن يزيح عنها تراب السنين فتسفر عن سطحها الوهاج, فاستعيدي ثقتك بنفسك يا سيدتي.. وأنت الأستاذة الجامعية التي تهب الثقة في النفس للآخرين انتظري فترة قصيرة تكون بمثابة مرحلة انتقالية بين حياتين لتندمل الجراح ولتتخلصي تماما من إثر الماضي ومشاعره وعذاباته ثم ابدئي حياتك الجديدة وستجدين إن شاء الله من يمسح بيده علي آلامك ومن يعيد إليك الابتسامة ويعوضك عما لقيت في تجربتك المؤلمة, فهذا أفضل كثيرا من البقاء معلقة في الهواء كما أنت الآن وأفضل كثيرا من الحياة علي أمل اللقاء الخاطف بالمصادفة في إشارة مرور مع من تحملين اسمه.. ولا تربطك به منذ سنوات أية صلة حقيقية بين زوجين! إني آسف لهذا الرأي القاسي وهو ضد طبيعتي لكني لا أري لك رأياّ غيره.. كما أني لا أجد نفسي ميالاّ إلى أن أنصحك بأن تعيشي لأبنيك كما تفعل كثيرات لأني أحسست من رسالتك أن بك رغبة كامنة لأن تأخذي نصيبك من الدنيا وهذا حقك لأن ابنيك يرحبان بهذه الخطوة ولا يعترضان عليها.. وإلي اللقاء..


         ✿
                              كتبها من مصدرها بكتاب فتاة من قاع المدينة
                               ليليان علي

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali


إقرأ المزيد Résuméabuiyad

القلوب المغلقة .. رسالة من بريد الجمعة


أكتب إليك وكلي أمل في الله سبحانه وتعالى أن تجد مشكلتي حلا لها علي يديك‏,‏ فأنا سيدة في الثامنة والثلاثين من عمري نشأت في أسرة متوسطة بين أب يعمل بالتعليم‏,‏ وأم ربة بيت وشقيق وشقيقة يكبرانني‏.‏ ولقد ربانا أبي تربية صارمة‏ ..‏ واعتاد منذ صغرنا علي تطبيق مبدأ الثواب والعقاب في التعامل معنا ‏..‏ فكان يطالبنا دائما بالتفوق في الدراسة‏ ..‏ وبالالتزام الصارم بالآداب والتقاليد‏ ..‏ وإذا أخطأ أحدنا حاسبه على الخطأ حسابا مريرا‏,‏ ويعقد مجلس العائلة علي هيئة محاكمة له ثم يصدر حكمه عليه بالعقاب المناسب‏..‏ وكان يتراوح بين الضرب القاسي بالمسطرة والحبس يوم الإجازة في البيت في غرفة الأبناء من الصباح حتى اليوم التالي‏,‏ والحرمان من اللعب والخروج أو الحرمان من المصروف والحلوى للفترة التي يحددها‏..‏ والويل بعد ذلك لمن يتعاطف مع المذنب أو يساعده علي التهرب من تنفيذ العقاب‏..‏
فنشأنا جميعا ونحن نتحسب لغضب أبي تحسبا شديدا ونحرص علي الالتزام بكل ما يطلبه منا‏..‏ وكانت لنا بالرغم من ذلك أوقاتنا السعيدة‏..‏ وإن كنا قد افتقدنا أن يكون لنا أصدقاء من نفس أعمارنا‏,‏ لأن أبي كان يحذرنا دائما من أصدقاء السوء‏,‏ ويتشكك في صداقات أبنائه‏,‏ ومضت بنا الأيام علي هذا الحال حتى تخرجنا جميعا وتزوجت أختي ورحل أبي عن الحياة‏..‏ وحمل أخي الأكبر الراية من بعده في التشدد وإدارة شئون حياتنا بصرامة وبتشجيع من أمي‏..‏ وأنهيت أنا سنوات دراستي الجامعية دون أن أحيد عن الطريق الذي حدده لنا أبي ومن بعده أخي‏,‏ ولم أستجب لمحاولات أحد من الزملاء للاقتراب مني‏..‏ حتى أشاعوا عني أنني مضطربة نفسيا ومعقدة من كل الشباب‏,‏ وعملت بإحدى الجهات بعد تخرجي‏..‏ وكان أخي قد تزوج وأنجب وخفت قبضته قليلا عني‏..‏ وفي هذه الأثناء رجع إلى العمل زميل كان في إجازة سنوية بسبب وفاة أمه وتقدمت الزميلات والزملاء لتعزيته‏,‏ ولم أدر أنا ماذا أفعل لأنني كنت أرتبك إذا تحدثت لأي شاب في غير أمور العمل‏..‏ فلم أتقدم إليه بالعزاء‏..‏ ولاحظت ذلك زميلة لي فحثتني علي القيام بهذا الواجب لأن الإنسان يكون في هذه الظروف في حالة ضعف ويجرحه أن يتجاهل القريبون
منه مواساته‏..‏ فاستجمعت شجاعتي‏,‏ وقلت له بصوت لا يكاد يسمع‏:‏ البقية في حياتك‏..‏ ورجعت إلى البيت ووجهه الحزين يحتل تفكيري ومخيلتي‏.‏ ويوما بعد يوم أصبح هذا الزميل محور تفكيري ليلا ونهارا وعرفت من الزميلات أنه شاب مستقيم ومسالم وعلاقته بزملائه طيبة‏..‏ إلى أن لفتت زميلة لي انتباهي إلي أنه يطيل النظر إلي ويهتم بأمري‏,‏ وسعدت بذلك كثيرا ثم فوجئت به يقترب مني ويسألني بأدب‏:‏ هل أنت مخطوبة يا آنسة؟‏..‏ فوجدتني أجيبه بالإيجاب مع أني لم أكن مخطوبة ولا مرتبطة بأحد‏,‏ وفي الليل كدت أنفجر من الضيق والندم على ما فعلت بنفسي‏..‏ وعقدت العزم على أن أصارحه بالحقيقة في اليوم التالي‏..‏ فمضي النهار دون أن أجرؤ على الاقتراب منه أو النظر تجاهه‏,‏ وقبيل انصرافنا من العمل فوجئت به يقترب مني ويسألني‏:‏ لماذا لا أرتدي أية دبلة إذا كنت حقا مخطوبة‏..‏ فوجدتني أقول له إنني لست مخطوبة لأحد ولا مرتبطة‏,‏ لكني اعتدت أن أجيب على هذا السؤال بالإيجاب لكي أرد عني العابثين‏..‏ فابتسم عاتبا وقال لي إنه ليس عابثا وإنما هو مهتم بأمري ويريد أن يتقدم لي إذا قبلت به‏.‏
وهكذا بدأت علاقتي بأول إنسان من الجنس الآخر يتفتح له قلبي‏..‏ وخلال أسابيع كنت قد عرفت عنه كل شيء‏..‏ وصارحني بأنه أراد أن يتقدم إلي قبل شهور‏,‏ لكنه تراجع خشية رفضه لأن أحواله المادية سيئة‏,‏ ولا يمتلك إلا مرتبه الصغير وقد انقطع معاش أبيه برحيل أمه عن الحياة وبلوغه السادسة والعشرين من العمر‏..‏ ولن يستطيع أن يوفر لي إمكانات الزواج اللائقة‏,‏ فأكدت له أنني سأسانده بكل ما أملك وجاء يطلبني من أخي‏,‏ وبعد مداولات قصيرة بين أخي وأمي وأختي انتهوا إلى رفضه لأنه لا يملك شيئا‏.‏

وحاولت مع أمي وأختي كثيرا أن تتفهما عمق محبتي لهذا الشاب واحتياجي إليه‏..‏ فلم تتزحزحا عن موقفهما قيد أنملة‏,‏ فتولتني ثورة عارمة لأول مرة في حياتي وهددت أمي بأنني سأتزوجه في كل الأحوال‏..‏ فأسرعت تستدعي أخي وجاء مضطربا ليحاول أن يعرف مني لماذا الإصرار علي هذا الشاب وهل أخطأت معه أم لا؟ فطمأنته إلى أنني نفس الفتاة الملتزمة التي نشأت على مبدأ الثواب والعقاب وترعي حدود ربها‏..‏ ولا يمكن أن تفرط في نفسها لأحد إلا بشرع الله سبحانه وتعالي‏,‏ فحاول إقناعي بأن هذا الشاب لا يناسبني لأنه معدم‏..‏ وأهله وإن كانوا طيبين إلا أنهم جميعا بسطاء ومسكنه الذي ورثه عن أمه شقة متواضعة بالإيجار في حي شعبي مزدحم‏,‏ وأنني إذا تزوجته فلسوف أبدد ميراثي عن أبي كله في تأثيث مسكن الزوجية وسأعجز عن مواجهة الحياة بمرتبه ومرتبي‏..‏ فلم أزدد إلا استمساكا بمن اختاره قلبي‏..‏ وعشت شهورا عصيبة وأمي تقاطعني وأختي تخاصمني وأخي لا يتحدث معي إلا مهددا ومنذرا‏..‏ فإذا تجرأت علي مخالفته في الرأي انهال علي ضربا وكأنني مازلت الطفلة الصغيرة التي تحاكمها الأسرة وتوقع عليها العقاب‏,‏ واستمر الحال علي هذا النحو عامين‏..‏ وفتاي يتعجلني ويشكو إلي من وحدته بعد وفاة أمه ويحرم نفسه من القوت الضروري لكي يوفر كل قرش للزواج‏..‏ وبعد مشاجرة عنيفة بيني وبين أخي أدماني خلالها ضربا وإيذاء بسبب رفضي خطيبا أحضرته لي أختي‏,‏ أعلن يأسه مني‏,‏ وترك لي حرية الزواج بمن أريد‏,‏ ولكن بدون أية مساعدة منه أو من أمي ودون حصولي علي نصيبي من ميراث أبي‏,‏ وبشرط أن يحوله إلي شهادات استثمار يحتفظ هو بها لديه لكيلا يستفيد بها زوجي‏.‏ وإلى أن يطمئن إلي أمانته معي ووافقت على ذلك‏..‏ فأضاف شرطا آخر هو أن يوقع خطيبي شيكا بمبلغ عشرين ألف جنيه كضمان له مقابل المهر الذي سيعجز عن دفعه والشبكة التي لن يشتري منها إلا شيئا رمزيا‏..‏ ورفضت أنا هذا الشرط الجائر‏..‏ وقبل به فتاي رغما عني‏..‏ وتمت الخطبة والزفاف في أضيق الحدود وانتقلت إلي سكن زوجي في الحي الشعبي‏..‏ وتحملت شظف العيش وجفاء أمي وأخي وأختي معي‏..‏ وحرصت على زيارتهم جميعا وخطب مودتهم في كل حين‏,‏ وحملت وأنجبت طفلي الأول‏.‏ وبعد عامين أنجبت طفلي الثاني‏..‏ وازدادت أعباء الحياة علي‏..‏ فطلبت من أخي أن يعطيني فوائد الشهادات الخاصة بي لألبي بها مطالب الأبناء بدلا من أن يشتري بها شهادات جديدة باسمي كما كان يفعل منذ زواجي‏,‏ وبعد رجاء وتوسلات
مرت شهورا وافق على أن يعطيني ربعها ويشتري بالباقي شهادات‏..‏ وحمدت الله على ذلك‏,‏ لكني أنجبت طفلة أخرى وازدادت مطالب الأبناء فرجوت أخي أن يفرج عن فوائد الشهادات فقط لأشعر بالحياة وأعيش كما يعيش هو وأمي وأختي‏,‏ فثارت مشكلة جديدة لم تحل إلا بعد أن قبلت قدم أخي في بيته وأمام زوجته وأبنائه الذين بكوا من أجلي وغضبوا منه واشتركوا في الإلحاح عليه بأن يلبي طلبي‏.‏
وبعد ست سنوات من زواجي تحملت فيها ظروف الشقة القديمة غير الصحية‏,‏ راودني الأمل في أن أغير مسكني وأحصل على شقة تدخلها الشمس والهواء وينمو فيها أطفالي في جو صحي‏..‏ وتوصل زوجي إلى اتفاق مع صاحب البيت الذي نقيم فيه علي إخلاء الشقة مقابل‏20‏ ألف جنيه‏..‏ ووافق أخوته على إقراضه مبلغا آخر‏..‏ فطلبت من أخي أن يسلمني الشهادات لأبيعها وأكمل بقيمتها ثمن شقة ملائمة عثر عليها زوجي‏..‏ فهاج وماج أخي‏..‏ واتهم زوجي بالاستغلال واتهمني بالضعف‏..‏ وأقسم ليدخلن زوجي السجن بالشيك الذي يمسكه عليه‏.‏

ولجأت إلى أمي فلم تساندني وإلى أختي فخذلتني وإلي كل من أعرفهم فلم يقدر عليه أحد‏,‏ وفي لحظة جنون ذهبت إلى أخي في العمل‏.‏ وطالبته بتسليمي الشهادات والشيك وهددته إن لم يستجب لي أن أشكوه إلي رؤسائه وزملائه في العمل‏..‏ بل وإلي الشرطة كذلك إذا تطلب الأمر ذلك‏..‏ فكانت هذه هي خطيئتي الكبرى التي لا تغتفر ونظر إلي أخي مذهولا ثم سحبني من يدي وعاد بي إلي البيت ورويى لأمي ما حدث فانفجرت براكينها ضدي‏,‏ وانهالت علي صفعا وركلا وسبتني وبصقت على وجاءت أختي مهرولة بعد أن استدعاها أخي وانهالت هي الأخرى علي سبا وشتما حتى صرخت من القهر والظلم وأخي ينظر إلي متشفيا‏,‏ ثم نهض في النهاية فأحضر الشهادات والشيك وسلمها لي ودفعني دفعا خارج البيت وهو يبلغني بقراره الذي لا رجعة فيه وهو أنني لم أعد أختا له أو لشقيقتي ولا ابنة لأمي‏,‏ وحذرني من العودة إلى هذا البيت أو الاتصال بأحد من أسرتي وخرجت وقهر الدنيا كله في قلبي‏..‏
ورويت لزوجي ما حدث‏.‏ فتألم من أجلي وأصر على إرجاع الشهادات والشيك إلى أخي‏..‏ وأخذها وتوجه إلي بيت أخي وطرق الباب فخرج إليه شقيقي ورفض دعوته إلى الدخول‏,‏ ورفض تسلم الشهادات والشيك منه وطلب منه الانصراف ونسيان كل شيء هو وزوجته عن أهلها‏..‏

وانقطعت منذ تلك اللحظة كل صلة لي بأهلي وذوي رحمي‏..‏ وانتقلت بأسرتي إلي الشقة الجديدة فلم أشعر بالفرحة التي حلمت بها لإحساسي باليتم والقهر والنبذ من أقرب الناس إلي‏,‏ وأملت أن تذيب الأيام المرارات وأن أرجع إلى حضن أمي وأختي وأخي‏..‏ وصبرت عدة شهور ثم بدأت محاولاتي لطلب العفو والمغفرة وبدأت بأمي فوجدت قلبها كالحجر الأصم‏..‏ وحاولت مع أختي فلم أجد منها إلا القسوة والصرامة‏..‏ وحاولت مع أخي فقال لي إنه ليس له سوى أخت واحدة وأنه لا يعرفني‏.‏
ورجعت حزينة ومريضة‏..‏ فرقدت في فراشي أسبوعا وانتظرت على مضض عدة شهور أخرى وكررت المحاولات‏,‏ فإذا بالقلوب مازالت كالحجر أو أشد قسوة‏,‏ ومرضت من جديد ولازمت الفراش عشرة أيام‏,‏ وبعد أن تمالكت قواي بعض الشيء عدت للعمل‏..‏ فإذا بي أشعر بألم شديد في صدري فذهبت إلي طبيب العمل‏..‏ وفحصني ثم أحالني إلي المستشفي وهناك فوجئت بالطبيب يحتجزني ويطلب مني الاتصال بزوجي على وجه السرعة‏,‏ وجاء زوجي منزعجا‏..‏ فصارحه الطبيب بأنني مريضة بالمرض اللعين وفي مرحلة متأخرة‏,‏ ولابد من جراحة عاجلة لاستئصال الثدي اليمني قبل فوات الأوان‏..‏

وطفر الدمع من عيني زوجي وتمالكت أنا نفسي فلم أبك بل رحت أخفف عنه وأرفع من روحه المعنوية‏..‏
ودخلت غرفة العمليات بعد يومين وتمت الجراحة بسلام‏..‏ ووجد زوجي من واجبه أن يبلغ أخي بوجودي في المستشفي فذهب إليه في العمل وأبلغه فلم يجبه بكلمة واحدة‏..‏

وجاء زملائي و زميلاتي جميعا وسعاة المكتب لزيارتي والاطمئنان علي ورفع معنوياتي‏,‏ وجاء كل أهل زوجي الذين أخذوا أطفالي لديهم‏,‏ وأحاطوا جميعا بفراشي ورفعوا أيديهم بالدعاء من أجلي‏..‏ وكلما انفتح الباب توقعت أن أرى أمي وأختي وأخي‏.‏
فانقضي أسبوعان وأنا في المستشفي دون أن يحضر أحد منهم لزيارتي أو للسؤال عني‏.‏

وجاءني زوجي يبشرني بالخروج من المستشفي‏..‏ وراح يجمع حاجياتي ويساعدني على ارتداء ملابسي‏,‏ ثم حمل عني حقيبتي وأمسك بذراعي ليعينني على المشي‏,‏ فما أن تحركت في اتجاه الباب حتى انهارت مقاومتي فجأة وانفجرت في بكاء مرير وعويل كعويل الثكالي‏,‏ ولأول مرة منذ علمت بمرضي أرى زوجي يبكي لبكائي ويحتضنني ويقبل رأسي ويدي ويقول لي إنه أخي وأمي وأبي وأختي ولم أبك يا سيدي للمرض وإنما لهواني على أهلي وقسوتهم علي ورفضهم لي‏..‏ وحرماني من عطفهم وأنا في أشد الحاجة إليه‏..‏ وعدت إلى بيتي وحياتي وأولادي‏ى..‏ وامتثلت لأقداري وبدأت العلاج بالكوبالت‏..‏ وتساقط شعري‏..‏ ومضت الشهور ومازلت تحت العلاج‏..‏ والطبيب يقول لي إن نتائج العلاج جيدة‏,‏ لكن روحي المعنوية منخفضة وأن هذا يؤثر علي استقرار الحالة ويهدد بالخطر‏..‏
وأنا لا أريد من أمي وأختي وأخي شيئا‏..‏ ولقد أقررت بذنبي وخطئي في حق أخي حين هددته باللسان فقط ومن وراء القلب والله على ما أقول شهيد‏,‏ ولم أكن لأفعل شيئا مما قلت أو أجرؤ عليه وحياتي مع زوجي مستقرة وهو يعاملني أفضل معاملة ووقف إلى جواري في شدتي ووقف أهله بجانبي وقدموا لي كل الرعاية والخدمة‏..‏ لكني منبوذة من أهلي‏..‏ وقلوبهم مغلقة في وجهي‏..‏ ولم ترق لي حتي في مرضي وضعفي‏..‏ وقد أعيتني الحيل في استرضائهم‏..‏ وطلب عفوهم عن حماقتي التي لم تتكرر‏..‏ وأبنائي يسألونني عن أهلي ولماذا لا يزورون أهل أمهم‏.‏ ولا يعرفونهم ولا أدري بماذا أجيبهم‏,‏ فهل تكتب لأمي وأختي وأخي الذين يتابعون هذا الباب بانتظام وتطالبهم بالعفو عما جري‏..‏ وفتح أبوابهم المغلقة في وجهي‏..‏ لقد عفوت أنا عن عدم سؤالهم عني في مرضي وشدتي‏..‏ فلماذا لا يعفون هم كذلك عن فعل واحد اضطررت إليه وندمت عليه‏,‏ والله يغفر الذنوب جميعا إلا الشرك به؟ وإلي متى سوف يستمر عقابهم القاسي لي؟

ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏

أيعلم شقيقك وأمك وأختك أنه قد أجريت لك جراحة خطيرة وأنك ترقدين بالمستشفي في طور النقاهة من المرض الخطير‏,‏ فلا تفارقهم قسوة قلوبهم حتي في هذه اللحظات العصيبة ولا يهرعون إليك باكين خائفين لرعايتك والاطمئنان عليك وشد أزرك في محنتك؟
يا إلهي‏..‏ إنها ساعة تنسي فيها العداوات وتذوب الأحقاد‏..‏ ولا تبقي إلا عاطفة ذوي الأرحام تجاه أرحامهم‏..‏ فكيف تحجرت قلوب الأهل تجاهك إلي هذا الحد يا سيدتي؟ وماذا جنيت حتى استحققت منهم هذا النبذ المؤلم والطرد القاسي من جنتهم ورحمتهم؟

إن كل ما فعلت هو أنك قد اخترت حياتك ولم تشقي عصا الطاعة على الأهل ولم تتزوجي في غيابهم وإنما صبرت حتى قبلوا بمن اختاره قلبك كارهين وقبلت بشروطهم القاسية لإتمام زواجك‏..‏ ووافقت على الزواج منه بلا أية إمكانات مادية لكي يطمئنوا إلي أنه لم يستفد بمالك الموروث‏,‏ ورضيت بالحرمان وشظف العيش سنين عددا لتبرئي زوجك لديهم من كل شبهة استغلال لك‏,‏ وحين اشتدت عليك وطأة مطالب الحياة تطلعت إلي استرداد حقك المحتجز لدى أخيك لترفعي به مستوي حياتك وتؤمني لأطفالك مسكنا صحيا‏,‏ فما هي الجريمة في ذلك وكل إنسان رشيد في النهاية أحق بماله‏..‏ ومن حقه أن يتصرف فيه كيف يشاء‏,‏ وليس لأهله عليه في هذا الصدد سوى حق النصيحة والإرشاد وله أن يعمل بمشورتهم في ماله‏..‏ أو يرى الخير في غيرها فيشكرهم على حرصهم علي أمره‏..‏ ويعتذر لهم عن قبول النصيحة لأسباب يراها مادام كامل الأهلية وليس مطعونا في قدرته علي حسن التصرف في ماله‏,‏ فإذا كنت قد اضطررت لأن تتظاهري بتهديد أخيك لكي يسلم إليك مالك بعد أن أعيتك كل الحيل والطرق الودية لإقناعه بذلك فإن الخطأ الأكبر هو خطأ من احتجز مالك لديه رغما عن إرادتك وغل يدك عن التصرف فيه بما ترينه خيرا لك ولأسرتك‏..‏ ورفض كل حيلة لإقناعه بتسليمه لك حتى ولو كان قد فعل ذلك بدافع الحرص على هذا المال من الضياع‏..‏ بل حتى ولو كانت نيته صادقة في الحفاظ عليه من أجلك‏..‏ لأنه أمانة لديه ترد لصاحبها عند الطلب وليس من حقه أن يمتنع عن ردها بأي مبرر يراه هو في صالح صاحبها‏,‏ وإلا كان محتجزا لهذا الحق على غير رغبة مالكه الشرعي‏,‏ ومغتصبا له منه‏,‏ والناس لا يساقون إلي الجنة بالعصا‏,‏ كما قال ذات يوم الزعيم السوفيتي الأسبق خروشوف‏,‏ فإذا كنت قد أخطأت بتهديده بفضحه لدى رؤسائه أو شكواه إلى الشرطة‏..‏ فلقد حرضك هو على ارتكاب هذا الخطأ العابر في حقه‏,‏ بارتكابه هو خطأه الأفدح معك ورفضه تسليمك ما لك لديه بمجرد الطلب منه وبغير الحاجة إلى الإلحاح والرجاء والاستجداء‏.‏

وهو على أية حال خطأ هين ولا يعبر أبدا عن حقيقة مشاعرك الأخوية‏,‏ وكان يكفى الاعتذار عنه لكي يمحوه وترجع علاقتك به إلى طبيعتها بعد حين‏..‏ لكن شقيقك فيما يبدو قد ورث عن أبيكم نظريته في العقاب المدرسي‏..‏ ولم يرث عنه على الأرجح حكمته في تقدير العقاب الملائم للخطأ‏..‏ ولو كان قد ورثها عنه حقا لاكتفى لحظة ذهابك إليه في العمل بمعاتبتك على تهديدك له وقبل اعتذارك عنه ثم رد عليك مالك بلا ضغينة وحافظ علي صلته الأخوية بك‏..‏ وراقب عن قرب تصرفك في مالك ليتدخل في الوقت المناسب ويشير عليك بما يراه في صالحك‏,‏ أو يردك عما يراه ضارا بك‏,‏ إذ هكذا يفعل الآباء الرحماء مع أبنائهم حتي ولو تورطوا في خطأ عابر في حقهم واعتذروا عنه‏..‏ مادام شقيقك قد أراد أن يقوم بدور الأب في حياتك وحياة الأسرة‏,‏ فالأبوة هي في الرعاية والعطف والعطاء والتسامح والحكمة والفهم‏..‏ وليس فقط في الرياسة والسيطرة والتحكم في مقادير الأبناء كما يراها شقيقك من وجهة نظره القاصرة‏.‏
ومع ذلك فلعلي أستطيع أن أفهم بعض أسباب غضبه الأعمى منك وإحساسه بالإهانة حين قمت بتهديده وهو الذي اعتاد ألا ترد له كلمة في أسرته بعد وفاة أبيه‏,‏ حتى ولو أنكرت عليه هذا الغضب الضاري‏..‏ لكن ما لا أستطيع فهمه حقا هو كيف تحجر قلب والدتك تجاهك على هذا النحو‏..‏ وكيف استطاعت أن تباعدك وتقاطعك حتى وبعد أن علمت أنك تصارعين المرض القاسي وفي أشد الحاجة إلى عطف الأمهات وحنانهن في مثل هذه الظروف العصيبة‏..‏ وماذا جري لبعض القلوب حتي صارت كالحجر أو أشد قسوة‏..‏ وأين عطف الأم والشقيقة وذوي الأرحام في الشدائد؟‏!‏

وهل كان من الضروري أن تشقي بحياتك الزوجية لكي تثبت والدتك وشقيقك وأختك بعد نظرهم فيفتحوا لك مغاليق قلوبهم القاسية؟
وماذا ينكرون على زوجك سوى ضعف إمكانياته‏,‏ وقد كان ومازال نعم الزوج المحب العطوف لك‏..‏ في حين جفت ينابيع الرحمة في قلوبهم هم‏,‏ فلم يترفقوا بك حتى وأنت في محنة المرض؟

إن الناس لا يسعدون بحياتهم والأهل الأقربون يباعدونهم وينكرونهم وينبذونهم وكأنهم قد ارتكبوا أبشع الجرائم‏.‏
ولقد كان الشاعر الفرنسي بول ايلوار يقول‏:‏ إن وحدة الإنسان بغير أهله جريمة‏..‏ وإننا نحتاج إلي رفقة في الحياة لكي نري الحياة ونتذوقها‏..‏ ونشعر بكل أحاسيسها‏.‏

وأيا كانت سعادة المرء أو تعاسته الزوجية فإنه في حاجة كإنسان إلى الأهل الأقربين الذين أشار إليهم التنزيل الحكيم بقوله‏:‏ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله‏.(‏ الانفال‏75)‏
فكيف يتفق ذلك مع هذه القلوب الصخرية التي تباعدك وتقطع رحمك ولا ترق لك حتى وأنت في محنة المرض‏,‏ وألا يوجد في أسرتكم شخص رشيد يرد هؤلاء الجبابرة إلى صوابهم أو يذكرهم بعقاب رب السماوات والأرض لقاطعي الأرحام وغلاظ القلوب ومعذبي البشر بغير ذنب جنوه !.


*نشرت بتاريخ 13 ديسمبر 2002

         ✿
                                      نقلها من أرشيف جريدة الأهرام
                           Ola Othman

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali



إقرأ المزيد Résuméabuiyad

القطة المدللة .. رسالة من بريد الجمعة


أنا سيدة فى أوائل الخمسينات, تزوجت منذ 32 عاما ولى عدد من الأبناء كنت فى شبابي آية فى الجمال يتعجب لها الآخرون حتى كانوا إذا أرادوا أن يصفوا فتاه بالجمال قالوا عنها إنها جميله مثل فلانة وبسبب جمالي هذا دللني الجميع وبدأ الخطاب يتهافتون علي منذ صباي وتمت خطبتي وأنا في بداية مرحله الأنوثة إلى ابن خالتي لكن أمي سامحها الله وقفت في طريق سعادتي معه لأنها كانت لا تحب أمه وانتهي الأمر بفسخ الخطبة ورحل ابن خالتي عن البلاد أما أنا فلقد تقدم لي زوجي الحالي ولم اشعر نحوه بأية عاطفة, ومع ذلك مضيت فى مشروع الزواج وأنا أمنى نفسي بأن أحبه بعد الزواج .. وتزوجنا ولم تتغير مشاعري واستمرت حيادية تجاهه لا تنبض بالحب وانشغلت بعد ذلك فى تربية الأبناء ومشاكلهم وأمراضهم ومدارسهم.. فنسيت نفسي .. ومضت السنوات عاما بعد عام وكبر الأبناء فوجدت نفسي بعد الرحلة الطويلة أتوقف لأراجع حياتي وانظر إلى هذا الجبل الصامت الجالس إلى جواري وهو زوجي وأتساءل من هو .. ومن أنا .. وماذا جنيت من رحلة حياتي معه ؟ فلقد دفنت شبابي وأيامي كلها مع الزوج الذى لم يشعرني مرة واحدة بلمسة رقيقة أو يسمعني كلمة حب واحدة وتذكرت ابن خالتي الذى كان يتمنى لى الرضا لكي أرضى وندمت اشد الندم على أنني لم أدافع عن حبي دفاعا مستميتا وقتها .. ونظرت إلى أولادي فوجدتني اقسمهم إلى فريقين .. فريق مثلى يحبني وأحبه وفريق آخر مثل زوجي يدافع عنه ويحبه .. وكنت قد فقدت منذ سنوات احترامي لزوجي ولم أجد مانعا من ألا احترمه أيضا أمام أولاده وان أشعرهم دائما بأنني غير سعيدة مع أبيهم , فكان أفراد الفريق الأول الذى أحبه يسمعونني ويشاركونني مشاعري ويصبروني على ما أنا فيه .. أما أفراد الفريق الثاني الذى لا أحبه فكانوا يقولون لى دائما : حرام عليك ولماذا تزوجتيه إذا من البداية ولم يغصبك احد عليه ... الخ ولا تتعجب يا سيدي حين أقول لك إنني لا أحب بعض أولادي فهذا هو الحال فعلا .. وأنا فعلا لا أحبهم ولا يهمني قربهم أو بعدهم عنى واشعر أنهم يبادلوننى نفس الشعور وأكثر ! واعترف لك أنني بتأثير حبي لبعض أبنائي دون البعض الآخر فإنني أفضل بعضهم على بعض فعلا بطريقة ملحوظة .. وأولادي الذين أحبهم يدللوني ويمدحوني دائما ومع إنني اشعر فى أحيان كثيرة بأنهم منافقون إلا إن هذا لا يغير من حبي وتفضيلي لهم شيئا لان هذا النفاق يسعدني وأنا بحاجة إليه .. فى حين اشعر تجاه الفريق الذى لا أحبه بالجفاء والبعد وبأنهم لا يغفرون لى ما افعله بابيهم .. أما زوجي فهو يشغل منصبا محترما ولا يهمه سوى أن يعمل حتى وهو فى أسوأ حالاته الصحية كأنه لا يطيق الجلوس فى البيت معي وهو بصفة عامة يأكل وينام فقط واشعر أنه بلا مشاعر ولا أحاسيس والجميع يقولون عنه انه طيب القلب وحنون لكنه ليس الزوج الذى كنت أتمناه ولا أحب الجلوس معه طويلا كما انه عديم الشخصية معي وأنا الذى اسيره كيفما أشاء ولا ينفذ إلا أوامري ومع ذلك فإنني لا أحبه ولا يعجبني ولا ارغب فى المعيشة معه.. ولا أتمنى فى الوقت نفسه أن يطلقني إذ أين اذهب ومن يتحملني بعد هذه السنوات الطويلة ؟ وبسبب هذه الظروف المتداخلة اشعر بعدم حبه وبكره شديد لبعض أولادي واشعر بنفس الإحساس من ناحيتهم .. كما اشعر أن زوجي غير سعيد معى لكنه أفضل حالا منى لأنه راضى بما قسمه الله له وأنا لست راضية ولا سعيدة ودائما مبتلاة بمصائب عديدة مع أنى أصوم واصلي ولا أخون زوجي وأحافظ على ماله ..
لقد سمعت بعض أبنائي من ( الفريق الآخر ) يقول لشقيقه عنى إنني مريضة نفسيا بمرض عدم الرضا وان الله لن يغفر لى أبدا ما افعله مع أبيهما وسوف يعاقبني فى السماء بسبب تفرقتي فى المعاملة بين أولادي . فهل هذا صحيح يا سيدى ؟ وهل أنا حقا مريضة نفسيا واحتاج لعلاج لدى طبيب نفسي ؟ وهل سيعاقبني الله حقا على حبي لبعض أولادي أكثر من البعض الآخر ؟ وكراهيتي او عدم حبي لبعضهم ؟ مع العلم بأن سيدنا يعقوب كان يفرق فى المعاملة بين أبنائه ؟
إنني أعيش فى جو عائلي كئيب ملئ بالمشاكل وكل ما أريده هو أن يلهمني الله الصبر على ما أصابني ويعوضني عنه خيرا وان أجد حلا أحب معه او به كل أولادي بنفس الدرجة وأتقبل مجرد تقبل زوجي بعد كل هذه السنوات الطويلة معه واشعر بأنني المرأة وهو الرجل . ألا من سبيل إلى ذلك , وهل سيعاقب الله أولادي من الفريق الذى لا أحبه عقاب عقوق الوالدين بسبب مشاعرهم نحوى لأنني لم افعل بهم ما يوصلهم لدرجة ( الكفر ) وعقوق الأم ؟ ولكن هذه مشاعري ولا حيلة لى فيها !

ولكاتبة هذه الرسالة اقول :
هناك قلة من النساء يراودهن دائما إحساس عجيب بأنهن ( ثروة نفيسة من الجمال ) لم يكن ليستحقها أزواجهن .. ولم يكن لها أن توضع بين أيديهم , فيدفعهن هذا الإحساس غير السوي إلى عدم الاقتناع بأزواجهن مهما قدموا لهن من عطاء , ومهما حاول هؤلاء الأزواج استمالتهن ونيل رضاهن خلال رحلة العمر معهم .
والواقع يا سيدتى إن إحساسك القديم بأنك ( آية فى الجمال ) قد رافقك معظم سنوات الرحلة مع زوجك , ووقف حائلا بينك وبينه وساهم فى ذلك انك قد تزوجتيه عن غير حب وعاشرتيه 32 سنة وأنجبت منه عددا من الأبناء وأنت لا تطوين له إلا على المشاعر الحيادية التى لا تنبض بالحب ولا تحمل الكراهية .
ومع تسليمي بأن المشاعر لا تصدر بشأنها قرارات إرادية , إلا أن النفس الراضية تستطيع دائما ان لم تنبعث فى أعماقها شرارة الحب لمن تشاركه رحلة الحياة , أن تحسن عشرته .. وتقدر له عطاءه ومزاياه , وذلك ان المرأة كالرجل فى هذا المبدأ الأخلاقي العادل الذي نبهنا اليه الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه , حين أوصى بقبول من نرضى دينه وخلقه لأنه ( إذا أحب زوجته أكرمها وإذا لم يحبها لم يظلمها ) لكنك لم تتعاملي مع زوجك على ضوء هذا المبدأ العادل , ليس لأنك لم تحملي له مشاعر الحب طوال 32 عاما ولكن لأنك تظلميه بإساءة عشرته وعدم احترامك له وعدم التحفظ فى إشعار أولادك منه بذلك , وبعدم رضاك عنه أو اقتناعك به , وبإنكارك عليه كل مزية يراها فيه الآخرون وتعمى عنها بصيرتك مع انه بإجماعهم طيب القلب وحنون ومع انه باعترافك أيضا لا يعصى لك أمرا وتسيرينه كيفما تشائين .
فأي ظلم أبشع من هذا الظلم ؟! بل وأي بطر أوضح من هذا البطر خاصة انك لا تحبينه ولا تحسنين عشرته ولا ترغبين فى نفس الوقت فى الانفصال عنه !
إن ما تنكرينه عليه هو انه يحب عمله ويعمل دائما حتى لو كان فى أسوأ حالاته الصحية , كأنما لا يطيق البقاء معك فى البيت , وانه كما تقولين بلا مشاعر ولا أحاسيس ولم يقل لك كلمة حب واحدة ولم يشعرك بلمسة رقيقة ! ولهذا فهو ليس الزوج الذى كنت تتمنينه ولا الزوج الذى تحبين الجلوس معه طويلا !
ولست أنكر أهمية المشاعر والأحاسيس واللفتات العاطفية فى العلاقة الزوجية مهما طال بها الزمن .. لكن كل ما تنكرينه عليه لا يبرر أبدا ألا تحترميه أمام أولاده أو أن تنغصي عليه حياته حتى ليقسم لك أبناؤك من الفريق المكروه بأن الله لن يغفر لك ما تفعلينه بابيهم , كما لا يبرر لك أن تجعلي منه موضوعا أساسيا للشكوى إلى الأبناء من أبيهم .. بما يشرخهم نفسيا ويقسمهم إلى فريقين احدهما يتعاطف معك والآخر ينكر عليك ما تفعلين .. فالرجل فى النهاية لا يسئ عشرتك ولا معاملتك ولا يقصر فى أداء واجباته الزوجية والتزاماته العائلية تجاهك وتجاه أبنائك .. ولا يطعنك فى كرامتك بخيانته لك مع امرأة أخرى , ولا يصب عليك جام غضبه كل يوم أو ينهال عليك ضربا وركلا لإساءتك عشرته وتعريضك به لدى أبنائك على هذا النحو المزري , واغلب الظن انه قد انبهر فى بداية الزواج انبهارا شديدا ( بآية الجمال ) التى اهدتها له المقادير وغمرها بحبه ومشاعره وكل أنواع اللفتات العاطفية والرومانسية فلم يجد منها فى المقابل سوى السخط والنفور والجفاء بل واستخسار النفس فيه أيضا , فكف عن التعبير عن مشاعره التى لا يجد لها اى صدى لدى شريكة حياته , ورضي من الحياة بأقداره وتفادى المشاكل معك بالاستجابة لكل رغباتك وتنفيذ كل أوامرك بغير تذمر فماذا تريدين منه أكثر من ذلك يا سيدتى ؟ وهل كنت تتوقعين منه ومع ما تبدينه اتجاهه من جفاء ونفور واستخسار لجمالك فيه ان يفعل معك ما كان يفعله المحب فى اسبانيا القديمة حين كان يستأجر فريقا موسيقيا صغيرا ليغنى تحت شباك حبيبته ( سيرنادا ) الحب والهيام كل مساء !؟
إن الرجل لا تغيب عنه فى أحيان كثيرة مشاعر زوجته الحقيقية تجاهه , مهما كان نوع العلاقة بينهما . والمؤكد ان زوجك قد أدرك منذ فترة طويلة انك لا تحبينه ولا تنطوين له إلا على المشاعر السلبية , فكف أو يئس من استجداء مشاعرك بعد طول العناء وعوض ما يشعر به من تعاسة وحرمان عاطفي فى الانهماك فى العمل , ولم يرفع راية العصيان فى وجهك ولم يتوقف عن تنفيذ أوامرك .
انك تعترفين بجرأة عجيبة انك لا تحبين بعض أبنائك لأنهم مثل أبيهم ويدافعون عنه , وبأنك تميزين بعض أبنائك على البعض الأخر , ومن عجب انك تحاولين تبرير ذلك بأن سيدنا يوسف كما تقولين كان يفضل بعض أبنائه على البعض الآخر ! والواضح انك تقصدين بذلك عطف يعقوب عليه السلام على ابنه يوسف وهو طفل صغير مما أثار حفيظة إخوته الكبار عليه , وردى على هذا التبرير العجيب إن عطف يعقوب عليه السلام على يوسف لم يكن تفضيلا له على إخوته أو تفريقا فى المعاملة بينه وبينهم وحاشا لنبي من أنبياء الله ان يرتكب هذا الإثم وإنما كان عطفا إنسانيا طبيعيا من أب على اصغر أبنائه حتى يشتد عوده تحقيقا للمبدأ التربوي الحكيم الذى يقول : إن أحب أبناء الأب إليه هو الصغير حتى يكبر والمريض حتى يشفى والغائب حتى يعود , وهذا تفاضل مؤقت بالزيادة فى درجة الحب والعطف الذين ينبض بهما قلب الأم والأب لبعض الأبناء مراعاة لظروفهم وليس غمرا لأحد الأبناء بالحب دون إخوته او بعضهم دون البعض الآخر .. او تمييزهم فى المعاملة والحقوق كما تفعلين أنت الآن باعترافك مع بعض أبنائك
فإذا كنت تسألينني هل يعاقبك الله حقا على ذلك فجوابي نعم لان الله قد أمرنا بأن نسوى بين أبنائنا ولو فى القبل فإذا حملت نفس احدنا لأحد الأبناء حبا اكبر من حبنا لباقي إخوته فان الرحمة بكل الأبناء تفرض عليه أن لا يظهر اثر هذا الحب الزائد له أو تفضيله لهذا الابن على إخوته فى شئ ولو كان تافها كقبلة على جبينه
أما عن سؤالك الغريب الآخر عن حساب الله لأبنائك من الفريق المنبوذ على عقوقهم لامهم , فجوابي عليه إن إثم العقوق سوف يقع فى البداية عليك لأنك لم تعينيهم على البر بك , بالمساواة بينهم وبين إخوتهم ولأنك قد دعوتيهم إلى مجافاتك كما تجافينهم , وكرهك كما تكرهينهم لكن ذلك لا ينفى من ناحية أخرى أن من واجبهم تجاه ربهم وليس تجاهك أن يتفادوا عقابه , بالإحسان إليك مهما لاقوه منك , ومفهوم الإحسان هنا لا يعنى الحب بالمعنى الشائع لان النفس لا تستطيع مهما جاهدها المرء أن تحب من يكرهها , ويعلن له عن كراهيته بوضوح , وإنما يعنى فقط ألا يبادل الابن الأم أو الأب كرها بكره وجفاء بجفاء وألا يقصر فى حقوق كل منهما عليه , وان يحسن معاملتهما مهما لقي منهما محتسبا صبره عليهما عند ربه .
وختاما , فإني أقول لك يا سيدتي إن من يطلب حب الآخرين عليه أن يبدأ هو بحبهم , ويمهد أرضه لغرس بذور الحب بينه وبينهم , فتطرح ثمارها بعد حين ويتعاون الجميع على رعايتها .
أما أن يجاهر بكراهية البعض ثم يتعجب بعد ذلك من بعدهم عنه او جفائهم له , فهذا هو الغرور الذى يصور للمرء أحيانا أن من واجب الجميع أن يرتلوا تراتيل الحب والهيام تحت أقدامه دائما , وليس من واجبه هو ان يبادلهم بعض هذا الحب , وظني انك قد عاملتي زوجك بهذا المنطق الفاسد معظم سنوات حياتك معه , وانك تعاملين به الآن أولادك المنبوذين , وتتعجبين بعد ذلك من جمود مشاعر الزوج , وسلبية أحاسيس هؤلاء الأبناء تجاهك ..
فإذا أردت أن تخرجي من هذه الدائرة المغلقة , فابدئي بالرضا عن حياتك وزوجك وكل أبنائك , واعترفي لنفسك بأنك إنسانة عادية ولست آية من الآيات النادرة التى لا يجود بمثلها الزمان على احد , وقدمي العطف والحب لمن تعيشين بينهم تصفو لك قلوبهم ومشاعرهم , وتستريحين من كل هذا العناء .
واحسب فى النهاية أن زيارة الطبيب النفسي قد تفيدك حقا فى تصحيح بعض مفاهيمك الخاطئة عن الحياة والنفس البشرية واستجابتها الغريزية لحب الآخرين او كراهيتهم .. فضلا عما سيفيدك به من مواجهة هذه المرحلة المضطربة من حياتك , والتى احسب انها ترتبط الآن بشكل او بآخر بما تشعرين به من فزع وخوف لبعض التغيرات البيولوجية التى طرأت عليك مؤخرا .. ونبهتك الى انك تدخلي مرحلة جديدة من حياتك فتوقفت ( تراجعين )( وتتسائلين )( وتتذكرين ) ( وتندمين ) على شئ فاتك التمسك به قبل اكثر من 32 سنة ! وكل ذلك من أعراض هذه الأزمة المعروفة فى هذه المرحلة من العمر , ومن المفيد بالفعل أن تستعيني عليها ببعض المطمئنات النفسية .. وتعديل الأفكار الخاطئة .. وشكراً .


         ✿
                              كتبها من مصدرها بكتاب هو وهي والآخرون
                           Ola Othman

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali


إقرأ المزيد Résuméabuiyad

الصفحة الجديدة .. رسالة من بريد الجمعة


أنا سيدة في الخامسة والعشرين من عمري متزوجة من رجل في مثل عمري جمعتنا قصة حب عنيفة وطويلة التقينا فيها في صبانا فكبرنا معا وكبر حبنا معنا .. وأحببته وهو لم تتكون بعد معالم شخصيته وأحببته بكل عناصر شخصيته التي اكتملت وأنا معه فتقبلته بعيوبه وتقبلني بما أنا عليه وأصبحنا لا نستطيع أن نفترق وتزوجنا بعد صراع طويل مع مشاكل المراهقة ومع الأهل الذين بدأ القلق يساورهم تجاه مستقبلنا بسبب حبنا .
وأنجبنا ولدا أصبح الآن في التاسعة من عمره وبنتا في السادسة وأتم الله نعمته علينا بالرزق الحلال وانعم علينا بالصحة فأصبحنا بنعمته أسرة سعيدة والحمد لله فزوجي يحبني جدا ويمتدحني في كل مناسبة ويقول دائما أنه لا يرى في عيبا يمكن أن يشكو منه وأنه لو لم يتزوجني لما طال له زواج وأنا من ناحيتي لا يشغلني في حياتي شيء سوى أن أرضيه وأن أحافظ على الحب الذي يجمع بيننا .. وأنا متوسطة الجمال وجامعية وعلى قدر من اللباقة وعلاقتي بأهله طيبة جدا .. ومنذ 3 سنوات أصبح لزوجي عمل خاص به وبدأ ينجح ويستقر فبدأت أعراض الخيانة تظهر عليه لأول مرة !
فارتبط بإحدى سكرتيراته وكانت فتاة مخطوبة .. وعلمت بارتباطه بها وكانت أول خيانة وصدمة غير متوقعة مع كل ما يجمع بيننا من حب فهزت كياني من أعماقه وكدت افقد عقلي بسببها وبدأت رحلة العذاب والشك والغيرة وعدم الثقة في نفسي وفي زوجي وبدأ زوجي يعني مني ومن ملاحقتي له في التليفون .. ومن رفضي لأية مبررات يقدمها لتأخره في أي مشوار رغم علمي بأن ذلك ليس أمرا صحيا لزواجنا وانتهت المحنة أخيرا بزواج السكرتيرة من خطيبها .. وبدأت التقط أنفاسي وأحاول إن أنسى ما حدث فإذا بزوجي يلطمني لطمه أخرى كدنا ننفصل على إثرها .. وكانت " البطلة " هذه المرة أيضا مرتبطة حتى أنني شككت في أنه يتعمد اختيار البطلات كذلك حتى لا يتورط معهن في زواج أما أكثر ما يحيرني في هذا الأمر فهو أن كلا منهما تعلم تماما منزلتي عنده وأنه لا يستطيع الابتعاد عني أو الزواج منها ومع ذلك يقبلن إقامة علاقات معه وبعد عذاب أطول انتهت المشكلة وأقسم زوجي بالطلاق أنه قد انهي الأمر .. وأنه إذا كرر فعلته مرة أخرى فستكون النهاية بيننا واسترحت لذلك قليلا وبدأت أسترد ثقتي فيه فإذا به يعود إلى نفس الأمر ومع نفس الفتاة !
فقررت الانفصال عنه وطلبت منه مغادرة البيت تمهيدا للطلاق .. وخرج زوجي بالفعل دون أن يحاول ترضيتي أو الدفاع عن نفسه تاركا لي أن أقرر ما أختاره لينفذه متظاهرا بالبراءة ..
وفعلا غادر البيت لمدة يومين فأحسست بافتقاده وبعدم قدرتي على تربية الطفلين وحدي وبعجزي عن أن أتحمل شوقهما له وسؤالهما عنه خاصة أنهما يحبانه وهو يحبهما .. وتدخل بعض الأصدقاء بيننا وقرروا أن نبدأ صفحة جديدة وعاد زوجي إلى البيت وأقسم لي أنه يحبني وأنه لا يستطيع أن يعيش بدوني وبدون أولاده .. وهو لا يكذب في ذلك وأصدقه فيه لكن المشكلة هي في الصراع المحتدم الآن بين قلبي الذي يعشقه وبين كرامتي التي جرحها وكبريائي الذي حطمه .. لقد صدقته لكني لم أثق في أنه قد أنهى الأمر تماما خصوصا إن هناك بعض " العلاقات" التي تثير قلقي وتشعرني بالإذلال لأني لم اصمد ولم أنفذ تهديدي له بالطلاق إذا عاد لخيانتي .. وأحس أن تأكده من أني غير قادرة على تركه يجعله يتمادى في غيه وهو يعرف أن الأمر لن يكلفه سوى إظهار مزيد من الحب لي والتقرب مني .. خاصة أنه يعتبر هذه العلاقات عابرة لا تؤثر على علاقته بي وبأولاده لكني لست راضية عن حياتي معه بعد كل ما عانيته  من آلام نفسية ومن جنون الغيرة والشك في الأزمات السابقة وأريده أن يعلم أن ما يفعله هو كفر بنعمة الله عليه .. وأنني أشعر أحيانا بالخوف من أن ينتقم الله منه لذلك في عزيز من أعزائه وأشد ما أخاف منه أن يكون هذا العزيز لا قدر الله أحد طفلينا .. كذلك أريده أن يعلم أن من يساعد فتاة أو سيدة أن تتلاعب بخطيبها أو زوجها قد يعاقبه الله بمن يعتدي على عرضه كذلك أريد أن توجه كلمة شديدة إلى هؤلاء الفتيات اللاتي يلهثن وراء الرجال المتزوجين لأنه لولا أن هناك من ترضى بأن ترتبط برجل متزوج ما كان هناك أزواج خائنون .. وأرجو أن تشفي كلماتك غليلي .. وأن يجد زوجي النصح عندك .. والسلام .

ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
في كلماتك المحترقة بنار الحنق كل الكفاية , فمهما نسجت من كلمات لن أستطيع أن أشحنها ببعض هذا " الغل" الشعوري الذي تتأجج به كلماتك لهذا سأتجاوز عن هذه النقطة إلى نقطة أهم وأقول لك أن هناك مثلا عربيا قديما يقول " إن ذكر الجفاء في الصفاء ...جفاء !"وأنت يا سيدتي قد فتحت مع زوجك صفحة جديدة وعاد هو إليك مقسما يمين الولاء بين يديك .. وتأكدت أنت خلال غيابه أنك لن تطيب لك الحياة بعيدا عنه فلماذا تجترين الآن أسباب العذاب بعد أن عفوت عما سلف!

إنني معك تماما في أن ما يسميه علاقات عابرة هو إثم لاشك فيه وبطر بنعمة الله عليه وكفر بهذا الحب العظيم الذي يظلل حياته .. بل وأخشى أن أقول أنه صورة أخرى مما يفعله البعض حين تستقر أحوالهم المادية "فيشكرون" الله على نعمته بالاجتراء على حدوده بدلا من شكره بطاعته واتقاء غضبه ..وإلا فلماذا لم تظهر عليه هذه الأعراض إلا بعد أن أصبح له عمل خاص وأصبح له سكرتيرات يستطيع  إغوائهن !
لكني لن أطيل في هذه النقطة وإلا لعدت على رغمي إلى أسباب الجفاء التي أدعوك لتجاوزها .. لهذا فإني أقول لك مرة أخرى أنك قد فتحت معه صفحة جديدة .. فحاولي أن تصدقيه وأن تغفري له ضعفه البشري وهناته ... وألا تسمحي للغيرة الجامحة بأن تفسد عليك حياتك وسلامك النفسي لأن الغيرة وحش يلد نفسه بنفسه ولا يحتاج أحيانا إلى علامات أو شواهد لكي يطل برأسه فيلتهم أسباب السعادة ووحش الغيرة يلد وحشا آخر هو القلق النفسي الذي يؤدي إلى توتر الأعصاب وحدة المزاج فلماذا تفتحين على نفسك أبواب الجحيم ....
وكيف يرضى لك هو بكل هذه المعاناة وأنت رفيقة قلبه منذ عزف أولى أنغام الحب !

فانسي ما جرى لكي تهنأ لك الحياة .. وساعديه على الالتزام الخلقي بك وبأسرته بإشعاره أنك قد استعدت بعض ثقتك فيه .. لأن سوء الظن الدائم قد يدفع المرء أحيانا إلى الخطأ مهونا الأمر على نفسه بأنه متهم في كلا الحالين سواء أخطأ أو لم يخطئ ... واصبري عليه قليلا فسوف يعود إلى رشده عاجلا أم آجلا فمن لم يلتزم بالحب التزم بغيره من غوائل الحياة التي تعلم الإنسان ما لم يعلم .. حماه الله من أجلك وحماك منها مع تمنياتي لك براحة البال .



                
كتبها من مصدرها بكتاب العصافير الخرساء
سمية الكيلاني

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali





إقرأ المزيد Résuméabuiyad

الضوء الأخير .. رسالة من بريد الجمعة


الضوء الأخير
نهر الحياة
أكتب إليك بعد صراع مرير مع نفسي وأرجو أن تسمعني وأن تؤجل حكمك علي إلى النهاية .
أنا سيدة متوسطة العمر نشأت في أسرة فقيرة .. وقاسيت مرارة الحاجة وحين بلغت سن الزواج لم أفكر في الزواج من شاب مثلي لأني كنت في حاجة إلى زوج جاهز يوفر لي المسكن والملبس والمأكل ولا يكلفني شيئاً وقد وجدت هذا الزوج في شخص مطلق له أولاد وعنده شقته ولديه إمكانات الحياة، بل ولا أكذبك إذا قلت لك أني فرحت به بالنسبة لظروفي التي شرحتها لك وهكذا تزوجته واعتزمت أن أحافظ عليه وعلى حياتي الجديدة .. وكان هو أيضاً سعيداً بي .. لكن شيئاً ما في داخلي كان يدفعني دفعاً لإساءة معاملة أطفاله – رغم أنهم أبرياء- ولتعذيبهم.. تسألني لماذا أقول لك لا أعرف .. هل أساءوا إليك أقول لك أنهم أطفال صغار حرموا من أمهم وفرحوا حين وجدوا أما ترعاهم لكن النفس الأمارة بالسوء كانت تدفعني دفعاً لتعذيبهم .. ولم يخف الأمر طويلاً على زوجي .. فلقد أحس- بقلب الأب- بعذاب أطفاله .. ولم يكن هناك ما يربطني به سوى حسن العشرة فلم أنجب منه أطفالاً .. لذلك لم يجد صعوبة في التخلص مني وطلاقي، فعدت إلى الوحدة وإلى معاناة ظروفي الاجتماعية بعد فترة قصيرة من الاستقرار معه..

وحاولت أن أجد مخرجاً من ظروفي فعملت في إحدى الشركات ومن خلال عملي التقيت بتاجر كبير يتعامل مع الشركة له بنات وأبناء متزوجون كان أرمل توفيت زوجته .. ولفت نظري إليه بحديثه الدائم .. عن زوجته الراحلة وأبنائه الذين يتحدث عنهم بحب شديد .. ووجدت نفسي أميل إليه رغم كبر سنه وأتمنى أن أتزوجه .. وشاءت الأقدار أن تتحقق أمنيتي بعد فترة قصيرة إذ فاتحني برغبته في الزواج مني وسعدت بطلبه جداً وسارعت بالموافقة .. وبارك أبناؤه زواجي من أبيهم لكي يجد من ترعاه في وحدته .. ، وشهدوا جميعاً مراسم الزواج وأحاطوا بأبيهم سعداء بسعادته وقال قائلهم أن الحياة لابد أن تستمر وأن من حق أبينا أن يجد من يؤنس حياته بعد زواجنا جميعاً وانشغالنا بأسرنا ، وزففت إليه في حفل عائلي صغير وخرج الأبناء وهم يودعون أباهم بالقبلات ويودعونني بحرارة والبنات يقبلنني ويثنين على جمالي الهادئ وأناقتي ويقلن أنهن فخورات بي .

وأحسست أن هذه الأسرة يجمعها الحب الصادق بين أفرادها .. وحمدت الظروف التي جعلت مني واحدة منهم ، وانتويت أن أستمتع بحياتي .. وأن أكسب حب زوجي وأولاده ، ومضت الأسابيع والشهور سعيدة والجميع يعاملونني بحب واحترام.. وكنت قد تركت عملي وتفرغت لأسرتي الجديدة ووجدت فيها كل ما أحتاج إليه ، لكني يا سيدي بدأت أغار شيئاً فشيئاً من حب زوجي لأولاده وأحفاده .. وبدأ هذا الشيء يتحرك من جديد .. وبدأت أضيق بحديث زوجي عن ذكرى زوجته الراحلة وباهتمامه بأمور أبنائه وبناته ، فإذا أردت أن اشتري فستاناً قال لي زوجي اشتري لأولادي معك .. وإذا فكرت في شراء شيء جديد للبيت قال لي اشترى معه لأولادي .. حتى وجدت نفسي فجأة أكره أولاده وبناته بلا سبب .. وأريد أن أبعد هذا الزحام عن زوجي لكي أنفرد به وباهتمامه .. وبدأت أشكو لزوجي من أبنائه .. وفي البداية لم يكن يسمع لي .. ثم بدأ يسمع ولا يعلق . . ثم بدأ يسمع ويتعاطف معي ببعض الكلمات .. ثم بدأ يسمع ويعبر عن سخطه ببعض الكلمات القاسية .. ثم بدأ يتغير تجاههم تدريجياً .. وأنا لا أدع له فرصة للتراجع ولم يمض سوى عامين حتى كان يكره أبناءه وأحفاده وأنا "أتلذذ" "لذة" الانتصار عليهم !

تسألني مرة أخرى لماذا وسأقول لك لا تسألني لأني لا أعرف سوى أني أردت أن أبعد كل هذا الحشد عن زوجي وأن يخلو لي وحدي .. وأن طبيعتي غلبتني كأني نسيت كل ما جرى في زواجي الأول ونسيت طلاقي وعودتي للعمل ومعاناتي للحرمان مرة أخرى
وبعد أن انفردت بزوجي انقطع الأبناء والأحفاد عن زيارتنا ولم يعد يدخل بيتنا أحد.. وفي هذه الأيام بدأ زوجي بإيحاء وضغط مني يبيع أملاكه لكيلا تكون هناك أشياء واضحة يمكن أن ينازعني فيها أحد ..
والحق أن أبناءه لم يهتموا بذلك بقدر ما حزنوا لمقاطعة أبيهم لهم وحرمانهم منه .. وفي إحدى المناسبات انفجرت ابنته الكبرى فيَّ باكية ودعت الله أن يحرمني من "نظري" كما حرمتها وأخوتها من أبيهم وبدلاً من أن أغضب أو أجزع وجدت نفسي أضحك سعيدة بالانتصار عليهم ..

وتفرق الأبناء .. وبدأوا يهاجرون كل إلى بلد مختلف .. فهاجر بعضهم إلى البلاد العربية وهاجر البعض الآخر إلى أوروبا، حتى البنات هاجرن وراء أزواجهن بعد أن سلمن أمرهن لله في أبيهن .

وخلت الدنيا تماماً من حولنا .. وبدأت أستمتع بالهدوء مع زوجي .. لكنه لم يطل كثيراً .. فلقد توفي زوجي بعدها بعام وفوجئت به وهو في لحظاته الأخيرة يهتف بأسماء أبنائه وبناته وقد كنت ظننت أنه قد نسيهم ..

فاندفعت أقول له أنا بنتك وزوجتك وأمك وكل شيء لك في الدنيا ، لكنه لم يحفل بي وفارق الحياة ولسانه يهتف بأسماء أبنائه وعيناه تبحثان عنهم في ضيق ويأس.

وانتقل زوجي إلى العالم الآخر .. وحزنت عليه لأني وجدت معه الحياة التي أردتها.. لكني تماسكت ودبرت كل أموري بحكمة وكانت كل ثروته تحت يدي أموالاً سائلة فانفردت بها وحرمت كل أبنائه وتجاوزت الأزمة بسرعة .. وعشت حياتي مطمئنة للمستقبل فعندي الشقة التي نقل زوجي عقدها باسمي وعندي أموال في البنك لكن الأبناء لم ينازعوني في الشقة ولا في غيرها وعشت عامين هادئين .. أحيا حياة أرملة ثرية احتاطت للمستقبل باحتياطات عديدة .. عندي سيدة ترعى شئون بيتي وأشغل وقتي بزيارة الصديقات اللاتي تعرفت بهن في السنين الأخيرة أو أستقبل بعضهن في الصباح ونروح نتحدث في أمور الدنيا..وأتفرج على التليفزيون ، وأفلام الفيديو كل يوم ، وبدأت أفكر في استئجار شقة للمصيف أمضي بها الصيف في الإسكندرية ..

وأسرفت في التفرج على أفلام الفيديو حتى بدأت أحس بزغللة بسيطة في عيني ونصحتني صديقة بأن أعمل نظارة تحفظ نظري .. فذهبت إلى أكبر طبيب عيون لعمل النظارة ، واخترت نظارة أنيقة زادت وجهي شياكة وأنا أرتديها.. واستعدت راحتي في التفرج على الفيديو لكن النظارة الجديدة لم تلبث شهرين حتى بدأت تزغلل عيني من جديد فعدت إلى طبيب العيون الذي استبدلها لي بأخرى جديدة ، واستعدت اطمئناني سريعاً .. لكن النظارة لم تلبث أن ضايقتني فاستشرت صديقتي فنصحتني بالذهاب إلى طبيب آخر وذهبت إليه ففحصني بدقة ثم نظر لي طويلاً وقال : يا مدام إن القرنية عندك تضمر منذ زمن .. وقد تأخرت كثيراً في بدء العلاج!

فصرخت فيه : ماذا تعني ؟ فقال : كل شيء بأمر الله! فغامت الدنيا أمام عيني .. وتركت العيادة وأنا لا أرى الطريق وفي طريق عودتي إلى البيت مر شريط حياتي أمام عيني .. من الفقر والحرمان إلى الزواج الأول .. إلى الطلاق والحرمان.. إلى الزواج الثاني إلى الراحة والاطمئنان والمال .. ثم فجأة قفزت إلى مخيلتي صورة ابنة زوجي الكبرى وهي تدعو الله أن يحرمني من بصري كما حرمتها من أبيها وتسمرت في مكاني ..

وسألت نفسي بفزع هل يكون هذا هو النذير؟

لا .. لن يكون إن معي مالاً .. وهناك أطباء .. وسأصرف آخر قرش معي في علاجي..

وبدأت الرحلة المريرة ..وطفت على الأطباء ومراكز العلاج .. وبت ليالي تعسة أنتظر نتائج الفحوص .. وكل يوم يمضي تظلم عيناي فيه قليلاً عن اليوم الذي سبقه .. وتوقفت عن مشاهدة التليفزيون والفيديو وقراءة المجلات ..

وأمضيت أياماً قاسية معصوبة العينين .. ثم انسحب آخر ضوء من عينين منذ أسابيع وتحولت الحياة إلى ظلام قاتم أيكون هذا هو العقاب الذي توعدتني به ابنة زوجي يا سيدي ؟

إنني لا أسألك لكي تجيبني لأني عرفت فعلاً أنه كذلك منذ أن ظلمت عيناي لأول مرة ونفض الأطباء أيديهم مني يائسين..

لكني أُملي هذه الرسالة على أعز صديقاتي التي وقفت معي في محنتي لكي أطلب منك شيئاً آخر .

لقد كنت من قراء هذا الباب قبل أن أفقد القدرة على القراءة وأصبحت الآن أستمع إليه .. وبعد صراع مرير مع نفسي قررت أن أكتب إليك لأطلب منك أن تنشر قصتي لكي تدعو أبناء زوجي للحضور إلي لكي أعطيهم نصيبهم مما ترك أبوهم رحمه الله من مال فصورته وهو ينادي أبناءه لا تفارقني منذ كف بصري .. ووجود مالهم الذي حرمتهم منه معي يلسعني بالنار ويذكرني بما فعلت وبما جنيت وأدعوك لأن تكون شاهداً على أني سوف أبرئ ذمتي أمام الله مما دخلها من مال حرام حين يحضر أبناء زوجي وأعيد إليهم حقوقهم .

ولتسأل الله لي الرحمة .. ولتسأل أبناء زوجي لي السماح والمغفرة وكفاني ما ألاقيه من عذاب والسلام عليكم ورحمة الله .

* ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
إن رسالتك هذه يا سيدتي من الرسائل القليلة التي لا أجد في نفسي أي ميل للتعليق عليها لأن ما تقوله كلماتها لا يدع زيادة لمستزيد إذ ماذا يمكن أن أقول أنا أكثر مما قلت أنت في هذا الاعتراف ؟ وأي كلمات يمكن أن تحذر من ظلم الأبرياء وأنانية الإنسان ووساوس النفس الأمارة بالسوء " أردع" من هذه الخاتمة المفزعة لرسالتك؟

إن كارثة البعض هي أنهم يتصورون أنهم لن يسعدوا أبداً إلا بهدم الآخرين ولن يرتفعوا إلا فوق جثث الضحايا.. ولن يرتووا إلا بحرمان الظمأى من ماء الحياة مع أن الكرة الأرضية تتسع للجميع ويستطيع كل إنسان لو أراد أن يحقق لنفسه السعادة بغير إيذاء الآخرين وأن يجد الأمان بغير أن يشرد غيره وأن يعيش في سلام ويدع الآخرين يعيشون حياتهم في هدوء .. لكن ذلك يبدو صعباً إلا على من يتقون الله فيجعل لهم مخرجا.. ويغرس القناعة والطمأنينة في نفوسهم.

إنك تتساءلين أهو العقاب! نعم يا سيدتي هو العقاب بل هو العدل الإلهي الذي يغيب عن أنظار البعض في قمة اندفاعهم لإشباع أهوائهم .. حين يتصورون أن الدنيا بين أيديهم وأنه لا عقاب ولا حساب .. كما ضحكت أنت مثلاً بشماتة وابنة زوجك لا تملك إلا دعاء العاجزين !

الآن انتهى وقت الضحك يا سيدتي .. وجاء وقت الحساب.. ووقت الضعف البشري ، والتماس العفو ممن قسونا عليهم وظلمناهم .. والظلم شر القبائح كما كان يقول أبو العلاء المعري .. وما أعجب الإنسان في جبروته .. وما أضأله في ضعفه ! لكني لن أطيل عليك في ذلك لأنك قد عرفت الآن كل ذلك وبثمن غال تهون معه كل أموال الدنيا أعانك الله عليه وشفاك منه فأما أبناء زوجك فإني أدعوهم للعودة إليك واستعادة حقوقهم التي طابت نفسك لأن تؤديها لهم الآن ، وأما دعوتي لأن أكون شاهداً وشهيداً على ذلك فإني ألبيها مرحباً بأن أسهم في مثل هذا العمل الخير لعله يكون طريقك إلى العفو ممن يملك العفو والمغفرة أما عفو أبناء زوجك عنك فأمره مردود إليهم إن شاءوا فعلوا وهو أكرم وأكثر قربى إلى الله وإن شاءوا أبوا حتى بعد استرداد حقوقهم ، فلا جناح عليك في ذلك ولا جناح عليهم لأنك لا تطلبين "جائزتك" منهم وإنما تطلبينها ممن يملك منح الجوائز .. وأكبرها شأناً أن يقبل توبتك ويغفر لك ويفرج كربتك ويغرس الطمأنينة في قلبك .. سبحانه وسعت رحمته كل شيء .. وهو على كل شيء قدير.

   
كتبها من مصدرها بكتاب نهر الحياةAhmed Mahmoud El-magnoon

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali








إقرأ المزيد Résuméabuiyad

مغيب القمر .. رسالة من بريد الجمعة

أعدت منذ أيام قراءة رسالة قديمة كانت بعنوان‏ (‏ جمال الذكرى‏)‏ فسالت دموعي للمرة الثانية بعد أن بكيت مع هذه الرسالة حين قرأتها لأول مرة‏,‏ وفيها تتحدث فتاة فقدت اباها عن مشاعرها وحزنها على أبيها‏,‏ ورددت أنت عليها بأن حب الأب لابنائه هو الحب الأبدي السرمدي الذي لا يموت‏,‏ وقد دفعتني هذه الرسالة مع رسالة أخرى نشرتها أخيرا لقاريء يتحدث عن فقده لابيه وتجربته لليتم في خريف العمر‏,‏ فوجدت نفسي أريد أن أتحدث معك ومع قرائك عنه اي عن أبي ‏..‏ فأنا زوجة شابة في السادسة والعشرين من العمر لشاب ممتاز خلقا‏,‏ ولدي ابنة وأنا وزوجي خريجان في إحدى الكليات العملية المرموقة ونمتلك مشروعا يتسق مع مهنتنا ونعمل فيه معا‏.‏
وقد تفتحت عيناي للحياة لأعرف أن أبي الحبيب مريض بالكبد وكنت أخشى دائما خبر موته برغم أنه في طفولتي كان في قمة نشاطه‏,‏ ولم يكن المرض قد تحكم فيه تماما بعد‏,‏ وكان رجلا مرموقا في عمله وبلغ أعلى المناصب الإدارية‏,‏ لكنه في المنزل كان صديقا في مثل سني أروي له عن مدرستي وصديقاتي وأحزاني الصغيرة‏,‏ وكان صديقا لصديقاتي وكن يحببنه واذكر اني كتبت ذات يوم قصة ساذجة وانا في السنة الثالثة الابتدائية فأخذها وطبعها على الآلة الكاتبة لكي أشعر بأهميتي وناقشني في أحداثها الساذجة باهتمام‏,‏ وكنت أراه في طفولتي بارا بجدي وجدتي لاقصي حد ‏..‏ وكان وهو في أعلى مناصبه ينحني على يد أبيه  
ويقبلها ويستشيره في كل أموره بالرغم من بساطة تعليم جدي‏,‏ لو قارنته بأبي‏,‏ وكنت أراه صبورا وحليما مع إخوته الذين لا يصبرون أو لا يصلون الرحم بنفس القدر‏,‏ فكنت اسأله في غيظ لماذا لا تتعامل معهم مثلما يعاملونك؟ فكان يرد إن لكل إنسان سلوكه وانه لن يستريح إلا إذا تصرف هكذا‏,‏ ولقد كنت متفوقة دراسيا وكان أبي فرحا بي ويستشيرني في كل الأمور ليشعرني بأهميتي برغم أنني لم أكن الابنة الوحيدة له‏,‏ وإنما الثالثة بين أربع بنات كل منهن كان لها لديه ما لي من المحبة والاهتمام‏,‏ وكنت في طفولتي وصباي أتبادل معه الرسائل ونحن في نفس المنزل‏,‏ فأكتب له عن مشكلة وأقرأ رده على في خطاب يسلمه لي أو اكتب له عن حلم رأيته وانتظر تعليقه ولم يكن ينتقص أبدا من شأني أو شأن كتاباتي‏,‏ وإنما شبهني ذات مرة بالفلاح الفصيح الذي كاد الملك ألا يرد على رسالاته ليستزيد منها‏ !!‏ ثم مضت بي الأيام‏,‏ فكان أبي مظلتي التي احتمي بها من العواصف وشريكي في كل حلم حلمت به‏,‏ وكل ألم تألمته وعندما أصبحت آنسة كان يلحظ البثرة في وجهي قبل أن ألحظها وينبهني الي علاجها ويحضره لي وكان يقف وهو الرجل المرموق لكي يعد لي‏,‏ ولأخواتي‏(‏ الكبدة الاسكندراني‏)‏ التي نحبها‏,‏ وكل هذا وهو مريض بدائه المزمن الذي يعاني أحيانا مضاعفاته وأحيانا أخرى يهدأ المرض ويستقر‏,‏ ونحن معه في كل حال إلى أن وصلت إلي الثانوية العامة واستجبت لرغبته في الالتحاق بكلية معينة مرموقة لم أكن أرغبها لكن كانت تكفي رغبته لكي أحقق له ما أراد‏..‏ وكان يضع معي جداول المذاكرة ويهتم بكل شئوني ويعرف كل من أتعامل معهم حتى العامل الذي يحضر لنا الكيماويات في المعمل‏,‏ ثم اشتد عليه المرض ونزف دما والأطباء حائرون لا يعلمون مصدر النزيف وكنت في السنة الثانية الجامعية‏,‏ ودخل المستشفى أكثر من مرة إلى أن اتضح أن لديه كلية مصابة بالمرض اللعين فهل جزع؟ أبدا والله العظيم برغم ان سوء حالته العامة كان لا يشجع الطبيب أصلا علي تخديره وإزالة الكلية لكنه كان لا يشكو‏,‏ وكنت تشعر كأنه مريض بالانفلوانزا والصفائح الدموية تقل بنسبة مخيفة ولا يمكن أن تتم العملية دون ارتفاع نسبتها‏,‏ وجريت أنا وأختي نجمع المتبرعين من طلبة الكلية ووفقنا الله ووقف إلى جانبنا الكثيرون‏,‏ ثم تمت العملية ونجحت برغم ارهاصات الفشل‏!!‏ وخرج أبي من المستشفي بعد رحلة عصيبة‏,‏ ومن عجيب أن أبي ـ وكلنا بنات كما أسلفت ـ قد خرج من المستشفي وله ابن ذكر‏,‏ وهو مهندس شاب رأى أبي جالسا على مقعده المتحرك وقد تركه العامل المنوط به‏,‏ فإذا بالمهندس يتقدم اليه ويعرض خدماته ويطلب منه أن يعتبره ابنه الذكر‏..‏ ويكون كذلك إلى أن يواري أبي الثري وهو معنا؟‏!‏

وكان هذا المهندس من مهندسي الصيانة بالمستشفى‏,‏ لكنه أضحى عزيزا على قلب أبي‏,‏ وكذا كان طبيب شاب آخر بالنسبة له‏,‏ فكان يأخذ رأيه في حياته الشخصية والعملية لرزانة عقل أبي وسعة صدره وبمجرد خروج ابي من هذه العملية دخلت أنا في أزمة نفسيه حادة وهلاوس أفسرها بالضغط النفسي الشديد الذي تعرضت له خلال مرض ابي‏,‏ فهل تعرف ماذا فعل؟ لقد سخر نفسه لي‏..‏ يطعمني ويصحبني في كل مكان ويسافر بي هنا وهناك ويعرضني علي أطباء النفس وعلى الشيوخ‏,‏ وهو الرجل الذي لم تلتئم بعد جراحته‏..‏ وكنت خائفة بشدة من دخول الامتحان لكن أبي كان يقف أمام اللجنة ليطمئنني حتى عرفه الأساتذة ثم أخذ الله بيدي وأخرجني من أزمتي بعد عذاب‏,‏ وواصلت طريقي في الكلية وازداد أبي الجميل نحولا وهزالا وضعفا بسبب المرض ولطالما تمنيت أن نزرع له قطعة من كبدي لكي يعيش مستريحا‏,‏ ثم وصل به الحال إلى أن أصبح طعامه شيئا تعافه الأنفس بلا ملح ولا دسم ولا ليمون ولا بروتين ومع ذلك كان صابرا علي البلاء وشاكرا فضل الله عليه‏,‏ وكان وهو في حالته المرضية هذه الخال الذي خطبت إليه بنات أخواته‏,‏ وكان الجد الذي يلاحظ كل شيء يخص أحفاده ـ وكان الأب الحبيب إلى القلب والنفس‏,‏ ولو تركت قلمي لسرد الكثير عنه‏..‏ لكني أصل إلى لحظات رحيله بقلب واجف من 
 الذكرى فقد هاجمته الغيبوبة‏,‏ ولم نكن نعرف انه في غيبوبة‏,‏ لأنه كان يمشي ويتحرك ويفكر لكن كان لا ينام ورافقناه في رحلته الأخيرة إلى مستشفي عين شمس التخصصي وتناوبنا المبيت معه بالرغم من إرادته‏,‏ كل واحدة يوم وفي يومي تركت ابنتي وكان عمرها خمسة أشهر ونمت على البلاط إلى جواره بعد أن فرشت ملاية على الأرض‏.‏

وأعيش معه لحظات الحقنة الشرجية لإخراج السموم عساه يفيق‏,‏ وأعيش معه آلامه التي فاقت الاحتمال وإحساسه اليقيني بالنهاية ونظرات الأطباء لا تحمل إلا اليأس حتى لتطلب إحدى الطبيبات إخراجه ليموت في بيته فيرفض طبيبه المعالج ويصمم على بقائه لتقديم الرعاية له‏,‏ ثم يأتي يوم النهاية في حياته الجميلة وأكون إلى جواره أنا وأختي وهذا المهندس الذي أشرت إليه وتتدهور الحالة للغاية وأصلي الضحى وأدعو ويتقيأ ابي دما ثم ينقل إلى الرعاية المركزة وأقف أنا وأخواتي كالأصنام علي الباب وفي ذهني كلمة لا افهمها غمغم بها أبي قبل دخوله الرعاية اذ قال لي‏:‏ لا تصدقي حين يقال لك إنها مسألة أيام‏,‏ وقمت إلى الطبيب أسأله عما يتوقعه لأبي فقال لي‏:‏ انه سيموت خلال أيام‏,‏ لكن أجمل ما في الحياة انه رحل بعد ساعات كما أراد أن يقول لي‏,‏ ودخلت عليه كالمذهولة ورأيته في موته جميلا رقيقا رغم أنابيب التنفس الخارجة من فمه فأقبله وأقول‏:‏ إلى الجنة ونعيمها يا أبي‏,‏ ثم أقبل بطنه المنتفخ وقدمه الحبيبة ويكون هذا أخر عهدي به وتظلم الحياة في وجهي وتساورني الوساوس والشكوك‏,‏ والآن فإني اطلب منك ان تقول لكل ابنة وابن حافظوا على الأب والأم فلحظة الوداع مخيفة ‏..‏ مخيفة وحين يرحل الأب ترحل معه أشياء كثيرة ‏..‏ مكانتك عند الناس‏,‏ والمظلة التي تحميك‏,‏ الأمطار‏,‏ والرداء الذي يحميك من الصقيع‏,‏ والابتسامة التي تبدد حزنك‏,‏ فقد انطفأ قلبي منذ رحل أبي ولم اعد ابتهج لشيء كما كنت ولم اعد احزن أيضا لشيء بشدة‏,‏ أزور قبره ادعو له في كل سجدة وأصلي صلاة قضاء الحاجة  
يوميا‏,‏ فأدعو الله ـ وهذه حاجتي ـ ان يغفر له وأخرج له الصدقة لعل الله يتقبل مني وامضي في الحياة ولم يعد فيها من يهمه أمري إلا بقدر ما أقدم له من عطاء بعكس ابي وأملأ المنزل بصوره وأذكره كل يوم وأبتهل إلى الله أن ألقاه في جنته‏,‏ فأرجو ان تدعو لأبي بالرحمة أنت وقراؤك وان تكتب لكل ابن أن يحافظ علي مظلته قبل ان ترحل عنه‏..‏ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏.‏

ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏

معظم الآباء الذين يخلفون وراءهم أعظم الأثر في وجدان أبنائهم‏,‏ ويحفظ لهم الأبناء دائما أجمل الذكرى‏,‏ يمكن أن ينطبق عليهم قول القطب الصوفي أبي الحسن الشاذلي نحن كالنعام التي تربي أبناءها بالنظر‏,‏ إذ يقال أن النعامة لا ترقد على بيضها‏,‏ وإنما تحتضنه بالنظر إليه باستقامة وثبات فتنبعث من عينيها حرارة تسهم في إنضاج البيض‏,‏ فإذا تعبت جاء ذكر النعام ووقف مكانها بنفس الطريقة لا يلتفت يمنة ولا يسرة فإذا فعل خفت الحرارة وبرد البيض‏,‏ وعن ذلك فعلت بعض الكنائس عادة وضع بيضه النعامة في المحراب لتوحي للمصلين أن الصلاة لا تقبل إذا اعترى المصلي أي التفات أو انحراف‏..‏
ولو راجعنا مسيرة معظم الآباء الطيبين الذين ملأوا حياة أبنائهم بالحب والدفء والعطاء‏..‏ لكدنا نقول إنهم قد ربوا هم أيضا أبناءهم بالنظر أي بالحب والصداقة والفهم والاقتراب منهم ومراعاة مشاعرهم وتقديرهم وبلا ادني عنف أو قهر أو إيذاء جسدي او نفسي أو فرض للإرادة فيما يحق للأبناء ان يكون لهم رأي مستقل فيه‏,‏ وأيضا بلا مّن عليهم ولا أذى وبغير إشعارهم بأنهم عبء ثقيل عليهم يترقبون بنفاد الصبر يوم التحرر منه ببلوغ الأبناء سن العمل والكسب‏.‏

ففي النظر أي في التواصل الوجداني بين الآباء الطيبين والأبناء الصالحين ما يغني عن كل ذلك‏.‏
ولهذا يفتقد الأبناء أمثال هؤلاء الآباء حين يرحلون عن الحياة بشدة‏,‏ ويشعرون بالفعل كما أشرت في رسالتك بأن المظلة التي كانت تحميهم من لهيب الشمس وصواعق السماء قد رفعت عنهم‏..‏

وما يقال عن الأب الصالح يقال أيضا عن الأمهات الطيبات اللاتي يتواصل عطاؤهن لأبنائهن من قبل مجيئهم للحياة و إلى اللحظة الأخيرة من حياتهن‏,‏ فعسي ان يدرك بعض الأبناء الشاردين أي خير عميم يرفلون فيه وهم في ظل آبائهم وأمهاتهم‏,‏ وعسي ان يحرصوا علي إرضائهم وإسعادهم ورد الجميل إليهم قبل أن تغيب شموسهم وأقمارهم ذات يوم وراء السحاب‏.‏

نشرت بتاريخ 31 أكتوبر 2003

   
نقلها من مصدرها بأرشيف جريدة الأهرام
رفيدة محمد إسماعيل

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali





إقرأ المزيد Résuméabuiyad

 

سجل إميلك وتوصل بمواضيعنا :