الشئ الغامض .. رسالة من بريد الجمعة


" الضمير الحي قد تصيبه أحيانًا غاشية فيغفو قليلاً أو يتغافل لكنه لا يموت أبدًا، ليستعيد عافيته – بعد قليل – ويحاسب نفسه عن اختياراتها ، ويردها إلى الصواب ".

أنا سيدة نشأت في أسرة متوسطة بين أبوين فاضلين وشقيقين يكبرانني، وعشت حياتي في هدوء حتى التحقت بكلية مرموقة ، وتقدمت في سنوات التعليم الجامعي حتى قاربت على نهايتها دون أن يجذب نظري أحد من زملائي أو يخفق قلبي لأحد برغم أني قد تعرفت ببعض الزملاء وتشاركنا في بعض الرحلات والأنشطة الجامعية وفي عامي الأخير بالجامعة ، اقترب مني أحد الزملاء أكثر من غيره .. وأحسست باهتمامه الخاص بي، وبإحساس طالبة جامعية توشك أن تودع الجامعة وتستشعر القلق لعدم ارتباطها بمشروع زواج مع أحد وجدت نفسي أكثر استعدادًا لتقبل اهتمامه بي عن السنوات الماضية .. ويومًا بعد يوم بدأت أستجيب لمشاعره .. إلى أن فاتحني برغبته في الارتباط بي قبل امتحان العام الأخير بأيام .. ووجدت كل ظروفه ملائمة فهو مثلي من أسرة متوسطة ، ووالده موظف محترم ووالدته ربة بيت من أسرة طيبة ، وله شقيقتان أصغر منه .. وهو إنسان جاد ومستقيم ومتفوق في دراسته ويتصرف مع الجميع برجولة . وبعد أداء الامتحان وظهور النتيجة ونجاحنا معًا اتصل بي في بيتي يطلب موعدًا لزيارة أسرتي ، وجاء مع أسرته وطلب يدي وخلال فترة الخطبة تفتحت مشاعري الحقيقية له، وأحببته بجنون ووجدته إنسانًا طيبًا وعطوفًا ومتيمًا بي ، وتعاونا معًا على تكاليف الزواج بغير إرهاق لأحد الطرفين وعمل خطيبي بسبب تفوقه في وظيفة مناسبة لتخصصه بإحدى الهيئات وعملت أنا في هيئة أخرى في نفس التخصص بعده بقليل ، وبعد عامين من الخطبة تزوجنا وانتقلنا إلى عش أحلامنا السعيدة ، وأنجبت طفلتي الأولى بعد عام من الزواج ثم أنجبت طفلين بعدها ، وأصبحت أسرتنا الصغيرة هي واحة زوجي التي لا يرتاح إلا فيها ، وبالرغم من معاناتي في الجمع بين عملي وبين رعاية الأطفال الثلاثة وهم في أعمار متقاربة ، فقد حرصت دائمًا على ألا أقصر في واجباتي تجاه زوجي العاشق الذي لا يكف عن إعلان حبه لي في كل مناسبة ، وفي وسطنا العائلي وبشكل كثيرًا ما أسعدني وأثار فخري واعتزازي ، فحرصت دائمًا على ألا أبدو أمامه إلا في أجمل صورة وأنا جميلة إلى حد كبير والحمد لله ، وحرصت على الاستجابة لكل اللمسات الشاعرية التي يحبها زوجي ويرتاح إليها وعلى تلبية كل دعوة منه للخروج وحدنا في المساء لتناول الطعام .. أو زيارة  الأصدقاء .. أو حضور حفلة أو مناسبة ، أو حتى المشي فوق كوبري 6 أكتوبر وتناول الآيس كريم في أي محل في الطريق فأودع أطفالي الثلاثة بيت أمي .. وأرتدي أجمل ملابسي وأخرج معه وألحظ بسعادة سروره وفخره بي ، وارتياحه لوجودي معه .. وحين كبر الأطفال وتحسن دخلنا .. حرصت على الاستعانة بشغالة بأجر اقتطعته من مرتبي .. لكي تخفف عني متاعب البيت وتتيح لي وقتًا أطول لقضائه مع زوجي الذي لم أعرف رجلاً غيره في حياتي ، وتعودت ألا أخفي عليه شيئًا من شئون عملي أو أسرتي ، وكان هو أيضًا لا يخفي عليّ شيئًا ، ويصارحني بكل صغيرة وكبيرة في حياته ، حتى أنظر للحياة بعينيه وأكره من يكرههم وأحب من يحبهم .. وأعرف عن زمائه وعمله كل شيء .. وأعرف من يدبرون له الدسائس في عمله .. ومن يتعاملون معه بشرف ، وأعيش معه كل مشكلة من مشكلات العمل بتفاصيلها حتى تنتهي وأشد من أزره وأنصحه بما أراه في صالحه .. وأوفر له الجو الهادئ للعمل في البيت وأبعد عنه الأطفال حين ينشغل بعمل إضافي ، وبسبب كفاءته وجديته في العمل ارتقى فيه سريعًا .. وحقق لنفسه مركزًا مرموقًا ، وتقدمت أنا أيضًا في عملي لكني لم أحقق فيه ما حققه هو في عمله من نجاح بسبب كفاءته وكفاحه فسبقني في الترقية للمنصب الأعلى ، وأصبحت له غرفة مكتب مستقلة وسكرتيرة ومساعدون ، ومضى خمسة عشر عاما على زواجنا حققنا خلالها أكثر ما حلمنا به لأنفسنا من نجاح وحب وسعادة ، فانتقلنا إلى شقة جميلة في حي آخر ، وأعدنا تأثيث مسكننا بما يتلاءم مع مركزنا الاجتماعي الجديد ، ورأيت أن وضعه قد أصبح يفرض عليه أن يمتلك سيارة ملائمة .. فبعت مصوغاتي واقترضت مبلغًا من شقيقي الأكبر ودفعت ما جمعته كمقدم لسيارة اشتريتها باسمه على أن يدفع هو أقساطها .. وفاجأته بالخبر عند توقيع العقد .. ولم أقبل اعتراضه على شراء السيارة باسمه ، وأصررت على ذلك وسافرنا بها إلى المصيف .. وأصبحنا نخرج بها معًا في الأمسيات .. ونذهب إلى النادي وبيت أسرتي .

وفجأة يا سيدي وجدت زوجي العاشق يبدي فتورًا عجيبًا نحوي ، فلم يعد الزوج المحب الذي عرفته ملهوفًا عليّ منذ فاتحني برغبته في الارتباط بي في عامنا الأخير بالكلية ولم يعد الصديق العطوف الذي لا يستريح في مكان إلا إذا كنت إلى واره فيه ، وبدأ يتأخر في العودة للبيت ، ويمضي معظم ساعات اليوم في العمل .. ويخرج في المساء كثيرًا ويعتذر عن اصطحابي معه بأعذار مختلفة .

وحرت في فهم أسباب تغيره تجاهي ، وراجعت تصرفاتي معه عسى أن أكون قد أغضبته في شيء فلم أجد فيها ما يبرر هذا التغير إذ لم نختلف على شيء ولم تشهد حياتنا طوال 15 عامًا سوى بعض الخلافات العابرة البسيطة التي لا تخلو منها حياة زوجية ، ولم يطل خلاف منها عن بضع ساعات يبدأني بعدها بالاعتذار أو الكلام أو أبدأه أنا به ، أما الآن فقد حلّ الفتور والصمت بيني وبينه بلا سبب واضح ، وأصبح لا يبدأني بكلام .. ولا يتحدث معي إلا إذا بدأته بالحديث ، ويبدو مهمومًا بشيء غامض ومحرج لسبب لا أدريه وتوقعت أن يفاتحني بما يشغله .. فلم يفعل فسألته عما به فلم يجبني سوى بأنه مهموم بمتاعب العمل وبأنني قد تعودت على أن يعزف لي باستمرار أنغام الحب فإن توقف عنها للحظات لانشغاله بهموم العمل أو الحياة تصورت أنه قد تغير ، ولم أقتنع بهذا التفسير ومع ذلك فقد تظاهرت بقبوله ، وتعاملت معه بطريقة طبيعية .. وإن كنت لم أكف عن محاولة اكتشاف أسباب تغيره ، وبعد مفاتحتي له بأيام طلب مني زوجي لأول مرة منذ زواجنا أن يبيت في غرفة مستقلة لأنه يريد أن ينفرد بنفسه لفترة من الزمن وبرغم تألمي لهذا الطلب الغريب إلا أنني وافقته عليه على أمل أن يساعده ذلك على استعادة نفسه ، والعودة لحالته الطبيعية . واضطررنا - لإيجاد غرفة نوم جديدة في مسكننا – إلى أن نقسم غرفة الأولاد إلى قسمين بحاجز من الخشب وإلى شراء فراش ودولاب جديدين ، وأصبحت لزوجي غرفة نوم مستقلة انتقل إليها ، وواظب على النوم فيها بعيدًا عني .

ودام هذا الحال بضعة شهور لم يقترب خلالها مني بأي شكل من أشكال الاقتراب ، ولم نخرج معًا إلى سهرة عائلية .. وظل زوجي خلالها مهمومًا بالشيء الغامض الذي لا أعرف كنهه ، ويتفادى التقاء نظراتنا وأشعر بأنه يعاني من إحساس بالخجل مني . وأدركت بغريزة المرأة أن هناك "أخرى" قد ظهرت في حياته ، وأنه يعاني من التمزق بيني وبينها ويحس بالذنب تجاهي ، ولأني أعرف زوجي جيدًا وأعرف أخلاقياته واستقامته وتدينه فلقد أدركت عمق أزمته وهو الإنسان الجاد المستقيم الذي لا يعرف الخداع .. ولا يستطيع التظاهر بغير ما يحس ، ولا يستطيع "العبث" مع أي امرأة لتدينه وخوفه من ارتكاب معصية ، فإذا كان قد "عرف" فتاة أو سيدة أخرى .. فلابد أنه قد وقع في غرامها ويحاول أن يجد مخرجًا من أزمته بطريقة شريفة ، وفكرت ماذا أستطيع أن أفعل لأنقذ سعادتي من هذا الهجوم الغادر عليها .. وبدأت أتقصى أخباره بحذر .. فإذا بي أعرف أن قصته شائعة في جهة عمله وعلى ألسنة زملائه الذين يتأسفون لما أصابه من اضطراب لا يليق برجل جاد مثله ، ويروون كيف أن فتاة تصغره ب 17 عامًا قد عينت منذ عام بإدارته .. ونصبت شباكها حوله لما رأته من سمعته الطيبة ومكانته في العمل .. فبدأت تبدي اهتمامها به .. وتستشيره في مشكلاتها الخاصة .. ثم طلبت مساعدته لها في امتحان القسم الأول من الماجستير فساعدها بشهامته المعروفة عنه حتى نجحت في الامتحان وبدأت تعد رسالتها ، ثم صارحته بأنها قد أحبته ، وترى فيه بأنه فتى أحلامها برغم أنه متزوج وأب لثلاثة أبناء .. وعلمت أن زوجي قد قاومها في البداية طويلاً ، وحاول تحديد علاقته بها في إطار العمل .. ثم انهارت مقاومته .. وأصبحت هذه الفتاة التي لا ضمير لها هي شغله الشاغل التي يخرج معها لقضاء مصالحها وحل مشكلاتها الكثيرة .. ويذهب معها إلى كليتها ليوصي عليها زملاءنا القدامى الذين ساروا في سلك التدريس الجامعي ، واضطربت أحواله في العمل .. وفي البيت .. وفي كل مكان . ووقفت مشدوهة أمام ما سمعت .. وأصارحك بأنني لم أغضب من زوجي لانزلاقه في هذه القصة بقدر ما غضبت من هذه الفتاة المستهترة التي لم تتورع من إغواء زوج وأب لثلاثة أطفال ورجل معروف في عمله بالاستقامة والجدية ، إرضاءً لرغباتها وأطماعها الحقيرة .. وقررت ألا أتخلى عن زوجي في محنته وبذلت كل جهدي لأن أستعيده بغير أن أحرجه أو أسئ إليه ، أو أجرح مشاعره ، وتشاورت مع شقيقيّ اللذين يحبانه ويحترمانه فيما أفعل واتفقنا على أن أحاول اجتذابه إليّ ليعود كما كان مع محاولة إبعاده بقدر الإمكان عن هذه الفتاة وعانيت الكثير لكي لا أجرح مشاعره أو أثور عليه وهو يعود إليّ في المساء بعد يوم طويل أمضاه معها .. فيتفادى نظراتي إليه ويجلس مع أولاده مطأطئ الرأس ويتشاغل بالحديث معهم لدقائق .. ثم ينسحب لغرفة نومه بدعوى أنه مرهق وسينهض من النوم مبكرًا ، وبرغم جرحي الشخصي منه فقد احتفلت بعيد ميلاده وقدمت له سلسلة مفاتيح ذهبية محفورًا عليها تاريخ اليوم الذي اعترف لي فيه بحبه ونحن طالبان بالسنة النهائية في الجامعة تقبلها شاكرًا وهو خجلان وأخيرًا ضقت بصبري وانتظاري فقررت مواجهة غريمتي لإقناعها بالبعد عن زوجي والاختفاء من حياته ، وتحايلت حتى حصلت على رقم تليفونها ، واتصلت بها وحادثتها بكل رقة ورجوتها أن تبتعد عن زوجي وألا تحرم أبناءه منه وألا تلعب بمشاعره وهو الرجل الصادق الذي لا يعرف الخداع وهي الفتاة الصغيرة التي تستطيع أن تجد بسهولة من يحبها ويتزوجها دون أن يكون مثقلاً بزوجة وأبناء ، وبكيت وأنا أكلمها وأرجوها فلم تجبني بكلمة مريحة واحدة ولم تزد إجابتها على كلمات من نوع : ولماذا لا تقولين له هو هذا الكلام ؟ أو : وماذا بيدي أن أفعل هل أضربه وأرغمه على العودة لك ؟

ولم أجد جدوى من الحديث معها فأنهيت المكالمة شاكرة ومعتذرة لها عن إزعاجها .. وفي اليوم التالي رأيت وجه زوجي يتضرج بالاحمرار كلما نظرت إليه ، فكدت أثور عليه وأنفس عما في صدري لكني أشفقت عليه من خجله وحرجه وانكساره أمامي فلم أفعل ، وبرغم يأسي منها فقد كررت معها المحاولة مرة أخرى فكانت أكثر جرأة عليّ من المرة الأولى ، وقالت لي بوقاحة تُحسد عليها إن زوجي ليس "سعيدًا" معي .. وإنني لم أسعده ، ومن حقه أن يبحث عن سعادته حيث يجدها ، فوضعت السماعة وأنا أشعر بالحمى ، وبالفعل مرضت بعدها وارتفعت درجة حرارتي وأمضيت يومين عليلة في الفراش واساني خلالهما زوجي وهو يتفادى نظراتي أيضًا .. ووضع يده على جبهتي ليجس حرارتي فكانت المرة الأولى التي يلمسني فيها منذ عام طويل !

وتكررت بعد ذلك أزماتي الصحية .. وأصبح الصداع وارتفاع ضغط الدم يلازماني بصفة شبه دائمة .. ولاحظ أهلي سوء حالتي الصحية والنفسية .. فبدأ شقيقاي يطالباني بحسم موقفي من زوجي حتى لا أظل فريسة للمرض بلا طائل وعرض عليّ شقيقاي الأمر بصورة واضحة .. فإما أن أستمر في حياتي مع زوجي من أجل الأبناء ولكن دون معاناة نفسية وصحية إلى أن يعود إلى رشده حين يأذن الله له بذلك ، وإما أن أواجهه وأطلب الانفصال منه .. وأتزوج غيره إذا رغبت في الزواج ولن يكون الأبناء مشكلة في طريق زواجي لأنهم جميعًا فوق سن الحضانة وسيكون زوجي ملزمًا برعايتهم . وفكرت في الأمر طويلاً .. فلم أتوصل إلى حل مريح فلا أنا قادرة على الاستمرار في هذا الوضع مع تجنب المعاناة النفسية كما يطالبني شقيقاي ولا أنا قادرة على اتخاذ قرار المواجهة والانفصال وبدء حياة جديدة من رجل آخر غير زوجي الذي لم أعرف رجلاً سواه ولم أحب رجلاً سواه ولا أتصور أن تكون في حياتي رجل غيره بعد أن بلغت الثالثة والأربعين منذ أيام ،ولا زوجي الغائب الحاضر يعود من "غيبته الطويلة" ويرجع كما كان زوجًا وعاشقًا وأبًا مثاليًا لأولاده . وقد زاد من معاناتي ما علمته من أنه مازال مستمرًا مع "الفاجرة" الأخرى .. وأن المشكلة التي تواجههما لتتويج الحب والزواج هو رفض أسرتها القاطع لقبوله زوجًا لابنتهم بسبب ظروفه الاجتماعية وفارق السن في حين تصرّ هي على الزواج منه وتبحث بجد – ويبحث هو معها  عن فرصة عمل لها في الخارج لكي تضرب عرض الحائط بمعارضة أبويها وتعقد قرانها عليه وتسافر وتستدعيه للحاق بها فهل تصدق ذلك يا سيدي – وهل تصدق أن ينقاد زوجي العاقل المحترم المحبوب من كل من يعرفه لرغبات هذه الفتاة المستهترة التي تريد أن تهدم بيتًا كان سعيدًا لمجرد أن تنتصر عليّ في هذه المعركة الشائنة ؟ إن زوجي مازال في عزلته وصمته وخجله .. يؤدي واجباته المادية والاجتماعية تجاهي وتجاه أطفاله في صمت ولا يعارضني في شيء .. لكني أشعر أنني أعيش أيامي الأخيرة معه وأنه سوف يختفي من حياتي في أية لحظة فساءت صحتي وبدأ جمالي الذي بهر زوجي في السابق يذوي ويضمحل .. وظهرت الدوائر السوداء تحت عينيّ بسبب الأرق وأقراص الصداع والمهدئات .. فبماذا تنصحني أن أفعل يا سيدي .. هل أسلم الراية .. وأنسحب وأطلب الطلاق .. أم ماذا أفعل ؟


ولكاتبة هذه الرسالة أقول :

لزعيم الهند الفيلسوف المهاتما غاندي عبارة حكيمة تقول إن من يسيطر على نفسه يصبح حرًا كملك الغابة وتخترق نظراته الحادة عدوه ! وهذا صحيح تمامًا يا سيدتي .. فلقد فقد زوجك سيطرته على نفسه إزاء هذه الفتاة الجريئة ففقد معها حريته .. ولم تعد نظراته تردع أحدًا وتبعده ! ويبدو أنه – وهو الرجل الصادق مع نفسه – قد تحول بطوفان المشاعر العاطفية المتأجج دائمًا في داخله والذي طالما أغرقك به من قبل إلى هذه الفتاة الصغيرة ، وسلم قياده لها بعد طول تردد أمام الاعتبارات الاجتماعية والعائلية المألوفة .

وربما يكون أحد هذا الانهيار المفاجئ أمام الإغراء هو أن الأخرى هي التي قد "بادرته" بمشاعرها سواء أكانت صادقة أو مزيفة ، فأتاحت له أن يمارس إحساسًا لم يجربه من قبل وهو أن يكون "محبوبًا ومطلوبًا" لا محبًا وطالبًا كما كان معك في بداية قصتكما معًا ، حتى تفجرت شرارة الحب في قلبك تجاهه ، وربما أيضًا في مجمل علاقته بك والرجل يا سيدتي خاصة في محنة منتصف العمر قد يفقد سيطرته على نفسه أمام من تشعره بأنها تحبه "لشخصه" الفريد ، وليس لأية اعتبارات عائلية أو مسئوليات أسرية وبأنها تتحدى الصعاب للفوز به .. وتواجه سخط الآخرين من أجله .. فيراجع نفسه مختالاً وطروبًا بما يرى ويلمس .. ويرى "منصفًا" أن الأخرى تقدم له أدلة عملية على صدق مشاعرها تجاهه وتضحيتها من أجله فيقتنع بها بعد الرفض وقد يحمل لها في البداية نوعًا من الإحساس بالعطف .. أو الاعتزاز "بحبها" له ثم يغرق تدريجيًا في حبها .. ولا يمضي وقت طويل حتى يفقد سيطرته نهائيًا على نفسه ، ويسلم إليها زمامه .. ثم يدفع ثمن تجربته وضعفه غاليًا من سعادته الحقيقية وسمعته واحترام الآخرين له .. وأيضًا من احترام أبنائه وحبهم له .

وليس من الغريب أن تصادف هذه المحنة أيضًا حتى من يتعذر عليهم أن يجدوا مبررًا للوقوع فيها من تعاسة زوجية أو خلاقات مستديمة مع شريكة العمر كما يبرر البعض لأنفسهم وقوعهم في هذا الشرك بمثل هذه المبررات ؛ فالنفس البشرية لغز لم تفك بعد كل طلاسمه .. والإنسان ضعيف دائمًا أمام من يطارده بمشاعره الصادقة أو المزيفة فيحرك فيه الرغبة الكامنة في الاستمتاع بحب الآخرين له وتقدير الذات نتيجة لذلك والاعتزاز بها والإحساس بتميزها وتفردها .. والمغريات كثيرة حول الجميع رجالاً ونساءً دائمًا .. فلماذا إذًا يضعف البعض أمام نداء الإغراء .. ويصمد له آخرون حتى النهاية ؟ ..

ليس هناك من تفسير لذلك سوى اختلاف قدرات البشر على السيطرة على أهوائهم ورد النفس عما لا يحق لها أن تفعله حتى ولو كان يلذ لها ويطيب ، وأيضًا في اختلاف نظرة الأشخاص إلى السعادة وحقهم فيها ، فمن البشر من لا يريدون على تصرفاتهم أي قيد في طلب سعادتهم حتى ولو ترتب عليها شقاء الآخرين ، ومنهم – وهم الأغلبية العظمى من البشر والحمد لله – من لا يسمحون لأنفسهم بطلب سعادتهم على حساب شقاء الأعزاء .. وواجباتهم تجاههم ، وعشرات الاعتبارات الأخرى . ولهذا فلابد دائمًا من مغالبة النفس وردها عما لا يليق بها ولا يحق لها أن تطلبه بغير مراعاة لاعتبارات الآخرين .

والواضح أن هذه الفتاة الجريئة ممن لا يريدون على تصرفاتهم أي قيد في طلب السعادة .. وأن زوجك على الناحية الأخرى مازال يعاني من تمزقه بين واجبه تجاهك وتجاه أبنائه وبين ما يتصور أنه "الحب الناضج" الذي صادفه في سن الرجولة والكمال وقد لا يصادفه بعد ذلك إلى نهاية العمر إذا تركه يفلت من بين يديه كما يقول بعض الرجال والنساء لأنفسهم في مثل هذه الحالة . وهذا التردد نفسه علامة طيبة على أنه لم يحرر إرادته بعد من كل القيود الإنسانية والعائلية والاجتماعية ، وينطلق وراء ما يتصور فيه سعادته كما يفعل من لا تحركهم سوى أهوائهم .

ولأني أستشعر في رسالتك عمق حبك واحترامك له بل وإشفاقك عليه أيضًا مما يعانيه ، فإني لا أرى لك الانسحاب من حياته .. وتسليمه هدية خالصة الثمن لهذه الفتاة الجريئة على الأعراف والتقاليد ، إذ لن يستفيد من هذا الانسحاب سواها .. ولن تتردد – مع قدرتها على الخروج على المألوف – عن أن تحل مكانك في بيتك .. وبين أبنائك ، وإنما أرى لك أن تساعدي زوجك على الشفاء من مرضه الغامض بهذه الفتاة وهو في سن الحكمة والنضج ، وأن تواصلي الوقوف إلى جواره وتعينيه على اجتياز هذه المحنة التي تهدد صورته في أعين أبنائه الثلاثة !

ولقد احترمت فيك كثيرًا تعففك عن جرح مشاعره وإهانته وإحراجه احترامًا لتاريخه السابق معك .. والحق أنه يحتاج إليك الآن بأكثر مما كان في أي وقت مضى ، ولولا أني أخشى أن تؤدي المواجهة الصريحة معه إلى إسقاط حاجز الخجل والإحراج الذي يمنعه من إعلان رغباته غير مبالٍ بآثار ذلك عليك ، لنصحتك بمواجهته بالموقف كله مواجهة صريحة ، ومطالبته بقطع كل صلة له بهذه الفتاة ونقلها من إدارته ، وتخييره بينك وبينها .. لكني أخشى مع ظروفه وعمق أزمته إن نصحتك بذلك أن يساعده ذلك على التحرر من هذا الحاجز الأخير ، فيصارحك بما لا تودين سماعه ، لهذا فلن أنصحك هذه المرة بالمواجهة الصريحة الشاملة معه .. وإنما بالمواجهة عن بعد وبغير مصارحة كاملة ولا حديث مباشر يضع النقط فوق الحروف بلا مواربة مع الحفاظ على حاجز الخجل والحرج المفيد حاليًا في منع تدهور الموقف أكثر مما حدث .. وسأنصحك بأن تؤكدي له بوضوح لا يحتمل أي شك أنك لن تفرطي فيه أبدًا ليس لأنه والد أطفالك الثلاثة ، وإنما لأنه حب عمرك كله وشبابك وكل ما يربطك بالحياة الذي لا تتصورين لنفسك حياة بعيدة عنه .. وأن ترددي له دائمًا بأنك تثقين بضميره الذي سيهديه في الوقت المناسب إلى أن حبك له هو الحب الحقيقي المبرأ من الغرض والجدير بالحرص عليه أكثر من أي شيء آخر في الحياة ، وبذلك تنقلين عبء القرار ومسئوليته إلى ضميره هو وتحرميه بذلك من أن يجد مبررًا منطقيًا واحدًا يبرر به ظلمه لك وغدره بك وبأبنائك إذا أراد ذلك ، والضمير الحي قد تصيبه أحيانًا غاشية فيغفو قليلاً أو يتغافل لكنه لا يموت أبدًا وإلى النهاية بل دائمًا يستعيد عافيته بعد قليل ويحاسب صاحبه عن اختياراته في الحياة ويرده إلى الصواب ، وزوجك – كما فهمت من الرسالة – من أصحاب الضمائر الحية .. والطبع المستقيم ، لهذا فلن يطول شروده بعيدًا عنك ولن يطول "ذهول" قلبه أمام هذه الفتاة المقتحمة التي أنصحك بألا تتصلي بها أبدًا وألا تمتهني نفسك باستعطافها أو الحديث إليها ، فحل مشكلتك في يد زوجك وليس في يد أحد سواه .. ولأنك تحبينه وتحترمينه وتتمسكين به .. فلن تجدي غضاضة في أن تحاربي معركتك هذه بكل ما تملكين من حكمة ونضج وحب لحماية زوجك وإنقاذ سعادتك وسعادة أبنائك .. وسيكون الخيار لك في النهاية يا سيدتي .. فإذا عجزت عن الاستمرار فيها لفترة طويلة أو إذا لم تؤت بثمارها المرجوة بعد وقت مناسب فلا لوم عليك في النهاية إذا اخترت الطريق الآخر والمواجهة العاصفة .. وطلب الانفصال ، لكني أثق أنك لن تحتاجي إليها وستكون الجولة الأخيرة لك في الصراع بينك وبين الغازية المقتحمة .. وسيعود طائر الحب والأمان ليرد في عشك بعد هذه المحنة الطارئة .. وكما كان الحال قبل هذه العاصفة .. بإذن الله .. 

  
                              كتبها من مصدرها بكتاب مكتوب على الجبين
رفيدة محمد إسماعيل

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali

إقرأ المزيد Résuméabuiyad

الشئ الفظيع .. رسالة من بريد الجمعة


أنا وزوجتي قاربنا سن المعاش وننتمي للأسرة المتوسطة التي تحرص على العادات والتقاليد والفضائل الحميدة وتعرف ربها حق معرفته .. ولقد انعم الله علىٍّ بنعمه التى لا تعد ولا تحصى فعشنا حياتنا الزوجية فى توفيق وسعادة وأنجبنا ثلاثة أبناء بنتين وولد .. وشغلنا أعلى المناصب المحترمة فى المجتمع، ورعينا أبناءنا حتى تخرج الابن الأكبر وهاجر لاستكمال الدراسات العليا والعمل فى إحدى الدول منذ ثلاث سنوات ، وتخرجت الابنة المتوسطة وعملت بوظيفة محترمة .. وواصلت الصغرى دراستها الجامعية بنجاح .
وقد تقدم لابنتي الوسطى شاب حديث التخرج من أسرة طيبة ومتكافئة معنا فى الوضع الاجتماعي ، لكن إمكانياته المادية ضعيفة ولم تستطع أسرته مساعدته فى الزواج لظروف اضطرارية ، ولأنني مؤمن بأن السعادة الزوجية لا تصنعها الإمكانيات المادية بقدر ما يصنعها الحب والتفاهم والتكافؤ بين الطرفين ، فقد رحبت بهذا الشاب وسعدت به خاصة بعد أن لمست رغبة ابنتي فيه ، فساعدته ماديا على إتمام الزواج وقدمت له كل التسهيلات الممكنة ، وتم الزواج واعتبرنا هذا الشاب بمثابة أهله ولم يبخل فى التعبير عن افتخاره بنا وبزوجته الجميلة المثقفة .
واستمرت مساعدتي لابنتي بعد زواجها بالرغم من دخلها المعقول ، فقد أحببت زوجها واعتبرته ابنا لي كما أنى اقدر وافهم ظروف الحياة الصعبة بالنسبة لشابين فى مقتبل حياتهما ، ومضى عام على زواج ابنتي فى سلام وسعادة .. ثم بدأت فجأة ألاحظ ذبولها وحزنها وألاحظ أيضا أن زوجها الذي كان يتعامل معها برقة واحترام قد بدأ يسئ معاملتها أمام الجميع بلا سبب واضح وهى تتحمل ذلك وتخفى عنا مشاكلها وترفض طلب مساعدتنا لها فى حلها بحجة أنها قادرة على ذلك وحدها وتفهم شخصيته أكثر من أي إنسان آخر ، ولم أشأ التدخل بين ابنتي وزوجها على غير رغبتها وفضلت هى ان تلجأ إلى والدىّ زوجها وهما شخصان فاضلان ويحبانها كثيرا ، فحاولا التدخل بينها وبين ابنهما لكنهما لم يتوصلا إلى نتيجة مرضية معه . ثم نضب معين قدرتها على التحمل ذات يوم فرجعت إلى بيتي حاملة طفلها الوليد ومصرة على طلب الطلاق .. وبدأت تحكى لنا لأول مرة عما تحملته من تغيره المفاجئ بعد عام من الزواج ومن إهماله لها ولطفلها ومحاولاته المستمر لاستفزازها كأنما يرغب فى تنفيرها منه وإجبارها على ترك عش الزوجية ، وكيف حاولت الإصلاح وصبرت على سوء معاملته لها ، وكيف ذكرته بالحب القديم ولم يجد ذلك فتيلا فى تحسين معاملته لها . وتعاطفت أنا وزوجتي معها ولم نحاول لومها على طلب الطلاق تاركين للأيام أن تهدئ نفسها بعد حين ، وبقيت ابنتي فى بيتي ثلاثة أسابيع بغير أن يحاول زوجها الاتصال بى ليسأل عنها أو عن طفله ، أو حتى ليشكوها لى وأنا من كان يعتبره من قبل بمثابة والده .. وتعجبت لذلك وتصورت انه فى خجل شديد من نفسه ويتحرج من أن يواجهني بما فعل مع ابنتي بلا سبب واضح . وظل الموقف مجمدا على هذا النحو إلى أن بلغه عن طريق أهله أن ابنتي تصر على الطلاق منه ، وأننا لا نعارضها فيه بعد أن أعيتها الحيل فى فهم أسباب تغيره وإصلاحه ، فاتصل بى احد أقاربه وأبدى لى رغبته فى إنهاء الخلاف بين ابنتي وزوجها مشترطا فى ذلك أن يقتصر الحساب والعتاب والمناقشة على الزوجين وحدهما .. وألا نشارك نحن فى جلسة الصلح ، وان ندعهما لنفسيهما ليصلحا ما بينهما بغير تدخل من جانبنا .
ورغم استنكاري للطلب إلا أنني أردت ألا أقف فى طريق الصلح بين ابنتي وزوجها ، وفسرت ذلك بحرج الشاب من مواجهتي ووافقت على ان يأتي إلى بيتي مع قريبه وان يجلسا فى الصالون مع ابنتي بعض الوقت ، ثم يرجعا إلى بيتهما دون حساب ولا مراجعة من جانبنا فى شئ ، وجاء بالفعل واصطحب زوجته إلى بيته ولم يتجاوز الحديث بيننا عبارات التحية والمجاملة المعتادة .
وتنفست زوجتي الصعداء بعودة المياه إلى مجاريها بين ابنتي وزوجها ، لكن فى نفس الليلة فوجئت زوجتي بابنتي الصغرى تنفجر فى البكاء وتبكى بكاء مريرا ! .. وقبل أن استكمل لك ما حدث منها اقول لك إن ابنتي هذه تختلف عن شقيقيها فى أنها ومنذ طفولتها متمردة وترفض النصح والإرشاد وتتجاوز أحيانا الحدود فى ردودها علىّ وعلى امها ، وقد كنا نرجع ذلك إلى صغر سنها أو إلى أنها مدللة بعض الشئ لأنها الابنة الصغرى ونخفف من وقع هذا التمرد بالقول بأنها على شاكلة جيلها المتمرد ، ونطمئن أنفسنا رغما عن ذلك بأنها أفضل من غيرها لأنها موفقة فى دراستها وتؤدى فروض الصلاة والصيام ، ونأمل فى أن تحد خبرة الأيام والسنين من تمردها وجموحها .
و ارجع إلى القصة الأصلية فأقول لك إن ابنتي هذه بكت ففسرنا بكاءها بحزنها على حال أختها والطريقة التي رجعت بها إلى بيتها ، وقد كنا نحن أيضا فى غاية الأسى لذلك ، لكن بكاءها طال وتواصل بطريقة غير طبيعية ، ثم ارتمت فجأة على صدر أمها وطلبت منها أن تعفو عنها وتغفر لها ذلك الشئ الفظيع الذى ارتكبته وندمت عليه الآن اشد الندم .. وانخلع قلب أمها حين سمعت منها ذلك واستفسرتها عن هذا الشئ الفظيع .. فإذا بها تعترف لها بأنها على علاقة حب مع زوج أختها منذ شهور .. وأنهما كانا متفقين على الزواج بعد طلاقه من أختها ، وانه قد وعدها بأنه سوف يجد لها بعد تخرجها عملا فى مدينة أخرى وينتقل معها إليها ويتزوجها هناك بعيدا عنا بمجرد أن تبلغ سن الرشد !
وتوالت اعترافاتها لأمها كأنما لم تعد تحتمل أن تحبسها أكثر من ذلك ، اعترفت لأمها أنها كانت تشجعه على الانفصال عن أختها وتطمئنه إلى أنها ستكون أما حنونا لطفله ، وأنها كانت تلتقي به فى الأماكن العامة فى نفس الوقت الذى كانت زوجته تشتكى فيه من انصرافه عنها وإهماله وسوء معاملته لها !
واستمعت زوجتي إلى اعترافاتها ذاهلة وباكية وعاجزة عن النطق ، ثم سألتها حين وجدت صوتها عما دعاها للاعتراف بكل ذلك الآن وليس من قبل ، فأجابت بأن ضميرها قد استيقظ وشعرت بفظاعة الجرم الذى ارتكبته فى حق أختها ونفسها وأبويها وأسرتها ، خاصة وقد تأكدت من انه لن يستطيع الاستغناء عن زوجته وطفله بدليل سعيه للصلح وإرجاع زوجته . واعترفت أيضا بأنها ضعيفة أمامه لكنها أرادت أن تقطع على نفسها خط الرجعة معه بهذا الاعتراف لكي تشرك أمها معها فى مقاومتها لهذا الضعف ولكي تكون رقيبة عليها وتردها عن ضعفها إذا ضعفت أمام محاولاته مرة ثانية وأنها تحتمي الآن بهذا الاعتراف بأسرتها ضد محاولاته لاستمالتها من جديد وسيكون هذا هو آخر عهدها بالتصرفات الشائنة إلى آخر العمر .ولك أن تتصور يا سيدي صدمتي فى ابنتي التى لم اقصر فى تربيتها حين أبلغتني أمها بما عرفته منها فى تلك الليلة المشئومة .. لقد كدت اجن وافقد صوابي وارتكب جريمة اندم عليها .. لكنى تماسكت حتى لا أزيد الطين بله وكتمت غيظي وقهري وألمي ورضيت ببلائي واختبار السماء لصبري وإيماني واستعنت بالصبر والصلاة وقراءة القرآن طوال الليل على إعادة الهدوء لنفسي حتى أتجنب الفضيحة الشائنة لأسرتي وأتجنب خراب بيت ابنتي المتزوجة .
ثم اتفقت مع ابنتي المخدوعة عن طريق أمها أن تكتم هذه الكارثة عن كل البشر وأولهم أختها المتزوجة من هذا الوغد .. وان تكتم عنه اعترافها لنا بهذا الأمر وان تهدده بإبلاغنا به إذا حاول الاتصال بها مرة أخرى واستمالتها إليه .
وقد حدث ذلك بعد أيام بالفعل واتصل بها محاولا شرح موقفه وأسباب إعادته لزوجته ، فصدته وأكدت له أنها قد أفاقت من غيبوبتها وطلبت منه عدم الاتصال بها مرة أخرى وإلا أبلغت أبويها وأختها .. فانكتم اللئيم ولم يجد ما يرد به على تهديدها وتوقف عن الاتصال بها . وأصبحت ابنتي الصغرى تعيش الآن تحت رقابة متصلة من جانبنا لعدم ثقتنا فيها ، وخوفنا الشديد من عودتها إلى ما كانت عليه ، وقد منعناها بالطبع من زيارة أختها ، كما أوعزت لزوجتي أن تطلب من ابنتي المتزوجة ألا تصطحب زوجها معها عند زيارتها لنا ، وبررت لها هذا الطلب بأننا مازلنا متأثرين بالطريقة التى اتبعها زوجها فى الصلح وإصراره على تجاهلنا . وبالرغم من أن ابنتي الكبرى تقبلت هذه الرغبة منا بلا اعتراض إلا إنني بدأت أرى فى عينيها تساؤلات تبحث عن إجابة أخرى مقنعة لنفورنا الشديد من زوجها خاصة وقد أبلغتنا انه رجع إلى سابق عهده معها ورجع للاهتمام بها وبطفلهم وبالتالي فقد رجعت إليها سعادتها ولم يعد ينقصها إلا افتقادها للعلاقة الأسرية التى كانت تجمع بيننا قبل الأزمة لكن كيف أعيد علاقتي بهذا الخائن لكل العهود والمواثيق وكيف يؤتمن على دخول بيتي مرة أخرى قبل أن تتزوج ابنتي الصغرى على الأقل ؟ وكيف اضمن ألا يعاود إغوائها مرة أخرى ، صحيح أنها قد اقتنعت كما تقول وكما يبدو لنا بفظاعة الجرم الذى ارتكبته وأدركت عمق الكارثة التى كانت ستلحقها بأعزائها وبحياتهم لكن من يضمن لى عدم تكرار ذلك ؟
لقد تحدثت مع ابنتي بعد هذه الكارثة عن الحلال والحرام فذهلت حين اكتشفت ضحالة معلوماتها الدينية رغم أدائها الفرائض وندمت اشد الندم على أننا اعتمدنا فى تربيتها الدينية على ما تلقنه المدارس لأبنائنا من معارف دينية وحدها ، فإذا بحديثي معها يكشف عن جهل فاضح بالحلال والحرام وما يباح وما لا يباح ، وتحدثت كثيرا معها فى ذلك وأرشدتها إلى ما يجب أن تقراه فى الدين واعترفت بنفسها بعد ان خطت فى قراءاتها بضع خطوات أنها كانت تعيش فى جاهلية شديدة . وحيرتي الكبرى الآن هى مع ابنتي المتزوجة التى بدأت تتأثر بموقفنا المتشدد من زوجها ، وأريدك أن تشاركني التفكير فى إجابة مقنعة لهذه التساؤلات : هل أصارح زوج ابنتي بما علمت من أمره وأواجهه بأخطائه حتى يعلم السبب الحقيقي لمقاطعته ويتوقف عن الضغط على زوجته لإعادة العلاقة بيننا إلى سابق عهدها .. أو ليتوقف عن تكديرها بسبب موقفنا منه ؟ أم اصارح ابنتى الكبرى بالكارثة رغم علمي بالنتائج المؤكدة لذلك وهى انفصالها عنه وهذا ما لا أريده لها ، خاصة بعد تحسن علاقتها به ؟
أم هل استمر فى مقاطعتي له دون إبداء أسباب مما يظهرني بمظهر المتشدد معه بلا سبب معقول ، وقد يؤدى إلى غضب ابنتي الكبرى ويوغر صدرها ضدي وضد أمها لأنها لا ترى سببا مقنعا لاستمرار مقاطعتنا لزوجها ؟
أم أتحامل على نفسي وأعيد علاقتي به إلى سابق عهدها ، وكيف سيكون شكل العلاقة إذا رجعت وأنا انطوى له فى أعماقي على احتقار شديد ؟
إنني فى حيرة من امرئ واعلم تماما ان الوضع الحالي لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية .. فأرجو أن ترشدني للطريق الأمثل للتصرف مع هذا الشاب الذى لم يرع حرماتنا ، وان تدلني إلى كيفية التعامل معه بما لا يهدم بيت ابنتي ولا يوغر صدرها فى نفس الوقت ضدي .. ولا يجبرني أيضا كانسان وأب مجروح على ما لا أطيق او احتمل !!

ولكاتب هذه الرسالة أقول :
تذكرت وأنا أقرأ رسالتك الشائكة هذه عبارة غريبة للشاعر الفرنسي الرجيم شارل بودلير يقول فيها : (( ان أعظم انجازات الشيطان انه اقنع البشر بأنه ليس موجوداً فى الكون ))
مع انه أقرب اليه من حبل الوريد ، ومع أن الإنسان مطالب بأن يجاهده طوال الوقت حتى لا يأسره ويضمه إلى رعايا مملكته اللعينة .
والواضح من رسالتك أن الشيطان قد حقق " انجازاً " آخر لا يقل عظمة عن إقناع البشر بعدم وجوده ، حين قارب بين ابنتك الصغرى المتمردة وزوج شقيقتها الكبرى التى كادت أسرتها تتهدم وطفلها يتشرد ، لأن اثنين من الرعايا قد نسيا فى غفلة من الضمير الإنساني والعائلي كل الاعتبارات الجديرة بالمراعاة والاحترام ، ولم يريا سوى أنانيتهما وجموحهما ورغباتهما الشائنة متسربلة بدعاوى الحب والهيام والالتقاء بالنصف الصحيح الذى أخطأ الطريق إليه منذ البداية ! أليس هذا ما يبرر به الإنسان دائما خروجه على كل الأعراف والتقاليد والاعتبارات الإنسانية والعائلية حين يفلسف لنفسه اعتداءه على الحرمات التى لا يجوز له الاقتراب منها مهما كانت الظروف ، ومهما كانت مكابدته للمشاعر الجامحة التى لا تعرف الحدود فى بعض الأحيان ؟ إن المشاعر لا سلطان لأحد عليها .. وقد تنحرف بالفعل أحيانا إلى ما لا ينبغي أن تتوجه إليهم . لكن أين سلطان الضمير الأخلاقي على سلوك الإنسان ؟! وأين الوازع الديني الذى يكبح جماح المشاعر ويحبسها فى مكامن الصدور .. ويحاصرها إلى أن تذبل وتخمد وتلفظ أنفاسها بعد حين من مجاهدة النفس الأمارة بالسوء ؟! إن هذا ما يسميه الشاعر الانجليزي وليم بليك (( بقتل الرغبة فى المهد )) بدلا من المعاناة حين تتضخم وتتوحش وينفلت عيارها بالتسيب  الأخلاقي والتبرير الزائف للأخطاء ، وهذا أيضا ما تحذرنا منه القيم الدينية ، حين تطالبنا بعدم تعدى الحدود المشروعة للعلاقة المتحفظة بين رجل وفتاة لا تربطهما صلة الرحم . وقد غاب كل ذلك عن ابنتك الصغرى فأدى الى هذه المحنة التى تكابدها أنت وزوجتك الآن والتى تهدد بترك ظلالها على علاقتك الأبوية بابنتك الكبرى ، كما غاب أيضا عن ذلك الوغد الآخر الذى لم يتورع عن إغوائها او عن الاستجابة لندائها .. وأيا كان البادئ منهما ، فمسئوليتهما عن الخطأ واحدة ، وكلاهما شريك فيه وينبغي أن يتحمل تبعاته كاملة . فإذا كانت ابنتك الصغرى قد أفاقت من غيبوبتها في الوقت المناسب فهي للأسف لم تفق منها علي صحوة الضمير كما قالت في البداية ، بل علي انكشاف خداع ذلك الشاب لها ونقضه لعهده معها في أن يمضي بالقصة إلى نهايتها المتفق عليها بالطلاق بينه وبين زوجته تمهيداً للارتباط بشقيقتها الصغرى .. لقد خذلها شريكها في القصة المقززة ولم يصمد للنهاية ولم يقوى علي هدم أسرته وتمزيق طفله بينه وبين زوجته ،فزالت غشاوة الوهم عن عينيها وتبدت لها الحقيقة سافرة . إنني لا اشك في صدق ندمها الآن على ما فعلت فلعلها قد ندمت بالفعل بعد أن تكشفت لها بشاعة ما كانت على وشك ارتكابه في حق شقيقتها وكل أفراد أسرتها ، لكنها لم تعترف في البداية بدافع الندم وإنما بدافع القهر ومرارة خذلان شريكها لها فأرادت أن تقطع ما بينها وبين هذا الغادر فضاعفت من خطئها بدلاً من أن تصححه .. وفجرت لكم هذه المحنه النفسية المؤلمة التي تعانوها الآن في علاقتكم بها وبابنتكم الكبرى وزوجها ولقد كانت تستطيع أن تقطع ما بينها وبين ذلك الوغد في صمت وان تردعه بمجرد تهديده بإبلاغ زوجته وأبويها لمحاولاته لتجديد علاقته بها ، كما كانت تستطيع أن تصمد أمامه للأبد وتلتزم أخلاقيا معه فتعفيكم من مواجهه هذه المحنه .. لكنها لم تستطع أن تكبح جماح قهرها بخذلانه لها فكشفت كل شئ و زادت من تعقيد هذه القصة المزعجة ولم تأنف حتي الاعتراف لامها بأنها كانت تحرض زوج شقيقتها عليها وتشجعه على الانفصال عنها وتطمئنه إلى أنها سترعى طفله فأي حضيض يمكن أن تتدهور إليه النفس البشرية أبشع من هذا الحضيض في بعض الأحيان ؟! إن المؤكد أن هذه الابنة الصغرى كانت تنطوي لشقيقتها على بعض مشاعر الغيرة والتنافس التي قد ترجع جذورها إلى مرحله الطفولة .. لكن من أين اكتسبت هذه القدرة التدميرية البشعة لعلاقات الرحم والعلاقات الإنسانية بهذه الخفة والرعونة ؟! كيف كانت تتصور أن تحيا حياتها إذا تزوجت زوج شقيقتها وأقامت سعادتها الموهومة علي أنقاض تعاسة أختها وشقاء أبويها. هل كانت ستحيا حياتها في جزيرة مهجورة في قلب المحيط لا تحتاج فيها إلى أهل أو بشر ولا احترام احد ؟!
يا سيدي إنني أشفق عليك مما كابدته وتكابده الآن بسبب هذه المحنه المؤلمة ، وارى لك أن تستمر في مقاطعتك لهذا الرجل الذي لم يرع حروماتك وكاد يوردك وابنتك وأسرتك كلها موارد التعاسة ليس فقط عقاباَ له علي جرمه ولا حتي ازدراء له لما فعل وإنما حماية لابنتك الصغرى التي لا تضمن إذا ما رجعت المياه إلى مجاريها بينكم ألا يحقق شيطان بودلير انجازاً آخر على حساب ضعفها ووهن التزامها الديني . ومن مواقف الحياة ما لا ينبغي أن نتحسب فيه أمام اعتبارات الشكل الاجتماعي أو العائلي او حتي لوم بعض الأبناء آذ لا خيار لنا فيه سوي اتخاذ المواقف الصحيحة ضد المخطئين غضبوا لذلك او لم يغضبوا وفهم أعزائنا أسبابنا أم لم يفهموها وفي ظروفك على وجه الخصوص فأن تتحمل لوم ابنتك الكبرى وعتابها الصامت لك خير لها ولك من أن تعرف السبب الحقيقي لمقاطعتك لزوجها ليس فقط لان النتيجة الحتمية هي الطلاق وتشريد الطفل الوليد وهو مالا تريده لها . وإنما أيضا لأنه سيكون من مضاعفات هذه النتيجة أن تفجع ابنتك الكبرى فى شقيقتها الوحيدة وزوجها وفى كل القيم والمبادئ الأخلاقية والعائلية والإنسانية ، وان يهتز أمامها كل شئ بقسوة وعنف وتفقد ثقتها فى الخير والبشر والعلاقات الإنسانية .
إن المنطق المادي المجرد يرفض إخفاء مثل هذه الكارثة عن ضحيتها ، ومبرره فى ذلك ان من حقها وهى محور القصة أن تعلم بما يدور حولها ، وان الحقيقة مهما كانت مؤلمة خير من اى زيف لكى يكون لها بعد أن تعرفها حق الاختيار واتخاذ قرارها على مسئوليتها وبناء على المعلومات الصحيحة .
لكن هل نقدر نحن حقا على تحمل تبعات مثل هذا المنطق العملي المجرد ، فنقطع بذلك ما بين شقيقتين إلى الأبد .. ونحرم طفلا وليدا بذنب أبيه المعجب بنفسه وخيلائه ، وذنب فتاة متمردة لم تقدر العواقب، ولعلها كانت نزوة عابرة فى حياة كل منهما وأفاق منها رغاما او راغبا ؟!
إنني أرى يا سيدي الا تزلزل حياة ابنتك الكبرى وقيمها ومثالياتها بهذه الصدمة القاسية فى شقيقتها وفى زوجها ، وارى ألا تحفل بلومها الصامت لك مقدرا أنها سوف تدرك ذات يوم بحاستها السادسة ان الأمر أعمق من أن يكون مجرد غضب عابر لتجاهلك فى إجراءات الصلح ، ولا شئ يضطرك لاستقبال هذا الرجل فى بيتك ومعاملته معاملة الابن مرة أخرى بعد أسابيع قليلة من جريمته التى لا تغسلها مياه البحر، فالأمر يتطلب زمنا ووقتا كافيين لنسيان الإساءات الجسيمة ، ولو اضطرتك الظروف ذات يوم لحضور مناسبة عائلية يتواجد فيها فقط تصافحه تجنبا للفت الأنظار ، لكن لا احد يستطيع أن يرغمك على أن تحبه او تحتفي به او تهلل لرؤيته وقد فعل ما فعل ، الا بعد أن يكفر عنه تكفيرا كافيا وطويلا ، وإلا بعد ان تذيب الأيام مرارته فى النفوس .. فالله سبحانه وتعالى كما يقول الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي .. لم يخلق احد مكروها ، وإنما نبغض الناس من الصور التى يحدثونها .. والصورة التى أحدثها زوج ابنتك كفيلة بان تفقدك احترامك له وترحيبك به لفترة طويلة .. فلا تواجهه بشئ إشفاقا على نفسك أنت من مثل هذا الحديث الجارح ، وتأكد انه قد فهم او سيفهم بمرور الأيام السبب الحقيقي لموقفك منه ، فإذا أراد أن يكفر عنه فليخلص لزوجته ويحسن معاملتها ويصبر عليك وعلى زوجتك إلى أن تصبحا على استعداد للتجاوز عن خطيئته .
ولن تهدأ مخاوفك من ناحية ابنتك الصغرى فى النهاية الا حين تتزوج وتدخل فى عصمة رجل آخر يصبح مسئولا عن حمايتها .. ولهذا فلا مجال للحديث الآن عن إعادة المياه إلى مجاريها بينكم وبين هذا الشاب .. ولا مفر من تحمل العتاب الصامت من ابنتكم الكبرى والصبر عليه وعلى تباعد زياراتها إلى أن تتغير الأحوال .. ولله الأمر من قبل ومن بعد .

  
                                       نقلها من أرشيف جريدة الأهرام
Ola Othman

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali

إقرأ المزيد Résuméabuiyad

الانتقام الوهمي .. رسالة من بريد الجمعة


أنا سيدة في العقد الثالث من عمري‏،‏ متزوجة منذ عدة سنوات من شاب طيب متدين من أسرة طيبة‏، ولست أكتب لك اليوم لأشكو من مشكلة أعاني منها الآن وإنما لأحدثك عن مشكلة كنت أعاني منها في الماضي‏,‏ وأرجو أن تفيد رسالتي هذه غيري ممن يقرأوها حتى لا يقعوا فيما وقعت فيه من أخطاء جسيمة‏.‏ فلقد نشأت في أسرة صغيرة متوسطة الدخل مكونة من الأب والأم وبنات أنا أكبرهن‏,‏ واني أعترف بأن أمي قد كافحت كثيرا إلي جوار أبي لكي نحصل على أفضل تعليم وأحسن مستوي معيشة ممكن‏.‏ أما المشكلة التي كنت أعاني منها فكانت في الأسلوب التي اتبعته أمنا في تربيتنا نحن البنات‏.‏ فقد اتسم دائماً بالصرامة والحدة والأوامر القاطعة‏,‏ وأظن أن ذلك كان لأنها لم يكن لديها متسع من الوقت لتدليلنا أو لسماع رأينا في أي موضوع‏,‏ حتى ولو كان يخصنا اذ كانت تعتبر أي محاولة منا للمناقشة مجرد ثرثرة لا جدوى منها‏,‏ لأننا في النهاية سننفذ أمرها فلا داعي إذن لوجع الدماغ وقد كنت أحس دائما بالكبت والرغبة في التمرد على هذا الوضع مع شعوري الشديد بضعف شخصيتي وهواني فكنت ألجأ في سن مبكرة جدا لكتابة خواطري المليئة بالغل والكراهية لهذه السيدة التي تظن أنها سلبتني إرادتي ولا تقيم أي وزن لمشاعري واحتياجي للعطف والحنان‏.‏ فما أن بدأت أخطو سنوات المراهقة الأولى حتى ازدادت رغبتي في أن أثبت لنفسي أنني قادرة على الخروج من أسر سيطرتها المحكمة هذه وعلى إشباع احتياجاتي العاطفية‏.‏ وما أن التقيت بأول شاب حتى بدأت أخرج معه واستمتع بكلامه لي وأشعر معه أنني إنسان له كيان وأني أحظي بحب واهتمام شخص ما‏,‏ ولم يكن هذا الشاب بالطبع يحبني ولم يتعد هو أيضا الشعور بالاستمتاع بالخروج مع فتاة متعطشة للعواطف والحنان‏,‏ وقد ملني وتركني بعد فترة أو تركته أنا‏,‏ لا أذكر‏,‏ ثم تكررت علاقاتي بعد ذلك بنفس الطريقة‏,‏ وكنت اتلذذ بالشعور بأن أمي لا تدري شيئا عن هذه العلاقات‏,‏ وما أن اقتربت من سن العشرين حتى بدأت أشعر بالذنب وأحاول ان استميلها إلي لأستدر عطفها وحنانها‏,‏ وأن اشعرها أني قد كبرت وأني من الممكن ان تكون لي رغبات وحياة أخرى لا تعلمها‏.‏ إلا أنني لم أجد سوي السخرية مني ومازلت أذكر حتي الآن ردها علي بأن تصرفاتي ليست نابعة من إرادتي وإنما من تربيتها لي التي كونت شخصيتي وإني لا أملك سوى أن أكون ما أرادتني هي أن أكونه‏.‏ مما أثار تمردي مرة أخرى وبصورة أشد فتورطت في علاقات مع زملائي في الجامعة وساعدني على ذلك أنني أتمتع بقدر كبير من الجمال‏,‏ ولولا أن الله قد أراد لي الهداية فيما بعد لكنت قد فقدت أعز ما تملك الفتاة واستسلمت للضياع‏.‏ لكن ضميري استيقظ في النهاية والحمد لله وبدأت أشعر أني أمتهن نفسي وأنتقم منها وليس من أمي‏,‏ فبدأ فكري يتجه اتجاها دينيا وأدركت ان الزواج هو الذي سينقذني من هذا السقوط‏,‏ فوافقت على أول رجل تقدم لي وتوسمت فيه أنه شخص نبيل‏,‏ وعلى خلق ودين‏,‏ وتزوجته وعاهدت الله أن أحافظ على زوجي وأحرص عليه وأن أبعد عن كل ما يمكن أن يؤذيه أو يؤذي مشاعره‏,‏ وكان فضل الله علي كبيرا إذ أحببت زوجي حبا شديدا وحظيت بحبه وحنانه‏,‏ مما عوضني عن سنوات الحرمان التي قضيتها في بيت أبي‏.‏
وإني أكتب لك هذه الرسالة لأني أعلم أن أمي ليست نموذجا منفردا في مجتمعنا وإنما هناك أمهات لم يتعلمن كيف يبذلن من وقتهن ومشاعرهن وعطفهن لأبنائهن ما يبذلن مثله للعمل داخل المنزل وخارجه‏,‏ وأرجو من كل فتاة أن تحافظ على سلوكها وألا تجعل أي سبب يدفعها للقيام بأي تصرف قد تندم عليه فيما بعد أشد الندم لأن كل تصرف تقوم به دون علم أهلها يعتبر خيانة للأمانة سيحاسبها الله عليها‏.‏ كما أكتب لك هذه الرسالة لأني بدأت ألاحظ على أختي الصغيرة نفس المشاعر التي كنت أشعر بها وأنا في مثل سنها‏,‏ وأمي بالطبع مازالت تتعامل معها بنفس الأسلوب القديم‏.‏ والأمر الذي يثير الأسي والسخرية في نفس الوقت هو أن أمي تذكر دائما لكل من يشكو لها من صعوبة تربية الأولاد‏,‏ أننا لم نكن أبدا مصدر تعب أو قلق لها على مدي فترة تربيتنا‏ !‏ فربما تكون رسالتي هذه جرس تنبيه لأمي التي لا أستطيع مواجهتها بالحقيقة حتى الآن ليس لأني أخاف منها حيث لم يعد لها سلطان علي بالطبع‏,‏ ولكن لأني أخاف أن أصدمها بما قد لا تتحمله من حقائق قاسية فالحق أنني مازلت على ثقة بالرغم من جفافها معي من أنها لم تكن تقصد أي إساءة لي أو لأخواتي ولهذا فهي لا تستحق مني أن أوذي مشاعرها

ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:
رسالتك يا سيدتي تكشف لنا عن حقائق مفزعة عما يمكن ان تؤدي إليه العلاقة غير السوية بين الأم وابنتها اذا افتقدت الدفء العاطفي والصداقة الراشدة والمساحة الطبيعية للتفاهم والحوار بينهما‏.‏
وبالرغم من ذلك فاني لم أشعر بالارتياح لتبرير اقدامك على خوض تجربة العبث والاندفاع خلال فترة معينة من حياتك‏,‏ بانك انما قد فعلت ذلك كرد فعل طبيعي لجفاء العلاقة بينك وبين والدتك‏,‏ أو بزعم الانتقام المعنوي من تسلطها عليك‏..‏ أو بحجة اشباع رغبتك في الاحساس بالجدارة واجتذاب اهتمام الآخرين وحبهم‏.‏ فكل هذه المبررات وبالرغم من واقعية بعضها لا تبرر أبدا الاقتراب من دائرة الخطر والتحرر من القيود الأخلاقية‏,‏ حتى ولو ساعدتنا على فهم بعض الدوافع‏,‏ فإذا كان أسلوب والدتك في التربية الجافة القائمة على السيطرة الكاملة على حياة الأبناء وقهر  
إرادتهم وإملاء الرغبات عليهم دون إقناع ولا حوار‏,‏ اسلوبا خاطئا وهو كذلك بكل تأكيد‏,‏ فإن الاحتجاج عليه لا يكون بالعبث والاندفاع إلى الطريق الخاطئ‏,‏ لأن الخطأ لا يبرر الخطأ‏..‏ولأنه شتان بين خطأ أم اعتمدت اسلوبا جافا في التربية يعتمد على القهر ويفتقد إلى الدفء والصداقة بينها وبين بناتها‏,‏ وبين خطأ ابنه انتقمت منها في نفسها حتى أوشكت أن تمضي في طريق الغواية حتي نهايته المظلمة لولا أن رحمها ربها واستيقظ ضميرها وهي على شفا حفرة من الضياع‏.‏
فأسلوب والدتك في النهاية وبالرغم من إدانتي له واختلافي معه هو اجتهاد خاطيء في التربية قد يشفع لها فيه‏,‏ أويخفف من بعض وزره حسن النية وسلامة المقصد بدليل أنك أنت نفسك قد أدركت ذلك بعد فوات الأوان واشفقت عليها من إيلام مشاعرها أما احتجاجك على هذا الأسلوب بما فعلت بنفسك خلال فترة جاهليتك الأولي‏..‏ فلا شفاعة فيه ولا أعذار اللهم إلا صغر السن وقلة الخبرة وسوء الفهم‏..‏ وضعف الوازع الديني وبعض هذه الأعذار أقبح من الذنب نفسه كضعف القيم الدينية‏..‏ وسوء فهم مقصد الأم من اسلوبها الخاطيء في التربية‏.‏
لكن لأنه لا يلام المرء على أمر قد رجع عنه وندم عليه فلن أطيل الحديث كثيرا في هذه الناحية‏..‏ وإنما سأقول لك فقط انك وقد خضت تجربة الخطأ ودفعت ثمنها غاليا من وخز الضمير‏,‏ مطالبة الآن بحماية شقيقتك الصغرى من ملامسة مياه هذه البحيرة السامة‏,‏ قبل أن تجرفها تخوض فيها وتجرفها تياراتها‏,‏ ومن حقها عليك الآن أن تجنيبها نفس المحنة ونفس الضياع وان ترشديها إلى ما فيه صلاح أمرها‏..‏ والأفضل هو ان توجهي بعض اهتمامك لها وان تنبهي والدتك الي ضرورة تصحيح نمط علاقتها بها وتوجيه الوقت الكافي لاكتساب صداقتها‏..‏ واشباع احتياجاتها من العاطفة والحنان والاحساس بالجدارة لكيلا تطلب كل ذلك من الطريق الآخر فالحق إنني توقفت متأملا أمام عبارة خطيرة في رسالتك تقولين فيها ان والدتك ليست نموذجا منفردا بين الأمهات‏,‏ وان منهن من لا 
يوجهن للعلاقة الإنسانية بينهن وبين بناتهن بعض ما يوجهنه من وقت لأعمال البيت أولعملهن خارجه‏,‏ وليس أدل على الخلل الجسيم في ترتيب الأولويات الجديرة باهتمام الآباء والأمهات من مثل هذا الخلل‏..‏ فالأبناء ينبغي لهم أن يكونوا فوق قمة هرم اهتمامات الآباء والأمهات ومن بعدهم تأتي أعمال البيت وعمل الأمهات في الخارج وكل شيء آخر في الحياة‏.‏
فلتكن إذن رسالتك هذه كما تقولين جرس الخطر لبعض من تشغلهن شئون الحياة المادية من بعث الدفء في علاقتهن ببناتهن وابنائهن ولتكن كذلك تنبيها صارخا إلى حاجة الأبناء وخاصة البنات منهم إلى صداقة الأمهات والآباء واهتمامهم‏..‏ ووقتهم لكيلا يضلوا الطريق ويلتمسوا كل ذلك من المورد الخاطيء‏!

 
                                      نقلها من مصدرها بجريدة الأهرام  
رفيدة محمد إسماعيل

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali

إقرأ المزيد Résuméabuiyad

رغبة صغيرة .. رسالة من بريد الجمعة


أنا سيده فى الخامسة والثلاثين من عمري أعمل محاسبه بإحدى الهيئات، تزوجت منذ عشر سنوات من شاب يكبرني بخمس سنوات ويعمل بإحدى الهيئات وزوجي والحمد لله شاب فى منتهى الحيوية والشباب ولكنه كان قد أصيب قبل زواجنا بمرض ترك أثره عليه فى عدم قدرته على الإنجاب فتقبلت أقداري .. ورضيت عن حياتي وسعدت بها ولم يضايقني شئ فيها سوى كثرة تغيبه بسبب عمله المستمر فى أماكن خارج القاهرة مما جعلني وحيدة معظم أيام الشهر . وفى بداية حياتي معه لم أكن أشعر بالوحدة كثيرا .. فقد كنا نقيم بشقه مؤقتة قريبة من أسرتي .. وكان أثاثنا بسيطا .. وحياتنا بسيطة فأكرمنا الله بعد خمس سنوات بتسلم زوجي لشقه مناسبة فى حي لائق وأصبح لدينا أثاث جميل وما نحتاج إليه من أجهزة وكماليات بفضل الحب .. وبفضل رغبتي فى تحسين مستوى معيشتي فكنت أشترى هذه الأجهزة بالتقسيط من مرتبي وأغير الأثاث بما املك من بعض النقود كما ساعدت زوجي فى شراء سيارة .. ووافقته بترحيب على أن يسجلها باسمه لكيلا أحرجه ولأنه أيضا اشترك فى ثمنها بمبلغ وأتكفل بمتطلباتي واشترى كماليات البيت بإرادتي واختياري ورغم أن زوجي لم يطالبني قط بأي مبالغ مالية وهو ليس طماعا أبدا والحمد لله .. وقد ساعدت نفسي على التغلب على مشكله الوحدة وعدم وجود أطفال بتنمية هواياتي واستثمارها فيما يفيد ويزيد من دخلي وحققت فى ذلك نجاحا يسعدني .. ومضت حياتي هادئة جميلة وزوجي الحبيب يغيب فى عمله البعيد 15 او 20 يوما ..ثم يرجع فى أجازة لمدة 5 أو 6 أيام فانتظره فى لهفة وأستقبله بشوق بالغ فنقضى هذه الأيام القليلة معا لا نفترق .. وظل هذا شأننا حتى بداية الصيف الماضي حين لاحظت عليه فجأة كثرة خروجه بمفرده فى أيام الأجازة القليلة وبأعذار مختلفة رغم أنى قد حصلت من عملي على أجازة بدون مرتب لمدة عام كي أتفرغ له حين يرجع فى أجازته كل الوقت وليستريح من بعض ظروف العمل غير المواتية وفى إحدى المرات أراد توصيلي بالسيارة لبيت أسرتي وتركني فيه لكي يذهب بمفرده لزيارة صديق مريض .. فعرضت عليه أن اصحبه وأبقى بالسيارة إلى أن ينتهي من زيارة صديقه لكي نتحدث خلال الطريق فرفض وحين ألححت عليه فى ذلك قال لى أنت تخنقينني .. أريد أن أكون وحدي .. فتركته يذهب لشأنه . ومرت الحكاية بسلام إلى أن عاد للبيت ذات يوم وأنا أجلس فى الصالون مع بعض الضيوف .. فلمحت وجهه بمجرد دخوله بقعه حمراء ظننتها بقعة دم فسحبته من يده إلى غرفه النوم لكيلا يلاحظ الضيوف ما رأيت ومسحت له وجهه فإذا البقعة الحمراء اثر من احمر شفاه .. وتماسكت إلى أن انصرف الضيوف بسلام ثم تفرغت له وطلبت منه تفسيرا لما رأيت ..واختصارا للتفاصيل فلقد اعترف لي بعد مراوغات طويلة وعناء شديد بأنه قد تعرف منذ شهور بسيدة مطلقه ولديها طفلة وتعمل مبرمجه كمبيوتر بإحدى السفارات الأجنبية .. وانه قد تزوجها ..أو سيتزوجها ..أو يريد أن يتزوجها ؛ وتعجب لهذا التخبط فلقد روى لى القصة فى نفس الليلة بشكل مختلف عدة مرات .
أما كيف تعرف بها فلقد حدث انه كان يركب سيارة العمل . فصدمته سيارة صغيرة تركبها سيدة ترتدي الشورت وبجوارها شاب كان يعلمها قيادة السيارات فنزل زوجي غاضبا من سيارة العمل وطلب منها تعويضا لإصلاح سيارة العمل حتى لا يتحمله السائق إذا لم تفعل فأعطته 300 جنيه وحصل منها على بطاقة باسمها وعنوانها لكي يرد إليها باقي المبلغ إذا تكلف الإصلاح أقل .. وكان زوجي يروى لى القصة وقتها فخورا بما فعله معها   بهدف أن يعلمها عدم الاستهتار بأرواح البشر وتم إصلاح السيارة وتبقي من قيمة التعويض مبلغ فسألني زوجي كيف يذهب بنفسه لإعادة المبلغ المتبقي فكانت بداية القصة !
ولست فى حاجه لأن أقول لك أنني حزنت أو صدمت .. أو تزلزل كياني .. وطالبت زوجي بقطع أية صلة له بهذه السيدة .. ولقد فعلت كل ذلك ووعدني بأن يفعل .. وقال لى بعد أيام انه قطع كل صله له بها ولم يعد يتصل بها لكن الشك فى صدري لم يهدأ .. مع تضارب كلامه ووعوده فقررت أن اقطع الشك باليقين .. وأخرجت رقم التليفون الذى احتفظت به حين رأيته على بطاقتها القديمة واتصلت عليها وطلبت مقابلتها ورحبت هى وحددت لى موعدا فى كافيتريا احد الفنادق وخرجت لمقابلتها لأعرف منها مدى ما وصلت إليه علاقتها بزوجي فالتقيت بى وهى خائفة منى فى البداية لكنها أطمئنت إلى أنى مسالمة ولا أريد فضحها .. كما أنى أتحدث معها بهدوء واحترام وأدب فتمالكت نفسها وقالت لى أن زوجي يحبني ولا ينفك عن الإشادة بى فى حديثه معها .. وهذا ما أعجبها فيه فضلا على انه متدين ويكره الحرام لهذا فقد ارتبطت به ولم تتم بعد خطبة بينهما لكنهما قد اتفقا على الزواج من ناحية المبدأ مع استمراري على ذمته بعد زواجهما المرتقب منه فى القريب وتحدثنا ثلاث ساعات كاملة .. وخرجنا من الفندق وتصافحنا باحترام كأي صديقتين ورأسي يدور مما سمعته ورجعت إلى زوجي بما سمعت وعرفت وناقشته فيه وراوغني ... وجدد وعوده بالانقطاع عن هذه السيدة .. لكنه ويا للغرابة يطالبني بعدم الضغط عليه بشدة لإنهاء هذه القصة على الفور لأنها لن تنتهي دفعة واحدة وإنما يستغرق الأمر بعض الوقت ولابد لي من الصبر عليه حتى تنتهي نهاية طبيعية هادئة ..
وهو يؤكد لى كل يوم أنه يحبني وأكبر دليل على ذلك انه لن يتزوج هذه السيدة مراعاة لى وأن كنت أنا المخطئة فى موقفي هذا لأنه كان يتوقع منى أن أتحمل وأضحى من اجله وأتركه يخوض تجربته معها للنهاية ويتزوجها ولا اعترض من جانبي ولن اخسر شيء فى النهاية ذلك انه إذا أثبتت العشرة أنها سيدة طيبة وممتازة فلقد كسبنا أختا جديدة لى وأن كشفت التجربة أنها سيدة سيئة فسيطلقها .. ولن نخسر شيئا !
أما لماذا كان ينبغي علي أن أتحمل واضحي .. فلكي لا يعيش وفى نفسه شيئ وتمناه ولم يستطيع تحقيقه "بسببي " وهذا هو منطقه والله العظيم ولا اعرف هل هو مقتنع حقا بما يقوله لى أم أنه يتظاهر بذلك ليبرر لى رغبته على حبي الشديد له ؟
أما الأخرى فلم أجد فيها حين التقيت بها شيئا غير عادى فى شكلها ولا ملابسها ولا اكسسوارها سوى إنها ارتدت يوم مقابلتي لها البنطلون الضيق وجاءت شعرها مصبوغ صباغة فجة .. وركبت بعد انتهاء اللقاء المينى باص .. أى أنه لا سيارة هناك .. ولا جمال باهر ولا شيء مما قاله لى زوجي عنها فى حين أنني محجبة ولا أدعى كذبا إذا قلت إنني جميلة بدرجه معقولة جدا والحمد لله .. وقد بدأت الأخرى تتصل بشقيقة زوجي المتعاطفة معي وتطلب منها أن يحسم زوجي الأمر معها .. حتى لا تظل معلقة إلى النهاية وحتى لو أصررت على موقفي وانتهى الأمر بطلاقي فهي قادرة بشخصيتها الساحرة وعطائها الدافق أن تعوضه عنى وتنسيه أحزان الماضي ولا خوف على حقوقي فهى محفوظة بإذن الله وسوف يترك لى زوجي الشقة ويعيش فى شقة أخرى ورثها مؤخرا فى حى آخر..
أما زوجي فهو يتراوح بين التماسك الشديد بى.. والبكاء بين يدي بحرارة إذا أحس بأنني سأتركه وأعود إلى أسرتي . وبين إشعاري بأنني "أنانية " ولا أريد أن أضحى من اجله وأوافق على أن يتزوج هذه السيدة ونعيش جميعا فى تبات ونبات إخوة متحابين متراضين !!
إنني أكاد افقد عقلي مما اسمع من زوجي .. ومن شكي فيه انه يلتقي بها كلما خرج لوحده ويفتعل الأسباب لكيلا أصاحبه .. وقد انتقل للعمل فى القاهرة منذ شهور فاتسعت دائرة الشك والحيرة فى حياتي إلى ما لا نهاية .. فبماذا تنصحني أن افعل يا سيدى ؟ هل اترك زوجي لهذه السيدة لكي تأخذ كل ما بنيته بالعرق والحب والدموع .. وتأخذ الإنسان الوحيد الذي أحبيبته بصدق وإخلاص لا لشئ إلا لأنها تريد أن تتزوج مرة أخرى بعد طلاقها من زوجها الأول الذى طلبت منه الطلاق لأنه ليس طموحا مثلها !!
وهل إذا تركته سيعوضني الله عنه بإنسان آخر أحبه وبحياة أسرية أخرى بعد حرمت من أمومتي طوال عشرة سنوات ؟ إنني لم اترك زوجي وان اشابه صغيرة فى بداية زواجي لكي أتزوج غيره وأنجب أطفالا يملأون على حياتي ورضيت بما أراده لى الله وتحملت كل شيء بدافع حبي له .. فهل اتركه الآن وقد بلغت الخامسة والثلاثين من عمري؟؟
وهل من العدل انه بدلا من أن يقدر زوجي حبي له وتضحياتي من اجله أن يجيئني ليقول لي ببساطة أنه قد عرف امرأه أخرى ويريد أن يتزوجها مع احتفاظه بى مع انه ليس محروما من شيء فى حياته معي .. ويؤكد لى كل يوم أنه يحبني لكنه يزعم أن قلوب الرجال تختلف عن قلوب النساء لأنها يمكن أن تتسع أكثر من واحدة فى نفس الوقت وهل هذا حقا يا سيدى ؟
وهل من العدل أن أملأ بنقودي خزان السيارة بالبنزين .. لتركبها سيدة فاشلة فى حياتها الخاصة ومستهترة تقضى معه أوقاتها بدلا من أن تقضيها مع طفلتها الصغيرة ؟ إن زوجي سعيد للغاية بأنها قد وافقت عليه كزوج رغم أنه صارحها بعدم قدرته على الإنجاب ولا يصدق أن هناك امرأه قد قبلت به مع ظروفه هذه مع أن سبب القبول واضح وهى أن لديها طفلة وليست فى حاجة لمزيد من الأطفال فما وجه التضحية فى ذلك ؟؟لقد أحببت زوجي كثيرا وحاولت دائما أن أكون أفضل زوجه فى الوجود وأن أكون له الزوجة المحبة المطيعة وفعلت أشياء كثيرة لا تفعلها سيدات أخريات حولى ولم أرهق زوجي بأي مطالب فى الحياة ذات يوما وقدمت له كل شيء وسهلت عليه كل شيء فاستسهل أيضا كل شيء حتى المشاعر الثمينة .. فهل ذلك هو ثمن الحب والعطاء وماذا تقول لى ؟؟

ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
 لا شيء يعدل غرور الإنسان وأنانيته فى بعض الأحيان . فهو يرى نفسه دائما جدير بأفضل الأشياء فإذا حالت بينه وبينها حوائل العرف والعدل وحقوق الآخرين عليه .. لم يتورع فى بعض الأحيان عن أن يستخدم الأساليب الميكيافلية فى لي الحقائق ليسوغ المنطق المعكوس لنفسه والآخرين لتحقيق رغباته وأهوائه .. وقد يتعدى أكثر من ذلك فيصر أيضا ليس فقط على قبول الآخرين راغمين أو كارهين لرغباته وإنما على مباركتهم وابتهاجهم بها .
وهذا بالضبط هو ما يحاول أن يفعله معك زوجك الآن يا سيدتى حين يلومك على "بخلك" عليه بهذه "التضحية البسيطة " التى كان يتوقعها منك فتبتهجين للأنباء السارة وتتركينه ليتزوج من الأخرى فإذا كانت زوجة طيبة فلقد كسبنا "اختا " عزيزة جديدة وإذا لم تكن كذلك فلسوف يطلقها فى هدوء وبلا خسائر نفسية ولا معنوية لأحد ولا عجب فى مثل هذا المنطق الغريب فكل ما يتفق مع رغباتنا وأهوائنا يبدو فى نظرنا – نحن- حكيما ومعقولا كما يقول الأديب الفرنسي أندريه مورا.
ورغم تقديري لما فى منطق زوجك من "حكمة "و"عدل" فإنني أقول لك أن الظروف التى قد يستند إليها زوج فى مطالبة زوجته بألا تبخل عليه بمثل هذه التضحية حتى ولو كرهتها فى أعماقها ليست متوافرة بأي حال من الأحوال فى حالتك وبالتالي فإن اتهامك بالأنانية وعدم التضحية من اجل زوجك ليس فى حقيقة الأمر سوى إسقاط نفسي من زوجك عليك يدفع به عن نفسه تهمة الذاتية والأنانية هذه فلست أنت الزوجة المحرومة من الإنجاب وهو الزوج القادر عليها فيتلهف لأن يتزوج أخرى تحقق له أمل الأبوة ويرجوك أن تتنازلي عن مشاعرك الشخصية إرضاء له ولا أنت الزوجة المرضية العاجزة عن تلبية احتياجاته العاطفية والإنسانية فالتمس ما ينقصه فيك لدى غيرك . ولا أنت الزوجة الكارهة او المكروهة التي تنغص عليه حياته وتسومه سوء العذاب لكنه يتحمل عناء حياته معك كيلا يهدم أسرته ويمزق أطفاله بينكما .. فيهفو قلبه إلى نسائم السعادة للحب مع أخرى ويطالبك بقبول الأمر الواقع كخيار بديل للطلاق .. فبأي منطق يبرر زوجك مطالبته لك بهذه التضحية المضحكة وهو الذى يتمسك بك ولا يتخيل إمكانية انفصالك عنه وينهار باكيا إذا أحس بقرب نفاذ صبرك عليه ؟
وبأي منطق يحاول إقناعك بأن قلوب الرجال تختلف عن قلوب النساء فتتسع لحب أكثر من أمراه فى نفس الوقت وبنفس الدرجة من المشاعر والأحاسيس ؟ يا سيدتى إنها مغالطة فاضحة لا أتصور أن يكون جاد فى الاقتناع بها فقلوب الرجال كقلوب النساء لا تتسع فى الوقت الواحد إلا لحب حقيقي واحد حتى وإن حملت بعد المودة لغيره .. والحب طائر شديد الأنانية لا يقبل شراكة احد فى نفس اللحظة .. ولا فى نفس المرحلة من العمر .
ومشكلتك هذه ما كان أسهل على زوجك من حلها لو واجه نفسه بصراحة وشجاعة نفسية فسألها : هل يحبك حقا كما يؤكد لك أم لا يحبك ؟ فإذا كان الجواب بالإيجاب فلا مجال لأي مناقشة فى هذا الموضوع العجيب وإذا كان الجواب بالنفي فليتصرف وقفا لما يراه محقق لسعادته ومحققا للعدل معك .. ذلك أن أسوا حقيقة خير لنا من أجمل زيف ونصف شقاء الإنسان دائما يرجع فى تقديري إلى عجزه عن مواجهة مشاكله بواقعيه وشجاعة نفسية وأدبية بغير لي للحقائق وبغير الإصرار على أسلوب " حرب الخنادق" التى تطيل معاناته وتعذبه برغائب لا تحقق.. ولا يتنازل عنها فى نفس الوقت .

ففى حرب الخنادق يقف كل طرف فى موقع ثابت ويطالب الآخر بالاستسلام لمطالبه والقبول بها .. فتمضى السنوات وكل طرف عند موقفه لا يغادره ولا يتنازل فى نفس الوقت عن مطالبه مكتفيا بانتظار تهاوى الطرف الأخر وتسليمه برغبته .. ومتكبدا طوال ذلك المعاناة النفسية والآلام ! ولا حل لمثل هذا العذاب سوى أن نتعلم فى بعض مواقف حياتنا المصرية استخدام هذه القاعدة البسيطة فى التعامل والتى تترجمها هذه العبارة الأمريكية الشائعة " خذها .. أو أتركها ! " .. بمعنى انه إما أن تقبل بما هو معروض عليك وترضى عنه وتكيف حياتك وقفا له .. وإما أن ترفضه وتتحمل تبعات ذلك وتوائم حياتك معها .
أما أن ترفض القبول بالمعروض وترفض التخلي عنه فى نفس الوقت لأنك تصر على تطويع هذا المعروض لرغباتك .. فلا معنى له إلا استمرار المعاناة لجميع أطراف المشكلة ..
لهذا فلست أرى لك أن تتنازلي عن زوجك لآخرى ليس لها فيها بعض ما لكى عليه من حقوق ولا أدرى لك بالطبع قبول شاركتها معك فيه .. لكنى أطالبك فى نفس الوقت بأن تحددى موعدا نهائيا وعادلا لوضع نهاية لعذاب حرب الخنادق التى لا تحسن موقفا .. ولا نصر فيها ولا هزيمة.
ولأنى أستشعر حبك لزوجك وشدة رغبتك فيها فأنى أطالبك بإعطائه مهلة أخيرة يثوب فيها إلى نفسه ويخرج من خندقه فيكتفي بك ويطرح عن رأسه هذه الخزعبلات التى يحاول أقناعك بها . أو يواجه نفسه بشجاعة وأمانة ويتصرف معك وافقا لما تمليه عليه هذه الأمانة.
فإذا كان قد سعد بتنازع امرأتين عليه بعض الوقت ..فيكفيه ما أحسه من "انتشاء" حتى الآن بسبب ذلك ولا يجوز له أن يطالب الاثنتين باستمرار " الرواية " أكثر من ذلك وإن كنت لا أرى أي مبرر للنشوة والانتشاء .. إذا لا يعدم أي رجل مهما كان شأنه أن يجد ذات يوم من ترغب فيه ولا تعدم أي أمراه مهما كان شانها أن تجد طامعا فيها . وما أسهل الضعف والخطأ على ذوى الإرادة الضعيفة .. وما أسهل الترفع عنه على ذوى النفوس الكبيرة . وأكبر الكوارث إنما تبدأ دائما بالأخطاء الصغيرة لهذا يقول لنا الشاعر الانجليزي وليم بليك أنه من الأفضل لنا أن نقتل مولودا فى المهد من أن نربى رغبات وأهواء لن نستطيع تحقيقها .
وزوجك لم يقتل المولود في المهد للأسف ... لهذا فهو يواجه الآن موقف ربى رغبة مستحيلة لا يستطيع تحقيقها .. وبدلا من أن يرجع عن خيانته للحب والوفاء ويندم عليها ويعتذر عنها راح يطالبك بمساعدته على تحقيقها بقبولك زواجه من الأخرى مع استمرارك معه ..لأنه لا يتحمل أن يفقدك ويضحى بك لتحقيق رغباته ولا يحتمل أن يضحى بهذه الرغبة لسبب " رهيب" هو انه لا يريد ان يعيش حياته معك وهو ينطوي لك على أحساس باللوم أن كانت له ذات يوم " رغبة صغيرة " فى امرأة أخرى لكنك بأنانيتك فى الحب – يا للقسوة – قد حرمته منها !
وصدق سبحانه إذ قال:

وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ 

   
                              كتبها من مصدرها بكتاب أقنعة الحب السبعة  
Maryam Hassan El Menzlawy

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali

إقرأ المزيد Résuméabuiyad

رسالة إلى أب .. رسالة من بريد الجمعة


أود أن أكتب إليك هذه الرسالة منذ عدة أشهر‏,‏ وكلما أمسكت بالقلم وبدأت في ذلك تسقط دموعي على الورق فلا أستطيع تكملة الرسالة‏,‏ ولكن بعد أن تمالكت نفسي وخفت وطأة الأحزان عن صدري أستطيع أن أكتب إليك بتلك الكلمات لعلها تصل إليك‏,‏ فأنا فتاة من أسرة متوسطة الحال أو كما يقولون من طبقة الموظفين ولي من الأخوة ثلاثة‏:‏ ولدان وبنت‏,‏ وأمنا ربة بيت وكان والدنا موظفا بإحدى الهيئات الحكومية‏,‏ واقول كان لأنه الآن في ذمة الله فقد رحل أبي عنا منذ عدة أشهر في حادث سيارة وهو يقضي لأخي الأكبر مصلحة له في بلدتنا‏..‏ فلقد كان والدي رحمه الله نوعا فريدا من البشر‏,‏ إذ كان رجلا خدوما لا يطلب منه أحد شيئا إلا وقضاه له إذا كان في استطاعته وكان أقاربنا وجيراننا وزملاؤه في العمل يعرفون هذا جيدا عنه فلم يكن يمر عليه يوم إلا ويقضي فيه حاجة لأحدهم دون ضيق أو تبرم‏,‏ كما كان يحمل بداخله كما من الرضا لو وزع علي الأرض كلها لكفاها‏,‏ وقانعا برزقه ولم ينظر يوما إلى أرزاق الآخرين أو ممتلكاتهم بل ويحمد ربه دائما علي الصحة والستر وإذا ذكر أمامه أن فلانا عنده من الأملاك كذا وكذا قال‏:‏ بارك الله له فيها وكنا نعيب عليه ذلك‏,‏ ونعتقد أن الرضا والقناعة سلبية وعدم تطلع لتحسين مستوى المعيشة‏,‏ ومع الراتب الشهري لوظيفته كنا نحيا حياة معقولة جدا بفضل تدبير أمنا وحسن إدارتها لأمور البيت التي كان والدي يتركها لها تماما واثقا في نجاحها في هذه المهمة الصعبة‏,‏ وكبرنا وتخرجنا في الجامعة وعملنا في وظائف مرموقة وأصبح لكل واحد منا راتب ينفقه كيفما يشاء ولم يطلب والدي يوما منا أن نساعده في مصروف المنزل بل كان يعطي دون حساب ومما أذكره له نشاطه غير العادي وتفانيه في خدمتنا ونحن صغارا وبعد أن كبرنا وأصبحنا قادرين على القيام بخدمة أنفسنا لم يكن يتحرج من أن يغسل لأحد إخوتي قميصا أو جوربا أو يعد لنا الإفطار أو العشاء أو يخرج ليشتري لنا كل طلباتنا مع وجود اخوتي في المنزل‏,‏ ولم يطلب من أحد منا أن يقضي له حاجة يوما‏,‏ وكان يعاملني أنا وأختي مثل أخوينا‏,‏ بل أفضل منهما وإذا أحس بأن أحدا منهما أغضبنا‏,‏ كان يأتي به أمامنا ويخبره بأننا لا نقل عنه في شيء بل إننا أفضل عند والدي منه لأننا نذاكر ونساعد والدتنا في أعمال المنزل‏,‏ أما هو فلا فائدة منه سوى لنفسه‏,‏ وهكذا نشأنا ونحن نشعر بأن لنا ‏(‏ ظهر‏)‏ يساندنا ويقف بجانبنا دائما ومما أذكره له رحمه الله حنانه الذي ليس له حدود ومدى انزعاجه إذا رأى واحدا منا يعاني نزلة برد أو عطس أمامه إذ ينهض منزعجا يسأله عما به ويبادره بالشاي والليمون والدواء

واتذكر انه كان اذا مرض أحد منا كان هو الذي يعطيه الدواء ولو في منتصف الليل ويضع بجواره ‏(‏ المنبه‏)‏ ليوقظه 
ويأتي ليعطيه الدواء لدرجة اننا كنا نضيق أحيانا بهذا الاهتمام‏,‏ ونضحك منه‏,‏ ولم نكن ندري كم كان يحبنا‏,‏ كنا نغضبه احيانا بتصرفات الشباب غير الناضجة ونتضايق من عقابه لنا فكان يأتي لنا ويصالحنا وكأنه هو المخطيء‏,‏ ولم نكن نقدر هذا له‏,‏ ولم يكن يفعل هذا معنا فقط بل مع الآخرين أيضا إذا أخطأ أحد الزملاء أو الأصدقاء أو الأقارب في حقه يثور ويغضب وفي اليوم التالي ينسي ما حدث بل ويكون على استعداد لتقديم الخدمات لهذا الشخص‏,‏ كان والدي رحمه الله طيب القلب لايحمل في قلبه ضغينة لأحد‏,‏ يقدم كل ما في وسعه لإسعاد الآخرين دون أن ينتظر منهم المقابل‏,‏ وكانت لي معه عدة مواقف لن أنساها ما حييت عندما كان يتقدم لخطبتي أحد الشباب الذي يراه الجميع مناسبا ولا أرتاح إليه فتثور أمي ويتعجب اخوتي فيكون هو الوحيد الذي يقول انها حياتها وهي حرة فيها أو يتساءل كيف تعيش مع انسان لا ترتاح إليه؟ انه نصيب ونصيبها لم يأت بعد ثم ينصحني بألا أتسرع في الحكم على الأشخاص الذين يتقدمون لي وأن أفكر جيدا لانه لن يفرض علي الارتباط بإنسان لا أريده حتي تعرفت على شاب على خلق ويناسبني في كل ناحية وحدثته هو وأمي بأن هذا الشاب يريد التقدم لخطبتي‏,‏ فرحب والدي وقال إنه سيراه ويسأل عنه واذا وجده مناسبا سيوافق عليه لأنه يتمني سعادتي أولا وأخيرا وتزوجته‏,‏ وكما فعل أبي معي في مسألة الزواج فعل مع أختي وأعترف لك يا سيدي بأنني لم أر فيه هذه الصفات إلا بعد أن تزوجت وابتعدت عنه وجدتني اشتاق إليه وإلي حنانه وعطفه ولمسة يده لكتفي وهو يربت عليه‏,‏ ولكن للأسف الشديد لم أستطع يوما أنا أو اخوتي أن نعبر له عن حبنا الشديد له وأن نشعره بحناننا  ورعايتنا له كما كان يفعل معنا‏,‏ لقد رحل والدي عنا دون كلمة وداع‏,‏ ودون أن يكون أحد منا بجواره وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة‏,‏ رحل بعد أن ودع أقاربنا جميعهم دون أن يودعنا نحن أبناؤه الذين نعمنا بخيره سنوات طويلة ومازلنا‏,‏ رحل دون أن يعرف كم كنا نحبه ونتمنى أن نقبل التراب الذي يمشي عليه وتوفي والدي ودفن دون أن نراه ونلقي عليه النظرة الأخيرة ولم يتبق لنا منه سوي ذكرياتنا معه وأمي التي أدعو الله أن يطيل عمرها ويقدرنا على أن نوفيها حقها ونظل في رعايتها وخدمتها ما حيينا‏,‏ والآن أعرف إنك تتساءل وماذا يهم القراء في هذه القصة؟ إنني أود أن أبعث إلى روح والدي رسالة حب وعرفان بالجميل وأن اقول انه لو عاد الزمن إلي الوراء لما انتقلنا من تحت قدميه هو وأمي نخدمهما ونسهر على راحتهما كما أود أن أبعث برسالة لكل شاب وفتاة‏,‏ لكل ابن وابنة قائلا قبل يد أبيك وأمك صباحا ومساءا وعبر لهما عن حبك بكل الطرق ولا تبخل عليهما بجزء مما وهباه لك طوال عمرك‏,‏ ولو استطعت أن تحملهما فوق رأسك ولا تدع قدميهما تلمس الأرض فافعل‏,‏ وافعل هذا وهما على قيد الحياة لتسعدهما لكيلا تندم على تقصيرك في حقهما بعد أن يرحلا دون عودة‏.‏

ولكاتبه هذه الرسالة أقول‏:‏
من المؤسف حقا أن يرحل عنا الاعزاء دون ان يعرفوا عمق ما تحمله لهم قلوبنا من محبة وإجلال واعتزاز‏,‏ ودون أن تواتينا نحن القدرة على أن نسعدهم في حياتهم بحبنا لهم ونبلغهم به بأحر الكلمات وأصدق المشاعر بدلا من الاستنامة الغافلة إلي توهم أنهم سيظلون في الجوار الي الأبد‏..‏ وأننا سنستطيع في غد أن نبلغهم بما نؤجل اليوم إعلانهم به‏..‏ او نتحرج منه‏..‏ أو نظنه حمقا وجهلا يتنافى مع نضج العمر وما بلغناه في الحياة من مراتب ودرجات‏.‏
مع اننا جميعا نحتاج كل يوم وربما كل ساعة لأن نذكر من نحبهم بحبنا لهم‏..‏ ولأن يذكرنا من يحبوننا بمشاعرهم تجاهنا‏..‏ لكي نستمد منها القدرة علي الاستمرار والإحساس بالرضا عن النفس والحياة ولقد ذكرتني رسالتك بما كتبه صادقا الأديب البرازيلي باولو كويلو حين قال‏:‏ عرض علينا الحب‏,‏ لكننا أدرنا ظهورنا له ببساطة اذ كم من مرة منعنا الخوف أو الحرج او الاستكبار أو الاستسلام للعادة من أن نقترب من شخص‏,‏ ونقول له إننا نحبك‏!‏

وليس هناك أسمى ولا أعمق او اخلد من الحب الذي عرضه علينا منذ اليوم الأول لمجيئنا للحياة أباؤنا وامهاتنا‏..‏ ولامن الحب الذي عرضناه نحن علي أبنائنا منذ بداية رحلتهم في الحياة‏.‏
فما أعجب إلا من عاجز عن التعبير عن حبه لأبويه أو ابنائه‏,‏ بالفعل والكلمات على السواء وما أعجب إلا من مؤجل لاعلان هذا الحب واسعاد الطرف الآخر به الي ما بعد فوات الأوان‏,‏ ان رسالتك يا سيدتي الشابة اعتذار جميل لابيك الراحل يرحمه الله وإقرار بفضله وإعلاء لكل ما كان يمثله في حياتكم وفي الحياة بصفة عامة من قيم انسانية واخلاقية وتربوية شريفة‏..‏ فشكرا لك عليها وارجو ان يتفكر فيها وفي معانيها جيدا كل الابناء‏!‏

*نشرت في 8 / 12 / 2000

   
نقلها من أرشيف جريدة الأهرام
رفيدة محمد إسماعيل

راجعها وأعدها للنشر
Neveen Ali



إقرأ المزيد Résuméabuiyad

 

سجل إميلك وتوصل بمواضيعنا :